صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 21

الموضوع: هل كلام الله عبارة عن المعنى واللفظ القديمين القائمين بذات الله؟

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. هل كلام الله عبارة عن المعنى واللفظ القديمين القائمين بذات الله؟

    السلام عليكم ورحمة الله ، أما بعد فيشرفني الاشتراك بهذا المنتدى بمن فيه من علماء وأساتذة وطلبة علم وعلى رأسهم الأستاذ المتكلم سعيد فودة أسعده في الدنيا والآخرة وبلغه رضاه وجعله من زمرة أحبابه وخاصته ، إخوتي الأكارم كموضوع أول أردت طرحه أحببت أن أورد بعض الإشكالات المتعلقة بكلام المولى جل جلاله والتي كانت تراودني كثيرا فما أجد من يشفي غليلي في الإجابة عليها ، فقلت لنفسي : كيف غاب عني منتدى الأصلين منتدى فحول العقيدة وعلم الكلام ، فاشتركت فيه منذ يومين والحمد لله ، وهاأنذا ألج في صلب الموضوع بادئا بسم الله الرحمن الرحيم :

    يقول العلامة المحقق التركي محمد بن صالح الغرسي في كتابه "منهج الأشاعرة بين الحقيقة والأوهام" :
    ((ذهب فريق من الأشاعرة إلى قدم الكلام اللفظي وقيامه بالله تعالى كالكلام المعنوي ، وأجابوا عن شبهة الجمهور والمعتزلة بالترتيب والتقدم والتأخر والابتداء والانقضاء بأن هذا قياس منهم للغائب على الشاهد ومن المقرر أنه غير مقبول ، فإن الترتيب المذكور إنما هو في كلام المخلوق لعدم مساعدة الآلة ، وأما كلام الله تعالى فهو اللفظ مع المعنى ، وهو لفظ نفسي كالمعنى قائم بذاته تعالى بترتيب وتقدم وتأخر ذاتي لا زماني ، وبدون ابتداء وانقضاء وبدون صوت ، ومما يحاكي ذلك محاكاة بعيدة وجود الألفاظ في نفس الحافظ فإن جميع الحروف بهيئاتها التأليفية محفوظة في نفسه مجتمعة الوجود فيها ، وليس وجود بعضها مشروطا بانقضاء البعض وانعدامه في نفسه ، فبطل مايتوهم من أنه إذا لم يكن ترتيب لا يبقى فرق بين ملع ولمع ونظائرهما .
    وممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام عبد الكريم الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام ، والقاضي عضد الدين الإيجي في مقالة له أوردها السيد الشريف في شرح المواقف ، والسعد التفتازاني ، والسيد الشريف الجرجاني .
    وقد علق السعد القول به على إمكان تصور وجود الألفاظ بدون ترتيب ، وقد بينا إمكانه ، وقد كان شيخنا المحقق الكبير الشيخ محمد العربكندي يؤيد هذا المذهب ويذهب إليه وهو المختار عندنا .))
    وقال في موضع آخر من الكتاب نفسه في معرض حديثه عن مذهب السادة الأشاعرة والماتريدية في كلام الله : (( وبه يتبين أنهم أثبتوا لله تعالى نوعين من الكلام :
    الأول : الكلام المعنوي النفسي ، وقد اتفقوا على قدمه وقيامه بالله تعالى
    والثاني : الكلام اللفظي ، وقد اختلفوا فيه ، فذهب فريق من المحققين منهم إلى قدمه أيضا وقالوا : إن كلام الله تعالى عبارة عن اللفظ والمعنى القديمين القائمين بالله تعالى ، وذهب جمهورهم إلى حدوث الكلام اللفظي بمعنى أن الله تعالى تفرد بخلقه بدون كسب لأحد فيه وهو كلام الله على الحقيقة دون المجاز ، ولم يذهب أحد منهم إلى ما ذهب إليه جمهور الحنابلة من أن كلام الله تعالى عبارة عن الحروف والأصوات ، قالوا : لأنه من البديهي أن ذلك يقتضي الترتيب والتعاقب المقتضي للحدوث ، وكلام الله تعالى منزه عن الحدوث باتفاق منا ومنهم .))
    وبعد هذه النقول لدي بعض النقاط التي أشكلت علي وألتمس أجوبتها منكم سادتي أرباب العلم :
    ●الغرسي كما نقل عن أهل التحقيق وكبار علماء الكلام أن كلام المولى جل وعلا عبارة عن اللفظ والمعنى القديمين القائمين بذات الله ، وهذا خلاف ماعليه جمهور أهل السنة الأشاعرة ، فهل هذا الخلاف كباقي أنواع الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية والتي لا تقتضي تفسيقا ولا تضليلا فضلا عن التكفير ؟
    ●ألا يقتضي قدم اللفظ والمعنى وقيامهما بذات الباري جل وعلا نفي الوحدانية عن صفة الكلام وتحقق الكم المتصل ؟
    ●هل من إضافات لديكم بخصوص هذا الأمر

    ولكم خالص الود والاحترام

  2. #2
    حسبنا الله و نعم الوكيل ..
    " تفكَّرُوا في الخَلْقِ و لا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فإِنَّكُم لا تقدرونَهُ " . أو كما قال عليه الصلاةُ و السلام .
    كلام الله عزَّ و جلّ صفةٌ لهُ بلا كيف .. ليس نُطقاً و لا لفظاً .. و ما حمل بعضَ الناس على ذكر اللفظ هو الغلط في فهم مقصود بعض أكابر المتقدّمين عن كلام الله بقولهم :" هو معنىً قديمٌ قائمٌ بذاتِهِ تعالى واجِبٌ لهُ ، أي هو صفَةٌ لهُ بلا كيف " فقاسوها على المعنى الذهنيّ عند الناطقين فمن هنا بدأ الخلطُ و الإلتباس .. فانزلق بعض من جاء بعدهم بتكلّف أبحاث اللفظ و التلفُّظ ... فإيّاكُم و التفكّر في ذات الله عزّ وَ جلّ ، فلا يعرِفُ الله على الحقيقة إلاّ الله .. سبحانه و تعالى ..

    و تعبير الأكابر عن الكلام الإلهيّ بهذه الطريقة ككلامهم عن السمع يقولون هو معنى قائمٌ بذات الله أي صفة واجبةٌ لهُ بلا كيف ، و بصرُهُ هو معنىً قائمٌ بذاتِهِ أي صفةٌ ثابِتَةٌ لهُ بلا كيف ، وَ قُدرَتُهُ كذلك وَ علمُهُ كذلك ، وَ هو سبحانَهُ واحِدٌ أَحَدٌ بذاتِهِ و صفاتِهِ ، وَ إنْ اختلف تعلّقُ الصفات ... فلا نصيب للمهتدين من معرفة الذات الأقدس إلاّ حيرة الهُدى الأبَديّة مع الإثبات و التنزيه ، وَ لا حظّ للضالّين إلاّ حيرة الضلالة مع الإنكار و التشبيه ...
    { يعلَمُ ما بينَ أيديهِم وَ ما خلْفَهُم وَ لا يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً } ..
    وَ ذا إيوانُ الإستغناءِ عالِ *** فَإيّاكُم وَ طَمَعاً في الوِصالِ
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  3. جزاكم الله خيرا ، ولكن للإيضاح أكثر فقد علق الغرسي على شرح الباجوري لهذا البيت من الجوهرة (فكل نص للحدوث دلا * احمل على اللفظ الذي قد دلا) وذلك عند قول الباجوري
    : "والحاصل أن كل ظاهر من الكتاب والسنة دل على حدوث القرآن فهو محمول على اللفظ المقروء لا على الكلام النفسي "
    فكان تعليق الغرسي كالتالي :
    ((بل التحقيق أنه محمول على التلفظ الذي هو من فعل القارئ وعلى أصواته وحروفه التي يحدثها كما قال المحققون من السلف : لفظي بالقرآن مخلوق . وتحرج كثير من السلف عن هذا التعبير ، وأنكره بعضهم على الذين أطلقوه لإيهامه حدوث لفظ القرآن ، ولم يقل أحد من السلف إن لفظ القرآن مخلوق بل هذا مذهب المعتزلة . وراجع رسالتنا في تحقيق مسألة خلق القرآن))
    ●إذا الغرسي ينسب القول بقدم اللفظ للسلف وهذا ماسبب الالتباس لدي ، فهل من الإخوة من يقوم بتوضيح هذه المسألة وشرحها بإسهاب كي نعرف الصواب ونقطع به ، ولكم جزيل الشكر .
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  4. مسألة الكلام أو صفة الكلام حقيقة من المسائل الكلامية العويصة التي لا زالت أفكار الناس فيها حائرة
    وفيها امتحن الإمام أحمد، وصار بذلك بحيث يطلق عليه (إمام أهل السنة)
    وفيها أيضا اختبر أمير المؤمنين في الحديث سيدنا الإمام البخاري رضي الله عنه اختبارا قاسيا؛ لمجرد أن قال (أفعال العباد مخلوقة)
    ثم حرفها الرواة إلى (لفظي بالقرآن مخلوق)، "وما آفة الأخبار إلا رواتها"
    وهذا لا يعني وجود غضاضة في التعبير بـ(لفظي بالقرآن مخلوق) عند البخاري
    إلا أنه رضي الله عنه كان أعقل ممن أراد به الكيد، فجاؤوا إلى مجلسه ليختبروه وليستنطقوه (لفظي بالقرآن)، فلم ينطق به
    غير أن حيلة البخاري لم تجدِه نفعا، فقد جرى ما قدره الله في الأزل
    حتى اضطر للخروج من البلد، بعد أن استُقبِل فيه استقبالا حار عند قدومه إليه من مسافة مرحلتين، وكان على رأس المستقبلين شيخه - ولا أذكر اسمه رحمه الله - ثم حدث ما حدث.
    والحق أن الإمام أحمد كان لا يرى القول (لفظي بالقرآن مخلوق)، لا لأنه باطل في حد ذاته، بل سدا للذرائع
    والبخاري لم يجب بقوله (أفعال العباد إلخ) حين سئل في المرة الأولى، لنفس منهجية الإمام أحمد، ولكنه سئل ثانيا، فلم يجب، ثم ثالثا، ففهم أن البدعة حين تنتشر يتعين الرد عليه بقدر الضرورة
    وما أسدَّ ما فهمه رضي الله عنه
    ولكن التوفيق لا يحالف الجميعَ، فقام أناس - لا أقول إنهم رعاع - عدموا التوفيق، فحملوا كلام البخاري على ما حملوه وشنعوا عليه

  5. وفي خضم هذا البحر وجد أئمتنا الأشاعرة القدامى أنفسهم، فابتكروا حلا لهذه المشكلة العويصة
    فتوصلوا إلى نظرية التفرقة بين النفسي واللفظي، وهي شبيهة بنظريتهم في (التعلقات) في بحث صفات المعاني
    ولم يكن لهم منه بُدٌّ، لصد هجمات المبتدعة، وتثبيت قلوب المؤمنين على الحق والصواب.
    ومع ذلك فلم يكن حلهم - أي جمهور الأشاعرة - كحل المعتزلة حين نفوا صفة الكلام أصلا ورأسا
    ولا كان حلهم - أي مخالفي الجمهور بمن فيهم: الشهرستاني والإيجي في رسالة له، دون المواقف، والتفتازاني على احتمال أبداه في شرح النسفية، والعلامة بحر العلوم الهندي في فواتح الرحموت، وإمام أهل السنة في الهند سيدي أحمد رضا خان البريلوي في كتاب مفرد له في الموضوع بعنوان (أنوار المنان في توحيد القرآن) - كحل الحشوية؛ حيث نسبوا القدم والأزلية للحبر والورق والجلد.
    ولا تشنيع على الفريقين سيدي صاحب السؤال؛ لأن لكلام كلا الفريقين محملا طيبا إن شاء الله.

  6. أفهم منك أخي الكريم أنك تقول بحدوث اللفظ لكن لايقال ذلك على الملأ سدا للذريعة؟
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  7. أنا أخشى ماأخشاه أن يكون القول بقدم اللفظ مرفوض قطعا ويكفر معتقده ، لأني كنت أعتقد حدوث اللفظ ولازلت ، ولكن بعد أن قرأت ماذكره الغرسي نقلا عن أولئك الأكابر شككني قليلا فأردت الرجوع لكم آملا منكم المزيد من التحقيق وذكر الأدلة لنبني عقيدتنا على الجزم واليقين
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  8. لكم جزيل الشكر على هذه الإفادات التي أوضحت الأمر قليلا ، وحتى لانتشعب ولكي نحصر البحث حول النقاط التي تدور حولها الشبه أعود وأذكر بالنقاط الأساسية راجيا أن أجد لديكم بغيتي السادة العلماء :
    ●النقطة الأولى : الغرسي كما نقل عن أهل التحقيق وكبار علماء الكلام أن كلام المولى جل وعلا عبارة عن اللفظ والمعنى القديمين القائمين بذات الله ، وهذا خلاف ماعليه جمهور أهل السنة الأشاعرة ، فهل هذا الخلاف مسوغ كباقي أنواع الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية والتي لا تقتضي تفسيقا ولا تضليلا فضلا عن التكفير ؟
    ●النقطة الثانية : ألا يقتضي قدم اللفظ والمعنى وقيامهما بذات الله جل وعلا نفي الوحدانية عن صفة الكلام وتحقق الكم المتصل لها ؟
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  9. #9
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عادل محمد الخطابي مشاهدة المشاركة
    لكم جزيل الشكر على هذه الإفادات التي أوضحت الأمر قليلا ، وحتى لانتشعب ولكي نحصر البحث حول النقاط التي تدور حولها الشبه أعود وأذكر بالنقاط الأساسية راجيا أن أجد لديكم بغيتي السادة العلماء :
    ●النقطة الأولى : الغرسي كما نقل عن أهل التحقيق وكبار علماء الكلام أن كلام المولى جل وعلا عبارة عن اللفظ والمعنى القديمين القائمين بذات الله ، وهذا خلاف ماعليه جمهور أهل السنة الأشاعرة ، فهل هذا الخلاف مسوغ كباقي أنواع الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية والتي لا تقتضي تفسيقا ولا تضليلا فضلا عن التكفير ؟
    ●النقطة الثانية : ألا يقتضي قدم اللفظ والمعنى وقيامهما بذات الله جل وعلا نفي الوحدانية عن صفة الكلام وتحقق الكم المتصل لها ؟
    عفواً أخانا الفاضل ، حفِظَكُم الباري المولى الكريم عزَّ وَ جلّ .
    لم يخطر لي أنَّ المقصود من مسألة حضرتك كان يتضمّن السؤال أيضاً عمّا يتعلّق بتلاوتِنا نحنُ للقرآن الكريم .. وَ كُنتُ قد شاركتُ فيما يتعلّق بهذا الموضوع بشيءٍ مِنْ قبْلُ ، إجابَةً على إشكالٍ لبعض زوّارِ المنتدى الأعزّاء ، (و لا أُخفِي أنَّني كنت وقتَها في حالةٍ مختلفة قليلاً عن حالي الآن فأرجو المسامحة على اللهجة آنذاك) ، وَ كان من جملة ما كتبت هناك ما يلي :
    "... ... ... وَ يُمكِن أَن يُلَخَّصَ من جميع الأبحاث اَنَّ كَلام الله عزَّ وَ جَلّ يُطلَقُ وَ يُرادُ بِه :
    1- أوَّلاً : الكَلامُ الأزليّ الأَبَديّ الذاتِيُّ الذي هُو صِفَةُ الباري عزَّ وَ جَلَّ حقيقةً لا مَجازاً ، الذي لا يُشبِهُ كَلامَ أَحَدٍ من المخلُوقينَ ، لِقَولِهِ تعالى { وَ كَلَّمَ اللهُ مُوسى تكليماً } ( هُنا المقصود بِإجماع : إزالَتُهُ تعالى الحِجابَ المانعَ مِنْ سَماعِ كلامِهِ الذاتِيّ عن سـَمْعِ سيّدنا موسى فسَـمِعَهُ عليه السلام مُنَزَّهاً عن كيفيّات جميع المخلُوقين) ،
    وَ 2 – ثانياً : نَصُّ القُرآن المُنزَل الذي سَـمعَهُ سيّدُنا جبريل عليه السلام من الله تعالى بلا واسطة و لا كيف ثُمَّ وَجَدَهُ مَكتُوباً بِقُدرَةِ الله تعالى في اللوح المحفُوظ وَ نَزَلَ بِهِ بِأَمرِه تعالى في ليلَةِ القَدرِ من اللوح المحفوظ إلى بيتِ العِزَّةِ من السماءِ الدُنيا ثُمَّ قَرَأَهُ سيّدنا جبريل (عليه السلام) على سـيّدنا محمد (صلّى الله عليه وَ سَلَّم) وَحياً من الله عزَّ وَجَلَّ ثُمَّ بَلَّغنا إيّاهُ بتمامِهِ وَ هُو الموجُودُ معنا اليوم في المصاحف بلا زيادةٍ و لا نُقصان ، فَيُسمّى كلامَ اللهِ أيضاً لِأَنَّهُ نَصُّ خِطابٍ مِنَ اللهِ تعالى لِلمُكلَّفين من الإنس و الجِنّ لا دَخْلَ لسيّدنا جبريل و لا حضرة النبيّ المصطفى عليهما الصلاة و السلام في تأليفِهِ ، وَ لا تَصَرُّفَ [كما في الحديث القُدسيّ] ، (وَ خطابُ تشـريف للمَلائِكَةِ الكرام أيضاً ، على ما قال به جمعٌ من فُضَلاء المُحَقّقين) ، لقولِهِ تعالى { وَ إِنْ أَحَدٌ من المُشرِكين استجارَكَ فَأَجِرْهُ حتّى يَسمَعَ كَلامَ اللهِ ...} الآيَة. و المقصود هُنا بإجماعٍ أيضاً : سَـماعُهُ تِلاوَتَنا لِنَصّ القُرآن المُنزَل وَ إلاّ فأين الميزة لسيّدنا موسى النبيّ الكليم عليه السلام عن غيره في ذلك لو تساوى معهُ مُشرِكٌ في تخصيصِهِ بسماع الكلام الذاتيّ الأزليّ [الذي هو صفة الباريء عزّ وَ جلّ] كما يزعُمُ الحُلُولِيّة وَ أتباعُهُم الوهّابيّة في هذه المسألة ؟؟ .. ؟!! . إذْ إدّعاءُهُم في تحريفهم لمقصود قول السلَف :" القرآنُ في قُلُوبِنا وَمصاحفنا و ألسـنتنا ... " بِأَ نَّ عيْنَ الصفة الإلهِيّة الذاتيّة حلّت في هذه الأشياء يَلزَمُ مِنهُ القول بِتَجَزُّؤ الواحد الأَحَد وَ الحُلُول - و العياذُ بالله - ، أو إذا احترق مُصحَفٌ أن يَقُولوا - و العياذُ بالله - زالَت صفَةُ الله ، أو نقَصَ أو احترق الإله - تعالى عن ذلك ـ (وَ هي عقيدةٌ قريبَةُ من عقيدة عُبّاد العجل الذي حَرَّقَهُ سـيّدُنا مُوسى عليه السلام وَ نَسَـفَهُ في البَحرِ نَسْـفاً) ...
    ثُمَّ إِنَّهُ ليس من الأَدَبِ الخَوضُ في مباحث العِبارَة و اللفظ و التلاوة وَ المَتلُوّ ، إلاّ بِقَدرِ ضرورة التعليم .. فَأَحياناً لا بُدّ من هذا التفصيل لكَشْفِ تلبيسات المَشَبّهة وَ المُجَسّمة الحُلُولِيّة الخائضين في البِدعة ، وَ لإِزاحة شُبَه نُفاة صفة الكلام الإلهيّ الذاتِيّ ، من المُعتَزِلَة وَ الجَهْمِيّة و أشباههم ... فَإِنَّ رؤساء الوهّابيّة اليوم ، وَ مَن افتُتِنَ بِبِدعَتِهِم ، بِجُمودِهم وَ عِنادِهم يُمَوّهُونَ بِضَربِ النُصُوص بِبَعضِها وَ يُخَرّبون عُقُولَ العَوامّ ، فَيُوهِمُونَهُم بِأَنَّ القول بِحُلُول الكلام الإلهيّ الذاتِيّ الأزَلِيّ فينا نحنُ المخلوقين ، هو اعتقاد السلف الصالح وَ سائر أهل السُنّة – حاشاهُم – ... وَ يُهَوّلُونَ عليهم بأنَّ من لم يُوافِقهُم على بِدعَتِهِم هذه هو خارِجٌ عَمّا كان عليه السلَف ، ثُمَّ يُشْـلُونَهُم على أكابِر الأُمّةِ وَ فُضَلاءِ المُسلِمين ...
    وَ كذلك ضُلاّلُ المعتزلة لمّا استشكلُوا بِما يقتضي الحلول ، وَ لم يَفهَمُوا هذا التفصيل عن أهل السُنّة ، أنكَرُوا أن يكُونَ لله تعالى كلامٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ هو صفَةٌ لِذاتِه الأَزَليّ الأقدَس ، فَضَلّوا وَ قالوا لا كلامَ لله إِلاّ ما يخلُقُهُ في غيرِهِ من مَلَكٍ أو شجَرة أو غمامَةٍ (سـحابة) أو هَواء أو نبيّ أو تالٍ إِنسِيّ أو جنّيّ ... تعالى اللهُ عمّا يَقُولُ الظالِمُونَ عُلُوَّاً كبيرا ... و اللهُ تعالى أعلَم وَ هُو المُوَفّقُ وَ المُعين ... " إهــ . ما نقلتُهُ من مشاركتي هناك بتعديل يسير ...
    و ريثما تتيسّر الإجابة على ما تفضّلتُم به من السؤالَين الأخيرين ، أرجو التأمّل في محتوى ما نقلتُ لحضرتك الآن مع تدبُّر ما في مشاركتي السابقة هنا برقم 2 ، و أرجو المعذرة لضيق الوقت و كثرة الأعباء و انشغال البال ... و حسبُنا الله و نعمَ الوكيل .

    يتبع إن شاء الله ...
    ربِّ اغفِر وَ ارحَمْ وَ أنتَ خَيرُ الراحِمِين
    خادمة الطالبات
    ما حَوى العِلْمَ جَميعاً أَحَـدٌ *** لا وَ لَوْ مارَسَـهُ أَلْفَ سَـنَه

    إنَّما العِـلْمُ لَـبَحرٌ زاخِـرٌ *** فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحسَـنَه

  10. بارك الله بكم وجزاكم خير الجزاء ، وأقول تكفيني هذه العبارة (ثُمَّ إِنَّهُ ليس من الأَدَبِ الخَوضُ في مباحث العِبارَة و اللفظ و التلاوة وَ المَتلُوّ ، إلاّ بِقَدرِ ضرورة التعليم.. فَأَحياناً لا بُدّ من هذا التفصيل لكَشْفِ تلبيسات المَشَبّهة وَ المُجَسّمة الحُلُولِيّة الخائضين في البِدعة ، وَ لإِزاحة شُبَه نُفاة صفة الكلام الإلهيّ الذاتِيّ ، من المُعتَزِلَة وَ الجَهْمِيّة و أشباههم...)
    فهي بحق أقرب لنهج السلف - الأسلم - الذي أحاول التمسك بها قدر الإمكان ، إضافة إلى الآثار السلبية الكثيرة لما يزيد عن الحاجة في استخدام علم الكلام وعلى رأسها ذهاب هيبة الباري عز وجل ... والله الموفق
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2003
    الدولة
    الديار المصرية
    المشاركات
    839
    لعله من غير المستبعد أن يقال بقدم المعنى واللفظ القرآني.
    فاللفظ القرآني (كلماته وحروفه وترتيبه) له وجود بالفعل في الخارج، ووجود بالقوة في العلم الإلهي.
    فإذا كان المعنى قديما قائما بذاته عز وجل؛ فالعلم بالألفاظ والكلمات والحروف المعبر بها عن المعنى قديم أيضا قائم بذاته عز وجل. فكلمات القرآن الكريم وحروفه لها وجود قديم في العلم الإلهي ولها ظهور حادث في العلم الإنساني .. وربما يدفعنا هذا إلى البحث في حقيقة اللفظ هل اللفظ هو الصوت والحروف المسموعة أو المكتوبة بالفعل أم هذه وسائل لإظهار اللفظ واللفظ أمر وراء ذلك قائم بالذهن ، مغاير للمعنى ، فالمعنى مادة هلامية واللفظ صورة تتشكل فيها المادة ويمكن أن يكون هناك أكثر من صورة لها ولهذا نشأت الألفاظ المترادفة، فالمقصود أن الألفاظ والحروف المرتبة تقوم بالنفس أيضا كما يقوم المعنى ولهذا يرتب الإنسان كلامه وألفاظه في ذهنه قبل أن ينطق به.

    ولعل السؤال الآن الذي يطرح نفسه هو الآتي:
    إذا كانت ألفاظ القرآن الكريم المعبر بها عن المعنى القديم (أو الكلام النفسي) مختارة ومحددة ومنتقاة من عند الله عز وجل فهي إذن أثر ومتعلق للاختيار والإرادة فكيف يعقل حينئذ قدمها والقديم لا يتوقف على الاختيار ؟

    أقول هذا السؤال مشكل .. ويزيد الإشكال الانطلاق منه إلى إعادة السؤال بشكل آخر لكن عن المعنى القرآني النفسي المنعوت بالقدم .. هل المعني القرآني أو الخطاب الإلهي يخضع للاختيار الإلهي والإرادة الإلهية أم لا يخضع لشيء من ذلك ؟
    فاللفظ القرآني (وأقيموا الصلاة) يدل على معنى قائم بذاته عز وجل وهو طلب الصلاة من المكلفين، والسؤال الآن هل الطلب يتوقف على الإرادة أم لا ؟

    أترك جواب هذه الأسئلة الآن لنتفكر فيها عسى أن تحصل الفائدة إن شاء الله تعالى وأنتظر مشاركة الإخوة الكرام.
    محب الدين الأزهري

  12. #12
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    الخالة الفاضلة،

    سؤال أخينا عادل هو سؤال طالب علم، فلا أرى الجواب على ما سأل بطريقة أنَّ السكوت أسلم...

    فإنَّ فهم المسائل أكمل من الجهل بها لطالب العلم.

    .....................................

    أخي عادل،

    للإمام عضد الدين الإيجي رحمه الله تعالى ورضي عنه رسالة مفردة في هذه المسألة شرحها العلامة ابن كمال باشا رحمه الله...

    وفي رسالته قال إنَّ كلمة "معنى" تُطلق لتفيد مدلول اللفظ، وتُطلق لتفيد القائم بالغير...

    وقال إنَّ الأصحاب قد فهموا كلام الإمام الشيخ الأشعري رضي الله عنه بأنَّه لما قال إنَّ الكلام هو المعنى قصد مدلول اللفظ.

    ثمَّ قال: "بل نقول: المراد به الكلام النفسي بالمعنى الثاني [أي القائم بالغير] شاملاً للفظ والمعنى قائماً بذات الله تعالى".

    فالإمام يقول إنَّ الكلام النفسيَّ هو نفس اللفظ الدال على المعنى، والذي أظنُّه هو أنَّ مقصوده باللفظ هو النَّظم، أي نظم الجمل من الكلمات، فتكون العبارات متعلَّقات لصفة الكلام...

    لكنَّ الإمام العضد رحمه الله تعالى في كتاب المواقف (ص:293) قال: " وقالت المعتزلة أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث وهذا لا ننكره لكنا نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ونزعم أنه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام بل قد يدل عليه بالإشارة والكتابة كما يدل عليه بالعبارة والطلب واحد لا يتغير وغير المتغير غير المتغير".

    فهو ينصُّ هنا على أنَّ الكلام ليس هو نفس العبارات، بل الكلام النفسي هو الدلالات المعبَّر عنها بالعبارات.

    وليس هذا تناقضاً عند الإمام بين ما في [المواقف] والرسالة، بل قد قرَّر قول الجمهور في [المواقف]، وكان يبحث في تحقيق المسألة في تلك الرسالة، فلذلك أفردها دون كتبه الكلاميَّة المعتبرة.

    فالحاصل أنَّ الإمام في [المواقف] يقرِّر بأنَّ صفة الكلام معنى واحد متعلِّق بالدلالات [وفي هذا الجوابُ عن الإشكال الذي ذكرتَ في وحدة الصفة، وسأنقل كلام الإمام العضد فيه في الإشكال الذي ذكر أخي العزيز أحمد محمود علي على كون الكلام مرجَّحاً بإذن الله تعالى]، ولا يمتنع أن يكون في رسالته قائلاً إنَّ صفة الكلام متعلِّقة تعلُّق نظم للألفاظ.

    والمقصود عند الإمام العضد باللفظ يقيناً ليس الأصوات –خلافاً لمدَّعى العلامة ابن كمال باشا-، وليس عين الدلالة، فلذلك قرب عندي –إن كان عندي (عند)!- أنَّه قد قصد النَّظم.

    وقول الشيخ الغرسي حفظه الله تعالى ورعاه: "وأما كلام الله تعالى فهو اللفظ مع المعنى".

    أقول: هذه العبارة مشعرة بأنَّ الكلام هو هذا وهذا، أي كون الاثنين هما متعلَّقا صفة الكلام.

    لكنَّ الأقرب –والله أعلم- هو نصُّ الإمام العضد لما قال: "الكلام النفسي بالمعنى الثاني شاملاً للفظ والمعنى"، أي: اللفظ الدال على المعنى، فيكون المعنى مشمولاً كذلك.

    قول الشيخ الغزسي حفظه الله: "ومما يحاكي ذلك محاكاة بعيدة وجود الألفاظ في نفس الحافظ فإن جميع الحروف بهيئاتها التأليفية محفوظة في نفسه مجتمعة الوجود فيها".

    أقول:قال الإمام السعد التفتازاني أسعده الله تعالى ورضي عنه في شرح النسفيَّة: "وذهب بعض المحققين [يعني شيخه الإمام العضد رحمه الله] إلى أن المعنى في قول مشايخنا: كلام الله تعالى معنى قديم، ليس في مقابلة اللفظ حتى يراد به مدلول اللفظ ومفهومه، بل في مقابلة العين، والمراد به ما لا يقوم بذاته كسائر الصفات.
    ومرادهم أن القرآن اسم للنظم والمعنى شامل لهما، وهو قديم لا كما زعمت الحنابلة من قدم النظم ((المؤلف)) المرتب الأجزاء، فإنه بديهي الاستحالة، للقطع بأنه لا يمكن التلفظ بالسين من " بسم الله " إلا بعد التلفظ بالباء، بل معنى أن اللفظ القائم بالنفس ليس مرتب الأجزاء في نفسه كالقائم بنفس الحافظ من غير ترتب الأجزاء، وتقدم البعض على البعض، والترتب إنما يحصل في التلفظ والقراءة لعدم مساعدة الآلة، وهذا هو معنى قولهم: المقروء قديم والقراءة حادثة، وأما القائم بذات الله تعالى فلا ترتب فيه، حتى أن من سمع كلامه تعالى (سمعه غير مرتب الأجزاء) لعدم احتياجه إلى الآلة، هذا حاصل كلامهم وهو جيد لمن تعقل لفظاً قائماً بالنفس غير مؤلف من الحروف المنطوقة أو المخيلة المشروط وجود بعضها بعدم البعض، ولا من الأشكال المرتبة الدالة عليه.
    ونحن لا نتعقل من قيام الكلام بنفس الحافظ إلا كون صور الحروف مخزونة مرتسمة في خياله، بحيث إذا التفت إليها كان كلاماً مؤلفاً من ألفاظ مخيلة أو نقوش مرتبة، وإذا تلفظ كان كلاماً مسموعاً".

    والمطلوب من هذا النقل هو قول الإمام السعد: "وهو جيد لمن تعقَّل لفظاً قائماً بالنفس غير مؤلَّف من الحروف المنطوقة أو المخيلة المشروط وجود بعضها بعدم البعض، ولا من الأشكال المرتبة الدالة عليه".

    فالتقريب الذي قرَّبه الشيخ الغرسي حفظه الله لا يفيد، فإنَّ وجود الألفاظ في نفس المتكلِّم إن لم تكن المنطوقة ولا المخيَّلة ولا مدلولة من أشكال فإنَّها لا توجد، أي لمَّا قال الإمام: "ونحن لا نتعقَّل من قيام الكلام بنفس الحافظ إلا كون صور الحروف مخزونة مرتسمة في خياله، بحيث إذا التفت إليها كان كلاماً مؤلفاً من ألفاظ مخيلة أو نقوش مرتبة، وإذا تلفظ كان كلاماً مسموعاً".

    ومن هذا النَّصِّ كذلك يُدرك أنَّ الإمام التفتازانيَّ لا يوافق شيخه الإمام العضد -رحمهما الله-، ولكنَّه يدفع قوله باحترام عظيم إذ قال "ونحن لا نتعقَّل..." بعد قوله: "وهو جيد لمن..."، فكأنَّه يقول إنَّ هذا الرأيُّ يصحُّ لو ثبت تحقُّق لفظ ليس مما ذُكِرَ هاهنا، ولكنَّ هذا لا يثبت.

    فقول الشيخ الغرسي حفظه الله تعالى إنَّ الإمام السعد التفتازانيَّ رحمه الله هو ممَّن ذهب إلى هذا الرأي لا يُسلَّم، بل عبارة الإمام السعد ظاهرة في عدم قبول هذا الرَّأي، وظاهرة في خطأ قول الشيخ الغرسي حفظه الله: "وقد علق السعد القول به على إمكان تصور وجود الألفاظ بدون ترتيب". والله تعالى أعلم.

    قول الشيخ الغرسي: "وممن ذهب إلى هذا الرأي الإمام عبد الكريم الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام".

    أقول: قد نسب هذا القول إلى الإمام الشهرستانيِّ رحمه الله تعالى الإمامُ السيد الشريف الجرجانيُّ رحمه الله وتبعه العلامة ابن كمال باشا رحمه الله، ولم أجد من كلام الإمام الشهرستاني ما يفيد هذا، بل وجدتُ له ما يناقضه...

    وربما يكون ما استند إليه الإمام السيد الشريف هو قول الإمام الشهرستاني مقرِّباً مفهوم الكلام: " وكذا لو استيقظنا من نوم يقظتنا هذه بمنام وطلعت نفوسنا على مشرق المعاني والحقائق رأت عالما من المعقولات وأشخاصا من الروحانيات تحدثه بأخبار وتكلمه بأحاديث لو عبر المعبر عنها بعبارات لسانه لما وسعه يوم واحد لشرحها وبيانها ولو كتبها بقلمه لم تسعه مجلدة واحدة لنظمها وبيانها وكل ذلك قد يراه في منامه في أقل من لحظة واحدة ويعلم يقينا أنه رآه حين رآه وسمع ما سمع كأنه شيء واحد ومعنى واحد لكن التعبير عنه استدعى أوراقا وصحائف طباقا وكيف لا والمرء يجد من نفسه وجدانا ضروريا أنه إذا سئل عن إشكال في مسئلة اعتراه جوابه وحله جملة في أقل من لحظة ثم يأتي في شرح ذلك بلسانه بعبارات حتى يمتلئ أذان وأسماع كثيرة إن سمعها ووعاها أو يستثبته بقلمه حتى يسود بياضا كثيرا إن سطرها وزبرها والمعنى في الأصل كان واحدا والشرح منبسطا والحب يكون واحدا والسنبلة متكثرة "كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء " ".

    ومما رأيتُ الإمام الشهرستانيَّ فيه مناقضاً لقول الإمام العضد قولُه: " وكذلك الكلام الأزلي في حكم الأمر والنهي والخبر والاستخبار نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه وهذا معنى قولنا الأقسام في الكلام الشاهد كالأوصاف في الكلام الغائب ثم بم تنكرون على من يقول الكلام معنى واحد حقيقته الخبر عن المعلوم ثم التعبير عن ذلك المعنى إذا كان المعلوم محكوما فعله بالأمر أو محكوما تركه بالنهي وإن كان في وقت قد وجد المعلوم وانقضى كان التعبير عنه عما كان وإن كان في وقت لم يوجد المعلوم بعد وسيوجد كان التعبير عنه عما سيكون فالأقسام المذكورة ترجع إلى التعبيرات بحسب الوجوه والاعتبارات".

    وقوله: " وقولهم إن الاختلاف والكثرة في الأخبار والأوامر لا يرجع إلى العبارات فقط إذ العبارات لا بد وأن تطابق المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها علم واحد وأن تلك المعلومات المختلفة إن فرضت في الشاهد استدعت علوما مختلفة وإن شملها اسم العلمية كذلك الإخبار المختلفة والأوامر المختلفة وإن استدعت في الشاهد كلمات ومعاني مختلفة فقد أحاط بها معنى واحد هو القول الحق الأزلي واختلاف الزمان بالماضي والمستقبل والحاضر لا يؤثر في نفس القول "ما يبدل القول لديَّ" كاختلاف الحال في المعلومات التي وجدت وستوجد لا يؤثر في نفس العلم ".

    فالذي أفهمه من كلام الإمام الشهرستاني رحمه الله تعالى هو أنَّه مع الجمهور في أنَّ الكلام النفسيَّ هو مدلول اللفظ، وأنَّه يُعبَّر عن هذه المعاني بالألفاظ الحادثة، والله تعالى أعلم.

    أمَّا السيِّد الشريف الجرجانيُّ رحمه الله تعالى فقد قال عمَّا ذهب إليه الإمام العضد رحمه الله: "ولا شبهة في أنَّه أقرب إلى الأحكام الظاهريَّة المنسوبة إلى قواعد الملَّة".

    أقول: هل هذا يكفي في عدِّ الإمام السيد الشريف رحمه الله موافقاً للإمام العضد رحمه الله متابعاً له فيما ذهب إليه؟

    أرى أن لا.

    قولك أخي الكريم: " كما نقل عن أهل التحقيق وكبار علماء الكلام".

    أقول: لا يُسلَّم أنَّه هو قول أهل التحقيق وكبار العلماء عدا الإمام العضد والعلامة ابن كمال باشا رحمهما الله تعالى.

    سؤالك: "فهل هذا الخلاف كباقي أنواع الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية والتي لا تقتضي تفسيقا ولا تضليلا فضلا عن التكفير"؟

    أقول: الذي نازع فيه الإمام العضد رحمه الله تعالى ورضي عنه الجمهورَ هو إثباته شيئاً سمَّاه اللفظ، والنزاع معه هو في إثبات هذا المسمى لله تعالى، فمن جهة لا دليل عليه، ومن جهة أنَّه ليس يوجد لفظ بمنطوق ولا متخيَّل، وعبارة الإمام السعد "لا نتعقل" فيها تلطُّف مع شيخه واحترام وتعظيم، وإلا فهو يمنعه، وليس فقط يقول إنَّا لا نستطيع العلم بصحة ذلك أو لا.

    والفرق بين الأمرين (العلم بامتناع شيء وعدم العلم بامتناعه) ظاهر.

    السؤال: "ألا يقتضي قدم اللفظ والمعنى وقيامهما بذات الباري جل وعلا نفي الوحدانية عن صفة الكلام وتحقق الكم المتصل"؟

    أقول: صفة الكلام هي صفة معنى كالعلم القدرة، فصفة الكلام مصححة للموصوف بها بأن يدلَّ، وبحسب ما ذهب إليه الإمام العضد تكون صفة الكلام مصحِّحة لنظم الألفاظ، فتكون صفة واحدة لها تعلُّقات.

    هذا توجيه للخروج عن هذا الإشكال، ولم أجد الإمام العضد رحمه الله تعالى ناصّاً عليه، ولكنَّه جريٌ على طريقة أهل السُّنَّة في إثبات الصفات بوحدة الصفة وتكثُّر متعلقاتها. والله تعالى أعلم.
    قول الشيخ الغرسي حفظه الله: "بل التحقيق أنه محمول على التلفظ الذي هو من فعل القارئ وعلى أصواته وحروفه التي يحدثها كما قال المحققون من السلف : لفظي بالقرآن مخلوق . وتحرج كثير من السلف عن هذا التعبير ، وأنكره بعضهم على الذين أطلقوه لإيهامه حدوث لفظ القرآن ، ولم يقل أحد من السلف إن لفظ القرآن مخلوق بل هذا مذهب المعتزلة".

    أقول: لم يثبت أحد من السلف رضي الله عنهم للقرآن لفظاً! فضلاً عن أن يكون نزاعهم مع المعتزلة هو في قدم اللفظ أو حدوثه.

    أمَّا من أثبت أنَّ ألفاظنا بالقرآن الكريم مخلوقة فمنهم الإمام الحسين الكرابيسي رحمه الله تعالى أكبر أصحاب الإمام الشافعيِّ رضي الله عنه في العراق، ومنهم الإمام البخاريُّ نفسه رحمه الله تعالى -ولا أدري إن كان أخي الفاضل عبد النصير المليباري متوكِّداً من إنكاره لكون الإمام البخاريِّ رحمه الله تعالى قد قال هذا؟؟-.

    أمَّا من أنكر القول بأنَّ لفظي بالقرآن الكريم مخلوق فهو من باب سدِّ الذرائع كما قال أخي الكريم عبد النصير.

    وقد منع الإمام الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ رضي الله عنه القول باللفظ بالقرآن الكريم.

    قال الإمام أبو بكر ابن فورك رحمه الله تعالى ورضي عنه في [مجرد مقالات الأشعري] (ص: 61): " فأما إطلاق القول باللفظ بالقرآن فكان يأبى ذلك ويقول إنه لا يصح أن يقال (لفظتُ بالقرآن) على الحقيقة، لأن اللفظ في اللغة هو رمي الشيء من الفم، ومنه يقال: (الفظ ما في فيك)، و (لفظ ما في في[ه])، و (لفظه البحر) تشبيهاً بذلك، واللفاظة لما يُلفظ من ذلك وهو المرميُّ به، وإنَّ كلام الله تعالى ليس بجسم ولا يجوز عليه الحركة... وربما كان يقول إنَّه لا يجوز أن يُقال: (لفظتُ بالقرآن) من جهة أنَّ اللافظ إنما يصح أن يلفظ بلفظه، وكلام غيره ليس بلفظ له، هذا إذا سُلِّم جواز هذا القول في الكلام حقيقة، فبان أنه يكون توسعاً أيضاً إذا استعمل على هذا الوجه".

    ثمَّ قال الإمام ابن فورك: "وكان [الإمام الشيخ الأشعريُّ] يقول في ترجيه قول من ذهب من المشايخ وأصحاب النقل والأثر إنَّه لا يجوز أن يقال إن اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، وإنَّ سبب المنع من ذلك هو أنَّ إطلاق هذا القول يوهم الخطأ".

    وذكر أنَّ الخطأ في الخلط بين اللفظ والملفوظ.
    قولك أخي عادل: "إذا الغرسي ينسب القول بقدم اللفظ للسلف وهذا ماسبب الالتباس لدي".

    يقول الفقير: لا يُعلم هذا عن أحد منهم، ومنعهم القول بخلق اللفظ ليس للسبب الذي ذكره الشيخ الغرسي حفظه الله، بل لما قال الإمام الشيخ الأشعريُّ رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

    سؤالك لأخي عبد النصير: "أفهم منك أخي الكريم أنك تقول بحدوث اللفظ لكن لايقال ذلك على الملأ سدا للذريعة"؟

    أقول: لم أره يقصد هذا، بل قصد أنَّ الإمام أحمد رضي الله عنه قد منعه سداً لباب الخوض فيما فيه الاشتباه لدى العوامِّ بين اللفظ والملفوظ، أو القراءة والمقروء.

    ...............................................

    أخي العزيز أحمد محمود علي،

    قولك: "فاللفظ القرآني (كلماته وحروفه وترتيبه) له وجود بالفعل في الخارج، ووجود بالقوة في العلم الإلهي. فإذا كان المعنى قديما قائما بذاته عز وجل؛ فالعلم بالألفاظ والكلمات والحروف المعبر بها عن المعنى قديم أيضا قائم بذاته عز وجل".

    أقول: العلم بالشيء غيرٌ لهذا الشيء، وهذا ضروريٌّ.

    فقولك: "فكلمات القرآن الكريم وحروفه لها وجود قديم في العلم الإلهي ولها ظهور حادث في العلم الإنساني".

    أقول: القديم هو العلم بالكلمات وليس نفس الكلمات، فليست الكلمات موجودة في علم الله تعالى كما أنَّ الله تعالى عالم بزيد أزلاً، فلا يعني هذا أبداً أنَّ زيد قديم ولا يجوز أن يقال به! ولا يصحُّ أن يكون إنَّ لزيد وجوداً قديماً في علم الله تعالى!

    فالمعلوم من حيث هو معلوم ليس له وجود قديم، ولو أثبتَّ قدم الكلمات من حيث كونها معلومة لله تعالى فحقيقة هذا أنَّ القديم هو العلم بها فقط.

    قولك: "وربما يدفعنا هذا إلى البحث في حقيقة اللفظ هل اللفظ هو الصوت والحروف المسموعة أو المكتوبة بالفعل أم هذه وسائل لإظهار اللفظ".

    نعم، هنا المسألة!

    قولك: "واللفظ أمر وراء ذلك قائم بالذهن، مغاير للمعنى، فالمعنى مادة هلامية واللفظ صورة تتشكل فيها المادة".

    أقول: ما الموجب لقدم اللفظ في هذه الحال؟

    قولك: "ويمكن أن يكون هناك أكثر من صورة لها ولهذا نشأت الألفاظ المترادفة".

    أقول: هذا يُصحِّح حدوث اللفظ!

    قولك: "فالمقصود أن الألفاظ والحروف المرتبة تقوم بالنفس أيضا كما يقوم المعنى ولهذا يرتب الإنسان كلامه وألفاظه في ذهنه قبل أن ينطق به".

    أقول: هذا ما سمَّاه الإمام السعد رضي الله عنه إنَّه الألفاظ المتخيَّلة، أو هو إنشاء الألفاظ للدلالة على الكلام، فصار هنا أمران:

    الكلام الذي هو المعاني.

    الألفاظ التي أنشئها للتعبير عن هذه المعاني، فهذا الإنشاء أفعال أفعلها لأوصل المعاني إليك.

    وفي حقِّ الله تعالى يمتنع أن يكون تعالى فاعلاً في نفسه، بل الإنشاء والفعل يكون في وساطة التكليم كالوحي أو الخطاب من وراء حجاب أو إرسال رسول .

    قولك: "ولعل السؤال الآن الذي يطرح نفسه هو الآتي:
    إذا كانت ألفاظ القرآن الكريم المعبر بها عن المعنى القديم (أو الكلام النفسي) مختارة ومحددة ومنتقاة من عند الله عز وجل فهي إذن أثر ومتعلق للاختيار والإرادة فكيف يعقل حينئذ قدمها والقديم لا يتوقف على الاختيار"؟

    أقول: أما على قول الجمهور فلا إشكال، فإنَّ صفة الكلام تتعلَّق بكلِّ ما تعلَّقت به صفة العلم، وتعلُّ صفة الكلام هو تعلُّق دلالة.

    أمَّا على القول الآخر فإنَّ الإمام العضد رحمه الله في [المواقف] قد ذكر إيراداً (ص:294): "لو كان [الكلام] قديماً لاستوى نسبته إلى المتعلقات كالعلم".

    وأجاب عنه فقال (ص:295): "أن الشيء القديم الصالح للأمور قد يتعلَّق ببعض دون بعض كالقدرة القديمة".

    فهذا نصٌّ منه بأنَّ صفة الكلام واحدة ذات تعلقات...

    والمطلوب هنا هو تصحيح تخصيص الصفة القديمة...

    ونحن نعلم أنَّ تخصيص تعلقات القدرة إنما هو بالإرادة، فلو كان الكلام مرجحاً بالإرادة للزم أن يكون الكلام مؤثَّراً، وهو باطل...

    وكذلك لو قيل إن الترجيح من نفس صفة الكلام، فإنَّ تعلُّق الصفة هو تعلُّق الدلالة وليس التخصيص.

    فالسؤال على قوله باقٍ، والله تعالى أعلم.

    ثمَّ أقول: أمَّا التكليم الذي هو إيصال الكلام إلى العباد فهو بقدرة الله تعالى واختياره، وليس في هذا إشكال، فإنَّ التكليم هو إيصال الكلام، وهو فعل لله تعالى.

    ملحوظة: كلام الإمام العضد رحمه الله تعالى في [المواقف] في أنَّ متعلقات صفة الكلام ليست كلَّ متعلقات صفة العلم حملتُه على قوله في رسالته إذ لا تعارض بينهما، بل بالقول باللفظ فإنَّ الإمام يلزمه القول بأنَّ المتعلقات بعض ما يصحُّ.

    والله تعالى أعلم.

    وأخيراً أرجو أن تُقرأ عبارة الإمام السعد التفتازانيِّ -رحمه الله تعالى ورضي عنه وأسعده في قبره وفي الآخرة وإيانا أجمعين، آمين- في [شرح النسفيَّة] مرَّة أخرى، فهي محقِّقة للمسألة.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  13. #13
    وأعتذر جداً عن الإطالة في الكلام!!!
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  14. بوركت سيدي محمد أكرم على هذا التوضيح والإجابة بشكل دقيق ، ومنذ بضعة أيام قرأت رسالة للعلامة الغرسي حفظه الله أزالت الإشكال وقد أثبت فيها قدم اللفظ ، طبعا هي إحدى ثمان رسائل أوردها في نهاية تعليقاته على تحفة المريد وسأحاول رفع هذه الرسائل على الموقع متى أمكنني ذلك بإذن الله تعالى
    من وجد الله فماذا فقد؟! ومن فقد الله فماذا وجد؟!

  15. #15
    بارك الله فيك أخي عادل.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •