صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 69

الموضوع: تدارس شرح الخريدة

  1. أخي الفاضل محمد : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    قولك :

    الحقُّ أنِّي لم أدر جهة ربطك تلك المسألة بمسألة سبق الماهيَّة للوجود، فإنِّي لا أرى ارتباطاً.

    إن ربط مسألة تقديم الماهية على الوجود بافتراض وجود صانع للماهية الإنسانية يعني أن الوجود الإنساني هو أعظم من كونه ماديا ، فالحواس هي قاسم مشترك بين الإنسان و الحيوان ، لكنها لا تفيد في معرفة علّة الشيء ، لذلك كان الاستدلال طريق الانسان إلى معرفة علل الأشياء و مبادئ الموجودات ، و لذلك لا يمكن لا للحواس و لا للتجربة أن تستغني عن المعرفة العقلية . و من هنا حكم الفلاسفة المثاليون على تفوق المعرفة العقلية على سائر وسائل المعرفة الأخرى . فإذا كانت هذه المعرفة هي ما يميز الإنسان و توجد فيه بالقوة كملكة فطرية ، فلنا أن نتساءل بحكم مغايرتها للإحساس عن موجدها في الإنسان ، فالإنسان يولد مزودا بها ، بخلاف الموجودات غير العاقلة . أما الذين يقدمون الوجود على الماهية ، فيجعلون المادة هي المنتجة للوعي ، و أن أساس المعارف هو بالحس و التجربة . فلذلك هم يعلون من شأن المادة . و ليس الوعي في النهاية عندهم إلا تطورا للدماغ البشري .

    قولك :
    ثمَّ لِمَ قلتَ إنَّ الماهية لو كانت سابقة للوجود للزم أن يكون هناك خالق للماهيَّة؟ ولِمَ لا يمتنع أن يكون الحكم على الوجود نفسه؟

    إن الوجود هو بالأصالة ذلك الموجود المتعين في الخارج ، أما الماهية فهي أمر اعتباري ، إنها ما يضفيه العقل على الوجود من المعاني فيحدده ، و لذلك فالسبق هنا ليس سبقا زمنيا و إنما هو سبق رتبي . فالقول بتقديم الماهية على الوجود ينبع من كون هذا العقل متعاليا على الجسد و معطى بالقوة ، فيلزم من ذلك أن هناك قوة إلهية متعالية أودعت متعاليا فيه هو العقل. أما المادة في حد ذاتها حية كانت أم جامدة ، فهي عمياء و قاصرة عن إدراك المعقولات و العلل . فالمرء حين يوجد ، يوجد مزودا بملكة العقل ، و المعرفة الفطرية للبدهيات . أما الماديون فيقولون إن المادة أنتجت نفسها بنفسها ، و بتطورها التاريخي عبر ملايين السنين أنتجت وعيا في صورة الدماغ الإنساني ، فكأنما هي قوة عاقلة عندهم . و من هنا كان الحكم إذا قلنا بسبق الماهية للوجود يضمر وجود خالق ، و القول بخلاف ذلك ينطوي على إلغاء وجود الخالق .

    قولك :
    ثمَّ لِمَ قلتَ إنَّ الماهية لو كانت سابقة للوجود للزم أن يكون هناك خالق للماهيَّة؟ ولِمَ لا يمتنع أن يكون الحكم على الوجود نفسه؟

    إذا كان الإنسان هو المشاهد المتميز – إذا لم نقل هو الوحيد - في هذا الكون ، فالاستدلال على معقولية الكون ينبع من ذاته ، لا من المادة . فهو أي العقل هو الذي يجعل الكون موضوعا لتفكيره و تأمله ، فيستنبط انطلاقا من ذاته العاقلة الممكنة وجود واجب الوجود . فإذا غاب العقل ، انتفت معقولية العالم ، و انتفى معها وجود ما يستدل به على وجود الله . لذلك كان تقديم المعرفة العقلية على كل معرفة حسية أو تجريبية أساسا لمعرفة الخالق – عز و جل -

    قولك :

    فإنَّه قد يقال -تسليماً- إنَّ هذا الأمر غير المادِّيِّ قد حصل للإنسان عن أبيه عن أبيه فيتسلسل... فلا يكون دالاً على فاعل غير مادِّيٍّ، فإنَّ القول إنَّ الوعي ملكة غير ماديَّة هو قول بأنَّها حاصلة لكلِّ إنسان، الجزء الماديُّ من الإنسان يسوغ أن يقال إنَّه أخذه عن مادِّيٍّ مثله -وهو من أبيه-، فَلِمَ لا يقال إنَّه قد أخذ الجزء غير المادِّيِّ كذلك عن أبيه؟

    فيرجع الدليل خارجاً عن الاستدلال بنفس كون الوعي أمراً غير مادِّيٍّ، بل هو راجع إلى دليل الإمكان.

    هذه الملكة الفطرية هي نوعية ، موجودة بالفطرة في الإنسان بوصفه إنسانا ، لا فردا ، و السبق الأنطولوجي للماهية يعني عند أرسطو و الفلاسفة المثاليين السبق الرتبي ، لا الزمني .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  2. أخي الفاضل محمد :
    تعقيبك على كلامي :
    "وما دام العقل قادرا على إدراك ذاته ( الكوجيتو الديكارتي : أنا أفكر ، إذن أنا موجود )، فهو سيصدّق بدهياته من أنه يمتنع التناقض ، و أن الشيء يكون هو هو و ليس غيره إلى غير ذلك من المبادئ الأخرى . و هكذا يمكن أن يعطي الإنسان ذاته من خلال الشفافية المباشرة و المطلقة للمسلّمة الديكارتية".

    بقولك :
    لا أراه صحيحاً، فليس سبب إدراكي لامتناع التناقض أو أنَّ الشيء هو هو منبنٍ على إدراكي لنفسي، فليس يلزم من الشَّكِّ في نفسي أن أشكَّ في امتناع التناقض أصلاً.

    قصدت من قولي بقدرة العقل على إدراك ذاته أن العقل لابد أن يؤمن ببدهياته ما دام قد تقرر عنده وجوده الذاتي بدهيا بعد مرور مرحلة الشك الافتراضية .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  3. #33
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي الفاضل سعيد،

    سامحني فإنَّني أرى عندك خلطاً، فسبق الماهيَّة الوجود أو العكس أمر آخر عن كون العاقل مدركاً للمحسوسات والمعقولات...

    تقدُّم الماهيَّة على الوجود أو تأخُّرها ليس له مدخليَّة في كون الإنسان مدركاً للمعقولات دون المحسوسات!

    وما المشكلة عندك في كون الوعي ناشئاً عن أصول مادِّيَّة؟

    فإدراكي المعقولات الثانية كالزمان والمكان مثلاً هو بعد إدراكي الحسِّي وملاحظة ما تشترك به الأجسام والمتغيِّرات.

    وإدراكي معنى الوجود والإمكان والوجوب يمكن أن أفسِّره بأنَّه ليس إدراكاً حسِّيّا، لكنِّي يمكن أن أفسِّر أنَّه منبنٍ على تحليل حسِّيٍّ.

    "فالقول بتقديم الماهية على الوجود ينبع من كون هذا العقل متعاليا على الجسد و معطى بالقوة ، فيلزم من ذلك أن هناك قوة إلهية متعالية أودعت متعاليا فيه هو العقل".

    غاية ما يدلُّ عليه كون العقل متعالياً على الجسد هو أنَّه مستمدٌّ من غير مادِّيٍّ، فأوردتُ عليك أن يكون من فرد آخر، وهكذا.

    فأجبتَ بأنَّ الكلام على النَّوع الإنسانيِّ.

    فأقول: فهذا عين دليل الإمكان! لكنَّه مخصوص في صفة من صفات الممكنات.

    "قصدت من قولي بقدرة العقل على إدراك ذاته أن العقل لابد أن يؤمن ببدهياته ما دام قد تقرر عنده وجوده الذاتي بدهيا بعد مرور مرحلة الشك الافتراضية".

    أقول: ليس يلزم، فهل يلزم إدراكي لعقلي لأن أستطيع أن أحكم باستحالة التَّناقض؟

    فإن لم يكن هذا مقصودك فبيِّنه مشكوراً.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  4. أخي الفاضل : محمد السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    إن تقدم الماهية عن الوجود أو تأخرها له علاقة بتصورنا للعالم و الكون ، لا لإدراك المدركات كما فهمتني خطأ ، فالمادي يرى أن الحس هو ينبوع التصورات ، فلا يرتبط الإدراك عنده بما نسميه العقل أو الروح ، فالإدراك عنده حسي محض . و لذلك يحتل المقام الأول عند الماديين ، فكل شيء يردّ إلى الحس ، و بالتالي لا وجود لتصورات بدهية قبلية ، موجودة بالفطرة في النفس كالمفاهيم العقلية الآتية : العلة و المعلول ، الإمكان و الوجوب ، الوحدة و الكثرة ، و ما إلى ذلك ، مما يترتب عنه نفي لكل ما هو قبلي ، ميتافيزيقي عند الماديين ، بما في ذلك وجود الله لأنه غير محسوس عندهم . و في ضوء هذا المفهوم فليست المعرفة عندهم إلا انعكاسا للواقع الموضوعي ، و لا يحصل هذا الانعكاس إلا عن طريق الإحساس . و ما دام وجود الله لا ينعكس عن طريق الإحساس ، فلا وجود له عندهم .
    هذا ما أردت الوصول إليه في مناقشتي لهذا الموضوع معك يا أخي محمد .
    و يبدو البون واسعا مع منهج التصور المقابل الذي يقدم الماهية على الوجود ، فيتصور قبليات بدهية في النفس الإنسانية ، لا علاقة للإحساس بها . و لذلك تميل النظرية الإسلامية إلى تقديم الماهية على الوجود في تصورها الفلسفي للكون و العالم .

    أما امتلاك الإنسان للملكة الفطرية " العقل " ممثلا في آلياته المنطقية و وسائله المعرفية ، و إن كان صفة ممكنة للنوع الإنساني ، فيكفيه ذلك تميزا من بين صفاته الممكنة ، إذ بها يعرف نفسه أولا ثم خالقه ثانيا .
    أما مسألة إدراك الذات لذاتها أو انعكاسها على ذاتها ، هل يوجب ذلك إدراك المفاهيم العقلية ، فأقول إن ذلك من نتائج هذا الإدراك الانعكاسي للذات على ذاتها ، فبتحليل الإنسان لذاته يصل إلى استنتاج مبدإ عدم التناقض و مبدإ العلية و ما إلى ذلك ، مع أن هذه المبادئ فطرية في الإنسان سواء وعى بذلك أم لم يع .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته أخي محمد .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  5. #35
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي الفاضل سعيد،

    قولك:
    "فلا يرتبط الإدراك عنده بما نسميه العقل أو الروح".

    أقول: ما المشكلة في ذلك؟؟

    أليس يمكن أن نبني أدلَّة الاعتقاد بالنَّظر إلى المحسوسات في الخطوة الأولى؟

    قولك:
    "و بالتالي لا وجود لتصورات بدهية قبلية ، موجودة بالفطرة في النفس كالمفاهيم العقلية الآتية : العلة و المعلول ، الإمكان و الوجوب ، الوحدة و الكثرة ، و ما إلى ذلك ، مما يترتب عنه نفي لكل ما هو قبلي ، ميتافيزيقي عند الماديين ، بما في ذلك وجود الله لأنه غير محسوس عندهم".

    أقول: القول بالتصورات البديهيَّة الفطريَّة القبليَّة ليس أمراً نقول به! فهو قول كانط، وحصره لهذه القوالب في الحسِّ مشكلة عنده هو.

    ووجود الله تعالى ليس أمراً فطريّاً بديهياً، بل هو أمر نظريٌّ.

    ونحن نصل إلى بداهة أنَّ لكلِّ معلول علَّة -مثلاً- بالبناء على مبدأ الهويَّة ومنع التناقض.

    فأنا يمكنني أن أبدأ من الحسِّ المحض مع إدراكي مبدأ منع التناقض فأصل انتهاء إلى وجود موجود لا فيزيائيٍّ.

    وما تذكر من حصر الوضعيين العلم بالمحسوس والمجرَّب صحيح، ولكنَّه منهم تحكُّم لا عن مرجِّح، فهو سفسطة من حيث عدم اعترافهم بالاستدلال العقليِّ.

    قولك: "و يبدو البون واسعا مع منهج التصور المقابل الذي يقدم الماهية على الوجود ، فيتصور قبليات بدهية في النفس الإنسانية ، لا علاقة للإحساس بها . و لذلك تميل النظرية الإسلامية إلى تقديم الماهية على الوجود في تصورها الفلسفي للكون و العالم".

    أقول: أنا إلى الآن لم أدر كيف وصلتَ من قولك: "...التصور المقابل الذي يقدم الماهية..." إلى قولك: "فيتصوَّر قبليات بديهية..."!

    فهل يمكن أن ترتِّب هذا الانتقال باستدلال منطقيٍّ؟

    ثمَّ أقول: نعم، الوضعيُّون قد بنوا علومهم على التَّجريب والاستقراء في الجزئيّات دون القياس في الكلِّيَّات بعد رسوخ شكوك هيوم وكانط عندهم، فربما يكون هذا هو مقصودك...!

    فإن كان كذلك فيقال إنَّ قولنا الذي هو مقابل لقولهم هو أنَّا نبني على أوَّل الضروريات وهو مبدأ الهويَّة -وهو مبدأ حتى للعلوم التجريبية والحسِّيَّة- في إثبات ذاتيّات للأشياء من حيث هي، فيصحَّ القياس والحكم على الماهيات بعد ذلك.

    وليس الجواب دعوى وجود "قوالب قبليَّة".

    سامحني على التطويل، ولكنَّ المسألة ماتعة!

    وليسامحنا أخوانا على احتلال موضوعهما المتعلِّق بشرح الخريدة!

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  6. أخي الفاضل محمد ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    قولك :

    أقول: ما المشكلة في ذلك؟؟

    أليس يمكن أن نبني أدلَّة الاعتقاد بالنَّظر إلى المحسوسات في الخطوة الأولى؟

    نعم ، أخي محمد ، يبدو أن ثمة مشكلة حين نقدم الحس على العقل في تصورنا للعالم و الكون ، لأن تفسير العالم على أساس مادي يقود بالضرورة إلى إلغاء ما ليس ماديا من التصور و الاعتقاد ، إلا إذا كنت ترى رأيا آخر
    في أن التفسير المادي الاحادي لا يؤثر في الاعتقاد .
    أما مسألة بناء الاعتقاد بالنظر إلى المحسوسات فذلك ما لا يختلف حوله اثنان ، لكن في هذه الحالة سنخضع هذه المحسوسات إلى التأمل العقلي ، برد حكمها إلى المفاهيم العقلية في الإمكان و الوجوب ، العلة والمعلول ، الوحدة و الكثرة و ما إلى ذلك ، فالاستدلال ههنا سيتخذ طريقا عقليا بحتا . و هو ما لا يمكن أن يسلم منه حتى البحث العلمي التجريبي القائم على الاستقراء لأنه سيحتاج إلى إدخال مفهوم السببية في تحليل الظاهرة .
    قولك :

    أقول: القول بالتصورات البديهيَّة الفطريَّة القبليَّة ليس أمراً نقول به! فهو قول كانط، وحصره لهذه القوالب في الحسِّ مشكلة عنده هو.

    ووجود الله تعالى ليس أمراً فطريّاً بديهياً، بل هو أمر نظريٌّ.

    أين المشكلة في افتراض بدهيات فطرية ،خص بها الوجود الإنساني ، متعالية فوق الحس ؟ أما مسألة أن يكون الإدراك حسيا في بدايته إذ يتعلق بالجزئيات ، فهو ليس مقتصرا على فلسفة كانط ، بل جميع الفلاسفة المثاليين يشاركونه هذا الاعتقاد بدءا من أرسطو مرورا بالفلاسفة الإسلاميين ، و حتى المتكلمين ، غير أن ما لا يشتركون فيه معه هو القول بلايقينية إدراك الماهيات ، فهي موكولة إلى الشعور الذاتي ، فالإدراك عنده يرتبط بذاتية المدرك ، و لذلك فالماهيات تتلون بتلون الذوات ، و هذا ما جعله يعلي من شأن الشعور مما أدى لاحقا إلى ظهور الرومانسية الغربية .

    قولك :
    ووجود الله تعالى ليس أمراً فطريّاً بديهياً، بل هو أمر نظريٌّ.

    صحيح أن إثبات وجود الله يحتاج إلى الاستدلال بالمحسوسات للوصول إلى معرفة واجب الوجود ، و ممكن الوجود ، مع أني وجدت بأن ابن سينا يقرر أن إدراك وجود واجب الوجود هو أمر فطري و بدهي . و لعل هذا الرأي يتساوق في نظري مع مضمون قوله تعالى :" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " (الأعراف، 7 )
    فقد أودع الله في الإنسان فطرة الإيمان به ، و من هنا كان الإنسان كائنا دينيا ، و إن أفسدت عادات المجتمع و أعرافه و ثقافته هذه الفطرة المودعة فيه ، فالإنسان دائما تساوره التساؤلات عن خالقه و خالق الكون ، و لو وجد معتزلا في جزيرة وحده .

    قولك :

    ونحن نصل إلى بداهة أنَّ لكلِّ معلول علَّة -مثلاً- بالبناء على مبدأ الهويَّة ومنع التناقض.

    فأنا يمكنني أن أبدأ من الحسِّ المحض مع إدراكي مبدأ منع التناقض فأصل انتهاء إلى وجود موجود لا فيزيائيٍّ.

    السؤال الذي يطرح نفسه ههنا هو كيف وصلت إلى إدراك مبدإ الهوية و منع التناقض ؟ إذا قلت لي : انطلاقا من الحس ، أقول إن هذا الحس ليس في النهاية إلا واسطة موضوعية يحتاجها العقل لفهم بنية هذا الحس ، ومن ثم إلى تأمل أفكاره هو ذاتها .

    قولك :
    أقول: أنا إلى الآن لم أدر كيف وصلتَ من قولك: "...التصور المقابل الذي يقدم الماهية..." إلى قولك: "فيتصوَّر قبليات بديهية..."!

    فهل يمكن أن ترتِّب هذا الانتقال باستدلال منطقيٍّ؟

    أقول : إذا كان المثالي الذي يقدم الماهية على الوجود يفترض وجود قبليات معرفية تتصل بإدراك الإنسان للعالم، فسيسهل عليه افترض وجود سبب أعلى ماورائي لجميع الموجودات ، ليس ذا طبيعة مادية ، و بعبارة أخرى سيفترض وجود عقل أعلى قياسا بعقله الأدنى .

    قولك :

    فإن كان كذلك فيقال إنَّ قولنا الذي هو مقابل لقولهم هو أنَّا نبني على أوَّل الضروريات وهو مبدأ الهويَّة -وهو مبدأ حتى للعلوم التجريبية والحسِّيَّة- في إثبات ذاتيّات للأشياء من حيث هي، فيصحَّ القياس والحكم على الماهيات بعد ذلك.

    وليس الجواب دعوى وجود "قوالب قبليَّة".

    السؤال الذي يطرح : كيف استنتجت مبدأ الهوية ، أليس بالإدراك البدهي العقلي ، فليس الحس في هذه الحالة إلا ممونا للإدراك و حسب ، ذلك أن العقل يحتاج إلى موضوع معرفته ، لينتقل بعدها إلى تأمل ذاته .

    و في الآخر ، أستميحك عذرا أنا أيضا على هذا التطويل أخي الفاضل محمد ، فالمسألة فيها إمتاع و إفادة معا . و شكرا على تجملك بالصبر على تعقيباتي ، مع تقديري و احترامي . كما أشاركك الاعتذار للأخوين على احتلالنا لمنبرهما ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  7. #37
    حسنا .. و بعد الطلب من أخي جلال أن يفصل مشاركات أخوينا محمد و سعيد -حفظهما الله - ! أكمل أسئلتي . للأسف الأخ محمد الصافي انقطع عنا أكثر من أسبوع دون إخطار ، و لعله خير ، و لكني قررت أن إن مضى على توقفه أسبوع كامل -دون إعلام- سأحاول أن أضع أسئلتي و تعليقاتي -إن وجدت- .


    و هذان السؤالان أشكلا علي أول ما أشكلا في تهذيب السنوسية . قال شيخنا و مولانا سعيد فودة في التهذيب في الحاشية :

    [الإنسان إن قلد في العقائد الصحيحة ، فقد اختلف العلماء في إيمانه ، و المعتمد أنه إن كانت له القدرة على النظر الموصل إلى المعرفة كان مؤمنا عاصيا فقط ...... و إن لم يكن له القدرة على النظر كان مؤمنا غير عاص] اهـ

    ١/ طيب ما حكم من طرأت عليه الشبه و كان غير قادر في النظر فيها و دحضها هل يبقى مؤمنا ؟

    قال الأستاذ سعيد :

    [و اعلم أن النظر الذي يخرج به المكلف من التقليد إلـى المعرفة هو النظر على طريق العامة و هو النظر الإجمالي كما أجاب به الأعرابي ...] اهـ

    ٢/ أليس كل إنسان سليم العقل مكلف يملك هذه القدرة علـى النظر ، إذن كل المؤمنون غير عصاة ، إلا من لم يلتفت مرة في حياته إلى الدليل الإجمالي ، أليس ذلك صحيحا ؟
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  8. #38
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي الفاضل،

    قولك:
    "نعم ، أخي محمد ، يبدو أن ثمة مشكلة حين نقدم الحس على العقل في تصورنا للعالم و الكون ، لأن تفسير العالم على أساس مادي يقود بالضرورة إلى إلغاء ما ليس ماديا من التصور و الاعتقاد ، إلا إذا كنت ترى رأيا آخر في أن التفسير المادي الاحادي لا يؤثر في الاعتقاد".

    أقول: هناك فرق بين أمرين:

    الأوَّل: أن يكون أوَّل نظري بأنَّ العالم ماديٌّ -أي أن أحكم أنَّه ماديٌّ في أوَّل النَّظر-، فالمتيقَّن منه أوَّل النَّظر وجود العالم المادِّيِّ، وفي أوَّل النَّظر لا يلزم العلم بوجود غير المادِّيَّات...

    الثاني: أن يكون نظري ذلك مع القول باستحالة وجود غير المادِّيِّ.

    فالأمر الأوَّل ليس يؤدي إلى إلغاء ما ليس مادِّيّاً، أمَّا الأمر الثاني فنعم.

    نرجع إلى مسألتنا: تقديم الحسِّ على العقل في تصوُّر العالم وتفسيره به لا يمنع الوصولَ بعد ذلك إلى العلم بوجود موجودات غير حسِّيَّة.

    قولك:
    "أما مسألة بناء الاعتقاد بالنظر إلى المحسوسات فذلك ما لا يختلف حوله اثنان ، لكن في هذه الحالة سنخضع هذه المحسوسات إلى التأمل العقلي ، برد حكمها إلى المفاهيم العقلية في الإمكان و الوجوب ، العلة والمعلول ، الوحدة و الكثرة و ما إلى ذلك ، فالاستدلال ههنا سيتخذ طريقا عقليا بحتا . و هو ما لا يمكن أن يسلم منه حتى البحث العلمي التجريبي القائم على الاستقراء لأنه سيحتاج إلى إدخال مفهوم السببية في تحليل الظاهرة".

    صحيح...

    لكن لِمَ لا يكون وصولي إلى معنى العلِّيَّة والمعلوليَّة مثلاً قد انبنى على نظري الحسِّيِّ؟

    ومفهومات الإمكان والوجوب والاستحالة إنَّما هي معقولات مدركة بالنَّظر لا بالضَّرورة...

    فإدراكها تابع لإدراكات أخرى.

    ملحوظة: الوحدة والكثرة يدركان بالحسِّ.

    فيمكن أن أقول إنَّ صورة وصولي إلى إدراك هذه المفهومات مثلاً هو أنِّي قد اصطدمت أوَّل إدراكي بمحسوسات، وأدركت اقترانات بينها، فصار عقلي يتنبَّه إلى هذه الاقترانات ويبحث عنها بالذات لأنَّ فهم المحسوسات باقتراناتها أسهل وأقرب...

    فعند هذه المرحلة أنفصل عن النَّظر الحِسِّيِّ البحت -مبتدئاً بالتجريد- وأبتدئ في الحكم على المحسوسات بحسب النِّسَب (العقليَّة) التي أدركتها.

    ملحوظة: قال لي صديق درس التربية إنَّ الطِّفل في سنٍّ معيَّنة يبتدئ نظره بالتجريد، ربما كان هذا عند سنة الطفل السابعة -لا أذكر تماماً-. وقال لي صديق ثانٍ إنَّ هناك تجربة يجرونها للطفل في أوَّل عمره بأنَّهم لو أمرُّوا لعبة أمامه إلى ما وراء حاجز بحيث لا يظهر للطفل فإنَّ الطِّفل لن يدرك وجود هذا الشَّيء أصلاً، وبعد شهور أو سنة -لا أذكر!- سينتظر الطفل تلك اللعبة حتى لو اختفت من أمامه، فيكون مفهوم أنَّ الموجود لا ينعدم قد حصل له من تلك السِّنِّ، ولم يكن مدركاً لذلك من قبل. وقال لي عن تجربة أخرى أنَّ الطفل في الساعات الأولى بعد ولادته أجروا له تجربة بضوء مسلَّط على الحائط أمامه فيراه الطفل يتحرَّك، فإن انقطع ذلك الضَّوء فجأة حصل للطفل شعور بالمفاجأة. فاستدلوا من ذلك بأنَّ الطِّفل عنده شعور بالاتِّصال ففاجأه الانقطاع -هذا ما فهمتُ-.

    وحاصل ما أريد من هذه الملحوظة هو السؤال عن أنَّه إن كانت الحال هكذا فإنَّا يمكن أن نحكم بأنَّ المبادئ إنَّما هي راجعة إلى خبرة الطِّفل المتراكمة من أوَّل عمره، فلا يمتنع أن يقال إنَّ الإدراكات العقليَّة للإنسان إنَّما هي راجعة إلى إدراكاته الحِسِّيَّة. ليس بأنَّ الإدراكات العقليَّة هي إدراكات حِسِّيَّة معقَّدة، بل قد حصل ارتقاء في طريقة التفكير على مرور السنين بأنَّ المعلومات الحسية قد أفاد اطِّرادها -مثلاً- المعلومات العقليَّة.

    قولك إنَّ التجريب محتاج إلى إدخال مفهوم السَّببيَّة أراه غير لازم، فإنَّ أقصى ما في الباب أن يقول الوضعيُّ إنَّ مقصوده من السَّببيَّة الاقتران، فهو يقرُّ بالسببية في حال المحسوسات لأنَّ الاقتران بين العلة والمعلول عنده حاصل، وليس لأنَّه مؤمن بالعلية والمعلولية على الحقيقة.

    قولك: "أين المشكلة في افتراض بدهيات فطرية ،خص بها الوجود الإنساني ، متعالية فوق الحس"؟

    أقول: الإنسان خُلِق غيرَ عالم بشيء كما قال الله تعالى. وتجاربنا تصدِّق هذا بأنَّ ما تفترضه بديهيات فطريَّة ليس حاصلاً عند الطِّفل الصغير.

    قولك: "السؤال الذي يطرح نفسه ههنا هو كيف وصلت إلى إدراك مبدإ الهوية و منع التناقض ؟ إذا قلت لي : انطلاقا من الحس ، أقول إن هذا الحس ليس في النهاية إلا واسطة موضوعية يحتاجها العقل لفهم بنية هذا الحس ، ومن ثم إلى تأمل أفكاره هو ذاتها".

    أقول: أفسِّر هذا بأنَّ هذا المبدأ يُعلم بعد اطِّراد المعلومات الحسِّيَّة عند تحليل المحسوسات، وتحليل المحسوسات ليس شيئاً مبنياً على العلم بمبدأ الهويَّة ومنع التناقض، بل يقال إنَّ تعقُّل المحسوسات يؤدي إلى تعقُّل ما بينها من نِسَب.
    فمثلاً يدرك الطفل جسماً، ثمَّ يدرك آخر بجانب الأوَّل، فيدرك مفهوم التَّغاير مع إدراكه كليهما.

    قولك :
    "إذا كان المثالي الذي يقدم الماهية على الوجود يفترض وجود قبليات معرفية تتصل بإدراك الإنسان للعالم، فسيسهل عليه افتراض وجود سبب أعلى ما ورائي لجميع الموجودات ، ليس ذا طبيعة مادية ، و بعبارة أخرى سيفترض وجود عقل أعلى قياسا بعقله الأدنى".

    أقول: نعم، فإن كان الاعتقاد ابتداء بوجود موجودات غير مادِّيَّة فهذا يقرِّب من المطلوب.
    لكنِّي أرى في هذا الطريق نوع مصادرة! إذ لو كان الإدراك فطريّاً فتعميمه -مثلاً- بأنَّه أمر واقع في نفس الأمر ليس يلزم.

    وشكراً لك على صبرك أنت عليَّ!

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  9. أخي الفاضل محمد ، السلام عليكم و رحمة الله وبركاته .

    قولك :

    أقول: هناك فرق بين أمرين:

    الأوَّل: أن يكون أوَّل نظري بأنَّ العالم ماديٌّ -أي أن أحكم أنَّه ماديٌّ في أوَّل النَّظر-، فالمتيقَّن منه أوَّل النَّظر وجود العالم المادِّيِّ، وفي أوَّل النَّظر لا يلزم العلم بوجود غير المادِّيَّات...

    الثاني: أن يكون نظري ذلك مع القول باستحالة وجود غير المادِّيِّ.

    فالأمر الأوَّل ليس يؤدي إلى إلغاء ما ليس مادِّيّاً، أمَّا الأمر الثاني فنعم.

    طبعا ، لا أحد ينكر أن هذا العالم الذي يقع عليه نظري هو عالم حقيقي ، ذو طبيعة مادية ، لكن العلاقة به هي موضع الاختلاف ، و هي التي تحدد في النهاية منهج تصوري له ، فإما أن يكون منطلقي النظري في البداية ماديا ، فأفسر كل شيء على أساس مادي ، أو يكون عقليا ، فأفسر كل شيء على أساس عقلي . و لا يعني تفسيره على أساس عقلي إلغاء البعد المادي للعالم ، فالرياضيات و هي أكمل العلوم إذ تصوغ العالم في صيغ رياضية فإنها تضفي عليه معقولية النظام ، فهي من هذه الناحية تجرده دون أن يعني ذلك إنكاره إذ هي تنطلق منه . فليس تقديمي للماهية على الوجود يعني إسقاط حساب الحس من الاعتبار ، فالإدراك الحسي هو مرحلة أولية لتبلور التصورات ، و من ثم يتم الانتقال نحو المرحلة التركيبية الذهنية التي تتصل بالتصديقات أي بداية مرحلة الإدراك العقلي . و في هذه المرحلة ، تكون النفس قد نضجت و تكاملت . و فيها يكون للفهم العقلي الأولوية لأنه العامل الحاسم في إدراكنا للأشياء فيحتل الحس حينذاك دورا ثانويا قياسا بالدور المركزي للعقل .
    و هكذا ، فالمرء في اعتقادي أمام خيارين : الموقف العقلي أو الموقف المادي ، فلا يمكن في تصوري أن يكون المرء ماديا على المستوى الفلسفي دون إلغاء الجانب الغيبي ، و إن وجد فسيكون موقفا غريبا . أما أن نقرر على مستوى انطباعي أن العالم الذي أمامي مادي على أن لا يعني ذلك نفي الوجود اللامادي ، فهو أمر مقبول .

    قولك :

    لكن لِمَ لا يكون وصولي إلى معنى العلِّيَّة والمعلوليَّة مثلاً قد انبنى على نظري الحسِّيِّ؟

    ومفهومات الإمكان والوجوب والاستحالة إنَّما هي معقولات مدركة بالنَّظر لا بالضَّرورة...

    فإدراكها تابع لإدراكات أخرى.

    إنها مفاهيم ، و إن انبنت على احتكاك العقل بعالم الحس ، فهي ترجع في أساسها إلى التصديقات أي إلى الحكم العقلي ، فالاقتران بين المقدمة و نتيجتها في عالم الظواهر لا تدرك رابطته العقلية إلا بالعقل و لا يظل مجرد اقتران ، و منه يتم استنتاج مبدإ العلية ، فالوعي بهذا المبدإ هو وصف لبنية الظاهرة ، و هو ما يضفي عليها المعقولية . و مثل هذه المفاهيم مفقودة عند الحيوان ، لأنه لا يتجاوز مرتبة الحسي ، و بالتالي لا يعقلن الظواهر . إذن ، فهذا المعطى أي القدرة على وعي بنية الظواهر هو شيء كامن بالقوة في النفس ، سرعان ما يتجلى بالفعل في مرحلة من نضج النفس و اكتمالها .

    قولك :
    ملحوظة: الوحدة والكثرة يدركان بالحسِّ.

    صحيح أن منشأ هذا المبدإ هو الحس ، لكنه حاصل على مستوى المعقولات ، مثل وحدة النفس و تعدد معقولاتها ، ألا نطرح هذا الإشكال في علم الكلام عن وحدة الذات و تعدد الصفات ؟ إذن فهو مفهوم معقلن .

    قولك :

    قولك إنَّ التجريب محتاج إلى إدخال مفهوم السَّببيَّة أراه غير لازم، فإنَّ أقصى ما في الباب أن يقول الوضعيُّ إنَّ مقصوده من السَّببيَّة الاقتران، فهو يقرُّ بالسببية في حال المحسوسات لأنَّ الاقتران بين العلة والمعلول عنده حاصل، وليس لأنَّه مؤمن بالعلية والمعلولية على الحقيقة.
    هذا ما يقوله التجريبيون بالفعل ، و سواء آمنوا بمبدإ العلية أم لم يؤمنوا به ، و كيفما سموه ، فهو الذي يحكم المعرفة الإنسانية لأنه مبدأ عقلي في الأساس ، يقوم عليه عمل العقل في وعيه للعلاقة العقلية بين المعلومات من التلازم الواقع بين المقدمة و النتيجة سواء تعلق الأمر بظواهر المادة أو معقولات الوعي .

    قولك :
    أقول: الإنسان خُلِق غيرَ عالم بشيء كما قال الله تعالى. وتجاربنا تصدِّق هذا بأنَّ ما تفترضه بديهيات فطريَّة ليس حاصلاً عند الطِّفل الصغير.

    هذا صحيح على مستوى الأفراد ، لكن على مستوى النوع ، فالمعرفة كامنة في النفس بالقوة ، ألم يقل تعالى في كتابه العزيز : " و علّم آدم الأسماء كلها " ، فالله تعالى أودع في النوع الإنساني هذه القدرة على المعرفة العقلية ، و هو ما استوجب شرف سجود الملائكة - عليهم السلام - لسيدنا آدم - عليه السلام - بعد الأمر الإلهي .

    قولك :
    أقول: نعم، فإن كان الاعتقاد ابتداء بوجود موجودات غير مادِّيَّة فهذا يقرِّب من المطلوب.
    لكنِّي أرى في هذا الطريق نوع مصادرة! إذ لو كان الإدراك فطريّاً فتعميمه -مثلاً- بأنَّه أمر واقع في نفس الأمر ليس يلزم.

    أراه لازما لأن الإيمان بما وراء الحس أي المعارف الضرورية ( القاعدة العامة ) ، يستلزم قبول وجود قوة غيبية أعلى معقولة تتوارى وراء الحس ( القاعدة الجزئية ) .

    و شكرا مرة أخرى على صبرك أخي الفاضل محمد ، و أجدد أعتذاري للأخوين الكريمين على احتلالنا لمساحتهما هذه .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  10. #40
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    سيدي الشيخ جلال،

    ربما لو أزعجناكم بطلب فصل هذا الموضوع عن موضوع تدارس الخريدة؟؟!

    الأخت الفاضلة،

    يبدو انِّي والأخ سعيداً سنبقى نزعجكم ونعتذر، نزعجكم ونعتذر!!

    أخي الفاضل سعيد،

    قولك:
    "فإما أن يكون منطلقي النظري في البداية ماديا ، فأفسر كل شيء على أساس مادي".

    أقول: لا إشكال في أن يكون نظري ابتداء مادِّيّاً تماماً -لا أن أحكم من البداية باستحالة وجود غير المادِّيِّ كما سبق-، فمثلاً لو بدأت النَّظر في المادِّيات وأدركت أنَّ العلِّيَّ والمعلوليَّة حاصلة للماديات، فإنِّي باستمرار النَّظر سأصل إلى نتيجة هي كون هذه العلاقة بين العلة والمعلول حاصلة بين مادِّيٍّ وغير مادِّيٍّ.

    فأنا ابتدأت نظراً مادِّيّاً أوصلني بعدُ -عند السؤال عن مجموع الماديات إلى- أنَّ العلة غير مادِّيَّة.

    قولك:
    " فالإدراك الحسي هو مرحلة أولية لتبلور التصورات ، و من ثم يتم الانتقال نحو المرحلة التركيبية الذهنية التي تتصل بالتصديقات أي بداية مرحلة الإدراك العقلي . و في هذه المرحلة ، تكون النفس قد نضجت و تكاملت . و فيها يكون للفهم العقلي الأولوية لأنه العامل الحاسم في إدراكنا للأشياء فيحتل الحس حينذاك دورا ثانويا قياسا بالدور المركزي للعقل".

    صحيح، ولا خلاف فيه.

    قولك: "فلا يمكن في تصوري أن يكون المرء ماديا على المستوى الفلسفي دون إلغاء الجانب الغيبي ، و إن وجد فسيكون موقفا غريبا".

    أقول: بل سيكون ذلك سفسطة بيِّنة.

    قولك: " إذن ، فهذا المعطى أي القدرة على وعي بنية الظواهر هو شيء كامن بالقوة في النفس"

    أقول: لِمَ لا تكون هذه القدرة من نفس جنس قدرة الحيوان لكن بتعقيد أكبر؟؟ أليس هذا عائد إلى السُّؤال الأوَّل؟!

    قولك:
    "صحيح أن منشأ هذا المبدإ هو الحس ، لكنه حاصل على مستوى المعقولات ، مثل وحدة النفس و تعدد معقولاتها ، ألا نطرح هذا الإشكال في علم الكلام عن وحدة الذات و تعدد الصفات ؟ إذن فهو مفهوم معقلن".

    أقول: كان الكلام على أنَّ إدراك الوحدة والكثرة من المفهومات العقلية لا المحسوسات، فلذلك علَّقت بأنَّه من المحسوسات.

    ونحن في علم الكلام لا نبحث في مفهوم الوحدة والكثرة، بل نبحث في كون الواجب -تعالى- واحداً أو كثيراً، فمفهوما الوحدة والكثرة مدركان بالحسِّ، فهما من المفهومات الحسِّيَّة.

    ويُستأنس في إثبات ذلك أنَّ ذلك مدرك عند الحيوان تماماً -إن سُلِّم أنَّ إدراكات الحيوان ليست إلا حسِّيَّة-.

    قولك:
    "هذا ما يقوله التجريبيون بالفعل ، و سواء آمنوا بمبدإ العلية أم لم يؤمنوا به ، و كيفما سموه ، فهو الذي يحكم المعرفة الإنسانية لأنه مبدأ عقلي في الأساس ، يقوم عليه عمل العقل في وعيه للعلاقة العقلية بين المعلومات من التلازم الواقع بين المقدمة و النتيجة سواء تعلق الأمر بظواهر المادة أو معقولات الوعي".

    أقول: صحيح تماماً.

    قولك:
    "هذا صحيح على مستوى الأفراد ، لكن على مستوى النوع ، فالمعرفة كامنة في النفس بالقوة ، ألم يقل تعالى في كتابه العزيز : " و علّم آدم الأسماء كلها " ، فالله تعالى أودع في النوع الإنساني هذه القدرة على المعرفة العقلية ، و هو ما استوجب شرف سجود الملائكة - عليهم السلام - لسيدنا آدم - عليه السلام - بعد الأمر الإلهي".

    فالتَّعقُّل ملكة وليس علماً حاصلاً بالفعل، وليس يلزم أنَّا نعلم ما عُلِّم سيدنا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لا بالظهور ولا بالكمون.

    قولك:
    "أراه لازما لأن الإيمان بما وراء الحس أي المعارف الضرورية ( القاعدة العامة ) ، يستلزم قبول وجود قوة غيبية أعلى معقولة تتوارى وراء الحس ( القاعدة الجزئية)".

    أقول:

    دعوى وجود عالم غير مادِّيٍّ أوَّل النَّظر فيه مصادرة! فالإنسان أوَّل نظره لا يدرك إلا المحسوسات...

    وإن قصدتَ بغير الماديِّ المعارف الضروريَّة فإنَّها إنَّما تكون أوَّلَ ما تكون علاقات بين أشياء مادِّيَّة، فليس يلزم أن يكون هناك شيء غير مادِّيٍّ أصلاً بالنَّظر إلى هذه العلاقات من هذه الجهة.

    سلَّمنا أنَّ هذه المعقولات غير مادِّيَّة، فنرجع إلى السؤال عن استلزام ذلك وجود موجود غير مادِّيٍّ هو مصدرها، فإن كان ثبوت ذلك من حيث إمكان هذه الصفة للإنسان فهذا رجوع إلى دليل الإمكان...

    وإن كان من طريق أخرى فأرجو أن تبيِّنها لي، فإنِّي حقّاً لم أفهم جهة استلزام أخرى.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  11. #41
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    الأخت الفاضلة،

    1- ما حكم من طرأت عليه الشبه و كان غير قادر في النظر فيها و دحضها هل يبقى مؤمنا ؟

    إن انقاد لها فترك ما يكون به مؤمناً فلا يكون مؤمناً حينئذ، ولكن لو جاءته الشُّبه وبقي مع ذلك على اعتقاده وإن لم يستطع حلَّها فهو مؤمن بفضل من الله تعالى، فإنَّ الجاهل قد تأتيه شبهة لا يدري حلَّها فيقول في نفسه إنَّه لو كان عند الوقت والقدرة مثلاً لظهر له بطلانها، فلا يقرُّ بأنَّها دليل حقيقيٌّ على بطلان دينه.

    2- أليس كل إنسان سليم العقل مكلف يملك هذه القدرة علـى النظر ، إذن كل المؤمنون غير عصاة ، إلا من لم يلتفت مرة في حياته إلى الدليل الإجمالي ، أليس ذلك صحيحا ؟

    قال قريباً من ذلك الإمام الفخر الرازيُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه -لا أذكر أين-، فقال إنَّنا لن نجد مقلِّداً تقليداً محضاً، بل كلُّ امرئ سيستدلُّ بطريقته...

    فالبنَّاء سيستدلُّ ببناء السموات، والخضريُّ سيستدلُّ بتنوُّع الخضار، والنَّجار سيستدلُّ بأشكال الجبال.... فكلُّهم عندهم القدرة على الاستدلال بوجود الله تعالى.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  12. #42
    إن انقاد لها فترك ما يكون به مؤمناً فلا يكون مؤمناً حينئذ، ولكن لو جاءته الشُّبه وبقي مع ذلك على اعتقاده وإن لم يستطع حلَّها فهو مؤمن بفضل من الله تعالى، فإنَّ الجاهل قد تأتيه شبهة لا يدري حلَّها فيقول في نفسه إنَّه لو كان عند الوقت والقدرة مثلاً لظهر له بطلانها، فلا يقرُّ بأنَّها دليل حقيقيٌّ على بطلان دينه.
    ألا ترى معي أنه يتوجب وجوبا أكيدا عليه مراجعة شيخ في ذلك ؟ استغربت عدم ذكرك لذلك .

    "الوقت و القدرة"

    أما أن يكون غير قادر فمفهومة فهو الفرض ، أما أن لا يكون له الوقت فلا أتصورها ، إذ إن دحض هذه الشبهة عن دينه هي من أهم الواجبات التي ينبغي أن٫ يشتغل بها معرضا عما دونها من الواجبات و إن كبرت و لكنها تبقى أقل من هذا الواجب .. ما قولك ؟

    طبعا أنا لم أقصد التحليل و التحريم ، إنما أنا مستفسرة .

    "فلا يقرُّ بأنَّها دليل حقيقيٌّ على بطلان دينه."

    ماذا لو لم يقر بذلك ، و لكنه تأثر بها ، و اهتز لها ، مع المحاولة بقدر الإمكان على الإصرار على إيمانه و التشبث به ؟

    قلتُ

    إلا من لم يلتفت مرة في حياته إلى الدليل الإجمالي
    هل من لم يلتفت مرة في حياته إلى الدليل الذي يناسب مهنته مثلا ، أقصد لم يطرأ بباله في حياته قط ذلك ، أو لم يفكر فيه أبدا ، هل يكون مقلدا تقليدا محضا عاصيا (على الصحيح) أم خلافه ؟ (هذا السؤال فقط للتأكد)
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  13. أخي الأستاذ الفاضل : محمد ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

    قولك :

    فالتَّعقُّل ملكة وليس علماً حاصلاً بالفعل، وليس يلزم أنَّا نعلم ما عُلِّم سيدنا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لا بالظهور ولا بالكمون.

    قصدت من المعرفة الكامنة الاستعداد الفطري للمعرفة . و بوصفها كذلك ، فهي موجودة بالقوة أول أمرها ، لا بالفعل ، ثم تتحقق من خلال الاحتكاك بالحس . و أما كون الآية لا يلزم منها أن نعلم ما علّم آدم ، فهذا على سبيل التفصيل ، لا الإجمال ، فالآية قد عرض لها المفسرون و أدلوا فيها بآرائهم ، و من جملة هذه الآراء ما ذهبنا إليه ، و يعضد قولنا في ذلك تفسير الشيخ بسام جرار إذ يقول في تفسير هذه الآية :

    " إذا أخذنا بظاهر النص القرآنيّ الكريم يمكن أن نقول إنّ الأسماء، في هذه الحادثة الجليلة، كانت لمُسمّيات عاقلة، وذلك لقوله تعالى في حق هذه المسمّيات:" عرضهُم.. هؤلاء.. بأسمائهم". وهذا قد يفسر لنا المقصود بقوله تعالى:"وعلّم آدم الأسماءَ كلّها"، أي أنّ آدم، عليه السلام، قد تعلّم كلّ أسماء المسميات العاقلة التي ستكون محل امتحان لآدم وللملائكة، عليهم السلام. وقد استطاع آدم، عليه السلام، أن يخبر بجميع أسماء الكائنات العاقلة التي عُرضت في الامتحان، أي أنّه أنجز 100% .

    وهنا قد يثور سؤال: ولكنّ الله تعالى هو الذي علَّم آدم، عليه السلام، فأين الفضل لآدم في ذلك؟!

    نقول: المقصود هنا قابليّة التعلّم والأداء، أي الاستعداد الفطري؛ جسديّاً، وعقليّاً، ونفسيّاً. ويبدو أنّ ذلك لا يتوفر للملائكة في أصل فطرتهم: "سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا.

    نعم، هذا هو الأساس المطلوب للخلافة على الأرض، وهذا هو الاستعداد الفطري الأولي الذي لا بدّ منه، ثم يقوم الإنسان بالإبداع؛ فيفرّع، ويولّد، ويستنبط،... بحيث تبقى اللغة لديه مواكبة لتطوره وحاجاته."

    ينظر بحثه في هذه المسألة على الرابط الآتي :
    http://www.islamnoon.com/Nathrat/asmaa.htm

    قولك :

    سلَّمنا أنَّ هذه المعقولات غير مادِّيَّة، فنرجع إلى السؤال عن استلزام ذلك وجود موجود غير مادِّيٍّ هو مصدرها، فإن كان ثبوت ذلك من حيث إمكان هذه الصفة للإنسان فهذا رجوع إلى دليل الإمكان...

    إن دليل الإمكان لا يتعارض مع افتراض معارف ضرورية فطرية . و هو ما يجعل الإنسان مجهزا بطاقات قادرة على اكتناه ما وراء الحس من حقائق .

    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
    خلق الناس للبقاء فضلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت أمــــــة يحسبـــــــونهم للنفــــــــاد

    إنما ينقلون من دار أعمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ال إلى دار شــــقــــــوة أو رشــــــــاد

    ضجعة الموت رقدة يستريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الجسم فيها و العيش مثل السهاد

  14. #44
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    الأخت الفاضلة،

    نعم يجب عليه الرجوع إلى عالم.

    "ماذا لو لم يقر بذلك ، و لكنه تأثر بها ، و اهتز لها ، مع المحاولة بقدر الإمكان على الإصرار على إيمانه و التشبث به"؟

    في هذه الحال هو مؤمن، وورود الشُّبهة عليه وسوسة شيطانية، فلا ينافي وجود الوسوسة كونه مؤمناً.

    وتأثُّره بالشُّبهة معناه أن يغتمَّ منها مثلاً، وليس تأثُّر شكٍّ في معتقده.

    "هل من لم يلتفت مرة في حياته إلى الدليل الذي يناسب مهنته مثلا ، أقصد لم يطرأ بباله في حياته قط ذلك ، أو لم يفكر فيه أبدا ، هل يكون مقلدا تقليدا محضا عاصيا (على الصحيح) أم خلافه"؟

    الذي أفهمه أن نعم.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  15. #45
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي الفاضل سعيد،

    كنتُ أريد أن أُنشئ موضوعاً جديداً لمحاورتنا، لكنَّ سيدي الشيخ جلالاً سيفصل موضوعنا، فسأنتظره كي لا نزيد إزعاجه.

    فاصبر عليَّ.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •