علم الكلام الاستخلافي : محاوله فى علم الكلام الإسلامي المعاصر (1)
د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com

تمهيد: هذه الدراسه هى محاوله فى علم الكلام الإسلامي المعاصر، تنطلق من محاوله الربط بين
علم الكلام " علم أصول الدين" الاسلامى، ومفهوم الاستخلاف القرانى ،بأبعاده المتعددة الحكمية " الفلسفية " والمنهجية والمعرفية - مع التركيز على أبعاده الحكمية " الفلسفية" ، باعتبار ان علم الكلام هو فلسفه اسلامية ، اى احد قطاعاتها الرئيسية- لذا أطلقنا على هذه المحاوله اسم " علم الكلام الاستخلافي" .
تعريف علم الكلام:
ا/ تعدد اسمائه وعلم التوحيد كاسم مختار: تعددت أسماء هذا العلم تبعاً لتعدد الجهات المنظور إليه منها ، فأطلق عليه بالإضافة إلى علم الكلام، علم أصول الدين وعلم النظر والاستدلال، وسماه أبو حنيفة الفقه الأكبر. والاسم الذي نختاره هو علم التوحيد لأنه يشكل أحد المفاهيم القرآنية الكلية التي تفسر العلاقة بين محاور الوجود (الله تعالى، الإنسان، الكون) بالإضافة إلى مفهومي الاستخلاف والتسخير. يقول التهاوي )ويسمى بعلم النظر والاستدلال أيضاً ويسمى بعلم التوحيد والصفات( ) مجمع السلوك، ص20 (
ب/ الخلاف المنهجى بين علم الكلام والفلسفة ونقد لراى: ويذهب بعض الباحثين إلى أن هناك خلافاً منهجياً بين علم الكلام والفلسفة ،فالمتكلم يسلم أولا بفروض ميتافيزيقية، ثم يحاول إقامة الأدلة على صحتها. أما الفيلسوف فإنه لا يسلم فروض عند البداية، ثم يحاول التوصل إلى النتائج . غير أن هذا القول – فيما نرى- يضمر تصوراً غير صحيح للفلسفة، وهو وجوب أن لا تنطلق في البداية من الميتافيزيقا ،بينما أي مذهب فلسفي إنما ينطلق من فروض مسلم بها دون أن تكون قابلة للإثبات أو النفي بالتجربة والاختبار العلميين أي فروض ميتافيزيقية بهذا المعنى.
ج/ علم الكلام هو فلسفه اسلاميه: فعلم الكلام هو فلسفة إسلامية ، بمعنى أنه يتخذ العقائد الدينية التي جاء بها الإسلام كمسلمات أولى ينطلق منها كما يدل تعريفه ، وبالتالي فهو أحد قطاعات الفلسفة الإسلامية ، دون نفي الفلسفة الإسلامية التي وضعها الفلاسفة العرب والمسلمون " الكندي، الفارابي، ابن سينا"، والتي اختارت منهجاً مغايراً وهو الانطلاق من مقولات الفلسفة اليونانية، ثم محاولة تطويرها لتتلاءم مع العقيدة الإسلامية، لأن هؤلاء الفلاسفة عنو بالدفاع عن الدين الإسلامي في وجه عقائد ومذاهب وأديان اتخذت من الفلسفة والمنطق اليونانيين كأدوات للدفاع عنها، أي أنهم انطلقوا مما هو مسلم عند هذه العقائد والمذاهب "الفلسفة والمنطق اليونانيين" ، ليصلوا به إلى ما هو مسلم لديهم " الدين الإسلامي".
د/ الموقف الصحيح من علم الكلام الموقف التقويمى المتجاوز للرفض والقبول المطلقين: كما أن الموقف الصحيح من هذا العلم، ليس الرفض المطلق أو القبول المطلق ، بل الموقف التقويمي القائم على اخذ الاجتهادات الكلامية التى تتسق- اى لا تتناقض- مع أصول الدين النصية الثابتة ،التى مصدرها محاولة وضع حلول صحيحة للمشاكل التي طرحها علم الكلام، على أن تكون تلك الحلول محدودة بالقواعد اليقينية الورود القطعية الدلالة، التي وضعها الله تعالى للمعرفة الإنسانية ، وهذا الموقف هو الموقف الحقيقي للكثير من العلماء ومنهم الإمام ابن تيمية الذي يرى (جواز الاشتغال بعلم الكلام لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وإذا لم بقصد به الاستدلال بالأدلة الفاسدة أو تبني المقررات الباطلة)، حيث يقول (فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ "الجوهر" و" العرض" و" الجسم" وغير ذلك ، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات قد يكون فيها من الباطل المذموم في الأدلة والحكام ما نهى عنه،و لاشتمال هذه الألفاظ على معنى مجملة في النفي والإثبات... فإن عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات ،ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة ، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كل ذلك وهو الحق)، وبناء على هذا الموقف تحدث في كثير من المسائل الكلامية مثل العلاقة بين الوجود والموجود والقدر والجبر والاختيار والقدم بالنوع ، كما في الجزء الثالث من مجموعة فتاواه.
اصول الربط بين علم الكلام ومفهوم الاستخلاف:
تعريف مفهوم الاستخلاف: الاستخلاف لغة النيابة والوكالة (الفخر الرازي، التفسير الكبير ومفاتيح الغيب،ج26،ص199). وإذا كانت الوكالة نوعان: عامة وخاصة فان الاستخلاف ورد في القران بما يقابل هذين النوعين، فقد ورد بمعنى الوكالة العامة ، وطبقا للمعنى الحقيقي للمصطلح ،وهو هنا يعنى أبدال وتغيير قوم بقوم آخرين ، كما في الاستخلاف التكويني ، كما ورد بمعنى الوكالة الخاصة، وطبقا للمعنى المجازى للمصطلح، حيث يصور القران الكريم الوجود بمملكة ملكها الله تعالى ، والإنسان نائب ووكيل عنه في الأرض،تكريما للإنسان، وهو الاستخلاف التكليفى ، يقول الراغب الأصفهاني (الخلافه النيابة عن الغير إما لغيبه المنوب عنه... وإما لتشريف المستخلف)( المفردات في غريب القران ، ص 156 ).
البعد الحكمي"الفلسفى" لمفهوم الاستخلاف: ويتمثل البعد الحكمي "الفلسفى" لمفهوم الاستخلاف ، في حكمه الاستخلاف ، التي تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام” الله تعالى” ، والمستخلف بفتح اللام”الإنسان” ،والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنية الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية” لهذه المفاهيم الكلية، متخذه من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم العقدية “الكلامية ” المتعددة – نقطة بداية- وليس نقطة نهاية – لهذا الاجتهاد.
البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف : كما يتمثل البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى .
الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني ولا يلغيه.
البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف : ويتمثل البعد المذهبي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمذهب “اى كمجموعة من الحلول للمشاكل التي يطرحها الواقع المعين”. وهذا البعد يتضمن الاجتهاد في بيان شروط الاستخلاف الاجتهادية المقيدة ، اى شروط استخلاف الأمة في مكان معين " الامه العربية المسلمة بشعوبها المتعددة "، وزمان معين "الحاضر"(وتتضمن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة الاصالة والمعاصرة" التجديد"، المتسقة مع أصول الدين النصية الثابتة). وهذا الاجتهاد محدود بشروط الاستخلاف النصية المطلقة ، اى شروط استخلاف الأمة في كل مكان " كل أمم وشعوب أمه التكليف"، و كل زمان" ماضي وحاضر ومستقبل الامه " ، والتي تولى بيانها النص بيانها ، وتتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
ثانيا: ضوابط الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف:
ا/الاجتهادات الكلاميه لاهل السنه نقطه بداية - وليست نقطه نهايه - لاى اجتهاد كلامى : اتخاذ اجتهادات أهل السنة الكلامية- المتعددة بتعدد مذاهبها الاعتقاديه - نقطة بداية - وليس نقطة نهاية –لاى اجتهاد كلامى، باعتبارها تجسيدا لماضي الأمة وخبرتها .
ب/تطبيق مفهوم الوسطية: الالتزام بمفهوم الوسطية ، وطبقا لضوابطه الشرعية ، و الوسط منهجيا هو الموقف القائم على: رفض الوقوف إلي أحد الطرفين المتناقضين " من جهة النفي "، وعلى الجمع والتأليف بينهما على وجه يلغى هذا التناقض"من جهه الاثبات" . وقد وردت الاشاره إلى المفهوم فى العديد من النصوص كما فى قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ (البقرة:143)،كما أشار العلماء إلى المفهوم يقول ابن القيم ( ... ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين) (مدارج السالكين:2/ 496).
ثالثا: تطبيقات الربط بين الفقه ومفهوم الاستخلاف " الفقه الاستخلافى" :
القضاء والقدر:
الفهم الصحيح للقضاء والقدر لا يلزم منه الجبر: القضاء والقدر يتعلقان بظهور فعل الله تعالى المطلق " الربوبية " في عالم الشهادة من جهة الإيجاد ، اى ظهور صفه الايجاد فيه . فالقضاء يدل على فعله المطلق من جهه الالزام " الحتمية" ، اى وجوب نفاذ فعله المطلق، يقول تعالى ( ...وكان امر مقضيا ) و(كان على ربك حتما مقضيا ) ، ورد في القاموس المحيط (القضاء: الصنع والحتم والبيان) .أما القدر فيدل على فعل الله المطلق من جهه التحقق ، ولما كان ظهور فعله المطلق تعالى في عالم الشهادة يتم من خلاله السببية، اى تحققه بتحقق السبب وتخلفه بتخلف السبب، فان الله تعالى لا يجعل فعله المطلق يتحقق ، إلا عندما يوفر أسباب " شروط" تحققه، وهو معنى القدر في الاستعمال القرانى (انا كل شئ خلقناه بقدر )(القمر : 49) . على هذا فان كون الفعل المطلق لله تعالى لازم النفاذ " القضاء" او تحققه في عالم الشهادة " القدر" لا يترتب عليه ان الانسان مجبور على فعله .
صفتا العلم والإرادة الالهيين والفعل الانسانى :
وقال بعض العلماء القضاء والقدر هما العلم والإرادة الالهيين ، ونرى انهما مرتبطان بهما لذا وجب تناولهما
أولا: الإرادة الالهيه والفعل الإنساني :
للاراده الالهيه شكلين : قرر الكثير من العلماء ان للاإرادة الالهيه شكلين :الأول تكويني والثاني تكليفي، ومن هؤلاء العلماء ابن تيمية وابن القيم ،والامام الشوكاني القائل (وكما وقع الاشتباه بين هذين القسمين ،وقع الاشتباه بين شيئين آخرين ،وان كانا خارجين عما نحن بصدده، وهو الفرق بين الارادة الكونية والارادة الدينية ، وبين الأمر الكونى والأمر الديني ،وبين الإذن الكوني والإذن الديني ،وبين القضاء الكوني والقضاء الديني ... فالإرادة الكونية والأمر الكوني هي مشيئته لما خلق من جميع مخلوقاته... والإرادة الدينية هي محبته المتناولة لجميع ما أمر به وجعله شرعا) .
شكلا الاراده الالهيه لا يلزم منهما الجبر:
الإرادة التكليفية : وتظهر من خلال القواعد الأمر والناهية التي اوجب الله تعالى على الإنسان التزامها في شرعه وهى بالتالى لا جبر فيها.
الارادة التكوينية :وتظهر فى السنن الالهيه التى تحكم حركة الوجود بما فيه الفعل الانسانى، وهى أيضا لا يترتب عليها إجبار الإنسان على فعله او الغائه ، إذ أن هذه السنن هي شرط للإرادة الانسانيه، اى يتوقف عليها نجاح الفعل او فشله ، وللانسان ان يحترم حتميتها فينجح في تحقيق ما يريد، أو لا يحترم حتميتها فيفشل.
التميز بين الارادة والرضا: وتاكيدا لان الارادة الإلهية لا يلزم عنها إجبار الإنسان على فعله، كان التمييز بين الإرادة والرضا ،فالله تعالى أودع فى الإنسان القدرة على التزام إرادة الله التكوينية والتكليفية فينال بذلك رضا الله ( رضي الله عنهم ورضوا عنه )، كما أودع فيه القدرة على مخالفة إرادته فيوجب ذلك غضب الله (.. وغضب الله عليهم )ـ يقول ابن تيميه (وجمهور أهل السنة مع جميع الطوائف وكثيرون من أصحاب الاشعرى يفرقون بين الإرادة والمحبة والرضا ، فيقولون انه وان كان يريد المعاصي لا يحبها ولا يرضاها بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها، وهؤلاء يفرقون بين مشيئة الله ومحبته ) (رسالة التوحيد، ص 50)
لا يجوز نسبة المعاصى لله تعالى: وعلى هذا لا يجوز نسبة المعاصي إلى الله تعالى ،لان هذا يعني انه أجبر الإنسان على فعلها قال تعالى (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) (النساء: 79) وقال " أوكلما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى لنا هذا قل هو من عند أنفسكم " (ال عمران 165) وقال ص فى دعاء الاستفتاح فى صحيح مسلم ( ... والخير بيدك والشر ليس إليك... ) .ويقول ابن تيمية (... فان لم يكن العبد فاعلا لكذبه وظلمه، بل الله فاعل لزم ان يكون الله ظالم) (مجموعة الرسائل والمسائل،ج5،ص143)
العلم الالهى والفعل الإنساني : ومن صفاته تعالى العلم، وعلمه تعالى مطلق كسائر صفاته ( ان الله يعلم ما فى السموات والأرض )، وعلى هذا فان كل فعل يقوم به الإنسان فى علم الله المطلق،غير ان علم الله المطلق بالفعل الإنساني لا يعني إجبار الإنسان عليه، إذ ان الله تعالى يعلم به الإنسان سيقوم بالفعل المعين بما أودع فيه من حرية الارادة، وعلى مقتضى الأسباب التى وضعها تعالى لحدوث الفعل، يقول الشوكانى ( فاحمل أحاديث الفراغ من الفضاء على تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وليس في خلاف ذلك لما وقع فى الأزل، ولا مخالفة لما تقدم العلم به ، بل هو من تقييد المسببات بأسبابها) ( الشوكانى،مرجع سابق،ص493). وهنا نرى أن من حكم اختصاصه تعالى وحده بعلم الغيب و خاصة المستقبل إرادته تعالى الاحتفاظ للإنسان بحرية الارادة قال تعالى ( وما تدري نفس ما تكسب غدا وما تدرى نفس بأى ارض تموت ) . كما ان علمه تعالى بالحدث المعين ليس سابق ولا لاحق ، لان السابق واللاحق هو علم كيفي محدود بالزمان والمكان ، بينما علمه تعالى هو علم بالماهية اى بعين الحدث، بدون ان يكون مقيدا بالزمان والمكان .
التوفيق والخزلان :وهكذا فان الله تعالى هو خالق فعل الإنسان ، من جهة السنن التى يتعلق نجاح الفعل او فشله عليها، والتي هي ظهور تكويني لصفة الخلق. والإنسان كاسب فعله من جهة معرفته حتمية هذه السنن تم التزامها، اى معرفة سبب تحقق السنة الإلهية ، ثم التزامها لينجح في تحقيق على ما يريد على مقتضى هذه السنة ، غير ان الإنسان ذو علم وإرادة محدودين كسائر صفاته (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )( الإسراء: 85) ، بينما الله تعالى ذو علم وإرادة مطلقتين كسائر صفاته ، وعلى هذا فإنه تعالى بعلمه وإرادته المطلقتين ، إنما هو الذي يوفق الإنسان ذو العلم والإرادة المحدودتين ، إلى معرفة وإلزام السنن الإلهية فينجح فى تحقيق فعله، أو يخذله عن معرفتها والتزامها فيفشل في فعله، يقول الشيخ محمد وفاء درويش (ان التوفيق عناية خاصة يتولى بها رب العباد بعض عباده فضلا منه، فيجعل أعمال هذا العبد موافقة لأسباب ظاهرة بالحيز الذى يجهل طرقه ، أما الخذلان فهو ان يترك الله العبد لاجتهاد وما منحه من المواهب العامة ، فلا يمنحه شيئا من العناية الخاصة التى منحها من كتب له التوفيق )( محاضرة في القضاء والقدر، مصر ،1964 ، ص10 ) . فالتوفيق والخذلان هما التصور الإسلامي البديل لمفاهيم الصدفة والحظ ، وهو تصور لا يتضمن إلغاء العلم والإرادة الانساتين، بل تحديد لهما لضمان استمراريتهما .

الرؤية:
المعتزلة : رأى المعتزلة - اتساقا مع موقفهم المتطرف فى التنزيه - نفى رؤية الله تعالى فى الدنيا ، وهناك من يرى أنهم نفوا رؤية الله بالأبصار.
تقويم: لا خلاف فى ان الإنسان لا يمكنه ان يشهد الله تعالى فى الحياة الدنيا لان له الوجود المطلق، والوعي الانسانى " إحساسا وإدراكا وتصورا " لا يشهد إلا المحدود بالزمان والمكان،وبالتالي اذا أمكن شهوده فقد صار محدودا وهذا هو احد أركان التنزيه .غير ان الأمر يختلف فى الآخرة حيث يتبدل الوجود الحالي، بوجود جديد لا تستلزم المحدودية فى المكان اى الجهة والجسم.
الكرامية : ذهبوا إلى إثبات الرؤية سواء استلزمت الجهة ام لا (شرح التفتزانى،ص94).
تقويم: وهذا الموقف قائم على التشبيه ، ورغم تناقضه مع الموقف السابق، الا انه يتفق معه فى الانطلاق من افتراض خاطئ مضمونه ان ما يرى لا بد ان يكون محدودا، وقد تسرب هذا الموقف إلى أراء بعض أهل السنة
الاشاعره : ذهب الأشعري إلى جواز رؤية الله ، فعنده ان كل موجود يرى، والله موجود، فيصح ان يرى، قال الشهرستاني ( ومن مذهب الاشعرى ان كل موجود يصح ان يرى فان الصحيح للرؤية انما هو الموجود والباري موجود فيصح أن يرى)( الملل والنحل، ج1، ص131)، وقد استند إلى آيات مثل قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )ـ ووفق بينها وبين الآية ( لا تدركه الابصار ) بان هذه فى الدنيا. كما ان الأشعري قال برؤية الله على وجه يبرى ساحة الله عن مشابهة الحوادث،فرؤيته تخالف الرؤية الحاصلة بين الحوادث
المذهب المرجح: إذا كانت الحياة الدنيا قائمه على ظهور صفاته تعالى" اى مادل على وجوده المطلق"، فان الحياة الآخرة قائمة على ظهورذاته"اى عين وجوده المطلق " . غير ان هذا الظهور الذاتى الذى عبر عنه القران بمصطلح التجلى- (بالنسبة للناس ) ليس شاملا لجميعهم، فمن أظهر صفات ربوبيته وألوهيته فى الأرض- وهو مضمون الاستخلاف- كان له نصيب من هذا الظهور بمقدار ما اظهر، وهو ما اسماه أهل السنة رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة ، يقول البغدادي (وأجمع أهل السنة على ان الله تعالى يكون مرئيا للمؤمنين فى الآخرة ، وقال بجواز رؤيته فى كل حال ، ولكل حي من طريق العقل ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر وهذا خلاف قول من أحال رؤيته من القدرية والجهميه ) (الفرق بين الفرق،ص 324) . غير أن هذا الظهورالذاتى والشهود الذاتى لا يستلزم المحدودية فى المكان والجهة ، والابصار بالحواس، لان هذا الوجود الجديد القائم على الظهور الذاتى مطلق عن المحدودية بالمكان والزمان .