النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: كلام على شرح الإمام الأصفهاني كلام الإمام البيضاوي -رحمهما الله- على الأفعال الإرادية

  1. #1

    كلام على شرح الإمام الأصفهاني كلام الإمام البيضاوي -رحمهما الله- على الأفعال الإرادية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كلام على شرح الإمام الأصفهاني كلام الإمام البيضاوي -رحمهما الله- على الأفعال الإرادية للعبيد

    الحمد لله جبار السموات والأرض، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد أكرمِ عبدٍ ونعمَ العبدُ وعلى آله وأصحابه والتسليم.

    وبعد فإنَّ للإمام الأصفهاني - رحمه الله - كلاماًً على أفعال العباد في شرحه كتابَ [طوالع الأنوار] أردتُّ مناقشته بأنَّه يمثل تنظير فريق من العلماء لمسألة خلق الأفعال.

    فقد انقسم العلماء من أهل السنّة والجماعة قسمين في هذه المسألة؛ فقسم قال إنَّ محض خلق الإرادة والقدرة كافٍ لصلوح التكليف، وقسم قال بزيادة أن يكون للعبد مدخلية من مرتبة أعلى على اختلافهم في تحديد المرتبة.
    والفريقان متفقان على مقدمة أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق للأفعال وكلّ شيء وأن لا يكون شيء إلا بكونه مراداً لله سبحانه وتعالى، وعليه يقال إنَّ أبعد العلماء عن مركز القول الحق في ذاته وفي المذهب يبقى داخلاً في مسمى أهل السنة والجماعة لقوله بهذين الأصلين.

    أمَّا الفريق الأول فيمثله الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ والإمام فخر الدين الرازي والإمام القاضي ناصر الدين البيضاوي والإمام عضد الدين الإيجي والإمام الجلال الدواني ومن المتأخرين شيخ الإسلام مصطفى صبري وغيرهم رحمهم الله جميعاً.
    أمَّا الثاني فيمثله الإمام القاضي الباقلاني والإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والإمام أبو المعالي الجويني والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم وهو قول السادة الماتريدية رحمهم الله جميعاً.

    فمعرفة هؤلاء الأئمّة من الفريقين يكون معها معرفة أنَّ هذه المسألة المختلف فيها دقيقة وصعبة التحقيق.

    ثمَّ الفريق الأول كان بين ممثليه اختلاف لفظيُّ بأنَّ ما وصلوا إليه من كفاية وجود القدرة والإرادة لا أكثر لصحة التكليف هل يسمى بعد ذلك جبراً أو لا, فمنع الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله وأثبت الإمام فخر الدين الرازي ومن تبعه -رحمهم الله-.

    أمَّا الفريق الثاني فيلزمون الفريق الأول الجبر والماتريدية شنعوا.

    وأمَّا الأول فيلزمون الفريق الثاني القول بأصل ما قالت المعتزلة من تأثيرٍ لغير الله سبحانه وتعالى, والإمام الرازي -رحمه الله- منهم يلزم الفريق الأول - بل جميع الفرق- الجبر!

    وإنَّما أردتُّ مناقشة كلام الإمام الأصفهاني -رحمه الله- بأنَّه من الفريق الثاني وأنَّ تقريره لقولهم رأيته ملخصاً متسقاً، وأنَّه ما رأيت سيدي الشيخ يقرر قريباً منه.

    قال الإمام البيضاوي -رحمه الله- في كتاب: [طوالع الأنوار]: (واعلم أنَّ أصحابنا لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نجده من الجمادات وذادهم قائم البرهان عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بينهما وقالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد على معنى أنَّ العبد إذا صمَّم العزم فالله يخلق الفعل فيه وهو أيضاً مشكل، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين فيه).

    قال الإمام الأصفهاني -رحمه الله- شارحاً: (أقول: اعلم أنَّ أصحابنا لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله -أي نباشره- من الأفعال الاختيارية وبين ما نحسُّه من الجمادات من الحركات الصادرة بدون شعور واختيار فإنَّهم علموا بالبديهة أنَّ مدخلاً في الأول دون الثاني، وذادهم -أي منعهم وطردهم- البرهان الدالُّ على أنَّ الله تعالى خالق كلّ شيء -أي منشئ- عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بين الأمرين وقالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العباد على معنى أنَّ الله تعالى أجرى عادته بأنَّ العبد إذا صمَّم العزم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه، وإذا صمَّم العزم على المعصية يخلق فعل المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وإن لم يكن موجداً، وهذا القدر كافٍ في الأمر والنهي.
    قال المصنّف -رحمه الله-: وهذا أيضاً مشكل؛ فإنَّ تصميم العزم أيضاً فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى فلا مدخل للعبد أصلاً، ولصعوبة هذا المقام أنكر السلف على المناظرين في هذا المقام لأنَّه بحسب الغالب تؤدي المناظرة إلى رفع الأمر والنهي والشرك بالله تعالى.
    وقال أهل التحقيق في هذا المقام: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين. فهذا هو الحقُّ؛ وتحقيقه أنَّ الله يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن يكون للقدرة والإرادة لذاتهما مدخل في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله تعالى إياهما على هذا الوجه ثمَّ يقع الفعل بهما، فإنَّ جميع المخلوقات بخلق الله تعالى بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة وأسباب لا بأن يكون الوسائط والأسباب لذاتهما اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات، بل بأن خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل؛ فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى ومقدورة للعبد بقدرة خلقها الله في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل. والأولى أن يسلك في هذا المقام طريقة السلف ويترك المناظرة فيه ويفوض علمه إلى الله تعالى
    ).

    فما سيكون عليه التعلق بإذن الله سبحانه وتعالى كلام الإمام الأصفهاني -رحمه الله- ولكن قبل ذلك شيء على كلام الإمام البيضاوي -رحمه الله- وهو: (لمَّا وجدوا تفرقة بديهية بين ما نزاوله وبين ما نجده من الجمادات وذادهم قائم البرهان عن إضافة الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بينهما).

    فالظاهر من كلام الإمام -رحمه الله- هنا أنَّ المانع من أن ننسب إلى العبد اختيار فعله مطلقاً هو وجود الدليل على عموم إرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته. والإشكال هنا بأنَّه حتى إن لم ينظر إلى هذا الدليل لا يصحُّ القول إنَّ الفعل منسوب لاختيار العبد مطلقاً, إذ ما كان من المشاهدة لا يكفي بالحكم. فنحن نشاهد موافقة فعل الإنسان لإرادته ولكنَّا لا نستطيع أن نعتمد على هذه المشاهدة إذ حكمنا هنا مبنيٌّ على أنَّا لم نر أنَّ غير العبد هو المؤثر في فعله، فلو صحَّ أن تكفي المشاهدة هنا لصّحَ للمعتزليّ أن يقول إنَّ المشاهدة من حيث هي كافية لإثبات أنَّ المؤثر العبد مستقلاً وليس كذلك. فالحقُّ أنَّ عدم مشاهدة المانع هذا لا يلزم منه عدم وجوده.

    إذن يقال إنَّ الإشكال هو بأنَّ ظاهر كلام الإمام بأنَّا إذ لم نجد مشاهدةً ما يكون به منع كون العبد مختاراً مطلقاً قلنا به, فإذ وجدنا قلنا بالمنع. فهذا تجويز للتعارض والتناقض فهو تناقض.

    ولا أريد بهذا أن أحمّل كلام الإمام -رحمه الله- ما ليس منه ولكن الفائدة لي كباحث في المسألة وجودِها وجوازها والتنبيه على هذه الجهة. وأمَّا الإمام -رحمه الله- فلا يقع في خطأ كهذا.

    أمَّا الإمام الأصفهاني -رحمه الله- فالتعليق أولاً على نقله قول العلماء -رحمهم الله-: (قالوا: الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العباد على معنى أنَّ الله تعالى أجرى عادته بأنَّ العبد إذا صمَّم العزم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه، وإذا صمَّم العزم على المعصية يخلق فعل المعصية فيه، وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وإن لم يكن موجداً، وهذا القدر كافٍ في الأمر والنهي).

    فبعد الإشكال الذي ذكره الإمام بعدُ يرجع السؤال إلى قوله -رحمه الله-: (وهذا القدر كافٍ). وذلك بحيث يكون محض كون الإنسان ذا تصميم وعزم كافياً أو ذلك مع مدخلية على مرتبة أخرى.

    فلا يصحُّ إنكار أنَّ الإرادة من حيث هي مدخلٌ للفعل أيّاً كان سببها، فالمدخلية تكفي إذ هي المطلوبة. لكنَّ الإشكال الذي يستشكل الإمام -رحمه الله- هو أنَّ هذه المدخلية لا تكفي ولا يرتضي أن يسميها مدخلية! وهنا الإشكال! فالمدخلية بحيث يكون الفعل منسوباً إلى العبد موجودة بحيث يكون التفريق بين فعله هذا والفعل الاضطراري. إلا أنَّ الإمام ليس الإشكال عنده هنا بل هو بقوله بعد ذلك: (قال المصنّف -رحمه الله-: وهذا أيضاً مشكل؛ فإنَّ تصميم العزم أيضاً فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى فلا مدخل للعبد أصلاً).

    وهذا الكلام ليس بصحيح إذ المدخلية موجودة، وإنَّما كان الإمام يستحضر أن تكون المدخلية من العبد مستقلة. والجواب عنه أنَّه مهما قيل إنَّها من العبد وجب أن يقال إنَّها موجودة إذ هي مدخلية في موجود وهو الفعل, ومهما قيل إنَّها موجودة لزم أن تكون مخلوقة لله سبحانه وتعالى فيرجع إشكال الإمام.
    والقول باستقلال العبد هنا لا يكون له مانع من القول بأنَّ له استقلالاً من جهة التأثير عينها - بل يكاد يكون هذا قول الإمام رحمه الله-!

    أمَّا قوله -رحمه الله- إنَّ إنكار السلف من جهة أنْ: (بحسب الغالب تؤدي المناظرة إلى رفع الأمر والنهي والشرك بالله تعالى) فلا يُسلَّم؛ فالمناظرة في هذه المسألة يكون معها التزام رفع الأمر والنهي بشرط معيته القولَ بشيء ممَّا يقول الخصوم أمعتزلة قائلين بالحسن والقبح الذاتييَّن كانوا أم جبرية قائلين أنْ ليس للعبد من الفعل نسبة، أمَّا أهل السنّة والجماعة فكلُّهم منكر قولي المعتزلة والجبرية هذين.

    أمَّا ما يُرى أنَّه سبب منع السلف هو أنَّ البحث في هذه المسألة بدقتها صعب متعب وليس بمحتاج إليه وإلا لعُـلِّمناه. وكذلك بأنَّ المناظرة توجب البحث في أفعال الله سبحانه وتعالى. وكذلك أنَّ العبد قبل النظر يكون على القول بالمشاهدة والتزام مؤداها وإن كان باطلاً, فكان الحقُّ مخالفاً النفس نفسها فكان صعباًً. والإمام البيضاوي -رحمه الله- كان مصرحاً بأنَّ السبب الصعوبة لا ما قال الإمام الأصفهاني -رحمه الله-.

    ثمَّ قال -رحمه الله: (وقال أهل التحقيق في هذا المقام: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين الأمرين. فهذا هو الحقُّ). فالكلام أولاً على ما سمّاه الإمام جبراً، فالجبر إمَّا أن يقصد به قول الفريق الأول وهو أنَّ إرادة الإنسان مخلوقة لله سبحانه وتعالى بكلّيتها موافَقةً لاصطلاح الإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله- أو أن يقصد به المعنى اللغوي وهو الإكراه وهو مذهب الجبرية. وأمَّا التفويض إمَّا أن يقصد به استقلال العبد كليّة أو أن يكون مختاراً. فيقصد الإمام بالجبر المعنى الاصطلاحي, ويقصد بالتفويض تمام استقلال العبد بالتأثير، فقوله إنَّ بين ما سمّاهما جبراً وتفويضاً ثالث لا يصحّ؛ فالتأثير من حيث هو بسيط لا مركّب, فإمَّا أن يكون للعبد مدخلية بحيث يكون هو بها هي الفاعلَ فالمؤثر هو -إذ ليس الكلام على التأثير بالإيجاد منقطعاً عن الترجيح بين الفعل وعدمه-، أو أن تكون مدخلية العبد واسطة لإرادة الله سبحانه وتعالى فيكون التأثير من الله سبحانه وتعالى لا العبد. فلزم التناقض برفع الطرفين فلا يصحُّ من وجه.
    وتلخيصه بأنَّ الجبر بالمعنى الاصطلاحي يُلزِم الإمام -رحمه الله- منه أنْ لا مدخلية للعبد, والتفويض فيه إثبات المدخلية؛ فلا ثالث بين إثبات المدخلية أو نفيها.

    فإن كان الإمام -رحمه الله- أراد معنى الاختيار من التفويض فلا يصحُّ قوله إنَّ ثالثاً موجود لأنَّ نقيض القول بالتفويض هو التسيير الذي هو الجبر بالاصطلاح, فإمَّا أن يكون تسيير أو لا تسيير ولا ثالث بينهما.

    ثمَّ قال الإمام: (وتحقيقه أنَّ الله يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن يكون للقدرة والإرادة لذاتهما مدخل في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله تعالى إياهما على هذا الوجه ثمَّ يقع الفعل بهما). فالإمام أولاً يثبت مدخلية للقدرة والإرادة. ثانياً ينفي أن تكون هذه المدخلية منهما بحسب ذاتيهما. ثالثاً مدخليتهما بأنْ خلقهما سبحانه وتعالى على وجه مخصوص بحيث يكون وجودهما موجباً وجود شيء غيرهما وهو التأثير، أو فلنقل باقتصاره على الإرادة بأنَّه التأثير من جهة الترجيح وحده.

    وعلى كلامه هذا - بحسب ما فهمتُ وقرَّرتُ - إشكالات:

    الأول: المدخلية المدَّعاة هنا إنَّما هي من جهة التأثير والترجيح، والتأثير والترجيح واحد بسيط كما سبق, فمهما قيل يلزم أن يرجع السؤال إلى أنَّ المؤثرفي الترجيح إرادة الله سبحانه وتعالى أو العبد. أمَّا أنَّه واحد فذلك بالنظر من جهة أنَّ الترجيح من حيث هو هو المؤثر بالمفعول، أمَّا افتراقهما فمن حيث المفهوم. والمقصود في هذا الموضوع التأثير التالي حُكماً الترجيحَ وهو المطلوب.

    الثاني: قول الإمام -رحمه الله- إنَّ مدخليتهما ليست منهما لذاتيهما يعني أنَّها من خارج كليهما، فإذ كان كذلك لم تكن المدخلية منهما ابتداء، فإذ كان كذلك كان توسطهما لا يفيد شيئاً أكثر من كون العبد محلّهما, وهذا - وإن كان يصلح على مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة- يلزمه الجبر الذي ادعى الفريق الثاني إلزامه الأول!

    أمَّا منعه أن يكون ذلك من ذاتيهما فمتوجه على قولين:

    الأول: قول من قال إنَّ شيئاً غير الله سبحانه وتعالى مستقلٌّ بالتأثير.

    الثاني: قول من قال إنَّ الفعل لو كان بحسب الممكنات لكان من حيث ماهياتها، فلو كان كذلك للزم أنَّها موجبة بالذات فلا اختيار, وللزم أن يكون خالقها سبحانه وتعالى المختار أن تفعل ما تفعل.

    فهذا ما أدى إلى الإشكال الثالث: فهو أولاً قائل بالتوسط الحقيقي -على أي مرتبة كان- لا التوسط الذي هو المحليّة للعبد والمقارنة للقدرة والإرادة فيلزمه قول المعتزلة الذي منع، وهو إنَّما منع المرتبة التي يقصد المعتزلة فلا يكفي. ويلزمه أيضاً إشكال أصلي: وهو أنَّه يلزمه -إن كان مانعاً ما ذكرتُ ثانياً- أنَّ المدخلية إذ كانت إمَّا بحسب ماهية إرادة العبد أو خارجة عنها داخلة في العبد أو خارجة عنهما فأبطلَ الأولَ والثالث يمنعه فهو قائل بالثاني، فلزمه أن يقول إن ما يكون به الإرادة خارج عن الاختيار، لكنَّا نقول إنَّ ما نسميه الإرادة هو ما به الاختيار فلزمه أن تكون الإرادة لا الإرادة وهو تناقض. وكذلك يعود عليه السؤال بأنَّ هذا الخارج ما هو؟ فيتسلسل أو يرجع إلى إيجاب الله سبحانه وتعالى.

    ثم يقول الإمام: (فإنَّ جميع المخلوقات بخلق الله تعالى بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة وأسباب لا بأن يكون الوسائط والأسباب لذاتهما اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات، بل بأن خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل).
    فقوله بالتوسط يُذكر ممَّا يشكل منه أنَّ السؤال بأنَّ المتوسط إمَّا أن يؤثّر من حيث ماهيته فيرجع الإشكال السابق وهو يمنعه أو أنَّ متوسطاً يتوسطهما فيتسلسل وارد عليه.

    وهاهنا إشكال أصلي وهو القول إنَّ موجوداً علة لموجود ثانٍ، فبغض النظر عن كونه لا يفيد القدريَّ ولا الفريق الثاني لأنَّه علَّة لا مصدر اختيار يبقى هذا السؤال أولياً قبل البحث فيهما, فمهما قيل نقول إنَّه قد ثبت أصل أنَّه لا مؤثر في الموجودات إلا الله سبحانه وتعالى مع انقطاع المعتزلة وتقرير الفريق الثاني، فإذا قيل إنَّ غير تعلّق إرادة الله سبحانه وتعالى يكون علّة فهذا محض نقض هذا الأصل.

    وليكن الآن البحث في نفس جواز القول إنَّ غير تعلّق قدرة الله سبحانه وتعالى علّة لموجود, ولا أظنُّ القول إنَّ البحث هو في كون هذا الغير علةً في غير الموجود مجدياً هنا إذ الناتج هو الموجود بوجوده وترجيحه.

    فيقال إنَّ هذا المدَّعى إمَّا أن يكون بأن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً أولَ فيلزم منه آخر من جنس آخر غير معيَّن الفرد لحاجة الأول كاستحالة الجسم من غير عرض كالحركة والسكون لكن لا على تعيين أحدهما، أو أن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً بحيث يلزم منه لذاته متعيّنٌ، أو أن يخلق الله سبحانه وتعالى شيئاً فيكون علّة لعدد من الأشياء. والأقسام ثلاثتها باطلة:

    أمَّا الأول فمن أنَّ وجود الجسم شرط لوجود العرض لا علّة. وكذلك يُفتقر إلى مرجّح يرجح أحد الأضداد من الأعراض فيرجع السؤال.

    أمَّا الثاني فتحقيقه أنَّ الموجود واحد لا اثنان على ما قد قرَّر الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعريُّ -رحمه الله-، فليس من اختلاف إلا اختلاف اعتباري، وليست العلّية إلا عادية مقارَنيَّّّة، وليس هذا مطلوب المدَّعي.

    أمَّا الثالث فليكون يحتاج إلى ترجيح عدد المعلولات وذلك غير ترجيح ماهياتها. وهذا ابتداء لا يساعد المدعي لأنَّ مطلوبه إسناد واحد.

    فإن قيل إنَّ هذا يكون علّة لمتعددات بحيث يكون علة لـ (ب) عند وجود (أ), ويكون علة لـ (د) عند وجود (ج) أجيب بأنَّ الذي تدّعي علة إنَّما هو جزء علة فلا يساعدك لأنَّه قد ثبت أنَّ مطلوبك علّة يكون بها التأثير لا غيرها.

    ثمَّ فليقل قائل إنَّ للعبد معنى مخلوق لله سبحانه وتعالى وهذا المعنى يكون به الاختيار من غير الرجوع إلى خارج عنه مع كونه بسيطاً كما أنَّ صفة الإرادة لله سبحانه وتعالى كذلك. وهذا القائل بذلك يمنع أن تكون لماهية العبد مدخلية مطلقاً، وعليه لو قلنا إنَّ هذه الصفة ترجح لا بناء على شيء مرة بعد أخرى، فكيف يكون العبد مسؤولاً عمَّا من شأنه أن يرجح لا عن ذي دخول فيه منه؟!

    فإن قيل: هذا كافٍ. قيل: فليكن بإرادة الله سبحانه وتعالى أيضاً -لو سلمنا صحته- فهو كافٍ!

    فإن قيل: هذا هو العبد عينه وحقيقته. قيل: لو كان ذلك صحيحاً لما كان فعله متسقاً أبداً وذلك ليس بحاصل؛ إذ الكلام على معنى بسيط يكون منه الترجيح لا بالاستناد إلى شيء من مثل رمية النرد، فمهما كان الرامي كانت النتيجة لا بناء على شيء.
    وهاهنا سيكون سؤال عن ماهيّة العبد؛ فالمدعي يدعي أنَّ العبد هو المؤثر، فيجب أن نعلم ما هو لنعلم كيف ننسب إليه التأثير؛ ولكنَّا نعترف إنَّا لا نعلم ماهية العبد الذي هو الذي يسمّيه كلٌّ منا: (أنا). والإشكال أنَّ المدعي يدّعي أنَّ العبد من حيث هو مختار وجوباً من إدراك الفرق بين ضروري الأفعال واختياريِّها، وإنَّما معرفة تحقق ذلك مبنية على معرفة مدى تحقق العبد المبنية على معرفته هو، فالقول إنَّ الوجوب يعلم من غير العلم بماهية العبد ليس مبنياً على شيء.

    وعلى كلّ حال يلزم أن يكون الترجيح من غير مرجح إذ معنى الإرادة هذا بسيط.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  2. #2
    فإن قيل إنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى غير مركبة ويكون بها الترجيح لا عن خارجيّ، ونحن إنَّما كلامنا على ما به يكون هذا لا هو فلا قياس فهو جائز.

    قيل: الجواب من جهات:

    الأولى: أنَّه غير الحاصل إذ إرادة العبد بحسب الأغراض والدواعي.

    الثانية: أنَّ إمكان إرادة العبد مقتض أن لا تكون المرجع في الترجيح؛ إذ يجب أن يكون راجعاً إلى واجب، فبطلت الدعوى.

    الثالثة: أنَّا نمنع أن يكون الأثر عن الصفتين - صفة الحق سبحانه وتعالى وصفة العبد- كليهما واحداً؛ إذ استحال أن يكون لمختلفين في الحقيقة تأثير متحد الحقيقة ، فهذا منع لأصل دعوى الخصم.

    فإن قيل: لزمكم أن تقولوا إنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى لا تؤثر عن اتساق أيضاً والحاصل الاتساق.

    قيل: فعل الله سبحانه وتعالى ليس تابعاً لعلمه سبحانه وتعالى بل هو بحسبه. وإرادة الله سبحانه وتعالى قديمة لها معنى مغاير معنى إرادة العبد فلزم مغايرة التأثير التأثير والأثر الأثر.
    وسيكون في هذه المسألة مخصوصةً بحث إن شاء الله.

    ثمَّ قال الإمام: ( فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى ومقدورة للعبد بقدرة خلقها الله في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل).

    فلئن سُئل أنْ من أيّ جهة يكون مقدوراً للعبد؟ لا الخلق لأنَّه لله سبحانه وتعالى، ولا مدخلية الاختيار للتمانع.

    فبقي أن يقال إنَّ تعلُّق قدرة العبد من جهة صلوح كونه محلاً، فليصحَّ أن يكون الفعل للعبد منسوباً للعبد يجب أن يكون في العبد معنى بحيث يكون به نسبة الفعل إليه, وهذا مقارن للفعل لا يكون من غيره ولا يكون الفعل من غيره اختيارياً، فهذا المعنى شرط في وجود الفعل على أنَّه اختياري.

    إن قيل: القول بهذا المعنى باطل من وجهين:

    الأول: هذا المعنى تدعون أنَّه عرض حادث زمن وقوع الفعل، وأنتم تدعون أنْ به هو يصلح أن يكون الفعل المخصوص اختيارياً، ولكنَّ صلوح فعل العبد ذلك الفعل بوجه الاختيار موجود قبل وجوده، والصلوح ليس وجودياً فلا فرق بين مدّعاكم والصلوح السابق الفعل.

    الثاني: هذا المعنى إمَّا أن يكون بمحلّ الفعل قائماً أو بالدماغ أو في الروح من حيث هي، والأقسام ثلاثتها باطلة.
    أمَّا الأول وهو كون محلّه مكان الفعل فبطلانه أنَّ المعنى المدَّعى متعلّق يالاختيار، واختيار العبد ليس في جارحته إذ هي آلة لا أكثر. أمَّا أنَّها آلة لا أكثر فمن تشريحها؛ فالأعصاب تنقل إليها إشارات فتتحرك وفقها، وهذا هو الحاصل بالفعل غير الاختياريّ أيضاً.

    أمَّا الثاني وهو كون محلِّه الدماغ فبطلانه من أنَّ الدماغ مخرج الإشارات للأفعال غير الاختيارية أيضاً، فيكون الفعلان القسري والاختياري عند الدماغ على السواء.

    أمَّا الثالث وهو كون محلّه الروح فالروح إمَّا بسيطة أو مركَّبة:

    إن كانت بسيطة امتنع أن يكون فيها قدرتان على فعلين في وقت واحد فليس يكون غير واحد من الجنس الواحد في المحلّ الواحد، فيلزم امتناع فعلين اختياريين عن العبد في الوقت الواحد، ولكنَّ الحاصل حصولهما فبطل.

    وإن كانت مركبة لزم أنَّه عند الفعل الواحد كان ذلك المعنى بجزء واحد، فليس يكون في أحد الأجزاء لا من مرجّح -إلا أن يقال إنَّه من ترجيح الله سبحانه وتعالى-، فلزم كونه لذات أولى، فلئن تُصوّر معنيان في جزأين فالمحلُّ الأول أولى فلا تكون القدرتان على السواء وهو باطل. هذا بعد فرض تركبها وليس كذلك.

    فيبقى أن يقال إنَّ هذا المعنى ليس له وجود داخلي وليس إلا شعورياً ظاهرياً لا حقيقياً.

    والجواب عن الأول بأنَّ الكلام على نسبة الفعل المعيَّن للعبد المعيَّن وهي ليست إلا وقت وجوده، فما يقال هو أنَّ هذا المعنى أفاد كون هذا الفعل منسوباً للعبد على سبيل الاختيار وليس مطلق الصلوح المورَد.

    والجواب عن الثاني أن يقال إنَّ كون العبد مختاراً هو بمعنى أنَّه يرجح لا بإكراه، والترجيح التوجه نحو واحد من الأضداد؛ فالإكراه إنَّما يكون المعنى الذي في العبد منه شعورٌ، فكذلك ضدُّه الذي هو من جنسه، وكذلك التوجه إدراك شعوريٌّ؛ إذن بعد التسليم بأنَّ كون العبد مختاراً إنَّما هو شعوريٌّ لا يُسلَّم أنَّه ظاهريٌّ لا حقيقي لأنَّ حقيقة كون العبد مختاراً هو الشعور بقدرته على الفعل والترك، فإذ كان الاختيار شعوراً كفى.

    أمَّا أنَّه يلزم أن لا يكون ممَّا سبق شيء محلاً للقدرة فبطل بكون تلك القدرة معنى شعورياً فهي كأيّ شعور ولها في العبد محلٌّ فليس لزوماً تبيانه لوضوحه.

    إن قيل إنَّ هذا ليس فيه ما يكون به التفريق بينه وبين قول الجبرية.

    قيل: الجبرية من حيث هم لا يفرّقون بين اختياريّ الفعل واضطراريّه والمدعى هنا التفرقة وتحققها. والجبرية يلزمهم أن لا يتوجه التكليف إذ لا مخاطَب، ولا يلزم من المدّعى هنا ذلك. وكذلك يلزم الجبرية رفع التكليف من أنَّه لا نسبة من الفعل للعبد وهو غير المدَّعى هنا، إذ المدعى إثباتها؛ فإن أنكر فلا يصحُّ أبداً، وإنَّما المحلُّ الذي يكون عليه الكلام هو كفايتها أو لا، فالمدَّعى أنَّها تكفي لأقلَّ ما هو مطلوب وهو صحة التكليف.

    إن قيل: إنَّ التفرقة بين اختياريّ الفعل واضطراريه ضرورية بالشعور فيلزم المدّعى هنا تكذيب الضروري.
    قيل: هذا الضروريُّ هو الشعور وهو عين المطلوب فلا أكثر.

    إن قيل: إنَّه يلزم أن يكون لهذه القدرة - بأنَّكم سميتموها قدرة- أثر -أي معلول- وهو نسبة الفعل إلى العبد على جهة الاختيار.

    قيل: نعم، ولا مانع له لأنَّه ليس بوجوديّ، وهو في الحقيقة ليس بتأثير إلا من محلّية العبد لا هو إن قلنا إنَّ العبد غير المحلّ -وليس كذلك-.

    إن قيل إنَّ في هذه الدعوى جمعاً بين الجبر والاختيار وهو تناقض.

    قيل: لا؛ فالجبر ليس في هذه الدعوى إلا بحسب ما اصطلح عليه الإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله- ولا يسلَّم، فلا يصحُّ التزامه من المدَّعى. وإنَّما الملتزَم التسيير وليس يلزم منه الإكراه؛ إذ يُعنى هنا بالتسيير أنَّ إرادة العبد لا تكون إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى من حيث وجودها ومن حيث ما تتوجه إليه. وكذلك أنَّ كلَّ ما هو موجود فهو بإرادة الله سبحانه وتعالى يسيّره كيف شاء سبحانه وتعالى. ومع هذا تتسق هذه الدعوى مع كون الإنسان ذا إرادة متوجهة إلى فعل جزئي وهذا هو معنى كونه مختاراً. فتحصَّل أن لا تناقض في الجمع بين التسيير والتخيير. والحقُّ بهذا الجمع أن يسمى كما قال سيد السادات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً: "كلٌّ ميسر لما خلق له".

    إن قيل: إنَّه قد سبق الادعاء بأنَّ الاختيار شعور، وهنا يقال إنَّه بكون العبد ذا إرادة وهو تناقض.

    قيل: الإرادة من العبد ميل وهو شعور وليس يزيد على ذلك؛ وليُذكرْ ما يصدق عليه: وهو بأنَّ أحدنا قد يرى في النوم أنَّه يفعل أفعالاً إرادية، ثمَّ يحصل عين ما قد رأى في منامه حقيقة -أي في الخارج-؛ فالحاصل إمَّا أنَّه أراد في الرؤيا ثمَّ كان ما في الحقيقة معاداً، أو كان ما في الرؤية كاشفاً عمَّا سيكون لا أكثر وكانت الإرادة إذ فعل الفعل حقيقة، أو كانت الإرادة في الحلم وفي الحقيقة.

    لا يصحُّ أن تكون الإرادة في الحلم وحده أو اليقظة وحدها؛ وذلك بأنَّ العبد يرى من نفسه في الحلم عين ما يرى في اليقظة، فمن جهة العبد كان ما في الحلم عين ما في الحقيقة.

    فيبقى أنَّ إرادة العبد تحققت في حال منامه وحال يقظته؛ وعليه يقال إنَّه لم يزد في العبد شيء في حال الحقيقة فيقال إنَّه لم يكن في المنام. ولكن يقال إنَّ ما كان من إرادة العبد في منامه غير مؤثر مع كونه عينه ما كان منه في اليقظة مع وجود الأثر الحقيقي، فيلزم أن يكون الأثر الخارجي ليس من مطلق الإرادة لا من أي جهة من الجهات.

    وليس المشترك في حال النوم واليقظة بأكثر من التأثروالانفعال وهو الشعور وهو المطلوب.

    ثمَّ لخص الإمام ما سبق ثمَّ قال: ( والأولى أن يسلك في هذا المقام طريقة السلف ويترك المناظرة فيه ويفوض علمه إلى الله تعالى).

    فالمطلوب معرفة ما الذي يجب تفويضه؛ أفنقول بوجود مدخلية ثمَّ نفوض العلم بها؟ أم لا نبحث في هذه المسألة ابتداء؟ أم نقول كما قال الإمام فخر الدين الرازي -رحمه الله- إنَّ الحيلة ترك الحيلة؟

    أمَّا أن يكون التفويض في محلّ هذه المدخلية فهو إنَّما هو بعد إثباتها، ولكن قد ثبت أن لا مدخلية ممَّا يريد الخصم ابتداء، إذ لو قيل بها لما كانت إلا من جهة الترجيح، إذ هو مطلوب الخصم لا غيره، وذلك قد ثبت بطلانه.

    أمَّا أن لا يكون بحث هذه المسألة فهذا ضرره أكبر من نفعه؛ إذ يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنْ لا مشيئة إلا تحت مشيئته سبحانه وتعالى. وخبّرنا سيدنا سيد الثقلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً بأنَّ العبد يُكتب كونه سعيداً أو شقياً قبل ولادته وأنّْ كلٌ ميسر لما خلق له. فلو لم تبحث المسألة للزم إمَّا القول بقول الجبريّة الرافعي الأمر والنهي وهو كفر، أو التأويل البعيد للآيات الكريمة و تكذيب الأحاديث الشريفة -المتواترة معنى- وهو ضلال مبين. فلزم الجمع ثمَّ بحثه.

    أمَّا الحقُّ فهو ما قال الإمام الرازي المسبوق بالإمام أبي جعفر الطحاوي - رحمهما الله- الذي قال: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام).

    إن قيل: قال سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وسلَّم تسليماً إنَّ في القدر سرّاً؛ والمدَّعى هنا لا يفوّض سرّاً.

    قيل: لا؛ فالسرُّ هنا بكون الأفعال جميعها ليست إلا من الله سبحانه وتعالى: "قل كلٌّ من عند الله"، وليس لعبد أن يدَّعي إدراكه حقيقة إرادة الله سبحانه وتعالى وقدرته فهنا السرّ، وليُتذكَّرْ كذلك أنَّ التأثيرَ عينَه سرٌّ من الأسرار.

    وبعد انتهاء مناقشة كلام الإمام رحمه الله هناك بعض ما يجدر به أن يقال من أسئلة للفريق الثاني وأجوبة عمَّا قد يُشغَّب على هذه الدعوى به:

    أمَّا الأسئلة:

    1- كيف تمنعون قول الفلاسفة بكون المعلول الأول بعض علة فينتج العقل الثاني والفلك الأول مع قولكم بالمدخلية الزائدة؟!
    وتقريره بأنَّ الخصم هنا يدّعي مدخلية - أيَّ مدخلية- من العبد نفسه بالوساطة عن إرادة الله سبحانه وتعالى، وقد مرَّ تقرير ما يمكن أن يدَّعيه الخصم هنا ومنه أن تكون صفة العبد معلولة لإرادة الله سبحانه وتعالى ويكون بها العبد مؤثراً في اختياره لا من حيث هي بل من حيث خلقها الله سبحانه وتعالى ليكون منها معلول، فعليه يكون مطلق القول إنَّ معلولاً يمكن أن يكون علَّة أو جزء علة مجوزاً لمثله الذي هو قول الفلاسفة.
    ولن يستطيع الخصم هنا الخروج من التزام قول الفلاسفة إلا بالخروج من قوله هذا.

    2- لزوم الدور
    وتقريره بأنَّ ما يدَّعي الخصم هو أنَّ العبد يريد شيئاً فيخلقه الله سبحانه وتعالى لأنَّه سبحانه وتعالى يعلم أنَّ العبد سيكون منه إرادته، ولكنَّ إرادة العبد مخلوقة لله سبحانه وتعالى فيقول الخصم إنَّ الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون من العبد إرادته فيخلقها له.

    فالدور هنا من جهة أنَّ سبب إرادة العبد ليس العبدَ لأنَّ الله سبحانه وتعالى أرادها، وسبب إرادة الله سبحانه وتعالى إرادة العبد هو العلم بأنَّ العبد سيريده وهذا دور ظاهر.

    وبطريق آخر -إعادةً- يقال:إنَّ الخصم يقول إنَّ إرادة الله سبحانه وتعالى تكون بحسب علمه، وعلمه سبحانه وتعالى يكون بحسب المعلوم وهو إرادة العبد، وإرادة العبد تكون بحسب خلق الله سبحانه وتعالى، وهذا دور.

    3- لزوم تبعية إرادة الله سبحانه وتعالى إرادة غيره
    وهو ظاهر.

    أمَّا الأجوبة:

    1- قد يورد الجبريُّ قول سيد السادات صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً: "ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف" مستدلاً به على الجبر.
    وجوابه بأنَّ المستفاد من هذا الحديث الشريف الدلالة على الحتمية لا الجبر.

    2- قد يورد الجبريُّ -وبعض علماء أهل السنَّة- أنَّ عدم علم العبد بتفاصيل فعله يدلُّ على أنَّ ذلك فعل الله سبحانه وتعالى لا فعله.
    فقد يجيب المعتزليُّ -وهو الجواب عن الجبر- بأنَّ إدراك التفاصيل والمعالجة بحسبها يحصلان في الدماغ -عليّة أو مقارنيّة- من غير إدراك العبد ككثيرمن العمليات العقلية المنطقيّة الآلية كتنظيم تتابع ضربات القلب وحركة الحجاب الحاجز في التنفس وحركة الأمعاء وإفراز أنزيمات وهرمونات. فهذه كلُّها تكون بحسب تفاصيل تكون كمعطيات كضغط الدم ونسبة السكر، وتكون معالجة هذه المعطيات بشكل منطقي ثمَّ يكون إصدار الأمر للآلة بفعل ما تفعل. وعليه يقال إنَّ العبد عند رؤيته حجراً طائراً يريد إمساكه يكون في دماغه القياسات الرياضية لسرعة الحجر وكتلته وزاوية سقوطه بحسب ما اعتاد من تكرار التجارب، وهذه كلُّها ليس إدراك العبد بملتفت إليها.

    3- قد يقول القائل إنَّ المدَّعى هنا جائز كونه بالعقل إلا أنَّه محال شرعاً.
    وإنَّما هذا وارد على القول بالجبر لا المدَّعى؛ إذ يصحُّ ثبوت نسبة خاصَّة بين العبد وفعله المخصوص بحيث يصحُّ أن يقال إنَّه فعله هو بناء على المدعَّى فلا تعارض. فالمدَّعى يكفي لإثبات هذه النسبة وتحقق كون العبد مخاطباً مكلَّفاً.

    4- قد يُستدلُّ بقول الله سبحانه وتعالى: "إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وقوله سبحانه وتعالى: "ليعلم من يخافه بالغيب" على أنَّ النسبة المدَّعاة لا تكفي، وأنَّ المدعى -وإن جاز عقلاً- إنَّما هو محال شرعاً.
    فأمَّا الآية الأولى فلا تتوجه بحال؛ وذلك بأنَّ المدعى وجود هذه النسبة التي بها يغاير فعل العبد فعل الله سبحانه وتعالى في العبد. والكلُّ من أهل الحقِّ على القول إنَّ فعل العبد فعل لله سبحانه وتعالى خلقاً، فإن لم تكف هذه النسبة بهذه المرتبة للمغايرة عند الخصم طولب هو من المعتزليّ بمثل ما طالب. إذن تحصَّل أنْ لا إشكال بكون الفعل الاختياريّ للعبد فعلاً لله سبحانه وتعالى من جهة أخرى وهو المدَّعى فهو المطلوب.

    أمَّا قول الله سبحانه وتعالى: "ليعلم من يخافه بالغيب" فإيراده من جهة أنَّ الله سبحانه وتعالى قد شرع شرعاً هو تحريم قتل الصيد في الإحرام، وهذا الشرع شُرّع ليُميَّز به من يخاف الله سبحانه وتعالى، إذن اختياره ليس إلا من العبد من حيث هو وليس اختيار الله سبحانه وتعالى له إلا بأنَّ العبد اختاره.

    وجوابه: أنَّ أفعال العبد بعضها علامات لبعض، وكلُّها علامات على ما سيكون من خاتمته وعلى ما قد أراد الله سبحانه وتعالى له من خير أو شرّ؛ فعليه يقال إنَّ هذا الشرع إنَّما هو ليكون علامة على صلاح الباطن لمن اتّبعه.

    وإن قيل: إنَّ دلالة الآية الكريمة من جهة أنَّ الله سبحانه وتعالى قد شرع الشرع ليعلم ما سيكون من العبد لا بعلم حادث بل بالعلم القديم؛ وذلك بأنَّ العلم كاشف لا مؤثر، فالله سبحانه وتعالى عالم لا من بداية بأنَّ العبد سيريد ذلك الفعل المخصوص فيخلق فيه إرادته الفعل كما أراد.

    فهو له توجه لو سُلّم ما سبق من إثبات بطلانه ولا يُسلَّم؛ فجوابه بأنَّ العلم بناء على هذا يلزم أن يكون مؤثراً في إرادة الله سبحانه وتعالى، ويلزم تبعية إرادته سبحانه وتعالى إرادة العبد، ويلزم الدور وكلُّها باطل.

    أمَّا قول الجبرية فمحال شرعاً كونه واقعاً ومحال بضرورة الواقع.

    5- إن قيل إنَّ مؤدّى هذه الدعوى نفي العدل عن أفعال الله سبحانه وتعالى ونفي الحكمة.

    وجوابه بأنَّ العدل ما قضاه سبحانه وتعالى والحكمة محض فعله سبحانه وتعالى. وإنَّ في الواقع ما لا يُعدُّ حكمة ولا عدلاً بمقياس البشر البشرَ وهي كثيرة معروفة، فقياس الحقِّ سبحانه وتعالى على البشر تطاول. فلا يقوم الدين إلا بالاستسلام لقوله سبحانه وتعالى: "لا يسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون".

    وبعد هذا يقال إنَّ هذا البحث ليس لمحض مناقشة كلام الإمام الأصفهاني -رحمه الله-, وليس لمحض نقض القول بالمُعدَّات، وليس لمحض نقض القول إنَّ مدخلية العبد تُعلم أو تدرك أو لا تعلم ولا تدرك، وإنَّما هو تقرير لحقيقة أنْ لا مدخلية للعبد أكثر من محلّيته.(نقطة!)
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  3. السلام عليكم

    سيأتيك ردي أخي محمد على مقالك اللطيف هذا الذي أخالفك في جله

    و لا يخفى أنك أدرجت في المقال العديد من الكلام الذي دار بيني و بينك في المسالة رادا على حاصل ما أدين به في هذه المسألة و إن كنت قد أغفلت الرد على بعض استدلالاتي في المسألة و ساشرع في ترتيبها بإذن الله و إدراجها في الرسالة التي أخبرتك عنها في الجمع بين المجبورية و المسؤولية و معنى مجبور ظاهرا و مختارا باطنا و لا جبر و لا تفويض و الله أعلم و أحكم

  4. للتنبيه

    ورد في كلام محمد هشام:
    و ساشرع في ترتيبها بإذن الله و إدراجها في الرسالة التي أخبرتك عنها في الجمع بين المجبورية و المسؤولية و معنى مجبور ظاهرا و مختارا باطنا و لا جبر و لا تفويض و الله أعلم و أحكم

    فاقول قد وقع في الكلام خطا من حيث المعنى ومن حيث المبنى الاعرابي
    والمهم خطا المعنى

    الخطا :
    و معنى مجبور ظاهرا و مختارا باطنا

    والصواب
    و معنى مختار ظاهرا و مجبور باطنا (وليس العكس )

    والله تعالى اعلم
    افوض امري اليك

    لا ملجا منك الا اليك

    لا حاجة لي الى سواك

  5. شكرا على المتابعة و لكني أعني ما أقول و أخي محمد يفهم مرادي

  6. #6
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    وأنا بالانتظار!
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  7. لم لا يقال أن تعلق إرادته سبحانه الأزلي مرتبط بعلمه الأزلي لما سيختاره العبد؟ فالعلم كاشف والإرادة مؤثرة وكلاهما أزلي فلا دور .. علم ما أراد وأراد ما علم.
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •