النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: حول فتوى الشيخ القرضاوي بإحداث الكنائس في أرض المسلمين ونسبة ذلك للإمام أبي حنيفة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543

    حول فتوى الشيخ القرضاوي بإحداث الكنائس في أرض المسلمين ونسبة ذلك للإمام أبي حنيفة

    الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم .
    فإن المتتبع لواقع المسلمين وأحوالهم التي آلت إليها بعد ظهور كثير من الفرق والتيارات والاتجاهات التي لا تكاد تنفك من ربقة الإسلام شيئاً فشيئاً، ليدرك تماماً ما يعيشه المسلمون من فوضى فقهية نأت بهم عن فقه أئمتهم، والسير على هداهم.
    وما كل ذلك إلا بتعليلات واهية لا تقوى لأن تكون سبباً في نبذ فقه الأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول، مرة باسم مدرسة التيسير، ومرة باسم فقه الواقع، ومرة باسم مقاصد الشريعة، ومرة باسم المصلحة ومرة باسم السياسة الشرعية وغيرها من الدعاوى التي أدّت إلى انحطاط المسلمين وفكرهم، ونأت بهم بعيداً عن المنهجية الفقهية التي التزمها الأكابر، وارتضاها علماؤنا لما أسست عليه من قواعد متينة، فعمدوا إلى إعلاء صرحها وأشادة بنيانها، حتى أصبحت هذه المنهجية ميزة لهذه الأمة تتميز بها عن غيرها من الأمم التي أسست علمها وفكرها على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
    وإنه لمن المستغرب أن يظهر لنا بين الفينة والأخرى مطبلون ومهرجون لفكر بعيد عن قواعد أئمتنا، سواء في الاعتقاد أو الفقه أو الأصول بأسماء متعددة مرة باسم الوسطية، ومرة باسم التجديد، ومرة باسم المصلحة، ومرة باسم الإغارة على متون أهل السنة بحجة أن ما كان يصلح في زمانهم لا يصلح لزماننا....
    وكانت نتيجة سكوت أهل الحق -إلا من رحم ربك- في مدافعة هذه الاتجاهات الدخيلة ما ذكرته في البداية من ما آل إليه واقع المسلمين من فوضى فكرية وفقهية وعقدية.
    وذلك ما حدا بالغيورين من أهل الإسلام أن يهبوا انتصاراً للحق، وبياناً لعوار هذه الاتجاهات الدخيلة، وذلك بتقرير منهج الأئمة الأكابر في المعتقد والفقه والأصول، وذلك بدحض الشبه، ورد كل عدوان على موروث هذه الأمة.
    ومن هنا جاءت كتب الأكابر لبيان الراجح من المرجوح من الأقوال، وبيان ما يرجع إليه من الكتب ويعدّ مرجعاً مما لا يعتمد، وفصلّوا في أسباب ذلك كله بتحريرات وقواعد في كل مذهب حتى لا تزل قدم أهل الفقه والفتوى عند ممارستهم إياه.
    وحتى لا نطيل في المقدمة ارتأيت أن أذكر بعض القواعد في مذهبنا للوصول إلى ما عزمنا على إتمامه من بيان لبُعد فتوى الشيخ القرضاوي -بجواز بناء الكنائس- عن الحق ومجانبتها للصواب، وأن ما نسبه للإمام من القول بجواز بناء الكنائس عارٍ عن الصحة.
    1. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي:
    اعلم بأن الواجب اتباع ما *** ترجيحه عن أهله قد علما
    أو كان ظاهر الرواية ولم *** يرجحوا خلاف ذلك فاعلم

    أي أن الواجب على من أراد أن يعمل لنفسه، أو يفتي به غيره، أن يتبع القول الذي رجحه علماء مذهبه، فلا يجوز له العمل أو الافتاء بالمرجوح إلا في بعض المواضع كما سيأتي في النظم. وقد نقلوا الإجماع على ذلك.
    قلت: هل نسبة الشيخ القرضاوي بجواز بناء الكنائس والعمل في تشييدها من الأقوال المعتمدة في المذهب؟ وهل نصّ علماؤنا رضوان الله عليهم في كتبهم المعتمدة على ذلك؟
    أم أنه اتباع للهوى، ومجانبة للحق من كل جانب؟
    هذا ما سنبينه عند نقلنا لنصوص أئمتنا رضوان الله عليهم.

    2. نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن ابن حجر المكي، وابن الصلاح، والباجي والقرافي من المالكية على أن المجتهد والمقلد لا يحلّ لهما الحكم والافتاء بغير الراجح؛ لأنه اتباع للهوى، وهو حرام اجماعاً.
    قال ابن قطلوبغا في التصحيح والترجيح/121 دار الكتب العلمية ط1/2002: إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا-رضي الله عنهم- بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثمّ حجْر؟ فقلت: نعم، اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع. اهـ
    قلت: فانظر يا أخي الكريم كيف نصّ ابن قطلوبغا على الحجر على فتوى من يخالف المذهب، وعدّ ذلك اتباع للهوى الحرام.
    فهل اطلع الشيخ القرضاوي على مثل هذا قبل أن يصدر فتواه؟
    ثم نقل الشيخ قاسم بعدها/121 عن كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون اليعمري المالكي قوله: من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها من غير نظر في الترجيح. اهـ
    ثم نقل بعدها ص 121-122 عن ابن الصلاح في (أدب المفتي والمستفتي) قوله: اعلم أن من يكتفي بأن يكون فتياه أو عمله موافقاً لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع.
    3. ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي عند ذكره لطبقات فقهاء المذهب:
    الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل.
    وفي آخر الفتاوى الخيرية ج2/231 بعد كتاب الخنثى في: مسائل شتى. مير محمد كتب خانه مصورة عن طبعة دار الطباعة الكبرى الميرية العامرة ببولاق مصر القاهرة العامرة:
    ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مرجوحه ومراتبه قوة وضعفا هو نهاية آمال المشمرين في تحصيل العلم، فالمفروض على المفتي والقاضي التثبت في الجواب وعدم المجازفة فيه خوفاً من الافتراء على الله تعالى بتحريم حلال أو ضده، ويحرم اتباع الهوى والتشهي والميل إلى المال الذي هو الداهية الكبرى، والمصيبة العظمى، فإن ذلك أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي وقد بينت في هذا الجواب ما يتضح لطاله، وما السيف إلا بضاربه. اهـ
    4. قال ابن عابدين في شرح عقود رسم المفتي: اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح فأفتوا بصحته على تعليم القرآن لضرورة؛ فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب....... وقد أطبقت المتون والشروح والفتاوى على نقلهم بطلان الاستئجار على الطاعات إلا فيما ذكر، وعللوا ذلك بالضرورة وهي خوف ضياع الدين، وصرحوا بذلك التعليل، فكيف يصح أن يقال: إن مذهب المتأخرين صحة الاستئجار على التلاوة المجردة مع عدم الضرورة المذكورة.
    ونصّ على مثل هذا الإمام قاضيخان وابن الهمام في فتحه .
    قلت: إذا كان فقهاؤنا قد منعوا استئجار المسلم للمسلم في طاعة لا ضرورة فيها، فأنى لهم بالقول بجواز استئجار المسلمين لتشييد الكنائس وتدعيمها.!!!
    وأين الذي نقلنا في المعتمد عندنا عن أئمتنا من فهم الشيخ القرضاوي لنص صاحب البحر وإطلاقه.
    وإني أنصح إخوتي بضرورة الاطلاع على شرح عقود رسم المفتي للعلامة ابن عابدين، وحبذا لو كانت النسخة التي علّق عليها المفتي مظفر حسين المظاهري/ طبعة كراتشي فإن فيها من التوضيحات والتنبيهات ما لا يحسن لطالب العلم تركه.
    وبهذه العجالة نكتفي كتقديم لنقل نصوص أهل المذهب، والتي تخالف ما ذكره وتوصل إليه الشيخ القرضاوي سامحه الله.
    فهذا أوان الشروع في نقل نصوص أهل المذهب.


    1. قال الإمام العلامة الحسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي في رسالته قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية رداً على سؤال وجه إليه في حكم بناء اتخذ ديراً في محلة داخل باب النصر بالقاهرة المعزية قريبا منه بمحلة تدعى الجوانية وكشف عنه قاضي القضاة بمصر المحروسة يحيى أفندي أحيى الله به مآثر الدين، فوجد أصله بيوتاً إسلامية مكتوبا بسقفها آيات قرآنية كآية الكرسي، وقد جعلته النصارى والرهبان ديراً لاجتماعهم على الكفر ووضع الصور والصلبان وعبادتها والأوثان. فهل حكم هذا البنيان الذي جعل ديراً وما يتعلق به من سائر البناء يكون لبيت المال فيتصرف فيه وزير مولانا السلطان نصره الله بما فيه المصلحة العامة للمسلمين حكم ما يؤول لبيت المال، وما الذي يوجبه نقض أهل الذمة عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإحداث ذلك الدير ونحوه؟ ً/ مخطوطات مكتبة الجامعة الأردنية، الرسالة السادسة والعشرون من مجموع رسائله، ومخطوطات الأزهر الشريف:
    فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله مانح الصواب. أما إزالة هذا المنكر المجمع عليه فيما بين أهل الإسلام فهو فرض عين على مولانا ولي الأمر نصره الله، ويجب على كل أمير إعانته على إزالته للقدرة منهم عليه، فلا عذر لأحد في المخالفة فإن الله تعالى يعز من أعز الدين ويهين من يهينه، ويخذل من يسعف المخالف ومن يخالفه(ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله عزيز ذو انتقام)
    ثم ساق رحمه الله تعالى نصوص المذهب بحرمة احداث كنيسة أو صومعة، ونقل فتاوى أتباع المذاهب الأربعة.
    وإني أنصح بالرجوع إلى رسالتي الإمام الشرنبلالي والاطلاع عليها لما فيهما من خير عميم، ورد على ما أورده الشيخ القرضاوي في فتواه، وكلاهما موجود على النت.
    الرسالة الأولى: قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية.
    الرسالة الثانية: الأثر المحمود لقهر ذوي العهود الجحود.
    2. قال الإمام قاضي الدنيا أبو يوسف في كتابه الخراج في آخر فصل (في الكنائس والبيع والصلبان) ص/162 المكتبة الأزهرية للتراث 1999:
    عن ابن عباس أنه سئل عن العجم ألهم أن يحدثوا بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين؟ فقال: أما مصر مصرته العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وكل مصر كانت العجم مصرته ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم فللعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك.
    ونقل في ص/152 أن أبا عبيدة صالحهم بالشام واشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة، وعلى أن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام.....
    ثم قال أبو يوسف ص160: ولست أرى أن يهدم شيء مما جرى عليه الصلح ولا يحول وأن يمضي الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم لم يهدموا شيئا منها مما كان الصلح جرى عليه، وأما ما أحدث من بناء بيعة أو كنيسة فإن ذلك يهدم. اهـ
    فأين ما ذكره الإمام أبو يوسف هنا في بيان المذهب من فتوى الشيخ القرضاوي؟
    وأنصح الإخوة بقراءة فصل الكنائس والبيع والصلبان من كتاب الخراج لأبي يوسف ليروا العهود التي أخذها الفاتحون من المسلمين على أهل الذمة.
    3. قال ابن قطلوبغا رحمه الله تعالى في التصحيح والترجيح على مختصر القدوري/459 دار الكتب العلمية ط1/2002 بتحقيق ضياء يونس:
    ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، وإن انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها. اهـ
    4. قال صدر الشريعة المحبوبي في شرح الوقاية 3/259 تحقيق صلاح أبو الحاج دار الوراق ط1/2006 عمان:
    ولا تحدث بيعة وكنيسة هنا، ولهم إعادة المنهدمة. اهـ
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543

    تابع

    5. قال الإمام العيني رحمه الله في البناية في شرح الهداية 5/836 دار الفكر ط1/1980:
    (ولا يجوز إحداث بيعة) بكسر الباء(ولا كنيسة في دار الإسلام) يقال كنيسة اليهود والنصارى لتعديتهم، وكذلك البيعة كان مطلقاً في الأصل، ثم غلب استعمال الكنيسة لمعبد اليهود والبيعة لمعبد النصارى لقوله صلى الله عليه وسلم (لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة).....(والمراد إحداثها) أي المراد من قوله صلى الله عليه وسلم ولا كنيسة، أي إحداث الكنيسة......
    (وإن انهدمت البيعة والكنيسة القديمة أعادوها) المراد من القديمة ما كانت قبل فتح الإمام بلدهم ومصالحهم على إقرارهم على بلدهم وأراضيهم، ولا يشترط أن يكون في زمن الصحابة والتابعين لا محالة( لأن الأبنية لا تبقى دائمة لما أقرهم الإمام فقد عهد إليهم الإعادة، إلا أنهم لا يمكنون من نقلها لأنه) أي لأن النقل(إحداث في الحقيقة). اهـ
    6. قال ابن الهمام رحمه الله تعالى في فتح القدير بعدما ذكر حرمة بناء الكنائس في أرض الإسلام:
    والمروي عن صاحب المذهب يعني أبا حنيفة رضي الله عنه كان في قرى الكوفة ؛ لأن أكثر أهلها أهل ذمة بخلاف قرى المسلمين اليوم.
    7. قال الإمام الزيلعي في التبيين 3/279 وما بعدها .دار الكتاب الإسلامي مصورة عن النسخة البولاقية 1313هـ.
    ( ولا تحدث بيعة ولا كنيسة في دارنا) لقوله عليه الصلاة والسلام: لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة.....والمراد بالنهي عن الكنيسة إحداثها أي لا تحدث في دار الإسلام في موضع لم تكن فيه وبيت النار كالكنيسة(ويعاد المنهدم من الكنائس والبيع القديمة) لأنه جرى التوارث من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بترك الكنائس في أمصار المسلمين، ولا يقوم البناء دائما فكان دليلاً على جواز الإعادة، ولأن الإمام لما أقرهم عهد إليهم الإعادة؛ لأن الأبنية لا تبقى دائما، ولا يمكنون من نقلها إلى موضع آخر لأنه إحداث في ذلك الموضع في الحقيقة، والصومعة بمنزلة الكنيسة لأنها تبنى للتخلي للعبادة كالكنيسة بخلاف موضع الصلاة في البيت لأنه تبع للسكنى، وهذا في الأمصار دون القرى لأن الأمصار هي التي تقام فيها شعائر الإسلام فلا يعارض بإظهار ما يخالفها، ولهذا يمنعون من بيع الخمر والخنازير وضرب الناقوس خارج الكنيسة في الأمصار لما قلنا، ولا يمنعون من ذلك في قرية لا تقام فيها الجمع والحدود وإن كان فيها عدد كثير؛ لأن شعائر الإسلام فيها غير ظاهرة. وقيل يمنعون في كل موضع لم تشع فيه شعائرهم لأن في القرى بعض الشعائر.........
    والمروي عن أبي حنيفة كان في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك كله ولا يدخلون فيها الخمر والخنازير..... اهـ
    قلت: هذا كلام أهل المذهب، وتقييدهم لكلام الإمام رحمه الله تعالى حسب ما نقله الثقات عنه.
    وإطلاق الشيخ القرضاوي بنسبة القول إلى الإمام بإجازته إحداث الكنائس يحتمل أحد أمرين:
    الأول: : عدم اطلاع الشيخ على المذهب ومعرفته لقواعده، وهذا غير مستبعد عنه لمن تتبع فتاواه، فعدم انضباطه بقواعد الأئمة خير شاهد على ذلك.
    الثاني: أنه علم ذلك وتغافله تمشيا مع منهجه الذي يدعو به للتيسير، والذي هو في مآله التحرر من أقوال أئمتنا ، والذي يحرره أيضا من ضغوطات السياسة وغيرها.
    8. قال الإمام القاري في فتح باب العناية بشرح النقاية 3/299 طبعة دار الأرقم ط1/1997:
    (ولا تحدث بيعة) وهي معبد النصارى(و) لا (كنيسة) وهي معبد اليهود، ولا صومعة: وهي معبد الرهبان، ولا بيت نار: وهو معبد المجوس(في دارنا) أي في الأمصار. قيل: ولا في القرى، وهذا الخلاف في غير أرض العرب، وأما فيها فيمنعون من ذلك في الأمصار والقرى قولاً واحداً، ويمنع المشركون المشركون أيضاً من السكنى فيها(ولهم إعادة بناء المنهدم) لأن الأبنية لا تبقى دائما، ولجريان التوارث من لدن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا بترك البيع والكنائس في أمصار المسلمين، ولمّا أقرهم الإمام فقد عُهد إليهم الإعادة بطريق الدلالة إلا أنهم لا يمكنون من نقلها ولا زيادة في محلها؛ لأنه إحداث في الحقيقة. اهـ
    9. قال الإمام عبد الغني الميداني في اللباب بشرح الكتاب/626 ط1/2002 تحقيق عبد الكريم العطا:
    (ولا يجوز إحداث بيعة) بكسر الباء(ولا كنيسة) ولا صومعة ولا بيت نار ولا مقبرة(في دار الإسلام) قال في النهاية: يقال كنيسة اليهود والنصارى لمتعبدهم، وكذلك البيعة كان مطلقاً في الأصل، ثم غلب استعمال الكنيسة لمتعبد اليهود والبيعة لمتعبد النصارى. قال في الفتح: وفي ديار مصر لا يستعمل لفظ البيعة بل الكنيسة لمتعبد الفريقين، ولفظ الدير للنصارى خاصة. ومثله في الديار الشامية، ثم إطلاق دار الإسلام يشمل الأمصار والقرى وهو المختار كما في الفتح.( وإذا انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها) حكم ما كانت، من غير زيادة على البناء الأول، ولا يعدل عن النقض الأول إن كفى......الخ
    10. قال الموصلي رحمه الله تعالى في الاختيار4/140 دار المعرفة:
    ولا تحدث كنيسة ولا صومعة ولا بيعة في دار الإسلام.... وإذا انهدمت القديمة أعادوها.... وليس لهم إن يحولوها لأنه إحداث لا إعادة، ثم قيل أنهم يمنعون في الأمصار، أما في القرى التي لا تقام فيها الجمع والحدود لا يمنعون من ذلك ولا من بيع الخمر والخنزير فيها، وهذا في القرى التي أكثر أهلها ذمة، أما قرى المسلمين فلا يجوز ذلك، وأما أرض العرب فيمنعون من ذلك في المصر والقرى.
    قال محمد: لا ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة، ولا يباع فيها خمر وخنزير مصرا كانت أو قرية....الخ

    ومثله أيضاً حتى لا نطيل في النقول ينظر:بدائع الصنائع للكاساني7/184 دار المعرفة بتحقيق محمد حلبيط1/2000
    الفتاوى الخيرية1/92 مير محمد كتب خانه مصورة عن النسخة البولاقية.
    وينظر أيضا مفصلاً: الفتاوى الخانية لقاضيخان3/589 وما بعدها بهامش الفتاوى الهندية. دار الفكر/1991 مصورة عن الطبعة البولاقية.

    ونختم بقول خاتمة المحققين الإمام ابن عابدين رحمه الله تعالى6/327 دار الكتب العلمية ط1/1994:
    مطلب: لا يجوز إحداث كنيسة في القرى، ومن أفتى بالجواز فهو مخطىء ويحجر عليه
    (ولو في قرية) نقل تصحيحه في الفتح عن شرح شمس الأئمة السرخسي في الإجارات ، ثم قال: إنه المختار، وفي الوهبانية: إنه الصحيح من المذهب الذي عليه المحققون، إلى أن قال: فقد علم أنه لا يحل الإفتاء بالإحداث في القرى لأحد من أهل زماننا بعدما ذكرنا التصحيح، والاختيار للفتوى وأخذ عامة المشايخ، ولا يلتفت إلى فتوى من أفتى بما يخالف هذا، ولا يحل العمل به ولا الأخذ بفتواه، ويحجر عليه في الفتاوى ويمنع؛ لأن ذلك منه مجرد اتباع هوى النفس، وهو حرام لأنه ليس له قوة الترجيح، لو كان الكلام مطلقاً فكيف مع وجود النقل بالترجيح والفتوى، فتنبه لذلك، والله الموفق.

    قلت: بناء على ما نقله خاتمة المحققين رحمه الله تعالى، فهذا أوان الحجر على فتاوى الشيخ القرضاوي كما هو مصرح به في مذهبنا، والحجر على من مشى على شاكلته بعدم الانضباط بقواعد الأئمة الفقهاء التي أمضوا أعمارهم في تحقيقها وتمحيصها.
    أبعد كل هذه النقول، يعقل أن يقول الشيخ القرضاوي:

    (والذي أراه: أن إقامة الكنيسة لغير المسلمين من أهل الذمَّة، أو بعبارة أخرى: للمواطنين من المسيحيين وغيرهم، ممَّن يعتبرهم الفقهاء من (أهل دار الإسلام): لا حرج فيه إذا كان لهم حاجة حقيقية إليها، بأن تكاثر عددهم، وافتقروا إلى مكان للتعبُّد، وأذن لهم ولي الأمر الشرعي بذلك. وهو من لوازم إقرارهم على دينهم.

    ومثل ذلك غير المسلمين من غير المواطنين الذين دخلوا دار الإسلام بأمان، أي بتأشيرات دخول وإقامة، للعمل في بلاد المسلمين، وتكاثرت أعدادهم، واستمرَّ وجودهم، بحيث أصبحوا في حاجة إلى كنائس يعبدون ربهم فيها، فأجاز لهم ولي الأمر ذلك في حدود الحاجة، معاملة بالمثل، أي كما يسمحون هم للمسلمين في ديارهم بإنشاء المساجد لإقامة الصلوات.

    وأعتقد أن السماح للنصارى بإقامة كنيسة في قطر يدخل في هذا الباب، وهو من حقِّ ولي أمر، بناء على فقه السياسية الشرعية التي تقوم على رعاية مقاصد الشرع ، ومصالح الخلق ، وتوازن بين المصالح بعضها وبعض، والمفاسد بعضها وبعض، والمصالح والمفاسد إذا تعارضتا، ويجب على وليِّ الأمر الرجوع إلى فتوى العلماء الراسخين، حتى لا يقع فيما لا يحبُّه الله ولا يرضاه.

    وإذا أجزنا لهم إقامة هذه الكنائس في دار الإسلام، فما سُمِح لهم به، وأجازه علماء الشرع، يجوز المشاركة في بناءه وإقامته، وإن كان كثير من العلماء يكرهون ذلك للمسلم، لأنه يعين على أمر يعتقده في دينه باطلا وضلالا، فالمعاونة فيه داخله بوجه في قوله تعالى : {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}

    وبالله التوفيق .

    هذا ما كتبه العبد الفقير في جلسة واحدة على عجلة من أمري وكثرة مشاغلي من بعد عصر اليوم تمضية لأمر سيدي الشيخ جلال حفظه الله تعالى.
    ولنا عودة أخرى إن شاء الله تعالى لبيان عوار ما استدل به الشيخ القرضاوي بنقله بعض نصوص أئمتنا على إطلاقها دون ملاحظة مرادهم منها.
    (القول الثاني : الجـواز :

    وقد ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، خلافا لصاحبيه أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.

    يقول صاحب البحر الرائق: (ولو استأجر - الذمي - المسلم ليبني له بيعة، أو كنيسة جاز، ويطيب له الأجر، ولو استأجرته امرأة ليكتب لها قرآنا أو غيره جاز، ويطيب له الأجر، إذا بيَّن الشرط، وهو إعداد الخط وقدره ، ولو استأجر مسلما ليحمل له خمرا، ولم يقُل: لأشربه ، جازت الإجارة على قول الإمام، خلافا لهما، وفي المحيط : السارق أو الغاصب لو استأجر رجلا يحمل المغصوب أو المسروق لم يجُز؛ لأن نقل مال الغير معصية.
    وفي حاشية ابن عابدين: (قال في الخانية : ولو آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ويعمرها، لا بأس به ، لأنه لا معصية في عين العمل)
    ودليل أبي حنيفة في الجواز:

    1. أنه لو بناها للسكنى لجاز، ولا بد فيها من عبادته.

    2. أن المعصية لا تقوم بعين العمل (البناء)، وإنما تحصل بفعل، فاعل مختار.

    3. القياس على مَن آجر نفسه على حمل خمر لذميٍّ، وعنده: أن الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، والشرب ليس من ضرورات الحمل؛ لأن حملها قد يكون للإراقة أو للتخليل)
    والحمد لله رب العالمين.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543
    الريسوني يؤيد فتوى إقامة الكنائس في بلاد المسلمين
    http://www.qaradawi.net/site/topics/...&parent_id=114
    أخبار القرضاوي/ 27-5-2008

    نشر موقع الدكتور أحمد الريسوني فتوى الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي تسمح بـ ''إقامة كنيسة للمواطنين والمقيمين المسيحيين وغيرهم في الدول الإسلامية إذا كانت لهم حاجة حقيقية إليها، وأذن لهم ولي الأمر الشرعي بذلك''. وأشار الموقع ذاته إلى أن أحمد الريسوني سبق وأن قال رأيه في الموضوع بما يوافق فتوى القرضاوي في إذاعة اسلام أونلاين . وأفتى بـ''السماح للنصارى بإقامة كنيسة في قطر'' ، مشيرًا إلى أنه ''من حقِّ ولي الأمر السماح بذلك، بناء على فقه السياسة الشرعية التي تقوم على رعاية مقاصد الشرع ، ومصالح الخلق'' ، داعيًا ولي الأمر في الوقت نفسه إلى الرجوع إلى فتوى العلماء الراسخين في هذا الشأن ''حتى لا يقع فيما لا يحبُّه الله ولا يرضاه''.

    وأجاز الشيخ القرضاوي للمسلمين أيضًا المشاركة في بناء وإقامة الكنائس، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن ''كثيرا من علماء المسلمين يكرهون ذلك للمسلم، لأنه يعين على أمر يعتقده في دينه باطلا وضلالا''.

    واستند القرضاوي في تأييده لإقامة كنائس ودور عبادة لغير المسلمين في الدول الإسلامية إلى رأي الإمام أبي حنيفة النعمان ، مخالفا آراء علماء المالكية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة الذين أفتوا بتحريم بناء الكنائس والعمل على تشييدها وإقامتها.

    وجاءت فتوى القرضاوي ردا على سؤال تلقاه من أحد المقيمين في قطر يستفسر عن : ''حكم المشاركة في مناقصة بناء إحدى دور العبادة غير الإسلامية (كنيسة) مثل عمل شبابيك ، وفي حالة المشاركة فما حكم الربح الذي عاد على الشركة؟''

    واستهل القرضاوي إجابته على السائل بالإشارة إلى اختلاف أقوال الفقهاء حول مشاركة المسلم في بناء إحدى دور العبادة لغير المسلمين، مثل: معبد للهندوس أو كنيسة للنصارى .

    واستعرض أولا رؤى الفقهاء القائلين بالتحريم، مبينا أنه ذهب إلى تحريم بناء الكنائس والعمل على تشييدها وإقامتها: المالكية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة.

    وبعد أن عرض بالتفصيل لآراء هؤلاء الفقهاء المعارضين لبناء الكنائس أو لإعانتهم في تشييدها انتقل رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بعد ذلك، لعرض رأي الإمام أبي حنيفة الذي ذهب إلى جواز تعاقد المسلم على بناء الكنيسة أو إجارة الدار لتتخذ كنيسة ، خلافا لرأي صاحبيه أبي يوسف ومحمد. وعرض أيضا لأدلة ثلاثة طرحها الإمام أبو حنيفة هي أنه لو بناها للسكنى لجاز، ولا بد فيها من عبادته ، وأن المعصية لا تقوم بعين العمل (البناء)، وإنما تحصل بفعل فاعل مختار، ثم القياس على مَن أجر نفسه على حمل خمر لذميٍّ، وعنده: أن الإجارة على الحمل ليس بمعصية ولا سبب لها، والشرب ليس من ضرورات الحمل، لأن حملها قد يكون للإراقة أو للتخليل.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,004
    مقالات المدونة
    2
    بورك فيك أخي لؤي .. وجزاك الله خيراً
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543
    كنت أتمنى من الإخوة الأفاضل أن يعطوا الموضوع مزيدا من الأهمية، فقد تصفحت الشيخ جوجل فوجدت حتى منتديات الرقص والغناء قد علقت على فتوى الشيخ القرضاوي، في حين أن منتدانا المتخصص لم يعقب على الموضوع بشيء.
    هل ضعفت الهمم؟
    أم أن فتوى الشيخ القرضاوي بمكانة لا يسمح لنا الاعتراض عليها؟
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  6. جزاكم الله كل خير أخ لؤي على هذا التوضيح ودمتم خادماً للعلم كما عهدناكم

  7. بوركتم مشايخنا .. الحمد لله على نعمة الهداية
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •