صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 65

الموضوع: إعلان: المسائل السلفية الفقهية

  1. #16
    4) كان اعتناء أهل الكوفة بالحديث يسيراً، وقلّت الرواية عندهم:

    ويجاب عنه: بأن الرواية والعناية بالحديث كانت على درجة عالية جداً:
    قال الإمام الرامهرمزي - رضي الله عنه - (ت360هـ): عن ابن سيرين - رضي الله عنه -، قال: ((أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا)).
    وفي أي مصر من أمصار المسلمين، غير الكوفة، تجد مثل هذا العدد العظيم للمحدثين، والفقهاء، وفي هذا ما يدل على أن الفقيه مهمته شاقة جداً، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة.
    وقال الإمام الرامهرمزي والإمام السمعاني (ت562هـ) - رضي الله عنهم -: ((عن عفّان يقول ـ وسمع قوماً يقولون: نسخنا كتب فلان، ونسخنا كتب فلان ـ، فسمعته يقول: نرى هذا الضرب من الناس لا يفلحون، كنّا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا، فقدمنا الكوفة فأقمنا أربعة أشهر ولو أردنا أن نكتب مئة ألف حديث لكتبناها، فما كتبنا إلا قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلا بالإملاء، إلا شريكاً، فإنه أبى علينا، وما رأينا بالكوفة لحاناً مجوزاً)).
    قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه -: ((أنظر، مصراً يكتب بها ـ مثل عفّان ـ في أربعة أشهر خمسين ألف حديث! مع هذا التروي، ومسند أحمد أقل من ذلك بكثير، أيعد مثل هذا البلد قليل الحديث؟!
    على أن أحاديث الحرمين مشتركة بين علماء الأمصار في تلك الطبقات، لكثرة حجهم، وكم بينهم من حج أربعين حجة وعمرة، وأكثر، وأبو حنيفة - رضي الله عنه - وحده، حج خمساً وخمسين حجة، وأنت ترى البخاري - رضي الله عنه - يقول: ولا أحصي ما دخلت الكوفة في طلب الحديث، حينما يذكر عدد ما دخل باقي الأمصار، ولهذا أيضاً دلالته في هذا الصدد)).
    وأيضاً، فإن التابعين من محدثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلباً لذلك، فقد روى ابن سعد في ((طبقاته)) أسماء مئتين واثنين من التابعين الكوفيين، الذي رووا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة.
    وفيما سبق من كلام تفنيد لشبهة أخرى، وهي قلّة الرواية والحديث في عصر التابعين وأتباعهم واشتهار الرواية وكثرتها في عصر الإمام الشافعي والإمام أحمد - رضي الله عنهم -.

    دعاءكم

  2. #17
    5) اشتهر إطلاق أهل الرأي على الحنفية؛ لبعدهم عن الأخذ بالأحاديث النبوية واعتمادهم على القياس، فتحقق فيهم الذم الوارد في الرأي:

    والجواب عليها: بما ذكر في دور الصحابة - رضي الله عنهم - من توجيه الآثار الواردة في الرأي، أما ((تنزيل هذه الآثار في ذم: الرأي عن هوى؛ في فقه الفقهاء، وفي ردهم النوازل التي لا تنتهي إلى انتهاء تاريخ البشر، إلى المنصوص في كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إنما هو هوى بشع، تنبذه حجج الشرع.
    وتخصيص الحنفية بهذا الاسم، لا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق، وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد، بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها.
    قال سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في شرح ((مختصر الروضة)) في أصول الحنابلة: ((واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإضافة، هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإسلام، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط، وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته.
    وأما بحسب العلمية فهو في عرف السلف "من الرواة بعد محنة خلق القرآن"، علم على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة - رضي الله عنه -، ومَن تابعه منهم…
    وبالغ بعضهم في التشنيع عليه وإني والله لا أرى إلا عصمته مما قالوه، وتنزيهه عما إليه نسبوه، وجملة القول فيه: إنه قطعاً، لم يخالف السنة عناداً، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهاداً، بحجج واضحة، ودلائل صالحة لائحة، وحججه بين أيدي الناس موجودة، وقلَّ أن ينتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران، والطاعنون عليه إما حساد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخر ما صح عن الإمام أحمد - رضي الله عنه - إحسان القول فيه، والثناء عليه، ذكره أبو الورد من أصحابنا في كتاب ((أصول الدين)).)).
    وقال الشهاب ابن حجر المكي الشافعي: ((يتعين عليك أن لا تفهم من أقوال العلماء ـ أي المتأخرين من أهل مذهبه ـ عن أبي حنيفة، وأصحابه أنهم أصحاب الرأي، أنَّ مرادهم بذلك تنقيصهم، ولا نسبتهم إلى أنهم يقدمون رأيهم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا على قول أصحابه؛ لأنهم برآء من ذلك)).
    ثم بسط ما كان عليه أبو حنيفة، وأصحابه في الفقه، من الأخذ بكتاب الله، ثم بسنَّة رسوله، ثم بأقوال الصحابة، رداً على من توهم خلاف ذلك.
    ولا أنكر أن هناك أناساً من الرواة الصالحين، يخصون أبا حنيفة، وأصحابه بالوقيعة من بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل القادحة في الأخبار، التي تركها أبو حنيفة، وأصحابه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وكثيراً ما يعلو على مداركهم وجه استنباط هؤلاء، الحكم من الدليل؛ لدقة مداركهم، وجمود قرائح النقَلة، فيطعنون في الفقهاء أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، فهذا النبز منهم لا يؤذي سوى أنفسهم)).

    دعاءكم

  3. #18
    6) أبو حنيفة ضعيف في الحديث وروايته قليلة حتى أنه خالف بعض الأحاديث في فقهه:

    أجيب عن هذه الطعون بكتب خاصة ألفت في الرد عليها، ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر نبذة يسيرة للإجابة على ذلك، ومن أراد التوسع فليراجعها:
    إنه وثَّقه كبار علماء الجرح والتعديل، فشعبة - رضي الله عنه - كان حسن الرأي فيه، ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وابن المبارك كانوا يفتون برأيه، وقال ابن المديني - رضي الله عنه -: ((ثقة لا بأس به)). وقال ابن معين - رضي الله عنه -: ((لا بأس به لم يكن متهماً)). وهذا اللفظ من ابن معين رئيس النقاد قائم مقام ثقة كما صرّح به ابن حجر وغيره، قال ابن عبد البر - رضي الله عنه -: ((لا نتكلم في أبي حنيفة - رضي الله عنه - بسوء ولا نصدق أحداً يسيء القول فيه، فإني والله ما رأيت أفضل ولا أورع ولا أفقه منه)).
    أن ما رمي فيه من الجرح غير مفسّر، أو فسّر بما ليس مطعن كقوله بالإرجاء وقد سبق بيانه، أو قوله بالرأي وقد مرّ تحقيق أن هذه منقبة لا كما يظن بعض الرواة، قال ابن عبد البر - رضي الله عنه -: ((الذين رووا عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلَّموا فيه. والذين تكلموا فيه من أهل الحديث: أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس: أي وقد مرّ أن ذلك ليس بعيب)).
    إن من طعن فيه إما من أقرانه ولا يقبل قولهم في بعضهم إن دلت القرائن أن فيه إجحاف، أو من بعض المتعصبين المذهبيين، قال التاج السبكي - رضي الله عنه -: الحذرُ كلُّ الحذرِ أن تفهم أن قاعدتهم أن الجرح مقدَّم على التعديل على إطلاقها، بل الصواب أن مَن ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه وندر جارحه، وكانت هناك قرينةٌ دالّةٌ على سبب جرحه من تعصب مذهبيٍّ أو غيره لم يلتفت إلى جرحه.
    ثم قال: قد عرفناك أن الجارح لا يقبل فيه الجرح وإن فسّره في حقّ مَن غلبت طاعاته على معصيته، ومادحوه على ذامِّيه، ومزكُّوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة تشهد بأن مثلها حاملٌ على الوقيعة فيه من تعصب مذهبيٍّ أو مناقشة دنيوية، وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري في أبو حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابن معين في الشافعيّ، والنَّسائيّ في أحمد بن صالح، ونحوه، قال: ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلاَّ وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون)).
    وقال ابن حجر - رضي الله عنه -: ((إن الطعن إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلّد لما قاله، أو كتبه أعداؤه، وإن كان من أقرانه فلا يعتدُّ به؛ لأن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول. كما صرّح به الذهبي - رضي الله عنه -، قال: ولا سيما إذا لاح أنه لعداوة المذهب إذ الحسد لا ينجو منه إلاّ من عصمه الله تعالى)).
    إن كثيراً من العبارات دسّت في كتب الأئمة في الطعن على أبي حنيفة - رضي الله عنه - من الحساد والمتعصبين كترجمته في ((ميزان الاعتدال))، فإنه لا أثر لها في النسخ المعتبرة والصحيحة منه.
    وقد صرّح بذلك العراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم، ويؤيده أن الذهبي عدّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - من حفاظ الحديث وذكر له ترجمة طويلة في ((تذكرة الحفاظ))، ولم ينقل جرحه عن أحد من الحفّاظ.
    إنه أكثر من طلب الحديث كما قال الذهبي - رضي الله عنه -، وأنه كان أعلم أهل عصره بالحديث ومن صيارفته، كما صرح السَّرَخسي والكاساني - رضي الله عنهم -، فقد كان يقدّمه الأعمش في مجلسه، وقد عدّه المحدّثون المؤلفون في طبقات الحفاظ من الحفّاظ كالذهبي وابن عبد الهادي وابن ناصر الدين وابن المبرد الحنبلي والسيوطي والبَدَخْشي وغيرهم، وأنه كان من أول من تكلم في الجرح والتعديل فطعن في جابر الجعفي وقبل النقاد كلامه فيه، لكنه كان محدّثاً على طريق الفقهاء لا المحدثين.
    إن ما وقع منه من مخالفة لبعض الأحاديث غير مختص به وحده، بل وجد هذا من كلِّ من اشتغل بالفقه؛ إذ أنه لا بدّ للمجتهد من أصول يحتكم إليها في استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، وهذا يقتضي منه تقديم بعضها على بعض؛ لنسخ أو تأويل أو غيره، وقال الليث بن سعد - رضي الله عنه -: ((أحصيتُ على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه، وكلّها مخالفة لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -))، وعقب عليه ابن عبد البر - رضي الله عنه - قائلاً: ((ولم نجد أحداً من علماء الأمة أثبت حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمّ ردَّه إلا بحجّة كادّعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده، ولو ردَّه أحد من غير حجّة لسقطت عدالته، فضلاً عن إمامته، ولزمه اسمُ الفسق، وعافاهم الله عن ذلك، وقد جاء عن الصحابة - رضي الله عنهم - اجتهادهم بالرأي والقول بالقياس على الأصول ما يطول ذكره، وكذلك التابعون)). وأيّده السيوطي - رضي الله عنه - فقال: ((والحاصل أنّ أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس، بل على ذلك عامّة عمل فقهاء الأمصار)).

    دعاءكم

  4. #19
    7) الشافعي أقرَّ بضعفه في علم الحديث حتى احتاج إلى توجيه المحدّثين في تصحيح الأحاديث وتمييزها عن الضعيفة؛ حيث قال الإمام الشافعي للإمام أحمد: (أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني؛ كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً):

    ويجاب عنها بما يلي:
    أن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - قصد من مقولته إظهار التواضع أمام أهل الحديث، وهذا خلق أمثاله من العلماء الربانيين، وليس للإقرار بأنه مقصر في هذا العلم؛ بدليل ما تزخر به مصنفاته من الشواهد الظاهرة على تمكنه من الحديث رواية ودراية.
    أن الإمام أحمد كان من كبار المحدثين العراقيين والأعلم بأحوال رواتهم وأسانيدهم، فكان مرجعاً في معرفة روايات أهل العراق بالنسبة إلى الإمام الشافعي - رضي الله عنه - الذي جمع حديث الحجازيين، وعليه فتفسير كلامه: …أنتم أعلم بروايات وأسانيد ورجال منطقتكم؛ بدليل قوله: كوفياً أو بصرياً أو شامياً. ولم يقل مدنياً أو مكياً أو يمنياً؛ لأنه قد أحاط بها وأخذها عن علماء الحرمين واليمن.
    أن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - قال هذه المقولة إعلاماً للإمام أحمد - رضي الله عنه - بأن أصله الذي بنى عليه مذهبه هو الأحاديث والآثار، فهو يقصد من كلامه تعظيم السنن والحثّ على التمسّك بها، وليس شيئاً آخر.

    دعاءكم

  5. #20
    8) لم يخرج البخاري ومسلم أحاديث للشافعي في الصحيحين، وهذا يدلّ على عدم توثيقهما له، فكيف يكون بعد ذلك إماماً في الحديث؟:

    ويجاب عنها بما يلي:
    أن الإمامين البخاري ومسلم قد تيسّرت لهما أحاديث الإمام الشافعي بأسانيد أعلى من إسناده، وعلو السند مطلب مهم لدى المحدثين، فالبخاري لم يدرك الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ورغم ذلك روى عمَّن هو أكبر سناً منه.
    أن البخاري ومسلم ما طعنا في الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بل ذكراه بالمدح والتعظيم، وترك الرواية لا يدل على الجرح، أما المدح والتعظيم فإنه دليل على التعديل.

    دعاءكم

  6. #21
    9) الشافعي غير متمكّن في الفقه؛ إذ أنه غير مذهبه عند ذهابه إلى مصر، فصار عنده مذهب قديم ومذهب جديد:

    ويجاب عنه بما يلي:
    إن هذا يدل على شدة تقوى وورع الإمام الشافعيّ؛ إذ لم يكن لنفسه مطلب سوى تحصيل ما هو الصواب من حكم الله تعالى في المسائل الفقهية المختلفة، فها هو فهمه للمسائل يتغير فلا يصر على ما كان عليه.
    وسبب هذا التغيّر أنه كغيره مرّ بمراحل في النضوج العلمي، فقبل ذهابه إلى مصر لم يصل إلى المنال في تأصيل الأصول الرصينة التي يستطيع أن يبني عليها المسائل الفرعية، فهو ما زال في مرحلة التكوين والتأصيل بدليل قول الإمام أحمد - رضي الله عنه - عندما سأله ابن وارة (ت270هـ) ((ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحب إليك أو التي بمصر؟ قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثمّ رجع إلى مصر فأحكم تلك)).
    وسبب هذا الإحكام أنه عندما قدم بغداد وأخذ ينشر مذهبه القديم ردَّ عليه عيسى بن أبان الحنفي (ت221هـ) في كتابه ((الحجج الكبير))، فبيَّن عوار الأصول التي بنى عليها الشافعي - رضي الله عنه - مذهبه القديم، وأيضاً في ذهابه لمصر التقى بعلماء مصر ومن بينهم تلاميذ لليث بن سعد - رضي الله عنه - فكان لهم أثراً في علمه، وبهذه الأسباب وغيرها استطاع أن يبني مذهباً جديداً متيناً قوياً في مصر، قال الربيع المرادي - رضي الله عنه -: ((أقام الشافعي هاهنا ـ يعني بمصر ـ أربع سنين فأملى ألفاً وخمسمئة ورقة، وخرج كتاب ((الأم)) ألفي ورقة، وكتاب السنن وأشياء كثير كلّها في أربع سنين، وكان عليلاً شديد العلة)).

    دعاءكم

  7. #22
    10) إن الإمام أحمد بن حنبل كان محدثاً لا فقيهاً حيث لم يذكره ابن جرير الطبري في ((اختلاف الفقهاء)) ولا ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ولا الأصيلي في ((الدلائل)) ولا النسفي في ((الوافي)) ولا القاضي عياض في ((المدارك)):

    ويجاب عنها بما يلي:
    إنه كما كان له عناية في سماع الحديث وطلبه اهتم في أخذ الفقه عن أهله، فقد تلقى ثلاثة قَماطِر من العلم في ثلاث سنوات عن القاضي أبي يوسف واستفاد من كتب محمد بن الحسن دقائق المسائل، وأخذ عن أسد بن عَمرو صاحب أبي حنيفة، وتفقه على الشافعي عند مجيئه إلى العراق سنة (195هـ)، وقد جمع علوم فقهاء الأمصار على سعة روايته في الحديث، حتى كان مرجع العلماء في السؤال عن مسائل أئمة الفقه، فكان أحمد بن الفرج يسأله عن مسائل مالك وأهل المدينة، وكان إسحاق بن منصور الكَوْسَج ـ راوية فقهه وفقه ابن راهويه ـ يسأله عن مسائل سفيان الثوري، وكان الميموني يسأله عن مسائل الأوزاعي، وكان إسماعيل بن سعيد الجرجاني الشّالَنْجي يسأله عن مسائل أبي حنيفة وأصحابه.
    إن أقرانه ومعاصريه وغيرهم شهدوا له بأنه فقيه، وأنه من أفقه أهل زمانه كما سبق تسجيل أقوالهم عند ذكر ثناء العلماء عليه فلا حاجة للإعادة.
    إنه وجد له من التلاميذ والأتباع والأصحاب من دوّنوا فقهه وقَعَّدوه وفرَّعوه، فأصبح مذهبه بحمد الله تعالى على قدم المساواة مع المذاهب الثلاثة الأخرى، قال ابن عقيل الحنبلي - رضي الله عنه -: ((إن الإمام أحمد قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ)).
    إن نهيه عن الكتابة عنه ورجوعه كان لشدّة ورعه وتقواه وخوفه من التبعية، ممّا أدّى إلى رواية عشر روايات عنه في بعض المسائل، وآفة ذلك الرواة عنه. وقد ركب أبو بكر الخلال - رضي الله عنه - في زمن متأخر فتنقل في البلاد يسجّل مسائل أحمد - رضي الله عنه - من أفواه أصحابه وأصحاب أصحابه، فبلغ ما سجّله أربعين مجلداً تجمع مختلف الروايات عنه، فأتعب فقهاء مذهب أحمد في تمحيص تلك الروايات، ومن أحسن من قام بتحرير تلك الروايات هو صاحب ((منتقى الأخبار)) عبد السلام بن تيمية الحراني - رضي الله عنه - في كتابه ((المحرر)).

    دعاءكم

  8. #23
    11) ثبت عن الأئمة قولهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وعليه فإنه يجوز لأي أحد جاء بعدهم الاستدراك عليهم ورد قولهم لظاهر حديث وقف عليه:

    ويمكن أن يجاب عنها بما يلي:
    إن مَن ذكر هذا القول من الأقدمين ذكره على سبيل الثناء والرفعة لهؤلاء الأئمة لا لانتقاصهم بالطعن فيما ورد عنهم من مسائل أنها تخالف النصوص، قال العلامة محمد العربي بن التباني - رضي الله عنه -: ((جلّ العلماء الذين ذكروه كالحافظ ابن عبد البر - رضي الله عنه -، إنَّما ذكروه، وعدّوه من مناقبهم، والجماعون المتشبعون بما لم يعطوا ، يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم فهذا صاحب مجلة ((المنار))، زعم أنَّ المذاهب الأربعة فيها مئات المسائل مخالفة للكتاب والسُّنَّة ولم يُبرهنّ على مسألة واحدة في المذاهب الأربعة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن المئات التي أرسلها في الدَّعوى الجوفاء، والكلام لا ضريبة عليه، فأي فرع من فروع الأئمة جاء الحديث مخالفاً له … فهذا لا يتفوّه به إلا سيئ العقيدة في أئمة الدين المشهود لهم بالخيرية من سيد المرسلين، وفي أتباعهم حملة الشَّريعة إلينا)).
    إن هذا الكلام ليس للعوام، وإنما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممن بلغوا مرتبة الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أطبقت كلمة العلماء، قال الإمام ابن الصلاح - رضي الله عنه -: ((فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه - رضي الله عنه -، أَنهُ قيل له : هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام ، لم يودعها الشَّافعيّ - رضي الله عنه - كتابه ؟ قال: ((لا)). وعند هذا أقول: مَن وجدَ من الشَّافعيين حديثاً يخالف مذهبه نظر: فإن كملت آلات الاجتهاد فيه، إما مطلقاً، وإما في ذلك الباب، أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث. وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل ؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك)) .
    وقال الإمام النووي - رضي الله عنه -: ((إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ - رضي الله عنه - ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب. وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعيّ - رضي الله عنه - لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَن يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشَّافعيّ - رضي الله عنه - ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك)).
    وقال الإمام تقي الدين السُّبكي - رضي الله عنه - تعقيباً على قولهما: ((وهذا الذي قالاه - رضي الله عنهم - ليس رداً لما قاله الشَّافعيّ - رضي الله عنه -، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنه تبيين لصعوبة هذا المقام، حتى لا يغتر به كلّ أحدٍ، والإفتاء في الدِّين كلّه كذلك، لا بدَّ من البحث والتَّنقير عن الأدلة الشرعيَّة حتى ينشرح الصَّدر للعمل بالدَّليل الذي يحصل عليه، فهو صعبٌ، وليس بالهيِّن كما قالاه ، ومع ذلك ينبغي الحرصُ عليه وطلبه)).
    وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: ((لا يسوغ عندي لمن هو من أهل الفهم ومعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والتمكُّن من علمي الأصول والعربية، ومعرفة خلاف السلف ومأخذهم، إذا وجد حديثاً صحيحاً على خلاف قول مقلّده: أن يترك الحديث ويعمل بقول إمامه)).
    وقال الإمام ابن عابدين - رضي الله عنه -: ((ولا يخفى أنَّ ذلك ـ أي الأخذ بالحديث الصحيح ـ لمن كان أَهلاً للنَّظر في النُّصوص، ومعرفة محكمها من منسخوها، فإذا نظر أهل المذاهب في الدَّليل وعملوا به، صحَّ نسبتُه إلى المذهب؛ لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب؛ إذ لا شكَّ أنه لو علم ضعف دليله، رجع عنه، واتبع الدَّليل الأقوى)) .
    وقال الإمام أبو شامة المقدسي - رضي الله عنه -: ((ولا يتأتى النَّهوض بهذا إلا من عالمٍ معلوم الاجتهاد، وهو الذي خاطبه الشَّافعيّ - رضي الله عنه - بقوله: ((إذا وجدتم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خلاف قولي، فخذوا به ودعوا ما قلت، فليس هذا لكلِّ أحدٍ، فكم في السنَّة من حديثٍ صحيحٍ العمل على خلافه، إما إجماعاً، وإما اختياراً لمانعٍ منع، نحو: ((صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً في غير خوف ولا مطر))، و((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)). فالأمر في ذلك ليس بالسَّهل ، قال ابن عيينة - رضي الله عنه -: الحديث مَضِلَّة إلا للفقهاء)).
    وقال العلامة محمد عوامة حفظه الله: ((وخلاصة هذا الجواب … من كلام هؤلاء الأئمة: ابن عابدين، وابن الصلاح، وتلميذه أبي شامة، وتلميذ أبي شامة: النووي، ثم القرافي، والسبكي: أنه لا يصل إلى رتبة ادعاء نسبة حكم ما إلى مذهب الشافعي وغيره بناء على قوله المذكور إلا من وصل إلى رتبة الاجتهاد أو قاربها. وبهذا يتبيّن: أنه لا يحقّ لأمثالنا أن يعمل بمجرد وقوفه على حديث ما ـ ولو صحيحاً ـ ويدّعي أنه مذهب للشافعي ـ أو غيره ـ،وأنه إذا عمل به فقد عمل بمذهب فقهي معتبر لإمام معتمد…)).
    أن يكون هذا الحديث صحيحاً عند إمام المذهب بالشروط المفصّلة في أصوله، وقد مرّ شيئاً منها سابقاً، فلا شكّ أن إمامه كان له اطلاع واسع على متون السنة إلا أنه لم يعمل ببعضها لعوارض ظهرت له، كالنسخ والشذوذ والتأويل وغيرها، قال العلامة عبد الوهاب الحافظ - رضي الله عنه -: ((لا بُدَّ … مصححاً عنده ـ إمام المذهب ـ بالشروطِ التي اشترطها، لا عند مَن روى الحديث)).
    وقال العلامة محمد العربي بن التباني - رضي الله عنه -: ((وليس كلّ فقيه يسوغ له أن يشتغل بالعمل بما رآه من الحديث؛ لأنه قد يكون إمامه اطَّلع على هذا الحديث، وتركه عمداً لمانع اطَّلع عليه وخفي على غيره كترك الإمام الشّافعيّ - رضي الله عنه - حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) مع صحّته لكونه منسوخاً عنده، وكترك الجمهور حديث : (إنما الماء من الماء) مع صحته؛ لكونه منسوخاً عندهم بحديث: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل).)).
    إن هذا اللفظ بهذه الصيغة واردٌ عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فحسب؛ إذ أنه فيه عبّر أن أصل مذهبه وهو الحديث الصحيح، ومع ذلك يردّه إن كان منسوخاً كحديث الحجامة السابق، أو مخصصاً كحديث (النهي عن بيع الغرر) فهو مخصوص، خص منه السنبل إذا اشتد، وخصّ منه بيع السلم وغير ذلك، أو مؤولاً كحديث وجوب غسل الجمعة السابق بأنه محتمل أنه واجب لا يجزئ غيره، وواجب في الأخلاق ، وواجب في الاختيار وفي النظافة وفي تغير الريح عند اجتماع الناس.
    أما غيره فلهم ألفاظ قريبة منه كقول الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -: ((إذا جاء الحديث فعلى الرأس والعين))، وقول الإمام مالك - رضي الله عنه -: ((ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة))، وهذا تأكيد منهم على أنهم يلتزمون ويتحرّون في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنهما لهما قواعدهما في قبول الحديث النبوي الشريف.
    وأمر قبول السنة من الأئمة لا ينبغي أن يختلف فيه أحد،قال الإمام الشافعي- رضي الله عنه -: ((لم أسمع أحداً ـ نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم ـ يخالف في أن فرض الله عزّ وجل اتباع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتسليم لحكمه، بأن الله عزّ وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قولٌ بكلِّ حالٍ إلا بكتاب الله أو سنة رسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض اللهِ علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)).
    إنه يجوز العمل بالجانب المرجوح إن قامت قرائن لذلك كوقوع الفتنة أو التشويش على العوام أو تفريق المسلمين، قال العلامة أشرف علي التهانوي - رضي الله عنه -: ((إذا تحقق لعالم واسع النظر ذكي الفهم منصف الطبع بتحقيق نفسه أو لعامي باعتماده على مثل هذا العالم بشرط أن يكون متقياً أن القول الراجح في هذه المسألة في جانب آخر وشهد بذلك قلبه، فلينظر هل هناك مساغ في الدلائل الشرعية لذلك الجانب المرجوح أو لا، فإن كان هناك مساغ فحيث يخاف الفتنة أو وقوع العامة في التشويش أو يخشى تفريق الكلمة بين المسلمين فالأولى أن يعمل بالجانب المرجوح، ويدل على ذلك أحاديث آتية:
    حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم - عليه السلام - فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت).
    فهاهنا وإن كان الراجح بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، ولكنه لما كان الجانب الآخر وهو تركها على حالها جائزاً أيضاً وإن كان مرجوحاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار هذا الجانب المرجوح خوفاً من الفتنة وتشويش العامة.
    حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلَّى أربعاً ـ في منى ـ فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعاً قال: ((الخلاف شر)).
    تبين من هذا أنه وإن كان الراجح عند ابن مسعود - رضي الله عنه - القصر، ولكنه أتم احترازاً عن الخلاف والشر مع كون الإتمام مرجوحاً عنده، ولكن الذي يظهر أنه كان يرى الإتمام جائزاً أيضاً.
    وعلى كل حال ظهر من هذين الحديثين أن الجانب المرجوح إن كان جائزاًَ فاختياره أولى دفعاً للفتنة، فإن لم يكن هناك مساغ للعمل بذلك الجانب المرجوح، بل يلزمه منه ترك واجب أو ارتكاب محظور، ولا يدل عليه دليل سوى القياس ويوجد في الجانب الراجح حديث صحيح صريح، فحينئذ يجب العمل بالحديث من غير أيما تردد…
    عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: (أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمعته يقرأ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه).
    وحاصل هذا الحديث أن أقوال أحبارهم كانت مخالفة لكتاب الله قطعاً ويقيناً، ولكنهم كانوا يؤثرون أقوالهم على كتاب الله فذمت الآية والحديث فعلهم.
    وقد جرى تعامل أكابر العلماء والمحققين على وفق هذا، فإنهم كلّما علموا أن قولهم أو قول غيرهم مخالف لأمر الله سبحانه وتعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - رجعوا عنه فوراً)).

    دعاءكم

  9. #24
    12) إن الأئمة نهوا عن تقليدهم، قال الإمام المزني - رضي الله عنه -: (اختصرت هذا من علم الشافعي - رضي الله عنه - ومن معنى قوله؛ لأقرِّ به على مَن أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليده غيره؛ لينظر فيه ويحتاط):

    فهذا وإن سُلِّمَ ثبوته بهذا العموم فإنه محمول على ما يلي:
    إنه من باب التواضع، فمعلوم أن هذه مسائل ظنية يجتهد الفقيه فيها بقدر وسعه للوصول إلى الصواب، فمَن دعا غيره لتقليده في مثل هذا تكبَّر وتعاظم، وهذا ليس من أخلاق العلماء المخلصين، فكيف يكون خلق الأئمة - رضي الله عنهم -.
    إنه من باب رفع همم طلاب العلم إلى معرفة أدلّة المسائل الفقهية وعدم الاعتماد على مجرد الأقوال فحسب؛ لحفظ هذا العلم العظيم، ولتطمئن النفوس لهذه الفروع بمعرفة دليلها، لثقة هؤلاء الأئمة بأن مسائلهم مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذا معنى قول عصام بن يوسف بن ميمون: ((كنت في مأتم وقد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه -:زفر وأبو يوسف وعافية وآخر - رضي الله عنهم -، فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا)).
    إن هذا النهي خاصّ بالمجتهدين، فإن مَن كملت أدوات الاجتهاد لديه لا ينبغي له أن يركن إلى غيره ليقلّده، وإنما الواجب عليه أن يعمل بما رجح عنده، قال العلامة أحمد ظفر التهانوي - رضي الله عنه -: ((قوله: إن الشافعي - رضي الله عنه - نهى عن تقليده وعن تقليد غيره فمحمله هو المجتهد الذي يعرف الصحيح من السقيم كما يدلّ عليه قوله: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه؛ لأن من لا يقدر على الاجتهاد كيف ينظر لدينه ويحتاط لنفسه؟ وإنما هو كحاطب ليل يظن الأفعى حطباً فيأخذه فيلدغه)).
    قال الإمام الزركشي - رضي الله عنه -: ((إنما نهوا المجتهد خاصّة عن تقليدهم, دون مَن لم يبلغ هذه الرتبة, قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد, وإبطال التقليد؛ لقوله - جل جلاله -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة: وجوب التقليد على العوام, وتقليد القائف, إلى آخر ما ذكره)).
    إنه لو كان التقليد منهياً عنه كما يدّعون؛ لما أفتى الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة وغيرهم من المفتين، بل لوجدناهم قالوا لمَن استفتاهم: اجتهد كما نجتهد، واعلم الحكم من الأدلة الشرعية ولا تسألنا، قال المحدث الفقيه أحمد ظفر التهانوي - رضي الله عنه -: ((ومعلوم أنه لم يكن ذلك في قرن من القرون، بل كان ناس يستفتون وناس يفتون، فعلم منه أن مسلم التقليد متوارث من السلف، ومسلك الاجتهاد لغير المجتهد محدث ابتدعها الجهال الذي هم كحاطب ليل بظنهم غير الحجة حجة والأفعى حطباً. والعجب أنهم يذمون التقليد ومع ذلك يدعون الناس إلى تقليدهم في ترك التقليد)).
    إن العامي مكلّف بالعمل بأحكام الشريعة, وقد يكون في الأدلة عليها خفاء يحوج إلى النظر والاجتهاد, وتكليف العوام رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل, وتعطيل الحرف والصنائع, فيؤدي إلى الخراب، وقد أمر الله - جل جلاله - بسؤال العلماء في قوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).
    إن هؤلاء الأئمة كانوا لا يعتبرون العامة أهلاً لأخذ الأحكام من الكتاب والسنة حتى لو تجرأ أحدهم على ذلك لم يعتد بفعله، ومما يوضح ذلك ما روي عن الإمام أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لم يعتبر اطّلاع العاميّ على الحديث شبهة كافية لدرء الحدّ عنه إذا أفطر في رمضان، قال الإمام المَرْغينانيّ - رضي الله عنه -: ((اطَّلع العاميّ على حديث (أفطر الحاجم والمحجوم)، فأفطر فعن أبي يوسف - رضي الله عنه - وجوب الكفارة؛ لأن على العاميّ الاقتداء بالفقهاء؛ لعدم الاهتداء في حقّه إلى معرفة الأحاديث)).
    ونختم هاتين الشبهتين بكلام للعلامة ظفر أحمد التهانوي - رضي الله عنه - يصور فيه حال من يطلقون مثل هذه الدعاوي؛ إذ يقول: ((قد حدث في شرّ القرون فرقة زائعة يسبون الأئمة ويذمون التقليد ويدعون الناس إلى تركه مع أن جلَّ مطاعنهم ودلائلهم مبنية على التقليد لمن سبقهم؛ لأنهم يقولون: خالف أبو حنيفة في المسألة الفلانية الحديث الصحيح.
    فإن قلت: كيف عرفت أنه حديث صحيح؟
    يقولون: صححه الحافظ في ((الفتح)) وصححه فلان وفلان.
    ولا يعرفون أنه لما لم يجز لهم تقليد أبي حنيفة - رضي الله عنه -كيف جاز لهم مثل ابن حجر - رضي الله عنه -؟
    ولما حرمتم التقليد، فكيف وجب على أبي حنيفة - رضي الله عنه - تقليد ابن حجر - رضي الله عنه - وأمثاله في تصحيح ما يصححون وتضعيف ما يضعفون؟
    وكيف وجب عليه أن يفهم من الحديث على تقدير الصحة ما فهمه ابن حجر وغيره؟
    فهؤلاء في الحقيقة أشد تقليداً من المقلدين؛ لأن المقلدين إنما يوجبون التقليد على
    غير المجتهد للمجتهد، وهؤلاء يوجبون على المجتهد تقليد أنفسهم وإن كان غير مجتهد، ثم هم يدعون الناس إلى ترك تقليد الأئمة المجتهدين ويلزمونهم تقليد أنفسهم في تصحيح ما يصححون وتضعيف ما يضعفون، وفهم ما يفهمون، والقول بما يقولون، وتحليل ما يحلون، وتحريم ما يحرمون تقليداً لسلفهم، وسب مَن يسبون، ومدح من يمدحون، فما انتهى جهل هؤلاء وضلالتهم إلى أن تناقضت آراؤهم وأفعالهم؛ حيث يذمون شيئاً لغيرهم، ويختارون لأنفسهم أقبح منه، ويحرمون شيئاً على غيرهم ويوجبون عليهم أشنع منه، فلا يشك عاقل في جهلهم وضلالهم، ولكن لما كانت تشكيكاتهم وتلبيساتهم يغتر بها الذين لا يعلمون وتروج عليهم، رأينا كشف تلبيساتهم أحرى)).

    دعاءكم

  10. #25
    13) التمذهب يؤدي إلى التعصّب حتى أن مقلّدين المذاهب لا يقدمون على قول إمامهم قول أحد، ويردون بعض أحاديث رسول - صلى الله عليه وسلم - لقوله:

    ويجاب عنها بما يلي:
    إن ما أشيع في هذا العصر من التعصب المذهبي في العصور السابقة فيه مجازفة ومبالغة عظيمة، كان وراءها أصابع خفية تسعى إلى تحقيق مآرب وأهداف خاصة من نشر فكر تتبناه، وهدم لأركان بنيان هذه الأمة وهي المذاهب الفقهية؛ إذ أن بوجودها لا يمكن لأصحاب الأهواء والمصالح تحقيق غاياتهم، فهي سدٌّ منيع في وجه كل متلاعب أفاك؛ ولذا كان لا بد قبل تمرير مخططاتهم من ضرب هذه المذاهب بالتهم المتنوعة ومن بينها تهمة التعصب؛ لاستباحة مخالفتها وانتهاك حرمتها.
    إن جماهير علماء وعامة هذه المذاهب يكنون لبعضهم البعض كل احترام وتقدير وتوقير كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم، ولم يقف الأمر عند هذا فحسب بل إننا نجد أن كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتباً في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنْزلة الرفيعة التي يستحقونها وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممن لا يميّزون الشمال من اليمين والغث من السمين، فها هو ابن حجر الهيتمي الشافعي يؤلف ((الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان))، والسيوطي الشافعي يؤلف ((تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة))، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلف ((تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة))، وابن عبد البر المالكي يؤلف ((الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء))، والشعراني الشافعي يؤلِّف ((الميزان)) في إنصاف كل من الأئمة الأربعة وأصحابهم وهكذا.
    ن ما صدر من كتب الردود من بعض أتباع هذه المذاهب على بعض كأبي عبد الله الجرجاني وأبي منصور البغدادي والقفال الشاشي وابن الجويني والكردري والقاري وغيرهم إن أهمل ما كان فيها خارجاً عن دائرة الإنصاف وداخلاً في باب الاعتساف، فإنه يكون لهذه الكتب الدرجة العالية في تفتيح مدارك المتعلم، وتوسيع فهم المتفقه، وصقل عقليته العلمية، بالإضافة إلى إحكام بنيان هذه المذاهب، وكثرة الاستدلال لمسائلها والتأييد لها، ورفع همم أصحابها في الدفاع عنها والكفاح دونها مما يؤدي إلى استمرارها ونموها؛ ولولا هذه المماحكات والمشادات بين أرباب هذه المذاهب لكانت أثراً بعد عين.
    قال الدكتور مصطفى الخن: ((الخلاف في الفروع بعد الاتفاق على الأصل، فما هو إلا اختلاف في الطريق الموصل إلى الحقيقة، لا في الحقيقة نفسها، وقد يكون في هذا الخلاف توسعة على السائرين ورفق بهم ورحمة، وجدير به أن لا يمت إلى الانشقاق لا من قريب ولا من بعيد. وهذا هو شأن المذاهب الفقهية.
    ولئن رأينا في بعض البلدان وفي بعض العصور أن المذهبية كانت عاملاً من عوامل التفرق بين المسلمين، فلنعتقد أن هذا راجع إلى سوء فهم هؤلاء وجهلهم بالحقيقة، لا إلى وجود المذاهب نفسها، وما شأن هؤلاء إلا كشأن إنسان وجد في السوق سكيناً تباع ؛ لتكون مرتفقاً للناس، فاشتراها، فقتل بها نفسه، وكثيراً ما يستعمل الإنسان في الشر ما كان موضوعاً في أصله لاستعماله في الخير.
    إن تقديم قول إمامه على الحديث ليس لأنه أفضل وأولى من حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ظنّ هذا خيف عليه؛ وإنما ذلك لأن إمامهم اجتهد في استخراج الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة النبوية، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه مما سبق تفصيله.
    إن استخراجهم الأحكام الشرعية من نصوص إمامهم لا من نصوص الشارع؛ لأن إمامهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير، ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهداً في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم.
    إن حاملين لواء هذه الدعوة ينبذون المذاهب وكأنها مأخوذة من هوى الأنفس، ويدّعون أنهم يريدون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة، وكأن هذه المذاهب مستقاة من غيرهما، قال الدكتور علي نايف البقاعي: ((ويطالعنا بعض أهل هذا العصر بدعوةٍ جديدة إلى الأخذ من الكتاب والسنة كما هو مذهب السلف - رضي الله عنهم -، وهل بنيت المذاهب الأربعة على غير الكتاب والسنة! أو خرج أحد الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عن أن يكون من سلف هذه الأمة! أما كانوا جميعاً في خير القرون التي زكاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن لم يكونوا من السلف فمن السلف إذن؟
    إن وضع الأئمة الأربعة في صف مضاد للسنة أو للسلف تجنٍّ عليهم، وهو مرفوض؛ لأن مذاهبهم قد بنيت بناءً محكماً على الكتاب والسنة…. وأخشى أن تكون هذه الدعوى دعوة حقّ يراد بها باطل؛ لأن هذه المذاهب الأربعة قد بينت لنا كيفية الأخذ من الكتاب والسنة في كتبها الأصولية والفقهية، بينما أصحاب هذه الدعوة رفعوا شعارً لم يضعوا تحته أي منهج، وادعوا الاجتهاد وألزموا الناس باتّباعهم)).

    دعاءكم

  11. #26
    14) المدة ما بين الأئمة المجتهدين وزمننا الحاضر كانت عبارة عن عصر جمود وتقليد وانحطاط فقهي؛ إذ أن الفقهاء ركنوا إلى اتباع المذاهب وجمدت قرائحهم عن الاجتهاد وسدوا بابه فلم يزدهر ولم يتطور:

    ويجاب عنها بما يلي:
    إن هذه الشبهة كما سبق الكلام ألقاها من أرادوا التفلت من أحكام الشريعة لرغباتهم ونزواتهم ووساوس شياطينهم من الإنس والجن، وإلا فإنه لا أساس لصحة شيء فيها سوى الافتراء على علماء الأمة ورميهم بأقبح التهم وقذفهم بالتقصير في حفظ هذا الشريعة الغراء بانخفاض هممهم عن القيام بواجبهم الديني.
    وإلا فما معنى الانحطاط، فهل من العدل والإنصاف أن يقاس المشرق الإسلامي الذي كان يدين له العالم أجمع في بلاد لم تكن الشمس تغيب عنها على بلاد الغرب الغارقة في أوهام الكنسية ورجالاتها حتى كانت عندهم عصور وسطى سموها عصور الانحطاط، فهذه محاكاة ليست في محلها مطلقاً، فالعدو والصديق يعترف بالحضارة العظيمة التي كانت للمسلمين في تلك العصور، واستمرت في الدولة العثمانية التي كانت دول أوربا تتسابق إلى تقديم الولاء لها، وزيارة بابها العالي.
    إن مما سبق تفصيله تبيَّن أن الذي سدّ هو الاجتهاد المستقل؛ لكثرة المتلاعبين وأصحاب الأهواء، وقد ظهر عوضاً عنه الاجتهاد المذهبي، وكان فيه كفاية للناس فيما يقع لهم من مسائل، واستمرّ الفقه به في ازدهاره ونموه؛ بدليل وجود هذا الكم الهائل من الفروع الفقهية التي لا تحصى، ولا يستطيع أن يدعي مدعٍ أن الفقه في هذا العصر قصر عن إيفاء حاجة الناس من الأحكام الشرعية المستجدة لهم، بل على العكس إنه قد أوفى ما طلب منه، وبيّن أحكام كثير من المسائل التي لم تقع.
    فإذا كان ذلك فأي جمود لقرائحهم هذا الذي يدعونه وقد بحثوا فيما وقع وما لم يقع وفصلت في أحكامه، وأي ازدهار يريدونه، وقد نظموا الفقه ودرسوه وألفوا فيه الكتب المتنوعة كما سبق تفصيله، إلا أن يكون مقصودكم جعل الشريعة المحمدية لعبة بيدي المتلاعبين من الجهّال والمتزلّفين؛ ليبدلوا الأحكام على حسب أمزجتهم.

    دعاءكم

  12. #27
    15) إن في حمل الناس على تقليد مذهب معيَّن تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا الذي تغيرت فيه أحوال الناس وتبدلت بسبب المدنية المعاصرة، فلا بد من التيسير عليهم بالانتقاء من المذاهب ما يناسبهم، واستخراج أحكام المسائل الجديدة من المذاهب جملة بالمقارنة بينها لمعرفة الحكم الشرعي:

    ويجاب عنها بما يلي:
    إن هذا الفقه ليس وليد اليوم أو البارحة، بل إنه موجود منذ أربعة عشر قرناً، عاشر الناس فيه وعايشهم، وبني على حياتهم، وحل لهم مشكلاتهم، عرفَه المؤمنون في عصور العزّة والنهضة، وطبقته الدول الإسلامية المتعاقبة على رعاياها، فكفى حاجتها، ورغم كلّ هذا الزمان المتطاول لم يشتك أحد من قصر هذه المذاهب عن الوفاء بحاجيات الدول والأفراد، ولم يدع شخص أن في تطبيق مذهب على الناس عسرة، بل نجد كل قوم فرحين بما أتوا من مذهب، منكبين على دراسته وتدريسه وتطبيق مسائله دون اهتمام بغيره.
    إذا اتضح هذا علم أن هذه المقالة وهم وخيال، ليس لها في الواقع مجال، إلا إرباك الناس وإخراجهم عن تطبيق شرع ربهم بحجة العسرة وطلب التيسير أو ضعف أدلة بعض المذاهب أو الترجيح بينها على ما تقتضيه المصلحة أو غير ذلك.
    قال الدكتور البوطي: ((الاجتهاد الذي ينادي رجال بالدعوة إليه اليوم، إما أن يراد به الاجتهاد فيما قد جدّ من أمور المسلمين مع الزمن مما لم يبحث في شأنه الأئمة السابقون، وإما أن يكون المقصود به إعادة النظر في اجتهادات الأئمة وفقههم.
    فأما الاجتهاد بمعناه الأول، فلا يشك باحث عاقل أن على علماء المسلمين اليوم أن يبحثوا في هذه الأمور الجديدة، ويبذلوا جهدهم في استنباط أحكامها بدليل من الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع إذا تم لهم ذلك، والاجتهاد في هذا واجب لا مفرَّ منه.
    وأما الدعوة إليه بمفهومه الثاني، فهي دعوة باطلة، وشهوة مجردة للتلاعب بالأحكام الشرعية الثابتة، واحتجاج من ورائه غرض سيئ ليس من العسير كشفه والإشارة إليه.
    إن الاحتلال البريطاني لمصر، يوم اصطدم بجلمود الفكر الأزهري في كل ما كان يصدر عنه من فتاوى ونظرات وأحكام، لم يجد الوسيلة أمامه إلا أن يفتت هذا الجلمود بمطرقة لا يقوى غيرها على ذلك، هي مطرقة الاجتهاد…
    وكان السبيل لاستحضار هذه المطرقة، هو الاعتماد على من يدعون باسم الإسلام إلى الاجتهاد، ونبذ الجمود على الكتب والفتاوى القديمة، فلما توفرت لهم الأبواق الداعية والمروجة لذلك بشتى الأساليب والطرق، أتيح لهم أن يفتتوا تلك الصخرة الفكرية عن طريقهم ـ كما يقول اللورد كرومر في مذكراته ـ وجاء سيل الإنجليز ومبشروهم يدخلون بأفكارهم وآرائهم المخربة المستوردة في المجتمع المصري بعد أن أجازوها على الأزهر وعلمائه باسم الاجتهاد وتحت امتيازاته….
    بهذا أدخل قاسم أمين أفكاره عن المرأة والحجاب، وبهذا تسلّل الإنجليز نفسه إلى الأزهر في أشخاص كثيرين من ممثليه وأتباعه وبطانته، وبهذا نسخت أحكام ومناهج إسلامية عظيمة بأحكام ومناهج أوروبية سخيفة.
    إن شيئاً من ذلك لم يتم باسم الدعوة إلى نبذ الدين، وإنما تمّ كل ذلك باسم الدعوة إلى الاجتهاد…
    إن الاجتهاد الذي إذا فتح بابه دخل فيه مع الرجل الواحد الصالح عشرون من الرجال المفسدين، جدير ببابه أن يظل مقفلاً لا يفتح.
    وإذا صح أن يوجد مثال متفق عليه عند المسلمين كلهم لقاعدة سدّ الذرائع، فأجدر به أن يكون هو هذا المثال…)).
    فالفقه بصورته المقارنة لم يعرفه المسلمون قط قبل هذا العصر، وإن كل الكتب التي يدعون أن فيها فقهاً مقارناً ككتاب ((المغني في شرح الخرقي))، و((المجموع في شرح المهذب))، و((البناية في شرح الهداية))، وغيرها، فإنما هي كتب مذهبية بحته منهج أصحابها في التأليف عرض الآراء المختلفة في المسألة مع أدلتهم ثمّ تأييد وترجيح مذهبه بالأدلة النقلية والعقلية لا غير.
    وإن ((المحلَّى)) لابن حزم الظاهري يعرض فيه رأيه ويذكر آراء الآخرين لدفعها؛ إذ أنه يستند إلى أصول لنفسه في استنباط الأحكام، وإن كان فيها ما فيها عند أهل النظر، مع العلم أن لأهل العلم صولات وجولات في دحض كلامه وبيان حاله، وقد أطال النفس في الرد عليه أبو بكر بن العربي في ((القواصم والعواصم))، والحافظ اللبلي الأندلسي في ((فهرسته))، وأبو الوليد الباجي كما هو مشهور، ومن الكتب المؤلفة في الرد عليه ((النواهي عن الدواهي)) لأبي بكر بن العربي، و((الغرة في الرد على الدرة)) له، و((المعلى في الرد على المحلى)) لأبي الحسين محمد زرقون الأشبيلي، و((القدح المعلى في الكلام على بعض أحاديث المحلى)) للحافظ قطب الدين الحلبي.
    ال الإمام الكوثري: ((ومما يؤسف له جد الأسف أن تطبع كتب مثل ابن حزم من غير أن يهتم بطبع الكتب المؤلفة لنقد أباطيله، وهذا لا يستساغ في بلد لم يحرم الإشراف العلمي على شؤون العلم ولم يفقد حراسة الشرع من أن يعبث به الجهلة الأغمار، فهل تفريق كلمة المسلمين وتشتيت اتجاههم في مصلحة أحد سوى أعدائهم؟ وليس بين المبتدعة والشذاذ من لا يهول ولا يغالط بملء شدقية في مزاعمه، فأنى للعامة بل لكثير من الخاصة أن يميزوا الحق من الباطل من بين أقواله)).
    أما كلام العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في رد التقليد فإن كثيراً من العلماء كالعلامة محمد حسنين مخلوف المالكي في ((بلوغ السول إلى علم الأصول))، والعلامة محمد خضر الشنقيطي المالكي في ((قمع أهل الزيغ والإلحاد))، والعلامة أحمد ظفر التهانوي في ((مقدمات إعلاء السنن))، قد بينوا عواره ورد عليه جملة جملة وكلمة كلمة بما لا يدع مجالاً لقبوله، ورغم كلّ هذا فإنهما حافظا على التزامهما في المذهب الحنبلي ولهم الدرجة الرفيعة بين فقهائه، ولكثير من أقوالهما القبول لدى أهله، فهم عند الموافق والمخالف حنبليان، ولم يعهد عنهما الانتقاء والتخيّر بين المذاهب الفقهية، فلا مستند لكلامهما وإن سلمنا بقبوله في اعتباره داخلاً في الفقه المقارن.
    وإن وصل بنا الكلام إلى العلامة الشوكاني بعد الصنعاني فإن كلامهما لا يخرج عمّا سبق؛ إذ أن الشوكاني وسّع الكلام في مسألة التقليد وردّه ثم عمد إلى كتب سبقته في جمع أبحاث في بعض الأحاديث وأقوال العلماء في بعض المسائل كـ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) لابن حجر و((تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير))لابن حجر أيضاً فزاد عليها وانبرى لتأييد رأي تبناه وأنه لم يسبقه إليه أحد حتى خرق إجماعات سبقته؛ ليؤلف مذهباً خاصاً به، يتبعه الناس عليه، وقد اتضحت أبحاثه هذه في ((نيل الأوطار))، ولخّصها في ((الدراري المضية شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية)) إذ أنه ادّعى فيه أنه ألف هذا المختصر مما صحّ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخلاف مَن سبقه، فإن فقههم بُنِيَ على القيل والقال، وأي طعن أعظم لمذاهب هذه الأمة من هذا حتى عدّ كلامه بالنسبة كلامهم كمقارنة الذهب بالتراب؛ إذ قال: ((فإني لما جمعت المختصر الذي سمّيته الدرر البهية في المسائل الفقهية قاصداً بذلك جمع المسائل التي صح دليلها واتضح سبيلها، تاركاً لما كان منها من محض الرأي، فإنه قالها وقيلها، فنسبة هذا المختصر إلى المطولات من الكتب الفقهية نسبة السبيكة الذهبية إلى التربة المعدنية)).
    ال الإمام الكوثري: ((والشوكاني لم يكتف بأن يفسد مذهب العترة الطاهرة حتى تطاول على مذاهب الأئمة المتبوعين، بل أكفر أتباعهم جميعاً في غير مواريه، وهذا إكفار للأمة جمعاء على طول القرون؛ وقد انتبه إلى غايته بعض علماء اليمن، وهو العلامة ابن حريوة محمد بن صالح الصنعاني، وألف في الرد عليه ((الغطمطم الزخار في اكتساع السيل الجرار))… وتجد كثيراً من شواذه … التي تابعه فيها القنوجي ـ صديق حسن خان ـ في ((إبراز الغي)) للكنوي، و((تذكرة الراشد)) له، وهو قد أحسن في الرد عليهما في شواذهما، ولم يجهر الشوكاني في ((نيل الأوطار)) بكل ما عنده …، وهذا سبب اغترار بعضهم به)).
    وبهذا يتبيّن لنا أن الفقه المقارن وليد هذا العصر فحسب وأنه لم يعرف عند مَن سبق، وقد ذكر الدكتور محمد عثمان شبير أن: ((العلامة أحمد إبراهيم (ت1945هـ) فقيه العصر ومجدد أسلوب الفقه الإسلامي في مصر))، وفصَّلَ حالَه الزركليّ فقال: ((كان مدرس في مدرسة القضاء الشرعي ثم في كلية الحقوق… امتاز بأبحاثه في المقارنة بين المذاهب والشرائع، له نحو (25) كتاباً، منها: ((أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية))، و((النفقات))، و((الوصايا))، و((وطرق الإثبات الشرعية)) في الفقه المقارن)).
    فيظهر من هذا أن أحمد إبراهيم هو أول مَن تناول المسائل الفقهية بطريقة مقارنة على غرار القانون المقارن حتى عدّ مجدد الفقه الإسلامي؛ إذ أن المسلمين لم يعرفوا هذا المسمّى من قبل، ولا هذه الحقيقة، وإنما ظهرت نتيجة الأفكار الاستعمارية المستوردة كما سبق في كلام كرومر، وبالتأثر بالقانون. والله أعلم.
    إذا استبان ما سبق أيمكن لنا أن نترك ما كان عليه أهل الإسلام في ذروة عزّتهم وخضوع ملكوت الأرض لهم، وبنائهم أضخم الحضارات التاريخية؛ لنأخذ بحكم المعاصرين في زمن أصبح المسلمون فيه من أرذل الأمم وأقلها شأناً حتى أنهم صاروا حريصين على متابعة أعدائهم في كل حياتهم أكثر من حرصهم على اتباع دينهم، ووصل بهم الأمر إلى ترجيح كل ما يوافق ذوق الغرب؛ لما أصيبوا به من الهزيمة النفسية أمام هذه المدنية الغربية.
    وهانحن نسير على هذا النهج منذ نصف قرن ماذا زاد علينا سوى بعد الناس عن الدين وازدياد التخبط والجهل، وضعف المناهج الشرعية المدرّسة، والارتباك العجيب في كلّ مسألة مستجدة تقع للمسلمين.
    أما مَن حافظوا على سير الفقه كما هو عليه منذ القديم في كثير من البلاد الإسلامية فإنهم ما زالوا ينعمون بالاستقرار الفكري والفقهي، وشدة تمسّك الناس بإسلامهم وحرصهم على تطبيقه في حياتهم، بالإضافة إلى سهولة تخريج كلّ ما يجد من مسائل تقع للناس بلا تكلف ولا هوى؛ لأن الأصول والفروع التي يستنبط منها متوافرة في مذهبه، فما عليه إلا أن يقيس عليها، كما أنها تمنع أي متلاعب لظهورها ووضوحها للملأ.
    وأختم الحديث على هاتين الشبهتين بكلام لطيف للعلامة محمود سعيد ممدوح إذ يقول: ((انقطعت سبل العلم بعد أن أقصي شرع الله عن الحياة، وذهب الحارس القوي الأمين على دين الله تعالى، وتغيرت مناهج التعلم وطرقه، وتبدل حال المعاهد الإسلامية التي أخرجت أئمة الدين في قرون متطاولة كالحرمين الشريفين، والقرويين، والأزهر الشريف، والزيتونة، ومعاهد الفاتح، ومدارس الرافدين وبلاد الشام، وأربطة اليمن، ونُكِّل بالمدارس الشرعية التي ازدهرت بها المدن الإسلامية لقرون طويلة، وحيل بينها وبين أوقافها، فأصبحت المباني تبكي أوقافها، وتشتاق لحلقات دروسها.
    عند ذلك فقدنا الجهابذة المؤهلين، والمدرسين المتمكنين، والأئمة الجامعين، وظهر الجهل، والهوى، والغرور، ثم الاستعلاء على أهل العلم وكتبهم، والتطاول على مناهجهم، واتهامهم بالعجز والتقصير فانقلبت بذلك الموازين….
    وكان من إفرازات هذا الواقع الأليم الإغارة على كتب الأئمة باسم ((التصفية والتربية)) أو ((تقريب السنة بين يدي الأمة))، والغرض منهما تقديم ما سمي بـ ((الفقه المصفى))، وكأنّ الأمة كانت في ضلال في عصور النور، أو كان فقهها في كدر في عهود المدّ الإسلامي الزاخر بالأئمة الكبار في كلِّ فنّ، فأراد صاحب هذا المشروع في عصر الجَزْر والجهل أن ينقذها من ضلالها بمنهج ينقذها من ضلالها ويصفي فقهها..! بمنهج يفتقر إلى الأصالة في فهم المصطلحات والدقة في تطبيقها)).

    دعاءكم

  13. #28
    ) طلاق الثلاث يقع واحدا فقد قال تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ): أي مرة بعد مرة , كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مئة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله، سبحان الله. حتى يستوفي العدد, وروي عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة, فقال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة, فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم:

    ملخص هذه المسألة؛ ليتضح ما اقترفوه في حق هذا الصحابي الجليل وحقّ الشرع الكريم كالآتي:
    إن الأمة المحمدية اتفقت وأجمعت على وقوع طلاق من قال: أنت طالق ثلاثاً بأنه يقع ثلاثاً وتبيين منه زوجته بينونة كبرى، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، وكان هذا الحكم في عهد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ومن جاء بعدهم فلم يخالف فيه أحد من أهل الخلاف، فهو مذهب المالكية. والشافعية، والحنفية، وابن حزم الظاهري؛ لأن صريح القرآن وظاهره شاهد له، وكذا السنة النبوية والإجماع وآثار الصحابة والتابعين والعقل واللغة حتى قال العلامة ابن الهُمام): ((لو حكم حاكم بأن الثلاث بفم واحد واحدة لم ينفذ حكمه; لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه فهو خلاف لا اختلاف)).
    ومن الفروق بين الخلاف والاختلاف كما بيَّن أبو البقاء الكفوي: ((إن الاختلاف ما يستند إلى دليل، والخلاف ما لا يستند إلى دليل، والاختلاف من آثار الرحمة..، والخلاف من آثار البدعة، ولو حكم القاضي بالخلاف، ورُفِع لغيره، يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محلّ لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع)).
    والدليل من القرآن: هو الآيات الواردة في الطلاق عامة تشمل وقوع الطلاق سواء
    كانت مجموعاً أو متفرّقاً، دون تفريق، منها: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ)، و(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً).
    ومعنى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ(: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لم تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعياً فلا يندم. وكذلك من يخالف أوامر الله في هذه الآية وغيرها كأن أوقع الطلاق في الحيض أو جمع الثلاث فقد عرض نفسه للضرر فلو لم يكن طلاقه واقعاً ما كان ظالماً لنفسه.
    وأما من السنة: وردت فيها أحاديث عديدة تنصّ على وقوع الطلقات الثلاث ثلاثاً في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، منها:
    حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره: أنه قال: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
    حديث فاطمة بنت قيس أخبرت أن أبا حفص المخزومي طلَّقها ثلاثاً، ثمّ انطلق إلى اليمن، فقال لها أهله: ليس لك علينا نفقة، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص طلَّق امرأتَه ثلاثاً، فهل لها من نفقة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليست لها نفقة….، ورواية طلاقها آخر ثلاث تطليقات شذَّ فيها الزهري عن باقي الحفاظ الذي رووا هذا الحديث،فلا يؤخذ بها.
    حديث رفاعة بن سموأل طلَّق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسَّها ففارقها فأراد رفاعة أن ينكحَها وهو زوجها الأول الذي كان طلَّقَها، فذُكِرَ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاه عن تزويجها، وقال: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة.
    حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: كان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجاً غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك.
    حديث الحسن بن علي - رضي الله عنه -، عن سويد قال كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن بن علي، فلما بويع بالخلافة هنأته، فقال الحسن: أتظهرين الشماتة بقتل أمير المؤمنين، أنت طالق ثلاثاً، ومتعها بعشرة آلالف ـ ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جدي أو سمعت أبي يحدث عن جدي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً عند الأقراء أو طلقها ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لراجعتها. قال ابن رجب: إسناده صحيح.
    حديث محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل، وقال: يا رسول الله ألا أقتله. قال ابن كثير: إسناده جيد. وقال الحافظ ابن حجر: رواته موثقون.
    حديث ركانة أنه طلَّقَ امرأته سهيمة المزنية البتة ثمّ أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يارسول الله إني طلَّقت امرأتي سهيمة البتة ووالله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة. فردّها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلَّقها الثانية في زمان عمر - رضي الله عنه -، والثالثة في زمان عثمان - رضي الله عنه -، فهذه الرواية وردت بطريقين وقد صححها الحفاظ كالشافعي وأبو داود والحاكم والبيهقي والدارقطني وابن حبان وأبو بكر الشيباني وأبو يعلى والطنافسي بخلاف رواية طلقها ثلاثاً التي اعتمد عليها المخالف فقد ردها وأعلها أهل الشأن كأبي داود وأحمد وابن الجوزي والجصاص وابن عبد البر والزيلعي وابن الهمام والنووي.
    وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فقد بلغت العشرات دون أي مخالفة فيما بينهم في ذلك، ولولا الإطالة لذكرتها.
    وأما الإجماع فقد نقله ابن العربي وابن التين وأبو الوليد الباجي ومحمد الخضر الشنقيطي، وغيرهم.
    وخالف العلامة ابن تيمية وتبعه تلميذه ابن القيم ولحق بهم الشوكاني والصنعاني - رضي الله عنهم - وكثيرٌ من المعاصرين، وقالوا: بوقوعه واحداً؛ محتجين بأن هذا الخلاف وقع في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لكنه لا يثبت هذا القول عن أحد يعتد به قبلهم على من يمحص ويدقق، وقد حقق هذا الدكتور هاشم جميل والكوثري، وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة)): اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد.
    واحتجوا بقوله - جل جلاله -: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (: أي مرة بعد مرة , كما إذا قيل للرجل: سبح مرتين. أو سبح ثلاث مرات. أو مئة مرة. فلا بد أن يقول: سبحان الله، سبحان الله. حتى يستوفي العدد.
    والآية لم يحملها أحد من المفسرين المعتبرين على ما حملوها عليه، بل قال الطبري والكلبي والرازي وابنُ الجوزيّ وابنُ عطيّة وغيرهم: إنها لبيان سنّة الطلاق، وهو أن يوقع في كل قرء طلقة، أو أنها لبيان الطلاق الذي يملك معه الرجعة.
    وقال العلامة الكوثري: ((ومحاولة القياس في مورد النص سخف على أن أجرها على قدر التكبير والتلاوة والصلاة ونحوها، فالعدد فيها للتعبد، وفي اللعان والقسامة والإقرار بالزنا فالعدد فيها للتأكيد، ولا يحصل ذلك إلا بإتيان العدد المنصوص…)).
    واحتجوا أيضاً بما روي عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة, فقال عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة, فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم.
    وأجيب عنه بأجوبة عديدة منها:
    الأول: أخرجه أبو داود بلفظ: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأة ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة... الحديث، فتمسَّك بهذا السياق من أعلّ الحديث، وقال: إنما قال ابن عباس - رضي الله عنه - ذلك في غير المدخول بها، وهو جواب إسحاق بن راهويه - رضي الله عنه - وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي - رضي الله عنه - من الشافعية.
    الثاني: دعوى شذوذ رواية طاوس - رضي الله عنه - وهي طريقة البيهقيّ - رضي الله عنه - فإنه ساق الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنه - بلزوم الثلاث ثمّ نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ويفتي بخلافه فيتعيَّن المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم. وقال ابن العربي: هذا حديث مختلف في صحّته فكيف يقدّم على الإجماع.
    الثالث: دعوى أنه ورد في صورة خاصة، فقال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ كأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد فلمَّا كثر الناس في زمن عمر - رضي الله عنه - وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر - رضي الله عنه - اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاء عليهم، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر - رضي الله عنه - أن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، وكذا قال النووي: أن هذا أصح الأجوبة.
    الرابع: تأويل قوله: واحدة وهو أن معنى قوله كأن الثلاث واحدة أن الناس في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يطلقون واحدة فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثاً، ومحصله أن المعنى أن الطلاق الموقع في عهد عمر ثلاثاً كان يوقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلاً أو كانوا يستعملونها نادراً، وأما في عصر عمر - رضي الله عنه - فكثر استعمالهم لها، ومعنى قوله فأمضاه عليهم وأجازه وغير ذلك أنه صنع فيه من الحكم بايقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده الصحيح إليه، قال النووي: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة لا عن تغير الحكم في الواحدة.
    الخامس: حمل قوله: ثلاثاً على أن المراد بها لفظ: ألبتة كما تقدَّم في حديث ركانة سواء وهو من رواية ابن عباس أيضاً، وهو قويّ ويؤيّده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها ألبتة والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلّق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؛ لاشتهار التمويه بينهما فرواها بلفظ الثلاث، وإنّما المراد لفظ البتة وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضي الثلاث في ظاهر الحكم.
    وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء أعني قول جابر: أنها كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا. فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر - رضي الله عنه - على ذلك ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر - رضي الله عنه - خالفه في واحدة منهما، وقد دلّ إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خَفِيَ عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر - رضي الله عنه -، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق.

    دعاءكم

  14. #29
    هذه عناوين الشبه التي وضعتها تسهيلا للأخوة:

    1) الفقه آراء علماء من نصوص ظنية فالخروج عليه ليس خروج على الشريعة.
    2) ينبغي الرجوع في الأحكام الفقهية إلى الله ورسوله لا إلى أقوال الفقهاء.
    3) مدرسة أهل الرأي تعتمد على الرأي والقياس؛ لقلّة الأحاديث بين يديها.
    4) كان اعتناء أهل الكوفة بالحديث يسيراً، وقلّت الرواية عندهم.
    5) االحنفية بعدوا عن الأخذ بالأحاديث النبوية واعتمدوا على القياس.
    6) أبو حنيفة ضعيف في الحديث وروايته قليلة حتى أنه خالف بعض الأحاديث في فقهه.
    7) الشافعي أقرَّ بضعفه في علم الحديث .
    8) لم يخرج البخاري ومسلم أحاديث للشافعي في الصحيحين.
    9) الشافعي غير متمكّن في الفقه بسبب تغيير فقهه.
    10) إن الإمام أحمد بن حنبل كان محدثاً لا فقيهاً .
    11) يجوز لأي أحد رد أقوال الأئمة بالحديث الصحيح.
    12) إن الأئمة نهوا عن تقليدهم.
    13) التمذهب يؤدي إلى التعصّب .
    14) المدة ما بين الأئمة المجتهدين وزمننا الحاضر كانت عبارة عن عصر جمود واقليد وانحطاط فقهي.
    15) حمل الناس على تقليد مذهب معيَّن تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا فلا بد من التيسير عليهم بالانتقاء من المذاهب بالمقارنة بينها.
    16) طلاق الثلاث يقع واحدا.
    17) قراءة القرآن على الأموات بدعة.
    18) الاحتفال بالمولد بدعة.
    19) سؤال الله بجاه نبي أو ولي بدعة.
    20) الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة.
    21) تارك الصلاة كافر, ولايجوز السكن معه.

    دعاءكم

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    إخواني أرجو أن لا نقرأ في المنتدى دعاء بالشر على مسلم. ابن عثيمين أخطأ أخطاء شنيعة ولكننا ندعو الله تعالى أن يرحمه ويغفر له وأن يجعله في الصالحين. إننا ما زلنا في الدنيا ولا نعلم بم يختم لنا. فاللهم لا تمت أحداً منا إلا وانت راض عنه، ولا تمتنا إلا شهداء في سبيلك. ومثل ذلك لإخواننا وأحبابنا وأهلينا وذرياتنا وجميع المسلمين. وقد حذفت المشاركات التي حلقت خارج السرب غفر الله لنا ولكم وللمسلمين. آمين
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •