النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: انتقادات على كتاب "تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي".

  1. #1

    انتقادات على كتاب "تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي".

    الحمد لله
    والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
    قليلة هي الكتب التي تعرضت لمراحل تأسيس وترسيخ المذهب الأشعري - مذهب أهل السنة العقدي الأساسي ـ في الغرب الإسلامي، على الأقل بشكل تفصيلي، مع استعراض أمهات الكتاب المصنفة في ذلك الغرض وشروحها العديدة، ومن بين تلك الكتب التي حاول أصحابها عرض مجمل مراحل الفكر الشعري بالغرب الإسلامي: كتاب الأستاذ يوسف احنانة المغربي والذي سماه "تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي"، فقد استغل صاحبه واسع اطلاعه على تراث المغاربة في أصول الدين، فحاول رصد تلك المراحل استنادا على ما ألف في ذلك الشأن، فجاء كتابه في مجمله وافيا بإبراز أهم معالم الفكر الأشعري وتطوراته، إلا أنه وفي سياق بعض تعليقاته قال أشياء لا يوافق عليها، ويخشى على من لم يحط خبرا بها أن يعتقد في حق بعض الأئمة ما لا يجب اعتقاده ولا يصح أصلا، فمن باب تصفية ذلك الكتاب المفيد مما يشينه أذكر بعض ما يجب تصحيحه:

    قال الأستاذ يوسف بعد استعراض مرحلة العقيدة البرهانية للإمام أبي عمرو عثمان السلالجي، وما كتاب عليها من الشروح وما حوته من فصول إيمانية، مبينا أن تلك العقيدة تعتبر تلخيصا لكتاب الإرشاد لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني الذي مثل كتابه المذكور مرحلة التأسيس الأولى للعقائد الأشعرية في الغرب الإسلامي:
    (ونذكر أن كتاب الإرشاد كانت له سلطة معرفية واسعة على مفكري هذه الفترة، بحيث وجدناه يمثل الإطار المرجعي لغالبيتهم، على عكس كتابه البرهان في أصول الفقه فقد كان موقف مفكري الغرب الإسلامي منه موقفا متميزا عن موقفهم من الإرشاد نظرا لأنه لا يتماشى كليا مع اختياراتهم المذهبية والعقدية، ويذهب فيه صاحبه إلى أنه الله يعلم الكليات دون الجزئيات، على نحو ما ذهب الشيخ الرئيس ابن سينا) اهـ.

    فهكذا استنتج الأستاذ يوسف أن إمام الحرمين الجويني يقول في كتابه البرهان أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات، ولم يعز ذلك الاستنتاج إلى أحد من العلماء، ولا أظن أن أحدا يستطيع عزو ذلك إلى إمام الحرمين، بل هذا الاستنتاج ليس يصدر إلا من بعض الباحثين المعاصرين الذين يستسهلون تلك الخلاصات المتسرعة، ومسألة العلم الإلهي كما ناقشها إمام الحرمين في البرهان معنونة أصلا بالاسترسال -اي استرسال تعلق العلم بالمعلومات اللامتناهية استرسالا لا متناهي ـ، ولا علاقة لها أصلا بمسألة تعلق العلم الإلهي بالكليات كما بحثها الفلاسفة، والخلط بين المسألتين لا يليق بالباحثين المتمرسين العارفين - فرضا - بمباحث علم الكلام، وقد نص إمام الحرمين في كتاب الإرشاد على تعلق علم الله تعالى بكل المعلومات كليها وجزئيها، وأنه سبحانه لا يشذ عن معلومه شيء في الأرض ولا في السماء، فنسب تلك المقالة الفاسدة له لا تليق أبدا بمقامه الجليل، وهو أصلا منزه عنها بنص كلامه في الإرشاد وفي الشامل.

    بقي أن نشير إلى مقصوده مما جاء في البرهان، فنقول وبالله التوفيق:

    يعترف إمام الحرمين بأن معلومات الله تعالى لا تتناهى.

    ويعترف بأن الله تعالى فاعل مختار، اي لا يدخل شيء في الوجود الخارجي إلا بقدرته واختياره، فالله سبحانه وتعالى قاصد إلى فعله، وقصده إلى الفعل مسبوق بعلمه بذلك الفعل علما تفصيليا وإلا لما أدخله في الوجود، وبحث ذلك متقرر في علم الكلام.

    فيتحصل من ذلك أنه لا يدخل شيء في الوجود الخارجي إلا بعلم الله تعالى، جزئيا كان ذلك الداخل في الوجود أو كليا.
    فهذا هو القسم الأول من معلومات الله التي التي لا تتناهى، وهو القسم الداخل في الوجود، وهو بحسب دخوله في الوجود متناهي، ويقابله القسم الثاني وهو القسم الذي لن يدخل إلى الوجود مطلقا، وهو القسم الغير المتناهي ، فهذا القسم الثاني هو الذي قال إمام الحرمين بأن علم الله تعالى يسترسل عليه، بمعنى أنه لم يزل ولا يزال يتعلق به شيئا فشيئا، من غير فرض نقطة معينة يقف فيها ذلك التعلق وإلا ارسترسلت المعلومات ووقف العلم، ولزم بذلك الجهل، ومن غير فرض حصول تلك التعلقات اللامتناهية بالفعل لاستحالة حصول التعلقات اللامتناهية دفعة - حسب رأي إمام الحرمين رحمه الله تعالى ـ.

    فهذه هي المسألة باختصار شديد، فالقسم اللأول من المعلومات - وهو ما دخل في الوجود وكل ما سيدخل - فالله سبحانه وتعالى يعلمه علما تفصيليا جزئيا وكليا وكل ما تريد وصفه به، والبرهان على ذلك أن دخوله في الوجود متوقف أصلا على إحاطة علم الله تعالى به إحاطة تفصيلية وإلا لما تعلقت الإرادة بتخصيصه والقدرة بإيجاده، والقسم الثاني وهو ما لن يدخل في الوجود الخارجي فحاله كما علمت، وهو محل النزاع بين نظار أهل السنة الأشاعرة وإمام الحرمين، والجمهور - أي جمهور المحققين لا المعلقين - على أنه الله تعالى يعلم علما تنجيزيا قديما بعلم واحد كل المعلومات التفصيلية والكلية المتناهية واللامتناهية والداخلة في الوجود وغير الداخلة، والبراهين على ذلك مذكورة في كتب أهل الحق.
    يتبع إن شاء الله تعالى...

    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  2. #2
    ثم قال الأستاذ يوسف احنانة معلقا على ما نسبه لإمام الحرمين من القول بتعلق علم الله تعالى بالكليات من العلوم دون الجزئيات: "وهذا ما جعله لا يسلم من الانتقادات الأشعرية في الغرب الإسلامي على الرغم من شهادات أصحاب هذه الانتقادات لصاحبه الجويني بالإمامية في العقائد الأشعرية، وهكذا فإننا لا نعدم من وصفه بالأخرق من بين كبار أشاعرة الغرب الإسلامي المتأخرين." اهـ ص 126
    ثم قال في الحاشية معلقا: المنجور احمد: حواشي على كبرى السنوسي، مخ الخزانة العامة - تطوان، رقم 450، ص 119
    وهو يشير بذلك إلى أن الشيخ أحمد المنجور وصف إمام الحرمين بالأخرق.
    وفي الحقيقة، قد تعجبت كل العجب عند قرائتي هذا الكلام، ولم يراودني شك في أن إماما كالعالم أبي العباس أحمد المنجور صاحب الحواشي على شرح الكبرى، وصاحب الشرحين الكبير والصغير على محصل المقاصد للإمام أحمد بن زكري، لا يصدر منه مثل هذا الكلام في حق أبي المعالي الجويني إمام الحرمين رحمه الله تعالى، فقادني ذلك إلى مراجعة حواشيه على شرح الكبرى وتتبع ألفاظه فيها لفظا لفظا، وقد تبين بفضل الله تعالى أنه منزه عن إطلاق ذلك الوصف الشنيع في حق إمام الحرمين، ولم يكن الشيخ المنجور إلا ناقلا لعبارة الجويني في البرهان التي يقول فيها بعد تقرير نظريته في تعلق العلم الإلهي بما لا يتناهى من المعلومات: "إذا لاحت الحقائق، فيقل الأخرق بعدها ما شاء" البرهان في أصول الفقه ج1/ص 116.
    ولم يقصد الشيخ المنجور وصف إمام الحرمين بالأخرق - حاشاه - كما نص على ذلك الأستاذ يوسف - غفر الله لي وله - محيلا على حواشي شرح الكبرى، بل لم يفعل إلا جلب كلام الجويني بعد ان استعرض فهم بعض الأئمة له كالمازري وغيره، ثم نقل كلام الشيخ شرف الدين ابن التلمساني في رده وكلام ابن زكري ايضا في رده في محصل المقاصد، فنرجو تصحيح هذا الخطأ في طبعات الكتاب القادمة إن قدر له الطباعة مرة أخرى.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  3. #3
    الحمد لله
    إن آفة بعض الباحثين المعاصرين عند تناولهم لبعض القضايا الخطيرة ـ كقضية الاعتقادات ـ التسرعُ في إطلاق الأحكام، وعدم التورع من إطلاق ألفاظ لا يليق إطلاقها في حق خيار علماء الأمة وفي حق جهودهم العلمية، والظاهر أن هذه التجاوزات لم تقف عند أصحاب الأغراض الفاسدة كالوهابية السلفية عند بحثهم في العقيدة الأشعرية - عقيدة أهل السنة -، ولا عند العلمانيين عند بحثهم في التراث الإسلامي عامة والأشعري خاصة، بل تعدت ذلك حتى صارت تصدر ممن يظهر عليه في بادئ الأمر الدراية والخبرة بذلك التراث، ومن ذلك ما رمى به الأستاذ يوسف احنانة أهل السنة الأشعرية في مسألة الكسب، فقد قال بعد استعراض كلام الشهرستاني فيها: "وهذه النظرية هي التي عرفت في قاموس الفكر الأشعري بنظرية الكسب، وهي كما ترى لا تعدو أن تكون جبرا مغلفا ومقنعا بقناع من المراوغات الكلامية، ولا ترقى أن تكون بالفعل موقفا وسطيا بين موقف المعتزلة وموقف الجبرية، وإنما هي تكريس لنظرية الجبر وإخفاؤها في قوالب نظرية غير قوية على الرغم من التعديلات التي قام بها كل من الباقلاني والجويني لهذه النظري." اهـ. ص 21

    هذا كلامه بلفظه، ولا يخفى ما فيه من التسرع الناتج عن نوع من الغرور والاعتداد بالنفس فيما لا يحسن الاعتداد بها فيه. فمبحث الكسب لم يبق غامضا إلا في أذهان من لم يحيطوا علما بحقيقة مذهب أهل الاعتزال في أفعال العباد، وبحقيقة مذهب الجبرية الخالصة فيها، ولم يطلعوا على براهين فساد ذينك المذهبين الفاسدين؛ لما يلزم عن الأول من خروج بعض المرادات والمقدورات عن إرادة وقدرة الله تعالى الواجبتي التعلق بكل الممكنات إيجادا وإعداما، ولما يلزم عن الثاني من استواء الإنسان مع الجمادات ومن سقوط التكاليف عليه تماما، وأما أهل السنة الأشاعرة فلا يلزمهم شيء من ذلك، ويتميز الكسب الذي أثبتوه عن نظرية الجبرية الخالصة بإثبات عرض القدرة للإنسان عند خلق الله تعالى الأفعال فيه، خلافا للجبرية في نفيهم ذلك العرض ونفيهم تعلقه أصلا بفعل من أفعال العبد، كما يتميز الكسب الذي أثبتوه على نظرية المعتزلة بكونه يحفظ مقام الإلهية وما قام عليه من البراهين الدالة على أن الله تعالى هو مخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود بما فيها قدر الإنسان التي لا تبقى زمنين ولا تسبق الفعل، وفعله الذي يعتبر ممكنا من الممكنات التي لا تخرج عن تلك القاعدة، أما أن يخلق الله تعالى في العبد قدرة تسبق الأفعال وبها يعصي الإنسان الربَّ تعالى غصبا عنه كما يلزمهم ذلك، فهو من أمحل المحال ومن أسقط الأقوال.

    وبسط ذلك مذكور في أمهات كتب أهل الحق، وهم عند خوضهم في الكسب يقدمون بين يدي بحثهم تعريفات له تميزه على نظرية المعتزلة والجبرية، وهم - أهل الحق الأشعرية ـ وإن اختلفت تعريفاتهم للكسب لكن يجمعها الخلوص إلى إثبات مناط التكاليف على الإنسان تمييزا عن الجبرية، والمحافظة على مقام الإلهية بما يقتضيه البرهان تمييزا عن المعتزلة، وكلامهم في ذلك مبني على أدلة وبراهين قوية، فكيف يجوّز أحد لنفسه أن يصفهم بما وصفهم به الأستاذ يوسف بالقول بالجبر المغلف والمراوغة والمقنعة؟؟ هذا إذا نظرنا لكلامه من جانب التزام الأدب مع أكابر علماء الدين الحق الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتحقيق للوصول إلى تلك النتائج المبنية على العلوم اليقينية، أما إذا نظرنا إلى جانب الموضوعية والحقية، فما الحق إلا قول أهل الحق الأشاعرة في نظرية الكسب، وعلى المخالف لهم في ذلك أن يبسط ما لديه على طاولة البحث، ثم ينافح عن أقواله إن كان أهلا لذلك، ولن يستطيع أحد أن يأتي بما يناقض الكسب الأشعري أو يهدمه لكونه الحق بالأدلة والبراهين، ومع ذلك لا يجوز له أن يصف مذهب أهل الحق بما وصف به الأستاذ لكونها ليست مسألة بديهية يلوح الحق فيها ضرورة أو بنظر قريب إلى الضرورة.. أما إطلاق الكلام هكذا بلا روية ولا تأدب، فهو يسهل جدا على العالم والجاهل، وقد وددت أن لا يصدر ذلك الكلام من الأستاذ يوسف، لكن ...
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,380
    هذه جهود قيمة، فبارك الله فيك !!
    ننتظر إكمالها..
    وقد كنت لما رأيت الكتاب مؤخراً قلت في نفسي لعل الله ييسر لي وقتا أكتب فيه تعليقات عليه، ولما رأيتك تعلق عليه حمدت الله تعالى..
    يبدو أن هناك أمورا عديدة لما تزال بحاجة إلى نقد فينا وفي المخالفين....!
    يسر الله لنا ولك الخيرَ..
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    الحمد لله تعالى
    جزاكم الله تعالى خيرا شيخنا الفاضل سعيد.

    قال الأستاذ يوسف في أول كتابه عند كلامه على المذهب الأشعري في المشرق: "إن الخلاف الأساسي بين الأشاعرة وأسلافهم المعتزلة كان في العمق خلافا منهجيا، ففي الوقت الذي يصادر فيه المعتزلة على العقل باعتباره أداة معرفية فعالة في جميع المستويات، نجد الأشاعرة يعطون هذه الصدارة والأولوية للنص الديني، وينفون أن يكون للعقل مثل هذه الفعالية. اهـ ص 18

    هذا أنموذج آخر من الأحكام المتسرعة التي أطلقها الأستاذ في كتابه، ونظيرها فيه كثير، وفي هذه الفقرة الصغيرة ادعى أن الأشاعرة يعتبرون أسلافا للمعتزلة، وادعى أن الأشاعرة يخالفون المعتزلة خلافا منهجيا عميقا، وبحق لنا هنا أن نتساءل كيف جعل الأشاعرة أسلافا للمعتزلة ومع ذلك يخالفونهم خلافا منهجيا عميقا؟؟؟ ومن لازم كون أحد الفريقين سلفا للآخر أن يشتركا في الأصول والمنطلقات والنتائج، وقد سلب الأستاذ جميع ذلك بقوله بالخلاف المنهجي العميق بين الفريقين الذي لا يبقى معه أي اشتراك في تلك الأصول والنتائج، فكلامه يحتوي من التناقض هنا ما لا يخفى بعد التأمل.

    ودعوى أن الأشاعرة كانوا أسلافا للمعتزلة دعوى عرية عن أي دليل، والواقف على الخلافات العديدة بين آراء الفريقين يدرك ذلك، وكون الإمام الأشعري كانت في أول أمره معتزليا ثم هدي إلى الحق فاتبعه بالبرهان لا يجعل الأشاعرة سلفا للمعتزلة في شيء، وهذا الأمر في غاية الوضوح.

    وفي هذه الفقرة الصغيرة ادعى الأستاذ يوسف على الأشاعرة أنهم يعطون الصدارة والأولية للنص الديني، وينفون أن يكون للعقل مثل هذه الفعالية - أي كونه أداة معرفية فعالة في جميع المستويات على حد تعبيره ـ، وهو كلام قلق جدا، وفيه قلب لبعض الحقائق، كيف وقد نص الأشاعرة على أن من صفات الله تعالى - كوجوده وقدرته وإرادته وعلمه وحياته ووحدانيته (على قول وهو الأصح) - لا يصح - منهجيا - الاستدلال عليها إلا بالدليل العقلي؟؟ وهذه العقائد الأولى هي مبادئ جميع العقائد الإسلامية، بل هي أصل جميع الأحكام الشرعية، وهذا يدل صراحة أن الدليل العقلي عند أهل السنة الأشاعرة أداة معرفية فعاله على جميع المستويات (على حد عبارة الأستاذ)، ولا يشذ معتقد من المعتقدات عن الاندراج في حكمها، وحتى العقائد التي لا يصح - منهجيا - الاستدلال عليها إلا بالدليل النقلي هي مندرجة في حكم الجواز العقلي، وبهذا الضابط يقرر أهل الحق الأشاعرة أن النقل لا يأتي بما تحيله العقول الصحيحة ولا تقبله.

    وهذا الكلام المنهجي الذي ذكرناه لا يجعل النص الديني عند الأشاعرة في مرتبة حقيرة غير معتبرة كما يدعي عليهم الجاهل والمتعالم، بل هي ضوابط لحسن فهم الدليل النقلي من نص الكتاب أو السنة أو غيره من الأدلة النقلية الذي لولا هو لما جال العقل في تلك المباحث الشريفة أصلا.

    ومما ينبغي أن يعلم هنا أن الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة ليس خلافا منهجيا بحتا كما صوره الأستاذ، بل هو خلاف في طريقة استعمال العقل في الوصول إلى العقائد الدينية، وخلاف أصلا في تعريفه، فمعلوم أن العقل عند جمهور أهل الحق الأشعرية هو بعض العلوم الضرورية التي تنتهي إليها الأدلة النظرية، وعند المعتزلة هو ما يوصل إلى العلم بحسن الحسن وقبح القبيح، والخلاف الأساسي بين الفريقين يتمثل في أن نتائج عقائد المعتزلة النظرية لا تنتهي إلى تلك العلوم الضرورية - العقل - بل هي تنتهي إلى محض تحكمات وخيالات، أما عقائد أهل الحق الأشاعرة النظرية فهي منتهية إلى تلك العلوم الضرورية، وهي - اي تلك العلوم الضرورية المعبر عنها بالعقل - هي مناط التكليف بإدراك العقائد الإسلامية. فليس الخلاف خلافا منهجيا في العمق كما صوره الأستاذ، فكلا الفريقين يعتبر الدليل العقلي مدركا أساسيا من مدركات العقائد الإسلامية، وكلا الفريقين يتخذ النص الديني مرجعا لتأكيد عقائده المدركة بالدليل العقلي على خلاف في تفسير أو تأويل ذلك النص الديني، وإذا تبين أصل الخلاف فلا يجوز إطلاق الاختلاف المنهجي العميق على الاختلاف الحاصل بينهما، بل هو خلاف في تفاصيل ذلك المنهج واختلاف في كيفية الوصول به إلى الحقائق الإسلامية الكبرى.
    هذا، وقد كثر في كلام الأستاذ التعميم - في مجال التفصيل - عند الكلام عن الأشاعرة، واستعمال بعض العبارات الموهمة التي لا يليق استعمالها في علم أصول الدين، كقوله عنه الأشاعرة: "يثبتون لله صفاته جميعها ويجعلونها مستقلة عن الذات. اهـ ص 19 ، وغير ذلك مما نتعرض له لاحقا إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  6. #6
    الحمد لله تعالى

    قال الأستاذ يوسف إثر كلامه على عقيدة ابن أبي زيد القيرواني التي أطلق عليها "عقيدة أهل التسليم والتفويض"، وعلى علاقته مع القاضي عبد الوهاب، واصفا الأخير بأنه "شخص لا يشك أحد في تمسكه بمذهب أهل السنة والسلف" (ص 48) محاولا إثبات عدم وجود اي علاقة بين ابن أبي زيد القيرواني وعقيدة أشاعرة عصره، مستدلا على ذلك بشرح القاضي البغدادي على مقدمة الرسالة، قائلا: "وشرح القاضي عبد الوهاب يغلب على ظننا أنه جاء في أواخر حياة القيرواني، وهو شرح خال من أي صبغة قد توحي بأن للرسالة علاقة بالفكر الأشعري أو تمت إليها بصلة، بل هو شرح على طريقة أهل التسليم والتفويض" (ص 49).

    هذا الكلام الذي نقلته أتى بعد فصل عقد لبيان أن القيرواني لا علاقة له أصلا بفكر الأشاعرة، وأنه معاد لأهل الجدال والكلام مطلقا، أي صحيح الكلام وباطله.
    وقد اجتهد الأستاذ لبيان هذه الدعوى لكنه جانب الصواب الذي تشهد له الأحداث التاريخية الشاهدة على وصول أخبار الشيخ الأشعري للقيرواني وثنائه عليه قائلا: إنه رجل مشهور أنه يرد على أهل البدع وعلى القدرية والجهمية ومتمسك بالسنن (تبين كذب المفتري ص 123)، وعلى إجازته للقاضي أبي بكر الباقلاني، وغير ذلك من الشواهد العديدة الأخرى كعلاقته بالقاضي عبد الوهاب البغدادي تلميذ الباقلاني الأشعري.

    والعجيب أن الأستاذ مع علمه بهذه الحيثيات قال بعد نقله لنص للقيرواني ينصح فيه بعدم مخالطة أهل الجدال والكلام: "وهذا نص غني عن التعليق لأن وضوحه كاف وحده كي يقدم صورة عن موقف صاحبنا ـ يقصد القيرواني ـ العقدي وعن ابتعاده عن المذهب الأشعري" (ص48) ولو كان في كلامه رائحة من الحقيقة لما أثنى القيرواني على الشيخ الأشعري لما سئل على حاله، ولما أجاز لسان الأمة وسيف السنة الباقلاني، وكيف ونحن نعلم أن من شأن العلماء الربانيين كالقيرواني أن لا يطلقوا حكما في حال شخص إلا بعد فحصه ومعرفة أحواله؟؟ ولو لا معرفته بمقالات الشيخ الأشعري لما قال في حقه ما قال، ولولا معرفته بحال الباقلاني العقدي لما أجازه، وهذا أمر أوضح من الوضوح، وهو يفيد عكس مدعى الأستاذ من أن القيرواني بعيد كل البعد عن الأشاعرة، وإن لم يفد أنه أشعري كالباقلاني مثلا.

    وكثيرا ما أطلق الأستاذ في حق عقيدة القيرواني لفظ "عقيدة أهل التسليم والتفويض"، وهو في ذلك الإطلاق يقصد ـ بقرائن من كلامه ـ عقيدة من يحمل معاني الصفات على ظواهرها متمسكا بحرفية النص على حد قوله، ويجعلها عقيدة مناقضة لعقائد الأشاعرة فيها المبنية على التأويل التفصيلي على حد قوله.

    وهذا التعريف لعقيدة أهل التسليم والتفويض لا يسلم له مطلقا، ونسبته تلك العقيدة للقيرواني بذلك المفهوم الخاطئ نسبة خاطئة ومتسرعة، وهي مبنية على قراءة سطحية حرفية لمقدمة الرسالة، وقراءة سطحية لواقع تاريخ القيرواني ومعاصريه وعلاقته بهم، وكثيرا ما يفهم من كلام الأستاذ عن الأشاعرة في كتابه حصر مذهبهم في الأخذ بالتأويل التفصيلي لمعاني بعض النصوص في الصفات، وهو حصر باطل؛ فمن أهل الحق الأشعرية كما هو معلوم من يصدق عليه أنه مسلّم مفوض بالمعنى الصحيح، وقد كان على الأستاذ أن يبين في كتابه مقصوده بدقة بعقيدة أهل التسليم والتفويض، التسليم بماذا؟؟ والتفويض لماذا؟؟ ولمّا لم يفعل اضطربت تقسيماته، فإن كان يقصد التسليم لما يقتضيه ظاهر النصوص المفيد للتجسيم فمعاذ الله أن يكون القيرواني منهم أو في كلامه ما ينص على ذلك، وإن كان يقصد بالتسليم بأن لتلك النصوص معاني دالة على صفات حقيقية زائدة على الصفات السبع أو الثماني - التي أثبتها القيرواني في مقدمة الرسالة ـ والله أعلم بحقيقتها، وبالتفويض تفويض علمها إلى الله سبحانه، فيمكن حمل كلام القيرواني على ذلك، وحينئذ يصدق عليه أنه مؤول تأويلا إجماليا بعدم حمل النصوص على المعنى الظاهر المفيد للتسجيم، مفوض لله تعالى في معرفة حقيقة تلك الصفات، وهذا ما كان عليه الشيخ الأشعري في آخر أمره، وهو ما يغلب على الظن أنه مراد القيرواني في عقيدته في الصفات الخبرية، وهذا المذهب متداول ذكرُه في المدرسة الأشعرية معزوا للشيخ الأشعري كما هو مسطور في محصل الرازي وأبكار الآمدي ومقاصد التفتازاني وغيرها من أمهات كتب أهل الحق.

    وما أحسن قول القاضي البغدادي في شرحه على الرسالة عند قول القيرواني: (على العرش استوى وعلى الملك احتوى): واعلم أنه الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام. (شرح عقيدة الرسالة ص 178)

    وقبل أن أعلق على هذا الكلام النفيس للقاضي البغدادي الأشعري، أود أن أشير إلى خطأ الأستاذ يوسف في إطلاق القول بأن ذلك الشرح النفيس خال من أي صبغة توحي بأن للرسالة علاقة بالفكر الأشعري وبأنه شرح على طريقة أهل التسليم والتفويض (بالمعنى الفاسد الذي ذكرته) ص 49، فالمطلع على ذلك الشرح سيجده مشحونا بالمباحث الكلامية على الطريقة الأشعرية وبكثرة الردود على المعتزلة، كل ذلك انطلاقا من ألفاظ عقيدة القيرواني التي تضمنت تلك الردود، وفي تقديري فإن الأستاذ حصر تصوره لمذهب الأشاعرة في اتجاه واحد وهو اتجاه التأويل التفصيلي للصفات الخبرية، وقد أشرت إلى أن ذلك الحصر باطل، وهو سبب إقصاءه للقيرواني والبغدادي عن دائرة أهل الحق أهل السنة الأشاعرة.

    أما عن كلام القاضي البغدادي، فسأشرحه بما يفيد مقصوده وبالله التوفيق:

    قوله: (واعلم أنه الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص) أي إثبات صفة وجودية قائمة بالله تعالى اسمها الاستواء هو اتباع للنص الوارد فيها في القرآن العظيم لفقدنا كل دليل عقلي يشير إلى إثبات تلك الصفة على نحو ما أثبتنا به القدرة والإرادة والعلم الخ.

    قوله: (وتسليم للشرع) أي في إتيانه بصفات لم تصل إليها عقولنا، وفي ذلك التسليم إقرار بعجزنا وإخبات لشرعنا، وتنبيه على أن كمالاته سبحانه وتعالى لا حصر لها ولا نهاية لها، وأن ما كلفنا باعتقاده تفصيلا ليس كل ما يجب لربنا، بل ثمة صفات أخرى وراءها الله أعلم بحقيقتها، قد يكشفها سبحانه في الآخرة لنا بعد أن أنبأ سبحانه عنها في كتابه وسد علينا طريق الاستدلال بالعقل عليها..

    قوله: (وتصديق لما وصف نفسه تعالى به) أي لأن تأويلها بصرفها كليا إلى صفة أخرى من الصفات الثابتة بالعقل والنقل كالقدرة وغيرها، لا يقوم على دليل قوي، سيما إذا انتفى البرهان اليقيني الحامل لإرجاعها لصفة أخرى، فيكون ذلك تأويلا ظنيا مفيدا لغير ما قصد الله سبحانه إعلامنا به من أن له صفة وجودية أخرى اسمها الاستواء مثلا الله أعلم بحقيقتها، فحملنا لما ورد من الصفات الخبرية على حقيقتها بمعنى أنها تدل على صفات وجودية زائدة على الصفات السبع أو الثماني فيه كمال التصديق لما وصف الله سبحانه نفسه به.

    قوله: (ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه) هذا تعليل لعدم تأويلها تأويلا تفصيليا بصرف تلك الصفات الخبرية إلى معاني الصفات الثابتة بالعقل والشرع بعد صرفها عن الظاهر المفيد للتشبيه (المعبر عنه بالتأويل الإجمالي)، وقد جرى القاضي البغدادي ـ رحمه الله تعالى ـ على قول من يقول بأنه لا يجوز إعمال الظنون في مباحث العقيدة، فطالما لم يثبت نص عن القرآن أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أو إجماع من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يساعد على تأويل تلك الصفات، أي توجيها إلى معنى من المعاني الصحيحة المحتملة، يكون صرفها إلى إحدى تلك المعاني الصحيحة تصرفا بالظنون في العقائد، وهو ما لا يوافق عليه البغدادي والأشعري قبله في آخر أمره والباقلاني والاسفرائني من بعده في أحد أقوالهما. ولو عاش القاضي البغدادي إلى أن رأى حال الوهابية المشبهة لافتى رحمه الله تعالى بجواز صرفها بالظنون الراجحة.

    قوله: (ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام) كلام واضح، ولا يفيد تلك المعاني الخبيثة إلا الإعراض عن التأويل الإجمالي والتفصيلي، والتمسك بالحمل على الظاهر المحال، وهو سبيل من ابتغى غير الرشد سبيلا، ولا يقول عاقل بأن القيرواني كان على هذا المذهب الخبيث إلا خبيث، وكلام القاضي البغدادي خير شاهد على بعد ساحة القيرواني عن مثل هذه القبائح.

    قوله: (وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام) أي لأن الحمل على تلك المعاني الخبيثة الفاسدة يؤدي إلى نفي الصانع جل جلاله، وذلك لأن البرهان دل على أن الأجسام لا تكون إلا حادثة مفتقرة محدث، وذلك يؤدي إلى نفي الإلهية عمن فرض إلها، وهو كفر، نعوذ بالله من شره ومن شر ما يؤدي إليه.

    وفي الحقيقة، قد تتبعت شرح القاضي على الرسالة، وكان من الممكن إيراد شواهد عديدة على أشعريته، لكن فيما ذكرنا كفاية لمن عرف حقيقة الأشعرية وما تضم من الأقوال في الصفات، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

    يتبع إن شاء الله...
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    775
    //وفي الحقيقة، قد تتبعت شرح القاضي على الرسالة، وكان من الممكن إيراد شواهد عديدة على أشعريته، لكن فيما ذكرنا كفاية لمن عرف حقيقة الأشعرية وما تضم من الأقوال في الصفات، والله الهادي إلى سبيل الرشاد

    اوافقك الرأي اخي نزار وهو عندي مطبوع وقد قرأته كاملا لكن وددت لوان محققا اخر تصدى له

    والله الموفق
    هو اللهُ الذي لا إلهَ إلاّ هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم.

    بكـيت بدمــع واكـف فـقـد مــالـك *** ففي فقـــــده سـدت عليـنا المـســــالـك
    ومــالي لا أبكـي علـيه وقـد بكـت *** عـليـه الثريـا والنجـــوم الـشـــوابــك
    حلفـت بما أهــــدت قريش وجلـلـت *** صبيحة عشر حين تقضى المـناسـك
    لنعم وعـاء العـلم والفقـه مـــالـك *** إذا عـد مفقــــود من النــــاس هـــالـك

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    المملكة المغربية
    المشاركات
    55
    شكر الله لك أخي نزار على هذا الموضوع القيم.
    في الحقيقة نثمن للأخ يوسف احنانة جهوده في هذا الكتاب، رغم أنه لا يسلم من بعض العيوب التي انتقد من خلالها عليه.
    أنا لم أقرأ الكتاب كله، لكن من خلال مناقشة مع أخد الإخوان في أشعرية ابن أبي زيد القيرواني، أدهشني استدلاله على عدم أشعريته بهدا الكتاب الذي نشرته وزارة الأوقاف المغربية، فرجعت إليه في هذه المسألة فوجدت أن غاية ما استدل بها عموميات لا تدل لا صراحة ولا تعريضا على عدم أشعريته.
    والذي حز في نفسي أكثر هو كون الكتاب صادرا من وزارة الأوقاف المغربية التي ترفع شعار "المغرب دولة مالكية أشعرية" فلماذا لم يقفوا عند هذه العيوب ويصححونها.
    أم أن الأمر مجرد شعار؟؟؟.....
    [line]ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    تونس ـ صفاقس
    المشاركات
    133
    بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله

    أما بعد ، فجازاك الله خيرا شيخ نزار على تقويمك لكلام الأستاذ يوسف حنانة ، خصوصا في نسبته لقول الفلاسفة لإمام الحرمين رحمه الله و نفعنا الله بعلومه .

    و لكن يا شيخ نزار فإن لي إستفسار حول ما تفضلت به عن عقيدة الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني و شرح القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي رحمهما الله .

    فإني قد إقتنيت الكتاب أي كتاب " شرح عقيدة الإمام مالك الصغير" للقاضي عبد الوهاب ، و وجدت إشكالا في كلامه ، خصوصا و أن الكثير من مدعي السلفية يدعون أنهم على عقيدة الإمام مالك الصغير ، بل إن الكثير منهم قد قام بشرح مقدمة الرسالة !!!!

    لذلك نرجو أن توضح لنا يا شيخ نزار ما غاب عن أذهاننا من دقائق المسائل التي قد تخفى عن أمثالنا من طلاب علم السلف و الخلف على حد السواء .

    فأقول و بالله تعالى التوفيق أن ما نقلته كإثبات على موافقة إمامنا مالك الصغير لمعتقد الأشعري رحمه الله ، مسبوق بكلام أشكل علي فهمه فقد قال مالك الصغير قبل عبارته " على العرش إستوى و على الملك إحتوى " ما نصه :

    " و أنه فوق عرشه المجيد بذاته ، و هو في كل مكان بعلمه ، خلق الإنسان و يعلم ما توسوس به نفسه و هو أقرب إليه من حبل الوريد ، ( وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) "

    فهنا إشكال شيخنا الحبيب حيث قال الإمام " فوق عرشه المجيد بذاته " ، و قد يجوز حملها على معني يليق بجلاله جل في علاه أي أنه عز و جل لا علة لعلوه و إستوائه ، فهو عال و مستو بذاته ، و لكن القرينة التي تلي عبارته تمنعنا من حمل كلامه رحمه الله على هذا المعنى ، إذ قال بعدها مباشرة " و هو في كل مكان بعلمه " ، فالمفهوم من سياق عباراته أن الله عز و جل ليس في كل مكان و لكن مكانه فوق العرش ، إذ لو كان يقصد بالعلو علو مكانة لما أردف كلامه بأنه سبحانه في كل مكان بعلمه ، أي كأنه يقول أنه سبحانه مكانه فوق العرش دون بقية الأمكنة و في كل مكان بعلمه !!!!

    و مما زاد في حيرتي شرح القاضي ، إذ قال ما نصه :

    " هذه العبارة الآخرة التي قوله : على العرش أحب إلي من الأولى التي هي قوله : و أنه فوق عرشه المجيد بذاته ، لأن قوله : على عرشه ، و هو الذي ورد به النص ، و لم يرد النص بذكر فوق ، و إن كان المعنى واحدا ، و كان المراد بذكر الفوق في هذا الموضع أنه بمعنى على ، إلا أن ما طابق النص أولى بأن يستعمل ، إذا ثبت هذا ، و الذي يدل على صحة ما ذكره رحمه الله من أنه على عرشه دون دون كل مكان : ورود النص بذلك في عدة مواضع ، منها قوله تعالى ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) و هذا يمنع أن يوصف بأنه على غيره ، و قوله تعالى ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) و قوله تعالى ( اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) و قوله تعالى ( أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ) و في الحديث المشهور في الرجل الذي أراد أن يعتق عن كفارته أمة ، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لها : من أنا ؟؟ فقالت : رسول الله ، فقال : أين الله ؟؟ فقالت : في السماء . فلم ينكر عليها ، و حكم بإيمانها ، و لإجماع الأمة على أنا متعبدون في الدعاء برفع أيدينا إلى جهة العلو دون السفل ، و دون اليمين و الشمال و سائر الجهات ، و هذا ينفي أن يكون في كل مكان.... "

    و هذا الكلام من جنس ما يستدل به المخالفون ، فهنا الذي يفهم من شرح القاضي أنه يقصد علو المكان لا علو المكانة فمثلا قوله " أنه على عرشه دون كل مكان " كذلك ذكره لحديث الجارية في هذا الموضع ثم إردافه لكلام يؤكد ما ظهر لنا ، إذ هو رحمه الله يرى أن الله فوقنا بمعنى أنه يشار إليه في دعائنا ، دون سائر الجهات ، فهو هو رحمه الله يثبت الجهة و ينفي أن يكون في كل مكان .

    و الأعجب و الاغرب شيخنا نزار هو بقية كلامه في شرح عبارة مالك الصغير ، إذ يقول غفر الله لنا و له ما كنت قد نقلته آنفا :

    " واعلم أنه الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام. "

    فكأنه ينقض ما أثبته ، ففي بداية شرحه لعبارة الإمام استدل بجنس ما يستدل به المخالفون من المعنى الباطل لعلو الله ، فهو يقول أنه في العلو دون سائر الجهات و الأمكنة ، ثم بعد ذلك يقول صراحة " ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، "

    و أخشى ما أخشاه أن يفهم من قول الإمام أو الشارح أنهما رضي الله عنهما يثبتان المكان العدمي الذي يقول به المخالفون كقول إبن أبي العز الحنفي في شرحه لعبارة الإمام أبو جعفر الطحاوي :

    " و أما لفظ الجهة فقد يراد به ماهو موجود ، و قد يراد به ماهو معدوم ، و من المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق و المخلوق ، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقا ، و الله تعالى لا يحصره شيء ، و لا يحيط به شيء من المخلوقات ، تعالى الله عن ذلك ، و إن أريد بالجهة أمر عدمي ، و هو ما فوق العالم ، فليس هناك إلا الله وحده . فإذا قيل : إنه في جهة بهذا الإعتبار ، فهو صحيح ، و معناه : أنه فوق العالم ، حيث إنتهت المخلوقات ، فهو فوق الجميع ، عال عليه . "

    هذا مع التأكيد على أن كلام القاضي " ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء، ولا سألته الصحابة الصحابة عنه، " كاف في إثبات مخالفة معتقد القاضي لمعتقد من يزعم وجود كيفية و لكننا جهلناها و العياذ بالله .

    فنرجو من الشيخ نزار أن يضيء بتعليقاته ما أظلم في أذهاننا من كلام الإمام مالك الصغير و القاضي عبد الوهاب تلميذ القاضي الباقلاني الأشعري ، خصوصا و أن الإمام ابن أبي زيد القيرواني يعود نسبه لمسقط رأسي

    و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
    الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,918
    في شرح عبارة الإمام ابن أبي زيد القيرواني كتب الأخ نزار مقالة رائعة .. ابحث عنها في المنتدى ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  11. #11
    الحمد لله تعالى

    أخي الكريم أسامة مرحبا بك..
    اعلم أولا أني لست بشيخ، لا سنا، ولا علما، ولا بحسب الدعوى.
    أما عن استفساراتك فسأجمع لك فيها مقالا نافعا بإذن الله تعالى، لكن خلاصة القول الآن أن الله تعالى شاء لحكمة أن ينزل علينا من القرآن المحكم والمتشابه، وحكم بأن أهل الضلال يتبعون المتشابه ابتغاء حمله على الباطل، ويتركون المحكم لزيغ في قلوبهم، وشاء سبحانه وتعالى أن يكون في كلام الأئمة المقتدى بهم هذا الضرب من التقسيم ليستمر تمييز الراسخين في العلم عن المبتغين للفتنة باتباعهم المتشابه وحملهم إياه على المعاني الباطلة؛ إذ لو خلا كلامهم عن المتشابه ولم تصدر منهم إلا عبارات محكمة ونصوص في معاني واحدة لحصل إجماع قطعي على مراد الله تعالى ولارتفع تقسيم الناس بين مؤمن راسخ في العلم وزائغ متبع للمتشابه ابتغاء للفتنة ، ولما رأيت المجسمة اليوم يتمسكون بكلام أئمة أهل السنة، لكن قدر الله وما شاء فعل، فقد أراد سبحانه أن يستمر هذا التقسيم بين راسخ وزائغ لحكمة يعلمها هو سبحانه.

    وعليه نقول: حمل المتشابه على المحكم هو سبيل الراسخين في العلم، سواء في القرآن أو في كلام العلماء، ومن فضل الله تعالى أن قد جاء في القرآن من الكلام المحكم ما ينسف شبهات أهل الزيغ، ومن فضله تعالى أن قد جاء في كلام العلماء من الكلام المحكم ما ينسف شبهات أهل الزيغ، ولو لم نحمل المتشابه على المحكم من كلام الله تعالى لحصل التناقض والتنافي ولبطل قوله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وكذلك لو لم نحمل المتشابه من كلام الأئمة على المحكم منه لحصل التناقض والتنافي في كلامهم، والمفروض أنهم أئمة هداة كانوا عارفين بأصول الدين معرفة مطابقة للواقع. وفي كلام القاضي البغدادي من محكم التنزيه ما يدفع متشابهه المحتمل بحسب الظاهر الباطل، وفي كلام القيرواني كذلك أيضا، ويستحيل الجميع بين محكم تنزيههم وظاهره المحتمل للتشبيه وإلا حكمنا عليهم بالتناقض.. ولعلي أبين ذلك في المقال أكثر، والحمد لله تعالى أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  12. #12
    يرفع للفائدة... أو المطالعة... أو المناقشة.. أو المباحثة...
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  13. #13
    جزاك الله خيرا شيخنا نزار


    أرجو وضع هذا البحث في ملف وورد أو غيره حتى ينتشر في منتديات أهل السنة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •