بسم الله الرحمن الرحيم

المدارسة الثانية

( أما المقدمة ففي الأحكام ومتعَلَّقاتها؛ وفيها بابانِ.

الباب الأول :في الحكم
وفيه فصول؛
الأول: في تعريفه
الحكم: خطاب الله تعالى) أي كلامه النفسي الأزلي سواء دل عليه كلام الله اللفظي كالقرآن أو دل عليه الإجماع أو السنة أو القياس، فهذه الأمور الأربعة ليست مثبتة للحكم وذلك لحدوثها وإنما هي معرفة له (المتعلق) تعلقا معنويا قديما وهو غير التعلق اللفظي الحادث، وكلاهما للدلالة، (بأفعال المكلفين) أي بما يصدر عنهم من قول أو فعل أو اعتقاد (بالاقتضاء) أي بالطلب مطلقا، متعلق ب"المتعلق" ( أو التخيير) أي الإباحة.

(قالت المعتزلة) معترضةً على التعريف السابق بثلاثة اعتراضات وهي:
الإعتراض الأول: خطاب (الله تعالى قديم عندكم) لإنه كلامه وهو قديم، (والحكم) الشرعي (حادث)،وأنتم قد عرفتم الحكم بأنه خطاب الله فصار تعريفكم مبايناً للمعرف؛فالمعرف حادث وقد عرفتموه بالقديم، فظهر أن تعريفكم باطل.

أما كون الحكم حادثا فلثلاثة وجوه:
أحدها:(لأنه يوصف به) أي بالحدوث وكل ما وصف بالحدوث يكون حادثا،فيقال:حلت المرأة بالنكاح و حرمت بالطلاق أي حدث كل من الحل والحرمة بعد أن لم يكن وما هذه حاله فهو حادث.
(و)الثاني: لأنه (يكون صفة لفعل العبد) وفعل العبد حادث فكذلك صفته أي الحكم، فيقال:حلت المرأة بالنكاح أي حل الاستمتاع بها و حرمت بالطلاق؛فالحل والحرمة وصفان للإستمتاع والإستمتاع فعل للعبد حادث فكذلك صفته .
(و)الثالث: لإنه يكون (معَلَّلاً به) أي بفعل العبد وفعل العبد حادث فكذلك معلوله، فيقال:حلت المرأة بالنكاح و حرمت بالطلاق؛ فالنكاح والطلاق علتان للحل والحرمة وهما فعلان حادثان فكذلك معلوليهما.
( كقولنا:حلت بالنكاح وحرُمتْ بالطلاق)،هذا المثال يصلح للثلاثة وجوه وقد تقدم بيانه في كل منها.
الاعتراض الثاني:
(وأيضا فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده) أي جميع الاحكام الوضعية خارجة عنه أي عن التعريف فهو غير جامع.
الاعتراض الثالث:
( وأيضا فيه الترديد) والشك وهو كلمة "أو" (وهو ينافي التحديد) فالمقصود من التعريف إيضاح المعرف والشك ينافيه.

(قلنا) ردا على الاعتراض الأول:

أولا: (الحادث) هو (التعلق) وليس الحكم؛فالذي يوصف بالحدوث هو تعلق الحكم التنجيزي بفعل المكلف وليس الحكم .
وثانيا: (الحكم متعلق بفعل العبد لا صفته) ولا يلزم من تعلق شيء بشيء أن يكون صفة له وذلك (كالقول المتعلق بالمعدومات) فهو ليس صفة لها وإلا لزم قيام الصفة بالمعدوم .
وثالثا: (الطلاق والنكاح وغيرهما) من الافعال الإنسانية إنما هي (مُعَرِّفات) للحكم وأمارات عليه وليست عللا (له)، ولا مانع من كون الحادث معرفا للقديم وذلك (كالعالم) الحادث فإنه معرف (للصانع) القديم .

والرد على الاعتراض الثاني:
(الموجبية والمانعية) وغيرهما من الاحكام الوضعية إنما هم (أعلام الحكم، لا هو)؛فعلامة الشيء غير الشيء نفسه، (وإن سلم) كونها أحكاما شرعية: (فالمعني بهما) أي بالموجبية والمانعية (اقتضاء الفعل والترك)؛فموجبية الدلوك تعني اقتضاء الفعل عند الدلوك ومانعية الحيض تعني اقتضاء ترك الصلاة عند الحيض، والمعني (بالصحة إباحة الانتفاع) فهي داخلة في التخيير، والمعني (بالبطلان حرمته) أي حرمة الانتفاع وهي داخلة في اقتضاء الترك،فظهر أن تعريف الحكم شامل لهم وليس كما ادعيتم خروجهم عنه.

(و)الرد على الاعتراض الثالث:
أن (الترديد في أقسام المحدود لا في الحد)،والترديد المنافي للتحديد هو الواقع في نفس الحد لا في المحدود؛ فالمحدود الذي هو الحكم: بعض أفراده اقتضاء والبعض الآخر تخيير؛ ف"أو" التي في التعريف للتنويع والتقسيم وليست للشك .



(الفصل الثاني
في تقسيمات الحكم)
التقسيم (الأول): وهو باعتبار ذات الحكم أي الفصول المنوعة له خمسة أقسام:
(الخطاب إن اقتضى الوجود) أي طلب وجود الفعل (ومنع النقيض) أي ومنع عدم وجوده: (فوجوب، وإن) اقتضى وجوده و (لم يمنع) نقيضه (فندب)، (وإن اقتضى الترك) أي طلب ترك الفعل (ومنع النقيض) أي ومنع وجوده (فحرمة، وإلا) بأن اقتضى تركه ولم يمنع وجوده (فكراهة، وإن خيَّر) بين وجود الفعل وتركه (فإباحة).

فالوجوب هو اقتضاء الخطاب وجود الفعل ومنع نقيضه.
والندب هو اقتضاء الخطاب وجود الفعل وعدم منع نقيضه.
والحرمة هي اقتضاء الخطاب ترك الفعل ومنع وجوده.
والكراهة هي اقتضاء الخطاب ترك الفعل و عدم منع وجوده.
والإباحة هي تخيير الخطاب بين وجود الفعل وتركه.
أقسام الفعل الذي تعلق به الحكم :
(ويُرسم الواجب) أي الفعل الذي تعلق به الوجوب (بأنه): الفعل (الذي يذم شرعا تاركه قصدا) فيخرج تاركه لسهوٍ أو نوم (مطلقا) أي تركا مطلقا؛ فيخرج بهذا القيد الذي يترك الفعل الواجب مؤقتا كالواجب الموسع أو يتركه لسقوطه عنه بفعل غيره له كالواجب الكفائي أو يتركه لقيامه بغيره كالواجب المخير .
هل الفرض والواجب مترادفان؟
(ويرادفه الفرض) عند غير الحنفية، (وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت بقطعي) أي بدليل قطعي (والواجب بظني).
(و) الفعل (المندوب) هو (ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه، ويسمى) هذا الفعل عند الاصوليين:مستحب و(سنة ونافلة)،فهي مترادفة عندهم وأما الفقهاء فلهم فيها تفريق اصطلاحي.
(و)الفعل (الحرام) هو (ما يذم شرعا فاعله).
(و)الفعل (المكروه) هو (ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله).
(و)الفعل (المباح) هو (ما لا يتعلق بفعله ولا تركه مدح ولا ذم).
ملاحظة:حيثما حذفت كلمة "شرعا" من التعريف فذلك اكتفاءً بالإتيان بها في التعريف السابق وإلا فالمدح والذم وعدمهما كلها من الشرع.