قصة بدء الوحي - دروس وعبر
الحمد لله رب العالمين ، أحمده على نعمه التي لا تحصى عددا ، وأعظمها نعمة بعثة سيد الأولين والآخرين للناس كافة ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الجهل إلى العلم ، فلك الحمد يا رب العباد ، على أن جعلتنا من أمته ، وأشهد أن لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أشرف العالمين نسبا ، وأحسنهم خُلُقا ، وأجملهم خلقا ، وأطهرهم قلبا ، وأزكاهم نفسا ، وأفصحهم منطقا ، وأقربهم إلى الله مقاما ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يتجدد بها إيمان المؤمنين ، وتنشرح بها صدور المكروبين ، وتنقشع بها الغمة عن هذه الأمة يا رب العالمين .
" يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " ( لقمان : 33 ) أما بعد :
أما بعد فيا أيها الأحباب : انتهى بنا المطاف في سيرة الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تحكيمه عليه الصلاة والسلام في قصة الحجر الأسود، وحكمته في ذلك التحكيم .
وتدور الأيام وتبدأ مقدمات الوحي متمثلة في سلام الحجر والشجر عليه فقد روى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته وابتداه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته تبعد عن بيوت مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال : " السلام عليك يا رسول الله " قال : فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله وعن يمينه وشماله وخلفه ، فلا يرى إلا الشجر والحجارة ، و عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن ابعث ، إني لأعرفه الآن ) رواه مسلم .
ولله در القائل معبرا عن ذلك الحجر :
أنا الحجر المسلم كل حين على خير الورى فلي البشـارة
وتلك مزية خصصت بها وإن مـن الحــــجـارة
وذلك أشارة إلى الآية الكريمة (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ) .
ومن مقدمات الوحي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا رواه مسلم ، ومعنى يسمع الصوت : أي صوت الهاتف به من الملائكة ، ويرى الضوء : أي نور الملائكة ونور آيات الله تعالى ، حتى رأى الملك وشافهه بوحي الله تعالى .
ومن مقدمات الوحي قبل بلوغه سن الأربعين ؛ أن الله حبب إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر مكة كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء ، وكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على بعد ميلين من مكة ومعه أهله قريباً منه ، فيقيم فيه شهر رمضان ، ويطعم من جاءه من المساكين ويقضي وقته في العبادة والتفكر فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قوة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية ولكن ليس بين يديه طريق واضح ولا منهج محدد ، ولا سبيل قاصد يطمئن إليه ويرضاه .
ولنقف عند هذا المشهد لنأخذ درسا منه فقد قال أرباب القلوب والمهتمين بعلم التزكية يستفاد من هذا الموقف من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لابد للمسلم من ساعة في ليله أو نهاره يخلو فيها بنفسه يحاسبها، ويراقب الله تعالى فيها ، ويتفكر في مظاهر الكون ، ودلائل ذلك على عظمة الله ، وذلك أن النفس لها آفات لا يقطعها أصلاً إلا دواء العزلة عن الناس ، ومحاسبتها بعيدا عن ضجيج الدنيا ومشاغلها ولذاتها ، فالكبر والحسد والرياء والعجب، وحب الدنيا، آفات من شأنها أن تتحكم في النفس ، وتتغلغل في أعماق القلب ، وتهدم باطن الإنسان ، على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة ، والعبادات المبرورة ، وليس لهذه الآفات إلا دواء العزلة بين كل فترة وفترة ،ليتأمل في حقيقتها ونشأتها ، وكيف يمكنه علاجها ، وليتفكر في نفسه وفي ضعفه أمام مولاه الجبار القوي ، فعند ذلك التأمل والتفكر يحيا القلب ، وتزول الآفات وتعلم النفس قدرها .
ومثل هذه العزلة الوقتية بين الحين والحين ، تربي محبة الله سبحانه في القلب بكثرة ذكره، والتفكر في خلقه، وعظيم نعمه فتجعل القلب يحلق في ميادين الإيمان طالباً معرفة الحق سبحانه، وهذه المحبة هي العُدة التي ينبغي أن يتسلح بها كل مسلم ، وتلك العُدة هي التي جهز الله بها حبيبه صلى الله عليه وسلم ليقوم بأعباء الدعوة الإسلامية ، فكان يختلي ليتفكر وليفهم أن قومه على باطل وأي باطل ، وتروي لنا السيدة عائشة قصة بدء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي فتقول رضي الله عنها ( " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء - فيتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينـزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق في رمضان في ليلة القدر وهو في غار حراء ،فسمع صوتا ينادي يا محمد اقرأ ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما أنا بقارئ ‍‍‍‍‍‍، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : " اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم " ( العلق : 1-3) ، فقرأها ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مرتجف الفؤاد ، ثم يبتعد الصوت ، ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من الغار فزعاً ، فسمع صوتاً فيه كل الاطمئنان ( يا محمد أنت رسول الله ) ، ويقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عاجزا عن الكلام والحركة ، ويكاد يسقط مغشياً عليه من هول ما يراه وما يسمعه ، ويطول وقوفه وسط الجبل ، فترسل خديجة من يتفقده ، فقد طال غيابه ، وينصرف جبريل ، ويتمكن رسول صلى الله عليه وسلم من الحركة والدوران قليلاً ، ويذهب إلى بيته ويطرق باب خديجة ، وفؤاده يرجف من الفزع ، فيجلس إلى فخذها ملتصقاً بها ، ويقول : زملوني ، زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقالت خديجة : ما لك يا أبا القاسم ؟ فأخبرها صلى الله عليه وسلم الخبر ؛ فقالت خديجة : ابشر يابن العم ، والله لا يخزيك أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ، وكان امرؤا قد تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عيي - أي مرض - فقالت له خديجة : يا ابن عم : اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس – أي الوحي - الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا - أي شابا قويا - ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي - أي انقطع - حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا، حتى كان يذهب كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه ، فيرجع صلى الله عليه وسلم " فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ : احْتَبَسَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ : أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ . فَنَزَلَتْ : " وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" . قال العلماء وما ذلك إلا ليشتاق صلى الله عليه وسلم إلى الوحي .
وبعد ذلك الانقطاع المرير يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا،فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا ، قَالَ : فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ فأنزل الله عز وجل : " يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر " ( المدثر : 1-5) فحمي الوحي وتتابع " . رواه البخاري
عباد الله هذه قصة بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قصة عظيمة مشتملة على عقيدة وتوحيد وجهاد ودروس وعبر عظيمة . ولابد من التذكير بوقف أم المؤمنين السيدة الجليلة خديجة فموقفها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشرف المواقف، وأعظمها أثرا للدعوة الإسلامية ، فلا يزال أهل الإسلام قاطبة يشكرون ذلك لها فجزاها الله عن أهل الإسلام خيرا ورضي عنها ، ولعل الله أن يجعل من هذا الموقف العظيم أسوة للمسلمات فيقتدين بأم المؤمنين خديجة ، في إعانة أزواجهن على مصاعب الحياة ، وعمل الآخرة، .
هذا وقد حفظ الله صنيع أم المؤمنين خديجة مع رسول الله وكافأها أحسن المكآفأة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ ، أَوْ طَعَامٌ ، أَوْ شَرَابٌ ؛ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ ، قَالَتْ : فَغِرْتُ ، فَقُلْتُ : مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ، قال : " مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا ، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ " رواه البخاري .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابة وسنة سيد أحبابه .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفوة الخلق أجمعين ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد عباد الله : أوصيكم ونفسي الخاطئة قبلكم بتقوى الله ، فإن التقوى في الدنيا الحرز والجنة ، وفي الآخرة الطريق إلى الجنة .
أيها المسلمون : هذه هي سيرة حبيبكم ونبيكم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عند البعثة ، فليزدد حبكم له ، واتباعكم لسنته ، وتمسككم بشريعته ، فإن لا ينجو أحد إلا بهذا .
ألا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه ، فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه فقال : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ..........) .

بقلم / أسامة بن سعيدالعنقاوي المالكي
24/8/1422هـ