[ALIGN=CENTER]مفردات السادة الحنفية[/ALIGN]
تقديم : ‏
الحمدلله القائم على كل نفس بما كسبت،والرقيب على كل جارحة بما ‏جرحت،المطلع على ضمائرالقلوب إذا هجست،الذي لايعزب عنه مثقال ‏ذرة في السموات والأرض تحركت أو سكنت،المتفضل بقبول الطاعات ‏وان صغرت،المتطول بالعفو عن معاصيهم وان كثرت،والصلاة والسلام ‏على محمد سيد الأنبياء وعلى آله سادة الأصفياء وعلى أصحابه قادة ‏الأتقياء‎………‎‏..‏
أما بعد:‏
فأردت خدمة لمذهبي الذي أعتنقه في الفقه أن أذكر بعضا من المسائل التي ‏خالف فيها السادة الأحناف جمهور الفقهاء وذلك بذكر صورة المسألة ‏عندهم والأدلة على ماذهبوا إليه،وإيراد بعض النصوص التي تدلل على ‏ذلك من كتبهم.وأيضا ذكر صورة المسألة عند الجمهور دون الدخول في ‏نقاش للأدلة.وقبل بيان الهدف من ذلك لابد من الإشارة إلى أن نشأة ‏الاختلاف في الأحكام الشرعية العملية ترجع إلى نشأة الاجتهاد الذي بدأ ‏يسيرا في عهد النبوة،إذ لم يحتج الناس إليه في زمنه صلى الله عليه وسلم ‏استغناء بالوحي المنزل عليه عند كل حادثة دون اغفال دوره صلى الله ‏عليه وسلم في تفقيه أصحابه في الدين وتدريبهم على وجوه الاستنباط حتى ‏كان نحو ستة من الصحابة رضوان الله عليهم يفتون في عهد النبي صلى ‏الله عليه وسلم،وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى استمر الصحابة في التفقه ‏على هؤلاء،ولهم أصحاب معروفون بين الصحابة والتابعين في ‏الفتيا.وتوسع الاختلاف في عهد الصحابة لانقطاع الوحي وتوزعهم في ‏الأمصار.وبإمعان النظر في نشأة الاختلاف نجده يرجع في طبيعته إلى ‏أصلين أساسيين:أولاهما:احتمال النصوص الشرعية لمعان متعددة،بل أن ‏اللفظ العربي ذاته معرض للاحتمالات،وهذه ميزة للغة العربية دون سائر ‏اللغات.وثانيهما:اختلاف المدارك والأفهام ‏
والعقول
ولقد فهم جمهور الأمة حقيقة هذه الاختلافات فكتبوا ووضحوا وبينوا ‏حقيقتها وأسبابها بما يدفع الملام فيما اختلفوا فيه من الأحكام.‏
يقول الإمام الدهلوي في الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف:‏‎}‎‏ وكان ‏السلف لايختلفون في أصل ا لمشروعية،وإنما كان خلافهم في أولى ‏الأمرين،ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءات‎{‎‏.ت:أبو غدة ص:108‏
والأئمة الفقهاء كما يذكر الإمام الكوثري على اتفاق في نحو ثلثي مسائل ‏العلم،والثلث الباقي هو معترك أرائهم وحججهم ومداركهم.‏
ونحن لانريد فيما نطرحه من مسائل للسادة الأحناف التي خالفوا فيها ‏الجمهور التعصب والانتصار بل دعوة لأهل العلم باتباع مذاهب الأئمة ‏الفقهاء- وفي هذا يقول الإمام الكوثري حول فكرة التقريب بين ‏المذاهب:‏‎}‎وأصبح هؤلاء الأئمة موضع ثقة الأمة على توالي القرون لما ‏خبروا من سعة مداركهم وعظم يقظتهم وكبر أخلاقهم وتفانيهم في خدمة ‏شرع الله.فترى أبا حنيفةعلى تقدم سنه لايأنف أن يطلع على كتب مالك بن ‏أنس كما ذكره ابن أبي حاتم في تقدمة معرفة الجرح والتعديل،وكذلك مالك ‏عالم دار الهجرة الذي ورث فقه الفقهاء السبعة من أهل المدينة بواسطة ‏شيوخه يتحين مجيء أبي حنيفة إلى الحج والزيارة فيتصل به ويدارسه ‏العلم ويطالع كتبه حتى اجتمع عنده نحوستين ألف مسألة من مسائل أبي ‏حنيفة.لذا ترى بعض أئمة المالكية يوصي بالأخذ بقول أبي حنيفة فيما ‏لارواية فيه عن مالك.‏
وكذلك الإمام الشافعي يرحل في نشأته إلى المدينة ويسمع من مالك ‏الموطأ،وعند وروده بغداد يتصل بمحمد بن الحسن ويتفقه عليه ويأخذ عن ‏يوسف بن خالد السمتي، وغيره من أصحاب أبي حنيفة.‏
والإمام أحمد بن حنبل تلقى من أبي يوسف واستفاد من كتب محمد ابن ‏الحسن دقائق المسائل وأخذ عن أسد بن عمرو صاحب أبي حنيفة.‏
فهؤلاء الأئمة كانوا كأسرة واحدة في خدمة شرع الله تعالى كما سبق. يأخذ ‏هذا من ذاك،وذاك من هذا- وردا على من يتزعم من أهل هذا العصر ‏بنبذالتمذهب بها،وفي هذايقول الشيخ المجاهد محمد الحامد في كتابه ‏‎}‎‏ لزوم ‏اتباع مذاهب الأئمة حسما للفوضى الدينية‎{‎‏:‏‎}‎‏ فيطيب لبعض الناس أن ‏يشاغبوا على المذاهب المتبعة التي استنفذ أصحابها وسعهم في استنباط ‏الأحكام من منابعها الأصلية وفي تركيز القواعد الشرعية العامة‎…………‎لكن ‏هذا الفريق من الناس يعمدون إلى زعزعة الثقة بها ويدعون إلى اجتهاد ‏جديد مماثل ولو لم يكن لاستيفاء شروطه بإطلاقها مكان في الوجود ‏الآن‎………‎بيد أن بعض الرقعاء طبلوا وزمروا ،وقاموا ينعقون في الأوساط ‏الساذجة بوجوب إعادة النظر في مقررات الأئمة متمثلين بكلام هو في ذاته ‏حق ولكن أردوا به باطلا‎{‎
ويقول الإمام الكوثري في مقاله اللامذهبية قنطرة اللادينية:(بدأنا منذ فترة ‏نسمع مثل هذه النعرة من أناس هم في حاجة شديدة على ماأرى إلى ‏الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي قبل الالتفات إلى مزاعمهم في ‏الاجتهاد الشرعي القاضي ‏‎ –‎في زعمهم- على اجتهادات المجتهدين .فعلى ‏تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا ‏الدين الحنيف ممن لهم غاية ملعونة ترمي إلى تشتيت اتجاه الأمةالاسلامية ‏في شؤون دينهم ودنياهم تشتيتا يؤدي إلى التناحر والتنابذ والتشاحن ‏والتنابز يوما بعد يوم، بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس ‏الإسلام إلى اليوم .وهذه النعرة لا يصح أن تكون من مسلم صحيح درس ‏العلوم الإسلامية حق الدراسة بل إنما تكون من متمسلم مندس بين علماء ‏المسلمين،أخذ بعض رؤوس مسائل من علوم الإسلام بقدر ما يظن أنها ‏تؤهله لخدمة صنائعه ومرشحيه)‏
ويقول أيضا:(وأما إذا كان ذلك الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة ‏المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والاختلاف بين المسلمين ،وأن ‏المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم على خطأ،وأنه يستدرك عليهم في ‏آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى ‏اليوم فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية.‏
وفي هذا القدر كفاية لكل ذي لب لمعرفة الغاية والمقصد.والله أسأل أن ‏يوفق ويعين على ما عزمنا على اتمامه ،فان أحسنت فمن الله،وان أخطأت ‏فمني ومن الشيطان،وحسبي أني كنت أبغي الحقيقة
وسيأتي في المرة القادمة إن شاء الله أولى هذه المسائل .‏
‏ ‏
‏ وكتبه : ‏
‏ لؤي الخليلي الحنفي