بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله
أما بعد ، فجازاك الله خيرا شيخ نزار على تقويمك لكلام الأستاذ يوسف حنانة ، خصوصا في نسبته لقول الفلاسفة لإمام الحرمين رحمه الله و نفعنا الله بعلومه .
و لكن يا شيخ نزار فإن لي إستفسار حول ما تفضلت به عن عقيدة الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني و شرح القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي رحمهما الله .
فإني قد إقتنيت الكتاب أي كتاب " شرح عقيدة الإمام مالك الصغير" للقاضي عبد الوهاب ، و وجدت إشكالا في كلامه ، خصوصا و أن الكثير من مدعي السلفية يدعون أنهم على عقيدة الإمام مالك الصغير ، بل إن الكثير منهم قد قام بشرح مقدمة الرسالة !!!!
لذلك نرجو أن توضح لنا يا شيخ نزار ما غاب عن أذهاننا من دقائق المسائل التي قد تخفى عن أمثالنا من طلاب علم السلف و الخلف على حد السواء .
فأقول و بالله تعالى التوفيق أن ما نقلته كإثبات على موافقة إمامنا مالك الصغير لمعتقد الأشعري رحمه الله ، مسبوق بكلام أشكل علي فهمه فقد قال مالك الصغير قبل عبارته " على العرش إستوى و على الملك إحتوى " ما نصه :
" و أنه فوق عرشه المجيد بذاته ، و هو في كل مكان بعلمه ، خلق الإنسان و يعلم ما توسوس به نفسه و هو أقرب إليه من حبل الوريد ، ( وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) "
فهنا إشكال شيخنا الحبيب حيث قال الإمام " فوق عرشه المجيد بذاته " ، و قد يجوز حملها على معني يليق بجلاله جل في علاه أي أنه عز و جل لا علة لعلوه و إستوائه ، فهو عال و مستو بذاته ، و لكن القرينة التي تلي عبارته تمنعنا من حمل كلامه رحمه الله على هذا المعنى ، إذ قال بعدها مباشرة " و هو في كل مكان بعلمه " ، فالمفهوم من سياق عباراته أن الله عز و جل ليس في كل مكان و لكن مكانه فوق العرش ، إذ لو كان يقصد بالعلو علو مكانة لما أردف كلامه بأنه سبحانه في كل مكان بعلمه ، أي كأنه يقول أنه سبحانه مكانه فوق العرش دون بقية الأمكنة و في كل مكان بعلمه !!!!
و مما زاد في حيرتي شرح القاضي ، إذ قال ما نصه :
" هذه العبارة الآخرة التي قوله : على العرش أحب إلي من الأولى التي هي قوله : و أنه فوق عرشه المجيد بذاته ، لأن قوله : على عرشه ، و هو الذي ورد به النص ، و لم يرد النص بذكر فوق ، و إن كان المعنى واحدا ، و كان المراد بذكر الفوق في هذا الموضع أنه بمعنى على ، إلا أن ما طابق النص أولى بأن يستعمل ، إذا ثبت هذا ، و الذي يدل على صحة ما ذكره رحمه الله من أنه على عرشه دون دون كل مكان : ورود النص بذلك في عدة مواضع ، منها قوله تعالى ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) و هذا يمنع أن يوصف بأنه على غيره ، و قوله تعالى ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) و قوله تعالى ( اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) و قوله تعالى ( أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ) و في الحديث المشهور في الرجل الذي أراد أن يعتق عن كفارته أمة ، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لها : من أنا ؟؟ فقالت : رسول الله ، فقال : أين الله ؟؟ فقالت : في السماء . فلم ينكر عليها ، و حكم بإيمانها ، و لإجماع الأمة على أنا متعبدون في الدعاء برفع أيدينا إلى جهة العلو دون السفل ، و دون اليمين و الشمال و سائر الجهات ، و هذا ينفي أن يكون في كل مكان.... "
و هذا الكلام من جنس ما يستدل به المخالفون ، فهنا الذي يفهم من شرح القاضي أنه يقصد علو المكان لا علو المكانة فمثلا قوله " أنه على عرشه دون كل مكان " كذلك ذكره لحديث الجارية في هذا الموضع ثم إردافه لكلام يؤكد ما ظهر لنا ، إذ هو رحمه الله يرى أن الله فوقنا بمعنى أنه يشار إليه في دعائنا ، دون سائر الجهات ، فهو هو رحمه الله يثبت الجهة و ينفي أن يكون في كل مكان .
و الأعجب و الاغرب شيخنا نزار هو بقية كلامه في شرح عبارة مالك الصغير ، إذ يقول غفر الله لنا و له ما كنت قد نقلته آنفا :
" واعلم أنه الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام. "
فكأنه ينقض ما أثبته ، ففي بداية شرحه لعبارة الإمام استدل بجنس ما يستدل به المخالفون من المعنى الباطل لعلو الله ، فهو يقول أنه في العلو دون سائر الجهات و الأمكنة ، ثم بعد ذلك يقول صراحة " ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، "
و أخشى ما أخشاه أن يفهم من قول الإمام أو الشارح أنهما رضي الله عنهما يثبتان المكان العدمي الذي يقول به المخالفون كقول إبن أبي العز الحنفي في شرحه لعبارة الإمام أبو جعفر الطحاوي :
" و أما لفظ الجهة فقد يراد به ماهو موجود ، و قد يراد به ماهو معدوم ، و من المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق و المخلوق ، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقا ، و الله تعالى لا يحصره شيء ، و لا يحيط به شيء من المخلوقات ، تعالى الله عن ذلك ، و إن أريد بالجهة أمر عدمي ، و هو ما فوق العالم ، فليس هناك إلا الله وحده . فإذا قيل : إنه في جهة بهذا الإعتبار ، فهو صحيح ، و معناه : أنه فوق العالم ، حيث إنتهت المخلوقات ، فهو فوق الجميع ، عال عليه . "
هذا مع التأكيد على أن كلام القاضي " ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه، " كاف في إثبات مخالفة معتقد القاضي لمعتقد من يزعم وجود كيفية و لكننا جهلناها و العياذ بالله .
فنرجو من الشيخ نزار أن يضيء بتعليقاته ما أظلم في أذهاننا من كلام الإمام مالك الصغير و القاضي عبد الوهاب تلميذ القاضي الباقلاني الأشعري ، خصوصا و أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني يعود نسبه لمسقط رأسي
و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا