أورد رسالة العلامة الغرسي الخاصة بموضوعنا , حيث حقق المسألة أيما تحقيق وكفانا مؤونة البحث والتمحيص :

يقول الغرسي :


((تحقيق مسألة كلام الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

افترق المسلمون في مسألة كلام الله تعالى هل هو قديم أو مخلوق، وإذا كان قديماً فما هو حقيقته إلى مذاهب شتى نبينها فيما يلي:

1- (إجمال المذاهب في مسألة خلق القرآن).

أجمع أهل السنة سلفهم وخلفهم على أن كلام الله تعالى وصف قديم قائم بذاته تعالى.

وذهبت المعتزلة إلى أن كلام الله تعالى مخلوق، وأنه ليس بقائم بذاته تعالى، وقالوا: إن كلام الله تعالى مؤلف من أصوات وحروف مترتبة، وهو قائم بغيره تعالى، وأن معنى كونه متكلماً كونه موجداً لتلك الحروف والأصوات في جسم كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي أو غيرها كشجرة موسى عليه الصلاة والسلام، فأثبتوا لله تعالىالكلام اللفظي فقط، ونفوا عنه الكلام النفسي، كما نفوا قيام الكلام بذاته تعالى، ومذهبهم هذا مردود بأمور:

منها، أنه مخالف للغة فأن الله تعالى وصف نفسه في كتابه بالكلام، ووصفه أنبيائه بكونه متكلماً والمتكلم في اللغة من قام به الكلام لا من أوجد الكلام في غيره كما أن العالم والضارب من قام به العلم والضرب لا من أوجد العلم والضرب في غيره.

ومنها: أن الله تعالى آمر ناه مخبر والأمر والنهي والإخبار من أنواع الكلام، والآمر الناهي المخبر من قام به الأمر والنهي والخبر، فقام الكلام بذاته تعالى وما قام به تعالى قديم فكلام الله تعالى قديم.

ومنها: أن هذا المذهب مستلزم للتسلسل، وقد أوضحه الإمام البيهقي في كتابه “ الأسماء والصفات “ ( 226 ) بقوله: قال الله تعالى: (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) فوكد القول بالتكرار، ووكد المعنى بإنما، وأخبر أنه إذا أراد خلق شيء قال له: كن، ولو كان قوله: (كن) مخلوقاً لتعلق بقول آخر، وكذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا يتناهى، وذلك يوجب استحالة القول، وذلك محال. فوجب أن يكون القول آمرا أزليا متعلقا بالمكون فيما لا يزال، فلا يكون لا يزال إلا وهو كائن على مقتضى تعلق الأمر به، وهذا كما أن الأمر من جهة صاحب الشرع متعلق الآن بصلاة غد، وغد غير موجود، ومتعلق بمن لم يخلق من المكلفين إلى يوم القيامة، وبعدُ لم يوجد بعضهم، إلا أن تعلقه بها وبهم على الشرط الذي يصح فيما بعد، كذلك قوله تعالى في التكوين، والله أعلم. انتهى.

وذهبت الكرامية إلى أن كلامه تعالى صفة له مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة. وقائمة بذاته تعالى، فجوزوا قيام الحوادث بذاته تعالى، وهذا المذهب مردود بدليل امتناع قيام الحوادث بذات الله تعالى.

فالكلام على هذين المذهبين القائلين بحدوثه عبارة عن الأصوات والحروف والكلمات اللفظية.

هذا هو الخلاف الإجمالي بين الفرق الإسلامية في مسألة الكلام.

وقد اختلف أهل السنة في أن كلام الله القديم القائم بذاته تعالى ما هو إلى مذاهب شتى ونبين هذه المذاهب فيما بعد إن شاء الله تعالى.

2-{نظرة إلى مسألة خلق القرآن من الجهة التاريخية}

وقبل ذلك نريد أن نتعرض للمسألة من الجهة التاريخية، متى نشأت؟ وممن؟ وكيف تطورت وصارت مدار للصراع العنيف بين الفرق الإسلامية؟ كما صارت أحد أسباب الجرح والتعديل بين المحدثين، فنقول وبالله التوفيق:

مسألة خلق القرآن لم تكن معروفة على عهد الصحابة رضوان تعالى عليهم أجمعين، وإنما حدثت بعد انقضاء عصرهم.

قال البيهقي في “ الأسماء والصفات “ ( 244 ) قال أبو أحمد بن عدي الحافظ: لا يعرف للصحابة رضي الله تعالى عنهم الخوض في القرآن، قلت: إنما أراد به أنه لم يقع في الصدر الأول ولا الثاني من يزعم: أن القرآن مخلوق، حتى يحتاج إلى إنكاره، فلا يثبت عنهم شيء بهذا اللفظ الذي روينا (يعني أن كلام الله غير مخلوق).

3-{أول من بخلق القرآن الجعد بن درهم، وأول من قال: القرآن غير مخلوق الإمام جعفر الصادق}

أما أول من قال بخلق القرآن فهو الجعد بن درهم، وتابعه عليهم جهم بن صفوان، ثم بشر المريسي، ثم سائر المعتزلة.

وأول من حفظ أنه قال: القرآن غير مخلوق هو الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر، وتابعه عليه علماء الأمصار.

قال البيهقي ( 253 ) أخبرنا محمد بن عبد الحافظ قال سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت محمد بن علي المشيخاني يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، عليه أدركنا علماء الحجاز أهل مكة والمدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وأهل الشام ومصر، و علماء أهل خراسان.

ثم قال البيهقي ( 254 ): وحدثني أبو جعفر محمد بن عبد الله قال حدثني محمد بن قدامة الدلال الأنصاري: قال سمعت وكيعاً يقول: لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق، فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل.

قلت (القائل هو البيهقي): وقد روينا نحو هذا عن جماعة آخرين من فقهاء الأمصار وعلمائهم رضي الله تعالى عنهم،ولم يصح عندنا خلاف هذا القول عن أحد من الناس في زمن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وأول من خالف الجماعة في ذلك الجعد بن درهم، فأنكر عليه خالد بن عبد الله القسري وقتله (بواسط).

وقال البيهقي ( 247 ): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرني أحمد بن محمد ابن عبدوس: قال: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سمعت علياً –يعني ابن المديني- يقول في حديث جعفر بن محمد: ليس القرآن بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله تعالى: قال علي: لا أعلم أنه تكلم بهذا الكلام في زمان أقدم من هذا، قال علي: هو كفر، قال أبو سعيد: يعني من قال: القرآن مخلوق فهو كافر.

قال الكوثري في تأنيب الخطيب ( 106-107-108 ): قال ابن أبي حاتم في كتاب “ الرد على الجهمية “ سمعت أبي يقول: أول من أتى بخلق القرآن الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة، ثم جهم بن صفوان ثم بعدهما بشر بن غياث (المريسي) وقال اللالكائي في “ شرح السنة “ : ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق، الجعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة، انتهى.

وألقي القبض على جعد في سنة 128 هـ، وكان قتله أيضاً في تلك السنة على ما يذكره ابن جرير.

ولم يحل قتل جعد دون شيوع رأيه في القرآن، فافتتن به أناس وشايعه مشايعون، ونافره منافرون، فحصلت الحيدة عن العدل إلى إفراط وإلى تفريط من غير معرفة كثير منهم لمغزى هذا المبتدع، أناس جاروه في نفي الكلام النفسي، وأناس قالوا في معاكسته: بقدم الكلام اللفظي.

ولما رئي أبو حنيفة ذلك تدارك الأمر وأبان الحق، فقال:

ما قام بالله غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق.

يريد أن كلام الله باعتبار قيامه بالله صفة له كباقي صفاته في القدم.

وأما ما في ألسنة التالين وأذهان الحفاظ والمصاحف من الأصوات والصور الذهنية والنقوش فمخلوقة كخلق حاملها، فاستقرت آراء أهل العلم والفهم على ذلك بعده، انتهى كلام الكوثري.

(مسألة اللفظ)

وهكذا مضى السلف على القول بأن القرآن غير مخلوق، وعلى تبديع أو تكفير من قال بخلق القرآن، وكان ذلك منهم بدون بحث وتنقيب عن الأشياء الغامضة في المسألة، وبدون تشقيق لها على طريقة علماء الكلام. قال الإمام البخاري في كتابه “ خلق أفعال العباد “ (62).

المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم،وبينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. انتهى.

وهكذا مضى السلف على القول بأن القرآن غير مخلوق، ولم ينقل عن أحد منهم أنه فرق بين المتلو والتلاوة، وقال بأن المتلو قديم والتلاوة حادثة إلا ما نقل عن أبي حنيفة رضي الله عنه من الإشارة إلى ذلك بقوله: (ما قام بالله تعالى غير مخلوق، وما قام بالخلق مخلوق)، وهو كلام يستحق أن يكتب بماء الذهب.

4-{أول من قال: لفظي بالقرآن مخلوق الحسين بن علي الكرابيسي}

واستمر الحال على ذلك إلى أن جاء الحسين بن علي الكرابيسي، وكان –كما قال تاج الدين السبكي في (طبقات الشافعية ( 2/118-119 ) من متكلمي أهل السنة أستاذاً في علم الكلام، كما هو أستاذ في الحديث والفقه، وله كتاب في المقالات هو عمدة من أتى بعده في معرفة الفرق الإسلامية.

وقال الذهبي في “ سير أعلام النبلاء “ ( 12/80-82 ) وكان الكرابيسي من بحور العلم ذكياً فطناً فصيحاً لسنا، تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره.

فأظهر الكرابيس مسألة اللفظ، وفرق بين المتلو والتلاوة، وقال: لفظي بالقرآن مخلوق، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ( 18/84 ): وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وكان ذلك في سنة أربع وثلاثين ومائتين. انتهى.

وتابع الكرابيسي في مقالته هذه كثير من الأئمة: عبد الله بن كلاب، وأبو ثور، وداود بن علي و طبقاتهم، قاله ابن عبد البر في الانتفاء ( 106 )، وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية ( 2/118-119 ): ومقالة الحسين هذه قد نقل مثلها عن البخاري والحارث بن أسد المحاسبي، ومحمد بن نصر المَرْوَزي وغيرهم.

فلما بلغت مقالة الكرابيسي هذه الإمام أحمد أنكرها وهجره من أجل ذلك، فكان كل واحد منهما يتكلم في الآخر، فتجنب الناس أخذ الحديث عن الكرابيسي لهذا السبب، فعز حديثه.

قال الذهبي في السير ( 12/81-82 ) قال الحسين في القرآن: لفظي به مخلوق، فبلغ قوله أحمد فأنكره، وقال: هذه بدعة، فأوضح حسين المسألة، وقال: تلفظك بالقرآن يعني غيرَ الملفوظ، وقال في أحمد: أي شيء نعمل بهذا الفتى؟ إن قلنا مخلوق قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، فغضب لأحمد أصحابه ونالوا من الحسين، وقال أحمد إنما بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها، وتركوا الآثار.

قال ابن عدي: سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لتلامذته: اعتبروا بالكرابيسي وأبو ثور، فالحسين في علمه وحفظه لا يعشره أبو ثور فتكلم فيه أحمد بن حنبل في باب مسألة اللفظ فسقط، وأثنى على أبي ثور فارتفع للزومه السنة.

مات الكرابيسي سنة ثمان وأربعين، وقيل: خمس وأربعين ومائتين.

ثم قال الذهبي: ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة اللفظ، وأنه مخلوق هو حق لكن أباه الإمام أحمد لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، فسد الباب لأنك لا تقدر أن تفرز اللفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله إلا في ذهنك. أقول: الفرق بينهما ليس ذهنيا فقط لأن ما قام بالله تعالى أمر مغاير في الخارج لما قام بالإنسان من اللفظ

وقال الذهبي أيضاً في السير ( 11/288-290 ):

قلت: الذي استقر عليه الحال أن أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، فكان رحمه الله لا يقول هذا ولا هذا.

وربما أوضح ذلك فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي، قال البيهقي في الأسماء والصفات ( 266 ): هذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله وهو قوله: يريد به القرآن، فقد غفل عنه غيره ممن حكي عنه في اللفظ خلاف ما حكيناه، حتى نسب إليه ما يتبرأ منه فيما ذكرناه.

ثم قال الذهبي: فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفاً من أن يتذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى ...

ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه، فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواتها المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن ولا ترتيبه، ولا تأليفه ولا معانيه.

فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم ولم يأت به كتاب ولا سنة، بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. وقال في تاريخ الإسلام ( 18/86 ): اللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا أي بين الملفوظ الذي هو كلام الله والتلفظ الذي هو كسب القارئ –ولذا لم يجوز الإمام أحمد لفظي بالقرآن مخلوق ولا غيرمخلوق إذ كل من الإطلاقين موهم.

وقال تاج الدين السبكي في الطبقات ( 2/118-119 ):

والذي عندنا أن أحمد رضي الله عنه أشار بقوله هذه بدعة إلى الجواب عن مسألة اللفظ، إذ ليس مما يعني المرء، وخوض المرء فيما لا يعنيه من علم الكلام بدعة، فكان السكوت عن الكلام فيه أجمل وأولى، ولا يظن بأحمد أنه يدعي أن اللفظ الخارج من الشفتين قديم .. ثم قال:

وبما قال أحمد نقول، فنقول: الصواب عدم الكلام في المسألة رأساً ما لم تدع إلى الكلام حاجة ماسة.

وأما البخاري فكان يرى ما ذهب إليه الكرابيسي من غير أن يصرح به بل كان يشير إليه بقوله: أفعال العباد مخلوقة، وكان ذلك منه خوفاً من الرأي العام عند المحدثين المنكرين على من يتكلم بمثل هذا الكلام.

وقال الذهبي في السير ( 11/510 ): وأما البخاري فكان من كبار الأذكياء فقال: ما قلت: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق، وصنف في ذلك كتاب “ أفعال العباد “ مجلد، فأنكر عليه طائفة وما فهموا مرامه كالذهلي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبو بكر الأعين وغيرهم، ومثل ما قاله الذهبي مما نقلناه عنه هنا قال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات، انظر ( 260-266 ).

وأما الإمام مسلم بن الحجاج فكان يظهر هذا القول ولا يكتمه (انظر سير أعلام النبلاء 12/572 ).


يتبع كلام الغرسي....