الحمد لله رب العالمين ، حذرنا في كتابه المبين من الفواحش ، فقــال { ولاتقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } وقال تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله إلى الخلق أجمعين اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه المتقين .
أما بعد فيا عباد الله أوصيكم وإيايّ بتقوى الله والحذر من معصيته .
أيها المؤمنون الزنا أكبر الكبائر بعد الكفر والقتل ، بل هو أفحش الفواحش ، لأن عاره يهدم البيوت الرفيعة ، ويطأطىء الروؤس العالية ،ويسوّد الوجوه البيضاء ، ويصبغ بأسود من القار أنصع الثياب بياضا ، ويخرس الألسنة الفصيحة البليغة ، ويبدّل أشجع الناس من شجاعتهم جبنا لا يدانيه جبن ، ويهوى بأطول الناس أعناقا وأسماهم مقاما وأعرقهم عزا ... إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة ليس لها قرار ، وهو أعظم أنواع العار على نزع ثوب الجاه مهما اتسع ، ونباهة الذكر مهما بعدت ، وإلباس ثوب من الخمول ينبو بالعيون عن أن تلتفت إلى من كان في بيوتهم لفتة احترام ، وهو لطخة سوداء إذا لحقت تاريخ أسرة غمرت كل صحائفه البيض ، وتركت العيون لا تري منها إلا سوادا حالكا ، وهو الذنب الظلوم الذي إن كان في قوم لا يقتصر على شين من قارفته من نسائهم بل يمتد شينه إلى من سواها منهم فيشينهن جميعا شينا يترك لهن من الأثر في أعين الناظرين ما يقضي على مستقبلهن النسوي ، وهو العار الذي يطول عمره طولا تتناقله الأجيال جيلا بعد جيل ، وكلما طال عهده اشتد قبح صورته ، فقاتله الله من ذنب وقاتل فاعليه .
لما كان الزنا بهذا المقدار من الشناعة ، جعل ربنا الحكيم جزاءه لمن يثبت عليه، القتل إن كان محصنا ، وليس هذا القتل كباقي أنواع القتل ، لا ، بل هو قتل له من الفظاعة ما ليس لغيره ، وأي فظاعة تداني رجم إنسان بالحجارة حتى الموت ،كالكلب العقور ، وكلما لاذ إلى جهة فرارا من ألم الرجم ، استقبل من تلك الجهة بحجارة تجعله من شدتها وحدتها يرتد عنها مستغيثا بجهة أخرى فتقابله هذه بألم من الحجارة أوجع ، ولا يزال هكذا حتى تفيض روحه وبفارق هذه الحياة ... ميتة ما أشنعها ، وما أفظعها ، وما آلمها للقلب ، وما أوجعها للبدن وما أظهر فضيحتها ، وما أشد شماتة الشامتين فيها، فإن ذلك الرجم يكون بمشهد جماهير من المؤمنين وبأيدهم ، بينهم المرجوم وهم حوله يحيطون به..
هذا حكم المحصن الذي تزوج ودخل بزوجة دخولا صحيحا ، وإن فارقها بعد ذلك فراقا لا رؤية للنساء بعده .
أما غير المحصن فجزاؤه مائة جلدة ، يجلدها بلا رأفة عليه ولا رحمة ، يكون ذلك بمشهد طائفة من المؤمنين أيضا ليكون أوجع لقلبه مع وجع بدنه ، والمائة جلدة ليس ببعيد أن تأتي على حياته ، الرجل والمرأة في هذا سواء ، والغني كالفقير ، والشاب كالشيخ والحاكم كالمحكوم ، والعربي كالعجمي .
عباد الله وشيء له من الشناعة والجزاء ما ذكرنا - لا يثبت على فاعله كما يثبت غيره ، بل شدد الله في إثباته تشديدا يدهش السامع والناظر ، فإنه اشترط في شهوده العدالة - واشترط أن يكون الشهود أربعة لا يكفي فيه اثنان ولا ثلاثة - واشترط أن يتفقوا في وصف زمانه ومكانه ، فإن كانوا أربعة فيهم فاسق أو كانوا كلهم عدولا ولكن اختلفوا في الزمان أو المكان كانوا كلهم قاذفين ، والقاذف - لما أنه يرمى أهل العفة بهذا الجرم الهائل- حكم الله فيه أن يجلد ثمانين جلدة حتى لا يرجع إلى رمي الناس بما يشينهم شينا قبيحا ، وسماه في كتابه كاذبا ، ووصفه بالفسق ، ونهانا أن نقبل شهادته أبدا ، وهل يرتفع كل ذلك أو بعضه بالتوبة الصادقة ؟ في ذلك كلام ليس هذا موضعه ، هذا جزاء القذف في الدنيا .
أما في الآخرة فإن الله تعالى يقول في جماعة القاذفين { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وهذا شيء عظيم جدا ، وكيف لا يكون عظيما وهو عذاب أليم دنيا وأخرى ، كل سببه حب القلب فقط لإشاعة الفاحشة في المؤمنين ، فكيف بمن أضاف إلى الحب الكلام والتشنيع ، وللزوج - إن قذف زوجه - حكم غير ما تقدم ليس هنا موضع بسطه ، ويقول الله عز وجل في أؤلئك الفاحشين أيضا { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيدهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الـحق المبين } .
ذلك جزاء الزاني الدنيوي ، أما جزاؤه الأخروي ، فشيء تذهل له الألباب وتطيش العقول وتتقطع القلوب حسرات ، وحسبكم في ذلك أن تعلموا أن زنية واحدة أحبطت عبادة ستين عاما لعابد من العباد العظام ، كما رواه ابن حبان في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم ، وإذا حبطت حسناته كلها صار ذا سيئات فقط فيكون من أهل النار إن لم يعمل بعد ذلك ما يؤهله للجنة ، وإن كانت فعلة واحدة من هذه الفاحشة كانت سببا في جهنم لمن كان لا حرفة له إلا العبادة - فما الظن بمن استعبده فرجه وصار لا يستغن عن الزنا مرات في كل يوم من أيام حياته الطويلة ، وهو مع ذلك لا يعرف العبادة أتؤكل أم تشرب ، ولايعرف القبلة في أي جهة من بيته ، وليس له صلة بالمسجد أبدا... عياذا بالله وملاذا ، وفزعا من غضبه إلى رحمته .
عباد الله وقد جاء من غير طريق أن ريح فروج الزانين والزانيات تؤذي أهل النار المؤمنين غير الزانين من شدة نتنها ، ومعني ذلك أن تلك النتونة بلغت في الشدة مبلغا آلم الناس إيلاما يشغلهم عن ألم النار ، ولو كان ألم النار أشد من ألم تلك الرائحة الكريهة لتلاشى ألم تلك الرائحة في ألم النار ، فإن الضعيف دائما يتلاشى في القوي ، ولو كان ذلك لشغلوا عن الضعيف بالقوي ، ولا كانوا يجدون له أي أثر ، وإذا آذتهم تلك الرائحة وشغلتهم آلامها عن ألم النار دل ذلك على أن تعذيب ربنا لأهل الزنا في فروجهم فوق تصور المتصورين وتقدير المقدرين ، وإن كان ذلك في الفروج لأنها التي اقترفت لذة المعصية فيناسب جدا أن تذوق ألم العذاب ، وإذا كان أهل النار يعذبون بريح فروج الزناة - فكيف بالزناة أنفسهم من ذلك العذاب ، نسأل الله الرحيم الكريم أن يعافينا من ذلك بمنه وكرمه .
وروى أبويعلى وأحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَقَاطِعُ رَحِمٍ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ قِيلَ وَمَا نَهْرُ الْغُوطَةِ قَالَ نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ *190570
فشرب الخمر وتعاطى المخدرات ذنب صعب وشديد ، لان الخمر أم الخبائث ، من شربها ذهب عقله وأصبح لا يميز ، فإذا قيل لك انه فعل من المحظورات حتى الكفر بأيّ نوع من أنواعه فصدق الخبر ولا تكذبه ، ولذلك ورد أن مدمنها كعابد وثن .
هذا الذنب الكبير أخبر الحديث أن من عذابه العظيم الشديد أن يسقى مقترفه من النهر الذي يسيل من فروج الزناة ، وإذا كان شرب ما يسيل فقط من تلك الفروج عذابا عظيما شديدا... فكيف بالعذاب الذي هوبينبوع ذلك السائل .
عباد الله ولنفكر طويلا في مقدار ماتحمل فروج الزناة من الأذى حتى يتكون مما يسيل منه نهر يجري في جهنم ، ولعل البعض منا جرب الآلام المبرحة التي تنشأ عن قطرة من الأذى في بثرة من البثرات ، فكيف بالأذى الذي يسيل سيلا ويكون نهرا.
وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإن تاب رد عليه ) رواه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي واللفظ له ، وجاء في هذا المعنى غير حديث .
ومن هذا ما جاء في حديث البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله علبه وسلم قال( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )وفي رواية للبزار (ولايزني الزاني وهو مؤمن ، الإيمان أكرم على الله من ذلك ).وفي لفظ للبخاري : (من زنى نزع نور الإيمان من قلبه ، فإن شاء أن يرده إليه رده ).
وهذا بظاهره ينفي الإيمان عن الزاني فيكون كافرا من أهل النار الأبدية إن توفي مصمما على التمادي على هذا الذنب العظيم ، وفي ذلك من الردع والزجر عن هذه الفاحشة مافيه تبصرة لذوى النهى .
عباد الله وهذا الحديث ينطبق على كثير من الخلق ، فإن أحدهم إذا ظفر بهذه اللذة لا تسعه الأرض من شدة فرحه ، ويقتحمها بهذا الفرح العظيم لا يخطر على باله تحريمها أىّخطور ، فتجده يسافر المسافات البعيدة لأجل هذه الفاحشة ، وينفق الأموال الطائلة بسبها ، ويبع آخرته بشهوة لحظات ، مستبيحا لها استباحة تقل عنها استباحة الرجل لزوجه ، وهذا وأمثاله لاشك في كفرهم فإن استباحة الحرام كفر قطعا ، فكيف بمن ينضم إلى استباحته ذلك الفرح الهائل ، ولا مانع أن يراد من الإيمان في الحديث الإيمان الكامل الذي يترتب عليه ما يقتضيه ، فلا ينافي أن يكون الزاني مؤمنا ولكن مع الغفلة التي تجعل الناظر إليه لايفرق بينه وبين الكافر في جرأته على المعاصي وفرحه بها فرحا شديدا لأنها هواه ومحبوبه .
وعلى كل حال فالحديث مرعب مرهب للزناة الذين يفهمون ويعقلو ن عواقب الأشياء .
والزنا تختلف درجاته في غلظه ، فليس هو في امرأة الكافر المحارب مثله في امرأة المعاهد، وليس هو في امرأة المعاهد مثله في امرأة المسلم , وليس هو في امرأة مطلق مسلم مثله في امرأة الجار ، وليس هو في امرأة الجار مثله في امرأة الجار القريب , وامرأة الأقرب أشد من امرأة القريب ، وامرأة المجاهد أشد من امرأة غيره ، وغير ذات الزوج ليس الزنا بها كالزنا بذات الزوج ، وهكذا ، نبهنا إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم ( لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ) رواه أحمد والطبراني ،
وقوله صلى الله عليه وسلم (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ,ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلاوقف يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى ، ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما ظنكم ) رواه مسلم وأبو داود. إن الظن بمن حكم في حسنات إنسان في ذلك اليوم الرهيب لحق هو الزنا أنه لا يترك من حسناته حسنة واحدة ، وانظر أنت مصير من لا حسنة له ، كما أن زنا الشريف أعظم إثما من زنا الوضيع ، وزنا الجاهل لم يقل أحد أنه كزنا العالم ، وزنا الشاب ليس في التقدير كزنا الشيخ العجوز أفادنا هذا قوله صلى الله عليه وسلم أيضا (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم :شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر ) رواه مسلم والطبراني والنسائي .
وأشد الزنا فظاعة وفضاضة الزنا بذوات المحارم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ *رواه ابن ماجه 2564عن ابن عباس . وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَهُ *رواه أحمد 18146.
فاتقوا الله عباد الله واستغفروه من كل ذنب عظيم يغفرلكم إنه هو الغفور الرحيم ...........
********
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار ما اختلف الليل والنهار .
أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله حق التقوى ،واستمسكوا بالعروة الوثقى ، فإن أجسادكم على النار لا تقوى .
عباد الله وإذا نظر الناظر البصير في عواقب الزنا في المجتمعات التي فشافيها في الغرب والشرق الأقصى لوجد مصداق قول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم : ( لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها ، إلا فشافيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ) أخرجه الحاكم وابن ماجه والبزار . فالزنا سبب لأمراض خطيرة فمنها مرض نقص المناعة المكتسبة - الإيدز -وباء العصر ، ومنها مرض الهربس والسيلان والزهرى وإلتهاب الكبد الفيروسي وغيرها .
كل ّهذا مصداق لما نطق به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
هذاوإن المجلات والبحوث الطبية لاتزال تنشر من عواقب الزنا ماتذهل له العقول ، ففي قرار منظمة الصحة العالمية قيل : بأن الأمراض الناجمة من الزناهي أكثر الأمراض المعدية انتشارا ، والتي تشكل تهديدا خطيرا على الصحة العامة في العالم اليوم .
عباد الله وفي الختام أقول إن التمسك بالدين الحنيف هو العصمة من الوقوع في الفواحش والزنا ، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين ، واحفظنا بالإسلام قاعدين ، واحفظنا من الفواحش ماظهر منها ومابطن ، وسلمنا والمسلمين من كل الفتن يارب العالمين .
جمع : أسامه بن سعيد العنقاوي