الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم .
فإن المتتبع لواقع المسلمين وأحوالهم التي آلت إليها بعد ظهور كثير من الفرق والتيارات والاتجاهات التي لا تكاد تنفك من ربقة الإسلام شيئاً فشيئاً، ليدرك تماماً ما يعيشه المسلمون من فوضى فقهية نأت بهم عن فقه أئمتهم، والسير على هداهم.
وما كل ذلك إلا بتعليلات واهية لا تقوى لأن تكون سبباً في نبذ فقه الأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول، مرة باسم مدرسة التيسير، ومرة باسم فقه الواقع، ومرة باسم مقاصد الشريعة، ومرة باسم المصلحة ومرة باسم السياسة الشرعية وغيرها من الدعاوى التي أدّت إلى انحطاط المسلمين وفكرهم، ونأت بهم بعيداً عن المنهجية الفقهية التي التزمها الأكابر، وارتضاها علماؤنا لما أسست عليه من قواعد متينة، فعمدوا إلى إعلاء صرحها وأشادة بنيانها، حتى أصبحت هذه المنهجية ميزة لهذه الأمة تتميز بها عن غيرها من الأمم التي أسست علمها وفكرها على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
وإنه لمن المستغرب أن يظهر لنا بين الفينة والأخرى مطبلون ومهرجون لفكر بعيد عن قواعد أئمتنا، سواء في الاعتقاد أو الفقه أو الأصول بأسماء متعددة مرة باسم الوسطية، ومرة باسم التجديد، ومرة باسم المصلحة، ومرة باسم الإغارة على متون أهل السنة بحجة أن ما كان يصلح في زمانهم لا يصلح لزماننا....
وكانت نتيجة سكوت أهل الحق -إلا من رحم ربك- في مدافعة هذه الاتجاهات الدخيلة ما ذكرته في البداية من ما آل إليه واقع المسلمين من فوضى فكرية وفقهية وعقدية.
وذلك ما حدا بالغيورين من أهل الإسلام أن يهبوا انتصاراً للحق، وبياناً لعوار هذه الاتجاهات الدخيلة، وذلك بتقرير منهج الأئمة الأكابر في المعتقد والفقه والأصول، وذلك بدحض الشبه، ورد كل عدوان على موروث هذه الأمة.
ومن هنا جاءت كتب الأكابر لبيان الراجح من المرجوح من الأقوال، وبيان ما يرجع إليه من الكتب ويعدّ مرجعاً مما لا يعتمد، وفصلّوا في أسباب ذلك كله بتحريرات وقواعد في كل مذهب حتى لا تزل قدم أهل الفقه والفتوى عند ممارستهم إياه.
وحتى لا نطيل في المقدمة ارتأيت أن أذكر بعض القواعد في مذهبنا للوصول إلى ما عزمنا على إتمامه من بيان لبُعد فتوى الشيخ القرضاوي -بجواز بناء الكنائس- عن الحق ومجانبتها للصواب، وأن ما نسبه للإمام من القول بجواز بناء الكنائس عارٍ عن الصحة.
1. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي:
أي أن الواجب على من أراد أن يعمل لنفسه، أو يفتي به غيره، أن يتبع القول الذي رجحه علماء مذهبه، فلا يجوز له العمل أو الافتاء بالمرجوح إلا في بعض المواضع كما سيأتي في النظم. وقد نقلوا الإجماع على ذلك.
قلت: هل نسبة الشيخ القرضاوي بجواز بناء الكنائس والعمل في تشييدها من الأقوال المعتمدة في المذهب؟ وهل نصّ علماؤنا رضوان الله عليهم في كتبهم المعتمدة على ذلك؟
أم أنه اتباع للهوى، ومجانبة للحق من كل جانب؟
هذا ما سنبينه عند نقلنا لنصوص أئمتنا رضوان الله عليهم.
2. نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن ابن حجر المكي، وابن الصلاح، والباجي والقرافي من المالكية على أن المجتهد والمقلد لا يحلّ لهما الحكم والافتاء بغير الراجح؛ لأنه اتباع للهوى، وهو حرام اجماعاً.
قال ابن قطلوبغا في التصحيح والترجيح/121 دار الكتب العلمية ط1/2002: إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا-رضي الله عنهم- بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثمّ حجْر؟ فقلت: نعم، اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع. اهـ
قلت: فانظر يا أخي الكريم كيف نصّ ابن قطلوبغا على الحجر على فتوى من يخالف المذهب، وعدّ ذلك اتباع للهوى الحرام.
فهل اطلع الشيخ القرضاوي على مثل هذا قبل أن يصدر فتواه؟
ثم نقل الشيخ قاسم بعدها/121 عن كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون اليعمري المالكي قوله: من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها من غير نظر في الترجيح. اهـ
ثم نقل بعدها ص 121-122 عن ابن الصلاح في (أدب المفتي والمستفتي) قوله: اعلم أن من يكتفي بأن يكون فتياه أو عمله موافقاً لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع.
3. ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي عند ذكره لطبقات فقهاء المذهب:
الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل.
وفي آخر الفتاوى الخيرية ج2/231 بعد كتاب الخنثى في: مسائل شتى. مير محمد كتب خانه مصورة عن طبعة دار الطباعة الكبرى الميرية العامرة ببولاق مصر القاهرة العامرة:
ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مرجوحه ومراتبه قوة وضعفا هو نهاية آمال المشمرين في تحصيل العلم، فالمفروض على المفتي والقاضي التثبت في الجواب وعدم المجازفة فيه خوفاً من الافتراء على الله تعالى بتحريم حلال أو ضده، ويحرم اتباع الهوى والتشهي والميل إلى المال الذي هو الداهية الكبرى، والمصيبة العظمى، فإن ذلك أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي وقد بينت في هذا الجواب ما يتضح لطاله، وما السيف إلا بضاربه. اهـ
4. قال ابن عابدين في شرح عقود رسم المفتي: اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح فأفتوا بصحته على تعليم القرآن لضرورة؛ فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب....... وقد أطبقت المتون والشروح والفتاوى على نقلهم بطلان الاستئجار على الطاعات إلا فيما ذكر، وعللوا ذلك بالضرورة وهي خوف ضياع الدين، وصرحوا بذلك التعليل، فكيف يصح أن يقال: إن مذهب المتأخرين صحة الاستئجار على التلاوة المجردة مع عدم الضرورة المذكورة.
ونصّ على مثل هذا الإمام قاضيخان وابن الهمام في فتحه .
قلت: إذا كان فقهاؤنا قد منعوا استئجار المسلم للمسلم في طاعة لا ضرورة فيها، فأنى لهم بالقول بجواز استئجار المسلمين لتشييد الكنائس وتدعيمها.!!!
وأين الذي نقلنا في المعتمد عندنا عن أئمتنا من فهم الشيخ القرضاوي لنص صاحب البحر وإطلاقه.
وإني أنصح إخوتي بضرورة الاطلاع على شرح عقود رسم المفتي للعلامة ابن عابدين، وحبذا لو كانت النسخة التي علّق عليها المفتي مظفر حسين المظاهري/ طبعة كراتشي فإن فيها من التوضيحات والتنبيهات ما لا يحسن لطالب العلم تركه.
وبهذه العجالة نكتفي كتقديم لنقل نصوص أهل المذهب، والتي تخالف ما ذكره وتوصل إليه الشيخ القرضاوي سامحه الله.
فهذا أوان الشروع في نقل نصوص أهل المذهب.
1. قال الإمام العلامة الحسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي في رسالته قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية رداً على سؤال وجه إليه في حكم بناء اتخذ ديراً في محلة داخل باب النصر بالقاهرة المعزية قريبا منه بمحلة تدعى الجوانية وكشف عنه قاضي القضاة بمصر المحروسة يحيى أفندي أحيى الله به مآثر الدين، فوجد أصله بيوتاً إسلامية مكتوبا بسقفها آيات قرآنية كآية الكرسي، وقد جعلته النصارى والرهبان ديراً لاجتماعهم على الكفر ووضع الصور والصلبان وعبادتها والأوثان. فهل حكم هذا البنيان الذي جعل ديراً وما يتعلق به من سائر البناء يكون لبيت المال فيتصرف فيه وزير مولانا السلطان نصره الله بما فيه المصلحة العامة للمسلمين حكم ما يؤول لبيت المال، وما الذي يوجبه نقض أهل الذمة عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإحداث ذلك الدير ونحوه؟ ً/ مخطوطات مكتبة الجامعة الأردنية، الرسالة السادسة والعشرون من مجموع رسائله، ومخطوطات الأزهر الشريف:
فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله مانح الصواب. أما إزالة هذا المنكر المجمع عليه فيما بين أهل الإسلام فهو فرض عين على مولانا ولي الأمر نصره الله، ويجب على كل أمير إعانته على إزالته للقدرة منهم عليه، فلا عذر لأحد في المخالفة فإن الله تعالى يعز من أعز الدين ويهين من يهينه، ويخذل من يسعف المخالف ومن يخالفه(ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله عزيز ذو انتقام)
ثم ساق رحمه الله تعالى نصوص المذهب بحرمة احداث كنيسة أو صومعة، ونقل فتاوى أتباع المذاهب الأربعة.
وإني أنصح بالرجوع إلى رسالتي الإمام الشرنبلالي والاطلاع عليها لما فيهما من خير عميم، ورد على ما أورده الشيخ القرضاوي في فتواه، وكلاهما موجود على النت.
الرسالة الأولى: قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية.
الرسالة الثانية: الأثر المحمود لقهر ذوي العهود الجحود.
2. قال الإمام قاضي الدنيا أبو يوسف في كتابه الخراج في آخر فصل (في الكنائس والبيع والصلبان) ص/162 المكتبة الأزهرية للتراث 1999:
عن ابن عباس أنه سئل عن العجم ألهم أن يحدثوا بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين؟ فقال: أما مصر مصرته العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وكل مصر كانت العجم مصرته ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم فللعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك.
ونقل في ص/152 أن أبا عبيدة صالحهم بالشام واشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة، وعلى أن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام.....
ثم قال أبو يوسف ص160: ولست أرى أن يهدم شيء مما جرى عليه الصلح ولا يحول وأن يمضي الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم لم يهدموا شيئا منها مما كان الصلح جرى عليه، وأما ما أحدث من بناء بيعة أو كنيسة فإن ذلك يهدم. اهـ
فأين ما ذكره الإمام أبو يوسف هنا في بيان المذهب من فتوى الشيخ القرضاوي؟
وأنصح الإخوة بقراءة فصل الكنائس والبيع والصلبان من كتاب الخراج لأبي يوسف ليروا العهود التي أخذها الفاتحون من المسلمين على أهل الذمة.
3. قال ابن قطلوبغا رحمه الله تعالى في التصحيح والترجيح على مختصر القدوري/459 دار الكتب العلمية ط1/2002 بتحقيق ضياء يونس:
ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، وإن انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها. اهـ
4. قال صدر الشريعة المحبوبي في شرح الوقاية 3/259 تحقيق صلاح أبو الحاج دار الوراق ط1/2006 عمان:
ولا تحدث بيعة وكنيسة هنا، ولهم إعادة المنهدمة. اهـ
فإن المتتبع لواقع المسلمين وأحوالهم التي آلت إليها بعد ظهور كثير من الفرق والتيارات والاتجاهات التي لا تكاد تنفك من ربقة الإسلام شيئاً فشيئاً، ليدرك تماماً ما يعيشه المسلمون من فوضى فقهية نأت بهم عن فقه أئمتهم، والسير على هداهم.
وما كل ذلك إلا بتعليلات واهية لا تقوى لأن تكون سبباً في نبذ فقه الأئمة الذين تلقتهم الأمة بالقبول، مرة باسم مدرسة التيسير، ومرة باسم فقه الواقع، ومرة باسم مقاصد الشريعة، ومرة باسم المصلحة ومرة باسم السياسة الشرعية وغيرها من الدعاوى التي أدّت إلى انحطاط المسلمين وفكرهم، ونأت بهم بعيداً عن المنهجية الفقهية التي التزمها الأكابر، وارتضاها علماؤنا لما أسست عليه من قواعد متينة، فعمدوا إلى إعلاء صرحها وأشادة بنيانها، حتى أصبحت هذه المنهجية ميزة لهذه الأمة تتميز بها عن غيرها من الأمم التي أسست علمها وفكرها على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
وإنه لمن المستغرب أن يظهر لنا بين الفينة والأخرى مطبلون ومهرجون لفكر بعيد عن قواعد أئمتنا، سواء في الاعتقاد أو الفقه أو الأصول بأسماء متعددة مرة باسم الوسطية، ومرة باسم التجديد، ومرة باسم المصلحة، ومرة باسم الإغارة على متون أهل السنة بحجة أن ما كان يصلح في زمانهم لا يصلح لزماننا....
وكانت نتيجة سكوت أهل الحق -إلا من رحم ربك- في مدافعة هذه الاتجاهات الدخيلة ما ذكرته في البداية من ما آل إليه واقع المسلمين من فوضى فكرية وفقهية وعقدية.
وذلك ما حدا بالغيورين من أهل الإسلام أن يهبوا انتصاراً للحق، وبياناً لعوار هذه الاتجاهات الدخيلة، وذلك بتقرير منهج الأئمة الأكابر في المعتقد والفقه والأصول، وذلك بدحض الشبه، ورد كل عدوان على موروث هذه الأمة.
ومن هنا جاءت كتب الأكابر لبيان الراجح من المرجوح من الأقوال، وبيان ما يرجع إليه من الكتب ويعدّ مرجعاً مما لا يعتمد، وفصلّوا في أسباب ذلك كله بتحريرات وقواعد في كل مذهب حتى لا تزل قدم أهل الفقه والفتوى عند ممارستهم إياه.
وحتى لا نطيل في المقدمة ارتأيت أن أذكر بعض القواعد في مذهبنا للوصول إلى ما عزمنا على إتمامه من بيان لبُعد فتوى الشيخ القرضاوي -بجواز بناء الكنائس- عن الحق ومجانبتها للصواب، وأن ما نسبه للإمام من القول بجواز بناء الكنائس عارٍ عن الصحة.
1. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي:
اعلم بأن الواجب اتباع ما *** ترجيحه عن أهله قد علما
أو كان ظاهر الرواية ولم *** يرجحوا خلاف ذلك فاعلم
أو كان ظاهر الرواية ولم *** يرجحوا خلاف ذلك فاعلم
أي أن الواجب على من أراد أن يعمل لنفسه، أو يفتي به غيره، أن يتبع القول الذي رجحه علماء مذهبه، فلا يجوز له العمل أو الافتاء بالمرجوح إلا في بعض المواضع كما سيأتي في النظم. وقد نقلوا الإجماع على ذلك.
قلت: هل نسبة الشيخ القرضاوي بجواز بناء الكنائس والعمل في تشييدها من الأقوال المعتمدة في المذهب؟ وهل نصّ علماؤنا رضوان الله عليهم في كتبهم المعتمدة على ذلك؟
أم أنه اتباع للهوى، ومجانبة للحق من كل جانب؟
هذا ما سنبينه عند نقلنا لنصوص أئمتنا رضوان الله عليهم.
2. نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن ابن حجر المكي، وابن الصلاح، والباجي والقرافي من المالكية على أن المجتهد والمقلد لا يحلّ لهما الحكم والافتاء بغير الراجح؛ لأنه اتباع للهوى، وهو حرام اجماعاً.
قال ابن قطلوبغا في التصحيح والترجيح/121 دار الكتب العلمية ط1/2002: إني قد رأيت من عمل في مذهب أئمتنا-رضي الله عنهم- بالتشهي، حتى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثمّ حجْر؟ فقلت: نعم، اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع. اهـ
قلت: فانظر يا أخي الكريم كيف نصّ ابن قطلوبغا على الحجر على فتوى من يخالف المذهب، وعدّ ذلك اتباع للهوى الحرام.
فهل اطلع الشيخ القرضاوي على مثل هذا قبل أن يصدر فتواه؟
ثم نقل الشيخ قاسم بعدها/121 عن كتاب تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون اليعمري المالكي قوله: من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها من غير نظر في الترجيح. اهـ
ثم نقل بعدها ص 121-122 عن ابن الصلاح في (أدب المفتي والمستفتي) قوله: اعلم أن من يكتفي بأن يكون فتياه أو عمله موافقاً لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع.
3. ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى في شرح عقود رسم المفتي عند ذكره لطبقات فقهاء المذهب:
الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل.
وفي آخر الفتاوى الخيرية ج2/231 بعد كتاب الخنثى في: مسائل شتى. مير محمد كتب خانه مصورة عن طبعة دار الطباعة الكبرى الميرية العامرة ببولاق مصر القاهرة العامرة:
ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مرجوحه ومراتبه قوة وضعفا هو نهاية آمال المشمرين في تحصيل العلم، فالمفروض على المفتي والقاضي التثبت في الجواب وعدم المجازفة فيه خوفاً من الافتراء على الله تعالى بتحريم حلال أو ضده، ويحرم اتباع الهوى والتشهي والميل إلى المال الذي هو الداهية الكبرى، والمصيبة العظمى، فإن ذلك أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي وقد بينت في هذا الجواب ما يتضح لطاله، وما السيف إلا بضاربه. اهـ
4. قال ابن عابدين في شرح عقود رسم المفتي: اتفقت النقول عن أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: أن الاستئجار على الطاعات باطل، لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح فأفتوا بصحته على تعليم القرآن لضرورة؛ فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت، فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب....... وقد أطبقت المتون والشروح والفتاوى على نقلهم بطلان الاستئجار على الطاعات إلا فيما ذكر، وعللوا ذلك بالضرورة وهي خوف ضياع الدين، وصرحوا بذلك التعليل، فكيف يصح أن يقال: إن مذهب المتأخرين صحة الاستئجار على التلاوة المجردة مع عدم الضرورة المذكورة.
ونصّ على مثل هذا الإمام قاضيخان وابن الهمام في فتحه .
قلت: إذا كان فقهاؤنا قد منعوا استئجار المسلم للمسلم في طاعة لا ضرورة فيها، فأنى لهم بالقول بجواز استئجار المسلمين لتشييد الكنائس وتدعيمها.!!!
وأين الذي نقلنا في المعتمد عندنا عن أئمتنا من فهم الشيخ القرضاوي لنص صاحب البحر وإطلاقه.
وإني أنصح إخوتي بضرورة الاطلاع على شرح عقود رسم المفتي للعلامة ابن عابدين، وحبذا لو كانت النسخة التي علّق عليها المفتي مظفر حسين المظاهري/ طبعة كراتشي فإن فيها من التوضيحات والتنبيهات ما لا يحسن لطالب العلم تركه.
وبهذه العجالة نكتفي كتقديم لنقل نصوص أهل المذهب، والتي تخالف ما ذكره وتوصل إليه الشيخ القرضاوي سامحه الله.
فهذا أوان الشروع في نقل نصوص أهل المذهب.
1. قال الإمام العلامة الحسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي في رسالته قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية رداً على سؤال وجه إليه في حكم بناء اتخذ ديراً في محلة داخل باب النصر بالقاهرة المعزية قريبا منه بمحلة تدعى الجوانية وكشف عنه قاضي القضاة بمصر المحروسة يحيى أفندي أحيى الله به مآثر الدين، فوجد أصله بيوتاً إسلامية مكتوبا بسقفها آيات قرآنية كآية الكرسي، وقد جعلته النصارى والرهبان ديراً لاجتماعهم على الكفر ووضع الصور والصلبان وعبادتها والأوثان. فهل حكم هذا البنيان الذي جعل ديراً وما يتعلق به من سائر البناء يكون لبيت المال فيتصرف فيه وزير مولانا السلطان نصره الله بما فيه المصلحة العامة للمسلمين حكم ما يؤول لبيت المال، وما الذي يوجبه نقض أهل الذمة عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإحداث ذلك الدير ونحوه؟ ً/ مخطوطات مكتبة الجامعة الأردنية، الرسالة السادسة والعشرون من مجموع رسائله، ومخطوطات الأزهر الشريف:
فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله مانح الصواب. أما إزالة هذا المنكر المجمع عليه فيما بين أهل الإسلام فهو فرض عين على مولانا ولي الأمر نصره الله، ويجب على كل أمير إعانته على إزالته للقدرة منهم عليه، فلا عذر لأحد في المخالفة فإن الله تعالى يعز من أعز الدين ويهين من يهينه، ويخذل من يسعف المخالف ومن يخالفه(ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله عزيز ذو انتقام)
ثم ساق رحمه الله تعالى نصوص المذهب بحرمة احداث كنيسة أو صومعة، ونقل فتاوى أتباع المذاهب الأربعة.
وإني أنصح بالرجوع إلى رسالتي الإمام الشرنبلالي والاطلاع عليها لما فيهما من خير عميم، ورد على ما أورده الشيخ القرضاوي في فتواه، وكلاهما موجود على النت.
الرسالة الأولى: قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية.
الرسالة الثانية: الأثر المحمود لقهر ذوي العهود الجحود.
2. قال الإمام قاضي الدنيا أبو يوسف في كتابه الخراج في آخر فصل (في الكنائس والبيع والصلبان) ص/162 المكتبة الأزهرية للتراث 1999:
عن ابن عباس أنه سئل عن العجم ألهم أن يحدثوا بيعة أو كنيسة في أمصار المسلمين؟ فقال: أما مصر مصرته العرب فليس لهم أن يحدثوا فيه بناء بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس ولا يظهروا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً. وكل مصر كانت العجم مصرته ففتحه الله على العرب فنزلوا على حكمهم فللعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا لهم بذلك.
ونقل في ص/152 أن أبا عبيدة صالحهم بالشام واشترط عليهم حين دخلها على أن تترك كنائسهم وبيعهم على أن لا يحدثوا بناء بيعة ولا كنيسة، وعلى أن عليهم إرشاد الضال وبناء القناطر على الأنهار من أموالهم، وأن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام.....
ثم قال أبو يوسف ص160: ولست أرى أن يهدم شيء مما جرى عليه الصلح ولا يحول وأن يمضي الأمر فيها على ما أمضاه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، فإنهم لم يهدموا شيئا منها مما كان الصلح جرى عليه، وأما ما أحدث من بناء بيعة أو كنيسة فإن ذلك يهدم. اهـ
فأين ما ذكره الإمام أبو يوسف هنا في بيان المذهب من فتوى الشيخ القرضاوي؟
وأنصح الإخوة بقراءة فصل الكنائس والبيع والصلبان من كتاب الخراج لأبي يوسف ليروا العهود التي أخذها الفاتحون من المسلمين على أهل الذمة.
3. قال ابن قطلوبغا رحمه الله تعالى في التصحيح والترجيح على مختصر القدوري/459 دار الكتب العلمية ط1/2002 بتحقيق ضياء يونس:
ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، وإن انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها. اهـ
4. قال صدر الشريعة المحبوبي في شرح الوقاية 3/259 تحقيق صلاح أبو الحاج دار الوراق ط1/2006 عمان:
ولا تحدث بيعة وكنيسة هنا، ولهم إعادة المنهدمة. اهـ
تعليق