الحمد لله تعالى
قال الشيخ العلامة محمد بن عمر الغدامسي في كتابه النافع: "سبل المعارف الربّانية وأسوارها الفائقة الحصينية" ردا على الذين أنكروا الاشتغال بعلم الكلام مستشهدين بموقف من مواقف الإمام الفخر الرازي:
ولقد رخص بعض الجهلة الغافلين الذين طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في عدم الاشتغال بهذا الفن العظيم، واحتجوا بذلك بقول الإمام الرازي حيث مر بعجوز من العارفات فقالت: من هذا؟ قيل لها: هذا الإمام الفخر الذي أقام على وحدانية ربه خمسمائة دليل. فقالت: لو عرف الله ما أقام عليه دليلا. فقال الإمام: يا ليت معرفتي كانت كمثل معرفة هذه العجوز. فقال هؤلاء المُبعَدون المطرودون عن باب الله تعالى: هذه ندامة من الشيخ في اشتغاله بهذا الفن، ولذلك تمنى معرفة هذه العجوز التي بلا برهان ولا دليل.
والله ليس الأمر كما زعموا، وليس المقول كما قالوا، بل الإمام تمنى معرفة العجوز حيث كانت معرفتها معرفة المحبوبين الغائبين في مشاهدة الحق عن مشاهدة الخلق، المستدلين بالخالق على المخلوق، التي هي معرفة أكابر أولياء الله المجذوبين. ومعرفته هو معرفة المحبين الذين يستدلون بالمخلوقات على خالقها، التي هي معرفة السالكين. فما شاء واللهِ أن يختار إمام السنة عن المعرفة التي هي أعلى مراتب الخيرات أن يكون مع الغافلين الذين هم كالحمر المستنفرة، وأن يتمنى أقبح الجهل، ويندم على تحصيل أشرف العلوم.
فصار قول الإمام الذي احتجوا به حجة عليهم لا لهم، بل إنما حملهم على هذا القياس الفاسد الجهلُ المشاب بالتكبر لأن من جهل شيئا عاداه. أعاذنا الله من معاداة العلوم وأهلها، ولا حول ولا وقة إلا بالله العلي العظيم. (ص12)
هذا، وقد قدم الشيخ الغدامسي في هذا الكتاب النافع في الفصل الثاني من مقدمته المجعولة في بيان أقسام المعرفة تقسيم المؤمنين إلى غافلين وعارفين، والعارفين إلى محبوبين ومحبين، وبين أن المحبوبين هم الذين أخذتهم يد العناية الربانية وجذبت قلوبَهم وأسرارَهم إلى الحضرة الرحمانية، وأفيضت عليهم العلوم اللدينة والأسرار الإلهية، فأشرقت لهم شموس المعرفة، فلاحت لهم أنوار المشاهدة، فتجلى الحق جل جلاله لبصائرهم عيانا، فغابوا بشهوده عن رؤية كل موجود سواه، فهم أبدا غارقون في بحار المشاهدة، غائبون عن المخلوقات بأسرها، فلا يشعرون بمخلوق منها. والمحبين هم اللذين كانوا مع الخلق بأبصارهم وأسماعهم، فألهمهم الله بفضله محبته وشوّقهم إلى معرفته، فأفاض عليهم العلوم الكسبية والأسرار القدسية، فأشرقت لهم شموس المعرفة ولاحت لهم أنوار المشاهدة، فتجلّت لهم أفعال الحق جل جلاله، وشاهدوها في المخلوقات التي كانوا معها، فاستدلوا بها على وجوب وجود فاعلها ووجوب سائر الكمالات واستحالة سائر النقائص وجواز سائر الممكنات في حقه جل وعلا. وبهذا يتضح لك مراد الشيخ الغدامسي بالمحبوبين والمحبين، كي تميزهم عن سائر أولائك الغافلين البطالين القادحين في شأن علم أصول الدين.
ولا يخطبر ببالك أخي الكريم أن المحبين أقل درجة أو شأنا من المحبوبين، فقد قال العارف بالله سيدي أبو عبد الله الخروبي ـ وهو أحد المحبوبين ـ في المحبين يمدحهم: فهم يجولون بعقولهم وأفكارهم في حضرة الأفعال، سائرون بقلوبهم وأسرارهم إلى الله تعالى، فلا يمرون بفعل من أفعاله تعالى ولا أثر من آثار معاني أسمائه إلا وشاهدوا في ذلك معان لطيفة وأسرار شريفة، يستدلون بذلك على وجود خالقها وعظيم ذاته وكمال صفاته. وهؤلاء هم المستدلون عليه، وهم السالكون، وهم المراد بالعلماء في قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾
قال الشيخ العلامة محمد بن عمر الغدامسي في كتابه النافع: "سبل المعارف الربّانية وأسوارها الفائقة الحصينية" ردا على الذين أنكروا الاشتغال بعلم الكلام مستشهدين بموقف من مواقف الإمام الفخر الرازي:
ولقد رخص بعض الجهلة الغافلين الذين طبع الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة في عدم الاشتغال بهذا الفن العظيم، واحتجوا بذلك بقول الإمام الرازي حيث مر بعجوز من العارفات فقالت: من هذا؟ قيل لها: هذا الإمام الفخر الذي أقام على وحدانية ربه خمسمائة دليل. فقالت: لو عرف الله ما أقام عليه دليلا. فقال الإمام: يا ليت معرفتي كانت كمثل معرفة هذه العجوز. فقال هؤلاء المُبعَدون المطرودون عن باب الله تعالى: هذه ندامة من الشيخ في اشتغاله بهذا الفن، ولذلك تمنى معرفة هذه العجوز التي بلا برهان ولا دليل.
والله ليس الأمر كما زعموا، وليس المقول كما قالوا، بل الإمام تمنى معرفة العجوز حيث كانت معرفتها معرفة المحبوبين الغائبين في مشاهدة الحق عن مشاهدة الخلق، المستدلين بالخالق على المخلوق، التي هي معرفة أكابر أولياء الله المجذوبين. ومعرفته هو معرفة المحبين الذين يستدلون بالمخلوقات على خالقها، التي هي معرفة السالكين. فما شاء واللهِ أن يختار إمام السنة عن المعرفة التي هي أعلى مراتب الخيرات أن يكون مع الغافلين الذين هم كالحمر المستنفرة، وأن يتمنى أقبح الجهل، ويندم على تحصيل أشرف العلوم.
فصار قول الإمام الذي احتجوا به حجة عليهم لا لهم، بل إنما حملهم على هذا القياس الفاسد الجهلُ المشاب بالتكبر لأن من جهل شيئا عاداه. أعاذنا الله من معاداة العلوم وأهلها، ولا حول ولا وقة إلا بالله العلي العظيم. (ص12)
هذا، وقد قدم الشيخ الغدامسي في هذا الكتاب النافع في الفصل الثاني من مقدمته المجعولة في بيان أقسام المعرفة تقسيم المؤمنين إلى غافلين وعارفين، والعارفين إلى محبوبين ومحبين، وبين أن المحبوبين هم الذين أخذتهم يد العناية الربانية وجذبت قلوبَهم وأسرارَهم إلى الحضرة الرحمانية، وأفيضت عليهم العلوم اللدينة والأسرار الإلهية، فأشرقت لهم شموس المعرفة، فلاحت لهم أنوار المشاهدة، فتجلى الحق جل جلاله لبصائرهم عيانا، فغابوا بشهوده عن رؤية كل موجود سواه، فهم أبدا غارقون في بحار المشاهدة، غائبون عن المخلوقات بأسرها، فلا يشعرون بمخلوق منها. والمحبين هم اللذين كانوا مع الخلق بأبصارهم وأسماعهم، فألهمهم الله بفضله محبته وشوّقهم إلى معرفته، فأفاض عليهم العلوم الكسبية والأسرار القدسية، فأشرقت لهم شموس المعرفة ولاحت لهم أنوار المشاهدة، فتجلّت لهم أفعال الحق جل جلاله، وشاهدوها في المخلوقات التي كانوا معها، فاستدلوا بها على وجوب وجود فاعلها ووجوب سائر الكمالات واستحالة سائر النقائص وجواز سائر الممكنات في حقه جل وعلا. وبهذا يتضح لك مراد الشيخ الغدامسي بالمحبوبين والمحبين، كي تميزهم عن سائر أولائك الغافلين البطالين القادحين في شأن علم أصول الدين.
ولا يخطبر ببالك أخي الكريم أن المحبين أقل درجة أو شأنا من المحبوبين، فقد قال العارف بالله سيدي أبو عبد الله الخروبي ـ وهو أحد المحبوبين ـ في المحبين يمدحهم: فهم يجولون بعقولهم وأفكارهم في حضرة الأفعال، سائرون بقلوبهم وأسرارهم إلى الله تعالى، فلا يمرون بفعل من أفعاله تعالى ولا أثر من آثار معاني أسمائه إلا وشاهدوا في ذلك معان لطيفة وأسرار شريفة، يستدلون بذلك على وجود خالقها وعظيم ذاته وكمال صفاته. وهؤلاء هم المستدلون عليه، وهم السالكون، وهم المراد بالعلماء في قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾
.. أين هذه المخطوطات أخي سامح؟
تعليق