النتائج 1 إلى 13 من 13

الموضوع: المجاز بين المانعين والمثبتين ( حوار هادئ مع الشيخ ابن تيمية )

  1. المجاز بين المانعين والمثبتين ( حوار هادئ مع الشيخ ابن تيمية )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المانعون في المرحلة الأولى :

    ( 1 )

    تحرير المسألة

    المجاز في اللغة: اسم للموضع الذي يُنتقل فيه من مكان إلى مكان ، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها1 ، والمجاز في اصطلاح البلاغيين: دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة2، فهو صورة من صور استعمال اللفظ في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب، وينبني هذا على مناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ويسمونها العلاقة، ويشترطون وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الوضعي، بمعنى أنها تصــــــــرف الذهن عن المعنى الوضعي إلى المعنى المجازي3، يقول ابن جني4:" الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز ما كان بضد ذلك".
    والعرب استخدمت المجاز في لغتها لمعان ثلاثة، كما يقول ابن جني، الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، ومثل ابن جني بقوله ( صلى الله عليه وسلم): عن الفرس "هو بحر"5، أما الاتساع، فلأنه زاد في أسماء الفرس، وأما التوكيد، فلأنه شبه العَــرَض بالجوهر وهو أثبت في النفوس منه6، وأما التشبيه، فلأن جريه( أي الفرس) يجري في الكثرة مجرى مائه.
    وينجم ههنا سؤال توقف عنده العلماء، هل يوجد في العربية مجاز بهذا المعنى، الذي يقوم على أساس الانزياح عن أصل المواضعة؟ وقد انقسم العلماء في الإجابة عن هذا السؤال أقساما :

    1ــ قوم أثبتوا المجاز في اللغة والقرآن ، وهم جمهور العلماء.
    2ـ قوم نفوا المجاز عن القرآن بخاصة، ويرجع هذا الرأي إلى داود الظاهري8
    3ـ قوم نفوا المجاز عن اللغة بعامة ، ويرجع هذا الرأي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني9
    وعندما أتحدث عن المانعين في المرحلة الأولى، فأعني بهم القسمين الثاني والثالث، وترجع صعوبة البحث هنا إلى عدم وجود مصنفات خاصة لهؤلاء، فصلوا فيها القول بهذه المسألة، فغاية ما تجده هنا آراء مجردة عن الأدلة، أو أدلة مجتزأة في كتب الأصوليين، منقولة عنهم، والملاحظ أن المانعين في هذه المرحلة، قلة لا تكاد تذكر، سواء كان المنع عاما في اللغة كلها، أو في القرآن بخاصة، كما أن بواعث المانعين تتباين بحسب نظرياتهم، فبواعث نفاة المجاز عن القرآن بخاصة، تختلف عن بواعث نفاة المجاز عن اللغة بعامة1

    (2)

    البواعث عند منكري المجاز في اللغة عامة

    قلت إن هذا الرأي يرجع إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والذي يبدو أن هذا الرأي كان معروفا قبل عصر الأستاذ؛ فإن ابن النديم نقل أسماء كتب ترد على منكري المجاز، وابن النديم ألف كتابه ( الفهرست) في القرن الرابع، والأستاذ عاش في القرن الرابع وأوائل الخامس2، وأنت لا تجد مصنفا للأستاذ يوضح فيه رأيه، ويساعدك على ترسم الطريق في تقرير مذهبه في المسألة، الأمر الذي أجاءني إلى تلمس رأيه في مصنفات الآخرين .
    وينقل لنا السيوطي في ( المزهر)3 متّجَــه الأستاذ في رأيه؛ بما يجعلني أقطع أن باعثه على رأيه كان لغويا محضا، ولا تعلّق للفكر به، فهو يرى أن المجاز يستدعي تقدم منقول عنه، وتأخر منقول إليه، ومن سنن العربية، برأيه، نفي التقديم والتأخير بهذا المعنى، فهذا رأي مؤسس على أنظار لغوية بحتة، ابتناه الأستاذ على مقدمة استظهرها من الطبيعة اللغوية، وهذا باعثه على نظريته، في رأيي؛ إذ لم أجد له مصلحة فكرية في نفي المجاز، بل إن اتجاهه الكلامي المعروف؛ يفرض عليه القبول بالمجاز؛ ليسل به إلى تأويل المتشابهات، ولعل هذا أحد الأسباب التي حملت إمام الحرمين الجويني والإمام الغزالي على التشكيك بنسبة هذا الرأي إليه4

    (3)

    دليل منكري المجاز في اللغة عامة

    وسنعرض هنا دليل الأستاذ أبي إسحاق، فهو رئيس هذه النحلة القائلة بنفي المجاز عن اللغة بعامة، فقد وقفت على دليل له ذكره السيوطي فقال : " وعمدة الأستاذ أن حدّ المجاز عند مثبتيه: أنه كل كلام تُـجوّز به عن موضعه الأصلي إلى غير موضوعه الأصلي لنوع مقارنة بينهما، في الذات أو في المعنى، أما المقارنة في المعنى فكوصف الشجاعة والبلادة، وأما في الذات فكتسمية المطر سماء، وتسمية الفضلة غائطا وعذرة، والعذرة: فناء الدار، والغائط : الموضع المطمئن من الأرض، كانوا يرتادونه عند قضاء الحاجة؛ فلما كثر ذلك نقل الاسم إلى الفضلة، وهذا يستدعي منقولا عنه متقدما، ومنقولا إليه متأخرا، وليس في لغة العرب تقديم وتأخير؛ بل كل زمان قدّر أن العرب قد نطقت فيه بالحقيقة، فقد نطقت فيه بالمجاز؛ لأن الأسماء لا تدل على مدلولاتها لذاتها؛ إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمى؛ ولذلك يجوز اختلافها باختلاف الأمم، ويجوز تغييرها، والثوب يسمى في لغة العرب باسم، وفي لغة العجم باسم آخر، ولو سمي الثوب فرسا والفرس ثوبا؛ ما كان ذلك مستحيلا؛ بخلاف الأدلة العقلية؛ فإنها تدلّ لذواتها، ولا يجوز اختلافها، أما اللغة فإنها تدل بوضع واصطلاح، والعرب نطقت بالحقيقة والمجاز على وجه واحد، فجعل هذا حقيقة وهذا مجازا ضرب من التحكم؛ فإن اسم السبع وضع للأسد، كما وضع للرجل الشجاع"1

    تفكيك الدليل :

    يفهم من هذا الطرح ما يأتي :
    1ــ لم يحفظ عن العرب أنهم وضعوا الحقائق أولا في معانيها، ثم نقلوها إلى المعاني المجازية؛ إذ لا تقديم ولا تأخير في الوضع .
    2ــ العلاقات بين الأسماء والمسميات اتفاقية لا عقلية، والاتفاقيات يجوز تخلفها، بخلاف العقليات المطردة .
    3ــ إذا سلمنا أن الوضع متحد؛ فلا يصح إطلاق الحقيقة على بعضه والمجاز على البعض الآخر2
    وقد ردّ السيوطي هذه الشبهة بما لا مزيد عليه، وحاصل رده3 :
    1ــ التسليم بأن الحقيقة لا بدّ من تقديمها على المجاز، لكن التاريخ مجهول عندنا، والجهل بالتاريخ لا يدلّ على عدم التقديم والتأخير، يقول الأستاذ المطعني :" وهذا رد مقنع؛لأن نشأة اللغة العربية وتطور دلالاتها لم يضبطه أحد، فلا مانع من أن تكون في عصورها الأولى قد وضعت فيها الحقائق، ثم وضعت المجازات وضعيا نوعيا لا آحاديا، وبحوث علم اللغة وفقه اللغة الحديث ترجح هذا الاحتمال، وتؤيده بأن وضع المجازات يتطلب مرحلة أرقى من مرحلة وضع الحقائق، ويستشهدون بنمو الفهم اللغوي عند الأطفال ، فهم يدركون أولا الماديات والمحسوسات، ولا يدركون المعنويات إلا في مرحلة راقية من حياتهم"4، ونحن نرى في واقعنا أن الأطفال يبدؤون باستخدام الأسماء لا الأفعال؛ لما تتضمنه الأفعال من معنى مركب يحتاج إلى مرحلة عقلية أرقى؛ لذلك يتأخر نطقهم بالأفعال، فالطفل يتعنّى في تواصله اللغوي استخدام التصورات، وتتأخر مرحلة استخدام التصديقات عنده إلى مرحلة عقلية أرقى .
    2ــ قوله: إن العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعا واحدا، باطل؛ بل العرب ما وضعت الأسد اسما لعين الرجل الشجاع؛ بل اسم العين في حق الرجل هو الإنسان، ولكن العرب سمت الإنسان أسدا لمشابهته الأسد في معنى الشجاعة، فإذا ثبت أن الأسامي في لغة العرب انقسمت انقساما معقولا إلى هذين النوعين، فسمينا أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإن أنكر المعنى فقد جحد الضرورة، وإن اعترف به ونازع في التسمية فلا مشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني؛ ولهذا لا يفهم من مطلق اسم الحمار إلا البهيمة، وإنما ينصرف إلى الرجل بقرينة، ولو كان حقيقة فيهما؛ لتناولهما تناولا واحدا .
    والحق أنني كنت أعجب من هذا الدليل، ومن هذا التنظير، فكيف ينكر منكر أن العرب نطقت بالمجاز والمعدول عن أصل، وكيف ينازع في سبق لفظ عبر عن حقيقة المتصوّر المعدول عنه؟ ثم رأيت التاج السبكي أجاب عن هذا بقوله: وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا، فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع: إنه أسد، فإن ذلك مكابرة وعناد، ولكن هو دائر بين أمرين: أحدهما أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق، ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها، وهذا مسلّم، ويرجع البحث لفظيا، فإنه حينئذ يطلق الحقيقة على المستعمل، وإن لم يكن بأصل الوضع، ونحن لا نطلق ذلك، أما إذا أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع؛ فهذه مزاحمة للحقائق ودنوّ من جحد الضرورة .
    ولكن الخلاف مع الأستاذ أبي إسحاق يصعب حمله على مجرد الخلاف اللفظي؛ فهو لم يثبت التفاوت في الدلالات من جهة الوضع، ليثبت نوع عدول عن أصل متواضع عليه، فالحقيقة والمجاز عنده يرجعان إلى وضع واحد، فهو يرى أن الحقيقة والمجاز لا تباين بينهما في أصل الوضع، وليس الأمر عنده دائرا على مجرد الاستعمال؛ المبني على اعتراف بالتفاوت في أصل الوضع .

    (4)

    البواعث عند منكري المجاز في القرآن والحديث النبوي بخاصة


    وإنكار المجاز عن القرآن والحديث الشريف بخاصة، ينسب ،كما قلنا، إلى الإمام داود الظاهري، وابنه أبي بكر محمد الظاهري ، وقال به بعض العلماء غيرهما ، ولكن القول اشتهر بهما، والقول بنفي المجاز عن القرآن، لا يستلزم القول بنفيه عن اللغة بعامة، ولهذا ارتباط ببواعث هذه القالة، فإنك بقراءة ما سطره هؤلاء، تعلم أن مقصودهم صون الكتاب المقدس عن العدول بغير دليل قوي، بما يشكل نوع تحريف لهذه الدلالة المقدسة، لذلك قالوا: إن المجاز كذب، فلا بدّ من دفعه عن القرآن والحديث النبوي ، أما اللغة ففيها ندحة لهذا العدول
    الذي تقتضيه البلاغة .

    ومن البواعث على هذا الموقف، إرادتهم تنزيه الله عزل وجل، فلو أقروا بالمجاز في القرآن؛ لزمهم أن يقولوا : إن الله متجوّز، وهذا الوصف لا يليق بالله تعالى باتفاق الأمة ، فعمدوا إلى نفي المجاز عن القرآن، وأثبتوه في سائر المراتب اللغوية .

    (5)

    أدلة منكري المجاز في القرآن والحديث النبوي بخاصة

    وقد ذكر علماء الأصول أدلة أصحاب هذا المذهب، سأعرضها ثم أذيلها بالنقاش .

    1ـ المجاز لا يدلّ بمجرده لعدم وضعه له، فلو ورد في القرآن لأدى إلى الإلباس؛ وهو لا يقع من الله تعالى .
    والإلباس هنا غير حاصل ،كما أسلفت؛ لأنه ينتفي مع القرينة، فالقرينة في المجاز مانعة للتكثر في المعنى، فلا يتناول الذهن مع القرينة إلا المعنى المعدول إليه، فأي وجه بعد للبس؛ ولذلك قدّم العلماء المجاز على المشترك؛ من حيث إن المشترك مفتقر إلى القرينة في كل محمل من محامله، بخلاف المجاز فإنه مفتقر إلى القرينة بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة ، ومع القرينة اللازمة في إرادة المجاز ينحصر المعنى ولا يتشعّب .
    2ــ قالوا : إذا اعتبرت القرينة وقع التطويل .
    والتطويل لا ينفي إلا كون المجاز بخلاف الأصل، والمثبتون مقرّون بأن المجاز بخلاف الأصل، فليس التطويل من أسباب نفي المجاز عن القرآن .
    3ــ قالوا : لو جاز وقوع المجاز في القرآن؛ لجاز أن يطلق على الله تعالى أنه متجوّز، لأن المتجوز من يتكلم بالمجاز .
    وأجاب الأصوليون عن هذا الإيراد بوجهين :
    الأول : إن أسماء الله تعالى توقيفية عنه؛ فلا بدّ في إطلاقها من ورود الإذن، وهذا لم يرد به الإذن؛ فلا نطلقه عليه .
    الثاني : سلمنا أن أسماءه تعالى دائرة مع المعنى، لكنّ شرطه ألا يوهم نقصا، وما نحن فيه يوهم النقص؛ لأن التجوز يوهم تعاطي ما لا ينبغي؛ لأنه مشتق من الجواز وهو التعدي .
    4ـ قالوا : المجاز كذب ؛ فيصدق نفيه، وعليه فيجب تنزيه ساحة التنزيل عنه .
    يقصد بهذا الدليل، أن المجاز يصح نفيه فيصدق نفيه؛ فلا يصدق هو؛ ضرورة ألا يصدق النفي والإثبات معا، وإذا ثبت أنه كذب فلا يقع في القرآن، وهذا الإيراد عمدة هذه الفرقة من نفاة المجاز عن القرآن الكريم .
    وجوابه : أن النفي يصدق وهو للحقيقة، ويلزم كذب الإثبات لو كان هو أيضا للحقيقة ، وأما مع إرادة المجاز فلا يصح نفي الحقيقة؛ لأنها غير مرادة بضابط القرينة المانعة، وعليه فلا يلزم كذب الإثبات؛ لأنه ليس إثباتا للمعنى الحقيقي .
    قال الإمام الرازي في ( المحصول) : " إن قال قائل ما الفرق بين هذا المجاز وبين الكذب؟ قلنا: الفارق هو القرينة وهي قد تكون حالية وقد تكون مقالية، أما الحالية فهي ما إذا علم أو ظن أن المتكلم لا يتكلم بالكذب؛ فيعلم أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز، ومنها أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز، ومنها أن يعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع إلى ذكر الحقيقة؛ فيعلم أن المراد هو المجاز، وأما القرينة المقالية فهي أن يذكر المتكلم عقيب ذلك الكلام ما يدل على أن المراد من الكلام الأول غير ما أشعر به ظاهره" .

    5ــ قالوا : العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة وهو على الله تعالى محال.
    والجواب أن العدول عن الحقيقة في المجاز ليس عجزا عنها، وإنما لأغراض تتعلق باللفظ والمعنى بيّـنها العلماء .
    6ــ قالوا : كلام الله تعالى كله حقّ، وكل حق فله حقيقة، وكل ما كان حقيقة فإنه لا يكون مجازا.
    وهذا القياس المنطقي ينطوي على مغالطة، فكلام الله تعالى كله حقيقة بمعنى أنه صدق، لا بمعنى كون ألفاظه بأسرها مستعملة في موضوعاتها الأصلية .
    فأنت ترى أن المانعين في هذه المرحلة كانوا قلة، ولم يستقم لهم عمود الرأي، وقد ذهب بعض الأصوليين إلى أنه يلزم من إثبات المجاز في اللغة، إثباته في القرآن، وهذه الملازمة فيها نظر؛ فقد تجري في العربية أساليب تستحسن بلاغيا، ولكنها لا تليق بالقرآن من جهة خصوصيته، كما هو الحال في الشعر، وحسن التعليل، وتجاهل العارف، والسجع عند بعضهم ،
    ومما يلفت النظر، أن هؤلاء الذين نفوا المجاز وجهوا سهامهم لما استظهره علماء أصول الفقه، ولم يناقشوا علماء البلاغة، آباء عذرة هذه المسألة، الأمر الذي طوّل الحكاية، وقد نزرت عائدتها، وقلت فائدتها، فصالوا وجالوا في ميدان غير ميدانها، وأنا على ثقة من أن هؤلاء لو التفتوا إلى تنظيرات البلاغيين؛ ما صمدت أبصارهم، ولا استقام عمود رأيهم، ولا نهض لهم دليل، ولا كتبوا في هذه المسألة، سوداء في بيضاء، والحق أنني أعجب من تركهم كتب البلاغيين، ومتحهم من كتب الأصوليين، هذا مع توافر كتب البلاغيين بين أيديهم، ككتب ابن سنان ، وابن الأثير، والرماني، وعبد القاهر، والسكاكي، والقزويني، وغيرهم، وهذا ما يفسر لك موقف رجل مثل ابن قيم الجوزية، فهو عندما اعتمد على كتب الأصوليين حسب، طول في نقاش المسألة بما لا طائل تحته، كما ترى في كتابه الصواعق، ثم إنه عندما راجع أقوال البلاغيين، وتفهّم أنظارهم في المسألة، اعترف صراحة بالمجاز، كما ترى في كتابه الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ، ولا يفهم من هذا ضعف مأخذ الأصوليين، ولكنها دعوة إلى النظر في كتب البلاغيين، وعدم الاقتصار على كتب الأصوليين حسب، لا سيما وقد اختلف الأصوليون مع البلاغيين في بعض مباحث المجاز، فزاد الأصوليون فيه أشياء؛ كانت منافذ للطاعنين فيه، كما نجد في مبحث علامات المجاز مثلا ، فالأصوليون يجعلون النفي من علامات المجاز، والبلاغيون يميلون إلى جعله من قرائن المجاز، والحق أن أنظار البلاغيين في هذا أدق بكثير .
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  2. المانعون في المرحلة الثانية :
    (1)
    تحرير

    المسألة هنا اتخذت بعدا آخر، وإن اعتمد أصحاب هذه المرحلة على بعض ما ذهب إليه علماء المرحلة الأولى، وأقصد أن البواعث هنا اتخذت متجها أكثر خصوصية، وأكثر ادغاما في مضايق الفكر، كما نجد وضوحا في آراء علماء هذه المرحلة، فهم ذكروا آراءهم في مصنفاتهم، بل إن بعضهم خصص كتابا أو غير كتاب في هذه المسألة حسب، والملاحظ أن علماء هذه المرحلة لم يفرقوا في رد المجاز بين القرآن واللغة، فهم ينكرون المجاز في اللغة والقرآن، وهم متفقون في هذا الاتجاه، وسنُعنى في هذه المرحلة بآراء الشيخ ابن تيمية، فهو قائد من أنكر المجاز في هذه المرحلة، وكل من جاء بعده يغزل بمغزله، ويحوم حول حماه؛ لذلك فإنني سأقتصر في دراستي على أدلته وآرائه، فحولها دار نفاة المجاز في هذه المرحلة .
    (2)
    بواعث منكري المجاز في هذه المرحلة
    أظنني لا أبالغ إذا قلت: إن البواعث في هذه المرحلة من القوة بحيث أملت على هؤلاء نظريتهم في نفي المجاز، والناظر في أدلتهم يعلم تمام العلم، أنهم لم ينطلقوا في رؤيتهم من بحث لغوي محض، بل إن مطلب الانسجام الفكري، ما أسميته بالمكتسب المنهجي، أملى عليهم، ضرورة، نفي المجاز، فهم يطمحون إلى سلب سلاح فتاك من أيدي خصومهم، وهو المجاز،لذلك فإنك تجد الإمام ابن تيمية لا يناقش المجاز في كتبه إلا في مباحث العقائد ، ولا أدلّ على ذلك أيضا من التوتر الذي وصل إليه الشيخ ابن القيم وهو يتكلم على المجاز، حتى جعله من الطواغيت التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين ، وانتهكوا حرمة القرآن، ومحوا بها رسوم الإيمان، ثم حصر كلامه على طاغوت المجاز بهؤلاء الذين يقولون: إن آيات الصفات وأحاديث الصفات مجازات لا حقيقة لها ، وكذلك يصرح محمد الأمين الشنقيطي ببواعث نفيه للمجاز في مقدمة رسالته فيقول : " والمقصود من هذه الرسالة نصيحة المسلمين وتحذيرهم من نفي صفات الكمال والجلال التي أثبتها الله لنفسه في كتابه العزيز؛ بادعاء أنها مجاز" .
    فهم يريدون حمل آيات الصفات على ظاهرها، على وفق مذهبهم الفكري، والحمل على المجاز؛ يشغب على ذلك، كحمل اليد على القدرة، والوجه على الذات، وما إلى ذلك ، فكان نفي المجاز مقدمة طبيعة لإثبات هذا المذهب .

    أدلة ابن تيميــّة في نفي المجاز :

    اتخذ الإمام ابن تيمية من الردّ على الإمام أبي الحسن الآمدي وغيره من العلماء منبرا لبث آرائه، وطرح أطروحته في نفي المجاز في غير كتاب من كتبه ، وسأعرض لأهم أدلته وأذيلها بنقاش :

    ( 3)
    تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز حادث لم يعرفه السلف

    بدأ الشيخ ابن تيمية رده على الآمدي بنفي تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز عند السلف، واعتدّ ذلك من التقسيمات الحادثة، وقال : " فمعلوم أن أول من عرف أنه جرد الكلام في أصول الفقه هو الشافعي، وهو لم يقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز، بل لا يعرف في كلامه مع كثرة استدلاله وتوسعه ومعرفته الأدلة الشرعية أنه سمى شيئا منه مجازا، ولا ذكر في شي من كتبه ذلك، لا في الرسالة ولا في غيرها، وحينئذ؛ فمن اعتقد أن المجتهدين المشهورين وغيرهم من أئمة الإسلام وعلماء السلف قسموا الكلام إلى حقيقة ومجاز كما فعله طائفة من المتأخرين؛ كان ذلك من جهله وقلة معرفته بكلام أئمة الدين وسلف المسلمين"
    وقال في موضع آخر،بعد ذكر من قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز، : " لا ريب أن أكثر هؤلاء قسموا هذا التقسيم، لكن ليس فيهم إمام في فن من فنون الإسلام، لا التفسير ولا الحديث، ولا الفقه ، ولا اللغة، ولا النحو، بل أئمة النحاة أهل اللغة كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء وأمثالهم أبي عمرو الشيباني وغيرهم، لم يقسموا تقسيم هؤلاء" .
    وقال في كتاب آخر له : " وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثورى والأوزاعى وأبى حنيفة والشافعى، بل و لا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبى عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية"
    وقال في موضع آخر : " وكذلك سائر الأئمة، لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله إنا ونحن ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة يقول الرجل إنا سنعطيك إنا سنفعل، فذكر أن هذا مجاز اللغة"
    وقال : " هذا اصطلاح حادث والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين"
    وملخص كلامه :
    1ــ تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز حادث لم يقل به أحد من السلف، فهو ظهر بعد المئة
    الثالثة .
    2ــ الأئمة المشهورون لم يقولوا بالمجاز ما خلا الإمام أحمد بن حنبل .
    3ــ نسبة القول المجاز إلى المعتزلة والمتكلمين حسب .
    تذنيب ونقاش :
    أولا: أقول إن البحث في استخدام المصطلح تاريخيا، تقل قيمته في مثل هذه المباحث؛ فما أهمية أن يذكر المصطلح بعينه عند السلف، بل من الطبيعي أن يتأخر ظهور المصطلح عن ظهور الموضوع نفسه؛ وبخاصة في عصر التدوين ، ونحن نقول لابن تيمية هل تعرف أحدا من الصحابة أو التابعين لهم بإحسان استخدم كل هذه المصطلحات التي يستخدمها علماء مصطلح الحديث مثلا، مع أنك لا تقف منها موقف المنكر، وهذا منطق العلوم، تؤسس ثم تؤسس مصطلحاتها .
    ثانيا : قول الإمام ابن تيمية : إن المجاز لم يذكر إلا بعد المئة الثالثة، غريب، فهو من نقل خلاف داود الظاهري وابنه في المجاز، وداود توفي سنة ( 270هـ ) وابنه محمد توفي سنـــــة ( 297هـ )، وداود وابنه أنكرا المجاز في القرآن حسب، وهذا يعني أنهما أقرا بوجوده في اللغة، والخلاف على المجاز يدل على شهرته في هذه الحقبة بله وجوده، وهذا يدل على فشو المجاز في القرن الثالث، ولم تكن مجرد بوادر لظهوره .
    وممن ذكر المجاز بلفظه ومعناه وبكثرة في المئة الثالثة، الإمام الجاحظ ( ت 255 هـ )، والجاحظ وإن كان معتزليا؛ فهو إمام في اللغة والأدب بلا خلاف ولا توقف، وقد وقفت على نصوص كثيرة له ، يذكر فيها المجاز بمعناه المقابل للحقيقة، منها قوله في رسائله :" ثم يصُول أحدهم على منْ شتمه، ويسالم من شتم ربَّه، ويغضب على من شبَّه أباه بعبده، ولا يغضب على من شبَّه الله بخلقه، ويزعم أنَّ في أحاديث المشبهة تأويلاً ومجازاً ومخارج... "
    وقال في موضع آخر من رسائله : " وتسمَّوْا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة"
    وقال في موضع آخر من رسائله : "وكل ما احتملته الأجسام، ووصفت به الأجرام. وكل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل اللغة" ويتكلم في البيان والتبيين على الاستعارة، وهي نوع من المجاز، فيقول عن بيت الشاعر :
    وطفقت سحابة تغشاها تبكي على عراصها عيناها
    " وطَفقَت، يعني ظَلَّت، تبكي على عراصها عَيناها، عيناها هاهنا للسَّحاب، وجَعل المطرَ بكاءً من السَّحاب على طريق الاستعارة، وتسميةِ الشَّيء باسم غيرِه إذا قام مَقامه" ، وقد تركت أمثلة كثيرة غيرها في كتب الجاحظ عامة .
    وممن ذكر المجاز في هذه الحقبة ابن قتيبة الدينوري ( 276هـ ) ، ولا أدلّ على تقريره المجاز، من حكمه على النصارى بالضلال لتركهم المجاز، وأخذهم بظاهر أقوال السيد المسيح( عليه الصلاة والسلام)، ومن ذلك منعه ترجمة القرآن؛ لأن العجم لم يتوسعوا في المجاز، كما توسعت العرب .
    ثالثا : قوله: إن الأئمة المشهورين لم يقولوا بالمجاز ما خلا الإمام أحمد بن حنبل، وأكد نفي هذه القالة عن الإمام الشافعي؛ كونه أول من جرد الكلام في أصول الفقه، وهذه الدعوى فيها نظر، بل هي مردودة عند التحقيق، فهذا الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما من الأئمة كابن المعتز وأبي زيد القرشي ، كلهم قرروا المجاز واستخدموه في هذه الحقبة، وأما الإمام الشافعي، فربما لم يستخدم لفظ المجاز في كتبه من حيث ما هو مصطلح، أما مضمون مصطلح المجاز فقد قاله الإمام وأقره في كتابه الرسالة، وهالك بعض نصوصه، قال الإمام في كتابه الرسالة :" فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها، على ما تعرف من معانيها،وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام الظاهر، ويُستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام، ويدخله الخاص؛ فيُستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعاما ظاهرا يراد به الخاص، وظاهر يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره" وقال الإمام تحت عنوان( الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره ) : " قال الله تبارك وتعالى وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم(َمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون) فهذه الآية في مثل معنى الآيات قبلها، لا تختلف عند أهل العلم باللسان: أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير؛ لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم" ، فالإمام هنا يقرر قرينة المجاز؛ إذ إن صدق إخوة يوسف لا يتقرر بسؤال القرية والعير، بل بسؤال أهل القرية والعير، ومن العنوان الذي وضعه الإمام يتضح أنه يقرر في هذه الآية القرينة الحالية؛ إذ دل لفظ هذه الآية على باطنها .
    وقد نقل الإمام الزركشي في كتابه البحر المحيط ، وهو الأعلم بنصوص الإمام الشافعي والأضبط لمذهبه من ابن تيمية، نصا يفيد أن الإمام الشافعي استخدم في كتابه الأم لفظ المجاز بالمعنى الذي يقابل الحقيقة، وذلك في مبحث الألفاظ الشرعية كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها، هل هي حقائق بالوضع الثاني، كما ذهبت إليه المعتزلة، أو مجازات لغوية، كما ذهب إليه المحققون من السنة، فقال الزركشي : " قُلْت : ونص الشَّافِعِيِّ فِي " الأم " صريح في أَنَّهَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ ، قَالَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي تَرْتِيبِ الأم " ، فكيف يقال بعد ذلك : إن الإمام الشافعي لم يفرق بين الحقيقة والمجاز في كتبه!
    وأما الإمام أبو حنيفة فالنقل عنه كثير في هذه المسألة، فهو يفرق بين الحقيقة والمجاز، ويذكر الاستعارة بلفظها، وعليه فهو قد سبق الجاحظ في تسمية بعض المجاز استعارة، فليس الجاحظ إذن أول من صرح بالاستعارة، كما يقول بعض البلاغيين، نقل فخر الإسلام البزدوي عن الإمام أبي حنيفة قوله: " وقال أبو حنيفة (رحمه الله ):إن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم، بل هو في الحكم أصل، ألا ترى أن العبارة تتغير به دون الحكم؛ فكان تصرفا في التكلم؛ فتشترط صحة الأصل من حيث إنه مبتدأ وخبر موضوع للإيجاب بصيغته، وقد وجد ذلك؛ فإذا وجد وتعذر العمل بحقيقته وله مجاز متعين صار مستعارا لحكمه بغير نية" ، وكذا تجد في أصول السرخسي .
    فهل الشيخ ابن تيمية أعلم من الإمامين البزدوي و السرخسي ،الحنفيين، بنصوص الإمام أبي حنيفة ومذهبه ؟!
    أما الإمام مالك، فقد وجدت له من التأويل المجازي ما يدلّ على تقرر المجاز عنده، فإذا كان الإمام يأخذ بالتأويل المجازي؛ فهو قطعا من المقرين به، جاء في كتاب التمهيد لابن عبد البر: " عن مالك بن أنس أنه سئل عن الحديث ( إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا)، فقال مالك : يتنزل أمره" .
    أما الإمام أحمد فقد نقل الشيخ ابن تيمية عنه القول بالمجاز في قوله السابق" وكذلك سائر الأئمة، لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله إنا ونحن ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة يقول الرجل إنا سنعطيك إنا سنفعل، فذكر أن هذا مجاز اللغة" إلا أنه رجع وفسر المجاز في قول الإمام أحمد بالجواز اللغوي، وليس هو بالمجاز المقابل للحقيقة، أي بمعنى : ما يجوز في اللغة ، وهذا التفسير مردود بأمور:
    1ــ أئمة المذهب الحنبلي الأقرب من الإمام أحمد لم يفهموا ما فهمه الشيخ ابن تيمية، والدليل ما قاله ابن تيمية نفسه في مجموع الفتاوى: " وبهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال إن في القرآن مجازا، كالقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبى الخطاب وغيرهم"
    2ـ التأويل المجازي في تطبيقات الإمام أحمد، ومثاله : تأويله قول الله تعالى (وَجَاء رَبُّكَ ) ، أي جاء ثوابه .
    3ـ أما تفسيره لقول المعظم نفسه ( نحن ) بالجواز اللغوي، فمن المسلمات عند علماء البلاغة أن الواحد المتكلم بصيغة الجمع، إنما هو منزل نفسه منزلة الجماعة ، فاستعار الصيغة الموضوعة لهم، وأجراها على نفسه مجازا؛ فالواحد لا يكون جماعة أبدا، وتخريج الكلام على المجاز أولى وأحوط حين يجري الله تعالى هذا على نفسه؛ لما في المجاز من نفي توهم التكثّـر
    وبعد الذي مرّ؛هل بقي قول الشيخ ابن تيمية: الأئمة المشهورون لم يقولوا بالمجاز ما خلا الإمام أحمد بن حنبل . قائما على عمود القبول عند أهل التحقيق ؟
    رابعا : وأما قصره القول بالمجاز على المعتزلة والمتكلمين، فلم يعد له أرجل يقوم عليها، ولا جناح يطير به ، بعد الذي مرّ .
    التعديل الأخير تم بواسطة عماد أحمد الزبن ; 28-02-2008 الساعة 13:55
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  3. (4)
    نفي الوضع

    حاول الإمام ابن تيمية أن يتثبت نظريته بدليل جديد، وهو نفي وضع اللغة، وتأسيس فكرة الإلهام في تفسير وجود اللغة؛ أجلَ أن يحطم أهم أساس يتقوّم به المجاز، لأن المجاز عند مجوزيه يتقوّم بالعدول والانتقال من المعنى الوضعي إلى معنى غيره، وساق أدلة كثيرة لإثبات فكرة الإلهام، ونفي الوضع اللغوي، وسأعرض الآن أقواله في هذه المسألة .
    قال الشيخ ابن تيمية : " وهذا كله إنما يصح لو علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم بعد ذلك استعملت فيها؛ فيكون لها وضع متقدم على الاستعمال، وهذا إنما صح على قول من يجعل اللغات اصطلاحية؛ فيدعى أن قوما من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على أن يسموا هذا بكذا وهذا بكذا، ويجعل هذا عاما في جميع اللغات، وهذا القول لا نعرف أحدا من المسلمين قاله قبل أبى هاشم الجبائي"
    وقال : " والمقصود هنا، أنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب بل ولا عن أمة من الأمم أنه اجتمع جماعة فوضعوا جميع هذه الأسماء الموجودة في اللغة، ثم استعملوها بعد الوضع وإنما المعروف المنقول بالتواتر استعمال هذه الألفاظ فيما عنوه بها من المعاني، فإن ادعى مدع أنه يعلم وضعا يتقدم ذلك فهو مبطل، فإن هذا لم ينقله أحد من الناس ولا يقال نحن نعلم ذلك بالدليل فإنه إن لم يكن اصطلاح متقدم لم يمكن الاستعمال"
    وقال : " الإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة وإذا سمى هذا توقيفا فليسم توقيفا وحينئذ فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس فقد قال ما لا علم له به وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال"
    وقال ردا على الإمام الآمدي : " أنت وطائفة كالرازي ومن اتبعه كابن الحاجب يقولون: إن الألفاظ قبل استعمالها وبعد وضعها ليست حقيقة ولا مجازا، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وحينئذ فهذه الألفاظ كقولهم : ظهر الطريق، وجناح السفر ونحوها ، إن لم يثبتوا أنها وضعت لمعنى، ثم استعملت في غيره لم يثبت أنها مجاز، وهذا مما لا سبيل لأحد إليه، فإنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب أنها وضعت هذه الألفاظ لغير هذه المعاني المستعملة فيها"
    تذنيب ونقاش :

    أولا : أدرك العلماء ومن قبلهم كبار الصحابة حقيقة الوضع الأول والخروج عليه، ومنهم من أشار إليه معنى بغير لفظه، ومنهم من نص عليه بالتصريح، ومن أشار إليه بالمعنى سلك طريقا خاصا؛ فكان يشير إليه بمثل قوله : وأصله كذا، أو مأخوذ من كذا، أو الأصل فيه كذا، ومرادهم بهذا التنبيه على الدلالة الأصلية للفظ، دلالة الوضع الأول، والدلالة المعدول إليــها .
    وأبدأ بطبقة الصحابة ، ومثاله ما قاله سيدنا ابن عباس ( رضي الله عنه ) في قوله تعالـــى : إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ، جاء في تفسير الماوردي :" بمعنى ذات الطول ، قال ابن عباس مأخوذ من قولهم رجل معمّد ، إذا كان طويلاً"
    أما النقل عن اللغويين وأصحاب المعاجم فهو أشهر من أن نمثل عليه، لكن أريد أن أشير إلى ما قاله ابن فارس في مقدمة معجمه المقاييس في اللغة، إذ بين بقوله هذا خطته في بناء معجمه، قال : " وقد صدرنا كل فصل بأصله الذي يتفرع منه مسائله؛ حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل" ، فكأنه يقرر ابتداء الأصل المعنوي الذي تفرعت عنه الدلالات المعدول إليها بالاستعمال .
    هذا على سبيل الإشارة إلى الوضع الأول أو الأصل، أما التصريح بالوضع فكثير عند علماء اللغة على اختلاف مشاربهم، فالنحاة يصرحون باشتراط الوضع في تعريف الكلام فيقولون: لفظ مفيد بالوضع، ويقصدون بالوضع : الوضع العربي، ويحترزون به من كلام الأعاجم ، وغيره مما يخالف الوضع العربي، أما البلاغيون فيكثرون من ذكر الوضع، لأنه ركن في الموضوعات التي يتعنون شرحها في تواليفهم، من مثل المجازات والاستعارات وغيرهما ، وكذلك الأصوليون يكثرون من ذكر الوضع في تواليفهم، بل هو مبحث عندهم من المباحث المبادي ، وعليه فالإمام ابن تيمية يخالف جمهور علماء الأمة بإنكاره الوضع، كما مرّ بك .

    ثانيا : أما قوله بالإلهام، فمعلوم أن البحث في أصل اللغة طويل، وليس فيه قطع بشيء، وتتلخص مذاهب العلماء فيه بما يأتي :
    1ـ منهم من قال : اللغة توقيف من الله تعالى، وبه قال ابن فارس
    2ـ اللغة تواضع واصطلاح ، وبه قال ابن جني في المعتمد من قوله وغيره من العلماء.
    3ــ وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو الأصوات المسموعات، كدويّ الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب وهكذا، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد . وابن جني كان يرتضي هذا المذهب.
    أما الإلهام الذي أشار إليه ابن تيمية فلم أجده في مذاهب العلماء؛ إذ الإلهام بمعنى القذف في القلب والمشاعر، لم يقل به عالم قبله، بحدود اطلاعي، صحيح أن ابن جني ذكر الإلهام في بحثه المسألة ،ولكنه جعل الإلهام في مقابل الاصطلاح والمواضعة، وليس بالمعنى المومى إليه في بحث الشيخ ابن تيمية؛ فيكون القول بالإلهام عنده قولا جديدا في إطار ما بحثه علماء العربية، أما في الإطار العام للمسألة، فالقول بأن أصل اللغات إلهام بالمعنى الذي قرره ابن تيمية، منسوب إلى الفيلسوف الإغريقي القديم هيراكليت، وهو من فلاسفة القرن الخامس قبل الميلاد ، ولكن الدراسات الحديثة رفضت نظرية الإلهام كما رفضت غيرها، ولم تطمئن إلا لنظرية المحاكاة .
    ثالثا : والظاهر أن ابن تيمية يردنا إلى أصل وهو الاستعمال، وينفي صورة المواضعة التي شرحها، ونحن نوافق على التنزل، ولكن هل ينفي هذا المجاز؟ الحق أن قوله بالإلهام لا ينفي الوضع، لأن الوضع هو النطق أول مرة باللفظة دالا على معناها، سواء كان المصدر الإلهام أو التوقيف أو المحاكاة، والخروج عن الدلالة الأولى بعد استقرار معناها بالاستعمال مستساغ، وعندها فيقال لابن تيمية: حتى مع قولك بالإلهام فلا يجوز لك نفي المجاز؛ لانتفاء الملازمة، ووجهها أن يقال له : أنت أنكرت أن يكون للغة وضع متقدم على الاستعمال، بل الكلمات تولد مستعملة في المعنى المراد منها، الداعي إلى إيجادها، سلمنا، لكن لا نسلم أنه يلزم من هذا إنكار المجاز، إذ الخلاف بين الوضع الذي تنكره، والاستعمال الذي تثبته ، خلاف لفظي حسب، ونحن سنقول بما تقوله، ونثبت المجاز بناء على ثبوت الاستعمال، كما يثبت بناء على القول بالوضع، فالحقيقة هي الكلمة المستعملة استعمالا أول، والمجاز هو الكلمة المستعملة استعمالا
    ثانيا، فننزل الاستعمال الأول منزلة الوضع الأول،وننزل الاستعمال الثاني منزلة الوضع الثاني، فتكون الكلمة حقيقة في أول استعمال لها،ومجازا في الاستعمال الثاني،وهو أمر لا مشاحة فيه

    رابعا : كل عاقل يجد في نفسه تقبلا لبعض المعاني دون الحاجة إلى ما هو خارج عن اللفظ ذاته، وبعض المعاني لا يتأتى فهمنا لمعانيها إلا بملاحظة ما هو خارج عن مجرد اللفظ، وإنكار ذلك مكابرة عظيمة، ولو كانت هذه المعاني متساوية في تناولها من مجرد ألفاظها؛ لكانت مشتركات؛ ولو كانت كذلك ما ظهر معنى معين منها إلا بقرينة، وهذا غير حاصل البتة، فلو أطلق رجل لفظ الشمس مثلا فلا نتوقف في فهم معناه، ولا نتساءل هل يراد به الجرم السماوي أو وجه فتاة جميلة، وليس ثمة عاقل يخالف في ذلك، وإذا ثبت ذلك؛ لزم الاعتراف بوجود دلالة أصلية ينصرف الذهن إليها بمجرد تلقي اللفظ، وهذا ما نسميه الوضع، فإذا أسماه ابن تيمية الاستعمال فالخلاف قريب والمصير واحد، وإن قيل إن العرف يخالف هذا، فنحن نجد بعض الألفاظ ينصرف الذهن إلى المجاز فيها حال إطلاقها، كقولهم الغائط مثلا، فلا ينصرف الذهن فيها إلا إلى قضاء الحاجة، ولا ينصرف إلى المطمئن من الأرض، والجواب عن هذا الطرح، أننا لا نسلم الحصر في الدعوى، فالذهن لا ينصرف إلى الحقيقة في لفظ الغائط ، عند من شاع هذا الاستعمال المجازي عنده، أي عند من لا يعرف المعنى الأصلي( الوضعي) لهذا اللفظ، أما عند الخاصة فينصرف الذهن إلى المعنى الأصلي ، لذلك عندما جاءت هذه اللفظة في القرآن بمعنى قضاء الحاجة، جاءت معها قرائنها اللفظية، منبئة بحصول الانتقال المعنوي، قال تعالى:أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ ، والقرائن اللفظية هنا قوله تعالى ( جاء أحد منكم ) ، بما يدل على أنه أراد قضاء الحاجة لا المطمئن من الأرض ، والاعتبار هنا بالذي يعلم وليس بالذي لا يعلم.
    ويمكن أن يقال أيضا : إنها مجازات اشتهرت بالاستعمال، فصار لها قوة الحقيقة، حتى جاز العدول عنها إلى مجاز جديد، وهذا ما أطلق عليه العلماء مجاز المجاز ، ولكنها مع قوتها بالاستعمال تبقى مجازات، وإن جهل البعض أصل الوضع فيها، كما هو الحال في المجازات اللغوية الشرعية .
    خامسا : أما قوله في الرد على الآمدي " أنت وطائفة كالرازي ومن اتبعه كابن الحاجب يقولون: إن الألفاظ قبل استعمالها وبعد وضعها ليست حقيقة ولا مجازا، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، وحينئذ فهذه الألفاظ كقولهم : ظهر الطريق، وجناح السفر ونحوها ، إن لم يثبتوا أنها وضعت لمعنى، ثم استعملت في غيره لم يثبت أنها مجاز، وهذا مما لا سبيل لأحد إليه، فإنه لا يمكن أحدا أن ينقل عن العرب أنها وضعت هذه الألفاظ لغير هذه المعاني المستعملة فيها" هنا نقول : إن الأصل في اللفظ حمله على الحقيقة، فمن ادعى المجاز طولب بدليل من تقرير المعنى الوضعي؛ أجل إثبات العدول عن هذا المعنى، وقوله بعدم إمكان معرفة ما وضعته العرب للمعاني، دعوى بلا دليل، وتهويل في محل البحث .
    سادسا : والعجيب أن الشيخ ابن تيمية نفسه يقر بالوضع في تطبيقاته، وبالنصوص الصريحة، فكأنه شعر بتهافت مذهبه في نفي الوضع، فترك في تطبيقه ما قرره سابقا من نفي الوضع، وهذا باختصار لأنه ليس مقتنعا كثيرا بما يقوله في تنظيره السابق، فهو يعلم أن الحاجة العلمية وربما العقلية تلجئه إلى الاعتراف بالوضع وهاك هذا النص له : " وهذا الذي ذكرناه الذي جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى، و قد يعبر في اللغة بضرب المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ؛ فيستفاد منه التعبير كما يستفاد من اللغة، لكن لا يستفاد منه الدليل على الحكم كأمثال القرآن، وهو أن يكون الرجل قد قال كلمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاه فشاعت في الاستعمال حتى يصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول، وإن كان اللفظ في الأصل غير موضوع لها، فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من المعنى الخاص إلى العام، كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل في الجملة، مثل قولهم(يداك أوكتا و فوك نفخ) هو مواز لقولهم: أنت جنيت هذا؛ لأن هذا المثل قيل ابتداء لمن كانت جنايته بالإيكاء والنفخ ثم صار مثلا عاما" وقوله أيضا في نص ثان : " وكذلك الاستثناء و إن كان في الأصل للإخراج من الحكم، فإنه صار حقيقة عرفية في مناقضة المستثنى منه، فالاستثناء من النفي إثبات،ومن الإثبات نفي، واللفظ يصير بالاستعمال له معنى غير ما كان يقتضيه أصل الوضع، وكذلك يكون في الأسماء المفردة تارة و يكون في تركيب الكلام أخرى و يكون في الجمل المنقولة كالأمثال السائرة جملة، فيتغير الاسم المفرد بعرف الاستعمال عما كان عليه في الأصل، إما بالتعميم وإما بالتخصيص وإما بالتحويل، كلفظ الدابة و الغائط و الرأس، ويتغير التركيب بالاستعمال عما كان يقتضيه نظائره كما في زيادة حرف النفي في الجمل السلبية و زيادة النفي في كاد و بنقل الجملة عن معناها الأصلي إلى غيره، كالجمل المتمثل بها كما في قولهم: يداك أوكتا و فوك نفخ"
    وهو بهذا يصرح ويقر بالوضع الأول، ثم النقل منه إلى وضع ثان، والغريب أنه أيضا يقر بالمجاز المركب أو الاستعارة التمثيلية، وبالمجاز المفرد وذلك في قوله : " فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من المعنى الخاص إلى العام، كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل في الجملة" فقد أجمع علماء البيان أن المثل عندما يردد في مضربه بعد مورده يكون من باب الاستعارة التمثيلية، وابن تيمية نفسه يسمى المعنى اللغوي ( خاص )، ويسمى المعنى المجازي (العام) ، فهو لم يترك إلا اسم المجاز .
    سابعا : أختم كلامي على الوضع، بذكر دليلين عليه، من النقل ومن العقل، أما الدليل النقلي فقوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) ، فهذا يقتضي سبق اللغة على البعثة، فلو كانت اللغة توقيفية، والتوقيف لا يحصل إلا بالبعثة؛وقع الدور، وهو محال ، فيلزم الوضع والاصطلاح، ولا يشغب على هذا الدليل إلا إذا تم كسر حصر حصول التوقيف بالبعثة .
    أما الدليل العقلي، فهو أن اللغة لو كانت توقيفية لكان: إما أن يقال إنه تعالى يخلق العلم الضروري بأنه تعالى وضعها لتلك المعاني أو لا يكون كذلك، والأول لا يخلو إما أن يقال إنه تعالى يخلق ذلك العلم في العاقل أو في غير عاقل، وباطل أن يخلقه تعالى في عاقل؛ لأن العلم بأنه تعالى وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن العلم به تعالى، فلو كان ذلك العلم ضروريا لكان العلم به تعالى ضروريا؛ لأن العلم بصفة الشيء متى كان ضروريا كان العلم بذاته أولى أن يكون ضروريا، ولو كان العلم به تعالى ضروريا لبطل التكليف، لكن ذلك باطل لما ثبت أن كل عاقل فإنه يجب أن يكون مكلفا، وباطل أن يخلقه في غير العاقل لأنه من البعيد أن يصير الإنسان غير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة والتركيبات النادرة اللطيفة، وأما الثاني: وهو أن لا يخلق الله تعالى العلم الضروري بوضع تلك الألفاظ لتلك المعاني؛ فحينئذ لا يعلم سامعها كونها موضوعة لتلك المعاني إلا بطريق آخر؛ والكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم إما التسلسل وإما الانتهاء إلى الاصطلاح . وفي هذا رد على نفاة الوضع والاصطلاح بشتى مشاربهم .
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  4. (5)

    قرينة الإضافة

    جعل العلماء القائلون بالمجاز، الإضافة إحدى القرائن المقبولة في تحقيق المجاز ، فراح الشيخ ابن تيمية يهدم هذا العمود الذي اعتمد عليه المجوزون، على عادته، فقال : " ثم هؤلاء الذين يقولون هذا نجد أحدهم يأتي إلى ألفاظ لم يعلم أنها استعملت إلا مقيدة فينطق بها مجردة عن جميع القيود، ثم يدعى أن ذلك هو حقيقتها من غير أن يعلم أنها نطق بها مجردة ولا وضعت مجردة مثل أن يقول: حقيقة العين هو العضو المبصر ثم سميت به عين الشمس والعين النابعة وعين الذهب للمشابهة، لكن أكثرهم يقولون إن هذا من باب المشترك لا من باب الحقيقة والمجاز فيمثل بغيره مثل: لفظ الرأس، يقولون هو حقيقة في رأس الإنسان، ثم قالوا رأس الدرب لأوله ورأس العين لمنبعها ورأس القوم لسيدهم ورأس الأمر لأوله ورأس الشهر ورأس الحول وأمثال ذلك على طريق المجاز، وهم لا يجدون قط أن لفظ الرأس استعمل مجردا، بل يجدون أنه استعمل بالقيود في رأس الإنسان كقوله تعالى (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ونحوه وهذا القيد يمنع أن تدخل فيه تلك المعاني" .
    وهو يقرر بهذا النص، أن الألفاظ في اللغة لم ترد إلا مقيدة، فادعاء ورودها مجردة ليكون المجرد منها حقيقة ، والمقيد مجازا غير معلوم، ويقرر أيضا التسوية بين إضافة الشيء لما يجري عليه، وإضافته لما لا يجري عليه .
    وقال : "اللفظ لا يستعمل قط مطلقا، لا يكون إلا مقيدا، فإنه إنما تقيد بعد العقد والتركيب، إما في جملة اسمية، أو فعلية من متكلم معروف، قد عُرفت عاداته بخطابه، وهذه قيود يتبين المراد بها" .
    تذنيب ونقاش :
    أولا : دعوى عدم تجرد اللفظ من القيود مطلقا منقوضة، فكما تجردت كلمة رأس من قيد الإضافة ، في قول عمرو بن كلثوم :

    [poem font="Simplified Arabic,5,gray,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="http://www.aslein.net/images/toolbox/backgrounds/16.gif" border="double,6,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    برأس من بني جشم بن بكر ندق به السهولة والحزونا [/poem] فإننا نجدها تجردت من القيود كافة،فقد جاءت( رأس ) في المعاجم، مطلقة دون قيد، وكذلك نجد أفعالا مطلقة غير منتظمة في جمل .
    ثانيا : أما دعوى التسوية في الإضافة، فمفادها أنه يسوي بين إضافة الشيء إلى ما حقه أن يضاف إليه، مثل : رأس الإنسان، وبين إضافة الشيء إلى ما ليس حقه أن يضاف إليه مثل : رأس الجبل، ورأس القوم، وهذه تسوية غريبة، لا تثبت عند التحقيق العلمي، فالرأس عضو من الإنسان معروف ، فإذا قيل: رأس الإنسان، كانت الإضافة حقيقية، ولا يتبادر إلى الذهن إلا هذا العضو المعروف من الإنسان، لذلك عندما أنزل الله تعالى قوله : (وامسحوا برؤوسكم ) فهم المخاطبون المقصود من كلمة رؤوس، فصار مسح الرأس فرضا عندهم، ولم تنصرف أذهانهم إلى غير المعروف بالخطاب، والتجرد عن الإضافة فيما لو قيل ( الرؤوس ) مثل الإضافة في وضوح الدلالة ، وتعين المقصود، فهل هذه الإضافة تساوي تماما قول النبي ( صلى الله عليه وسلم) :" ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه" ، إن الرأس في الآية، جاء للعضو المعروف من الإنسان، أما في الحديث فهو بمعنى معقول، غير محسوس، ويتعلق بكيفية من الكيفيات الذهنية، فكيف تصح التسوية بين دلالة هاتين الإضافتين، إلا على سبيل المكابرة، وقطع عادية المألوف العلمي؟
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  5. (6)

    رد الشيخ ابن تيمية على المجوزين :

    حاول الشيخ ابن تيمية أن يسد منافذ المجاز بأي وسيلة، فراح يفند أمثلة المجوزين، ويحاول جاهدا طردها من مضمار المجاز، والأمثلة على ذلك كثيرة سأكتفي هنا بأشهر مثال وأناقشه .
    من أشهر أمثلة المجاز في كتاب الله تعالى عند المجوزين قوله تعالى (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ، قالوا المراد بها : اسأل أهل القرية، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وهذه نسبة إيقاعية، تدخل في النسب المجازية، وذلك من خلال إيقاع الفعل على غير مفعوله ، راح ابن تيمية يفند هذه الحجة المشهورة على النحو الآتي :
    قال : المراد بالقرية نفس الناس المشتركين الساكنين في ذلك المكان، فلفظ القرية هنا أريد به هؤلاء، كما في قوله تعالى (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) ، وكذلك قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، وقوله (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً) ، ونظائره متعددة
    وقال عن هذا ما ملخصه : " لفظ القرية والمدينة والنهر والميزاب وأمثال هذه الأمور التي فيها الحال والمحل،كلاهما داخل في الاسم ثم قد يعود الحكم على الحال وهو السكان وتارة على المحل وهو المكان وكذلك شفى النهر، يقال: حفرت النهر وهو المحل، وجرى النهر وهو الماء، ووضعت الميزاب وهو المحل وجرى الميزاب وهو الماء وكذلك القرية"

    تذنيب ونقاش :
    يفهم من كلامه أن اللفظ الذي يشتمل على محل وحال، يجوز الحديث عنه بمراعاة أحدهما، المحل مرة، والحال أخرى، واحتج لذلك بقوله تعالى ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) فلفظ القرية هنا بمعنى المحل، وقوله ( أهلكناهم) جاء على لفظ القرية بمعنى الحال أو السكان، ولكن العلماء لم يجروا اللفظ على ظاهره حين يجري على المحل دون الحال، بل يؤولونه بالحال،ومنهم الإمام الشافعي في ما تقدم من هذه الدراسة والإمام الشافعي حجة في اللغة عند أكثر العلماء، وقد ذكر هذه الآية كما مرّ تحت عنوان ( الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره)، وحمل الإمام الشافعي القرية هنا على أهلها، ولم يحملها على حقيقة القرية ، كما ذهب إليه ابن تيمية، وقال : " فهذه الآية في مثل معنى الآيات قبلها، لا تختلف عند أهل العلم باللسان: أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير؛ لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم" ، فهو حملها على الحال دون المحل بالقرينة كما ترى، والحق أن ابن تيمية وقع في بئر الغلواء عندما قال : " ونظير ذلك لفظ الإنسان يتناول الجسد والروح، ثم الأحكام تتناول هذا تارة وهذا تارة لتلازمهما، فكذلك القرية إذا عذب أهلها خربت وإذا خربت كان عذابا لأهلها، فما يصيب أحدهما من الشر ينال الآخر، كما ينال البدن والروح ما يصيب أحدهما" ، فكأنه يقول إن الخراب الواقع على القرية هو عقاب لها من حيث إنها مكان ومنزل ، وهذا فصل عجيب يدل على وهن مأخذ هذه النظرية .
    هذا والله تعالى أعلم وأجل
    وكتب عماد الزبن
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  6. لم تظهر حواشي هذه الدراسة، ولا أدري ما السبب، لذلك هاك مراجع هذه الورقة البحثية :


    ثبت المصادر والمراجع

    1ـ الإبهاج في شرح المنهاج، التاج السبكي، ط1، تحقيق( شعبان محمد)، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1981م
    2ـ الإتقان في علوم القرآن ، عبد الرحمن السيوطي، ط3، تحقيق( مصطفى البغا)، دار ابن كثير ، دمشق ، 1996م
    3ـ الإحكام في أصول الأحكام، علي بن حزم، ط1، دار الحديث، القاهرة، 1404هـ
    4ـ الإحكام في أصول الأحكام ، علي بن محمد الآمدي، ط1، تحقيق( سيد الجميلي)، دار الكتاب العربي، بيروت،1404هـ
    5ـ الاختلاف في اللفظ ، عبد الله بن مسلم بن قتيبة، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت ، 1985م
    6ـ إرشاد الفحول ، محمد بن علي الشوكاني، ط1، تحقيق( محمد سعيد البدري)، دار الفكر، بيروت، 1992م
    7ـ أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني،ط3، تحقيق( هـ . ريتر)، دار المسيرة، بيروت، 1983م
    8ـ أصول البزدوي، علي بن محمد البزدوي، مطبعة جاويد بريس، كراتشي .
    9ـ أصول السرخسي، أحمد بن أبي سهل، تحقيق( رفيق العجم)، دار المعرفة ، بيروت.
    10ـ الإيضاح،الخطيب القزويني،ط3، تعليق( محمد عبد المنعم خفاجي)، دار الجيل، بيروت .
    11ـ البحر المحيط، بدر الدين الزركشي، ط1، تحقيق( محمد تامر)، دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م
    12ـ البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير ، مكتبة المعارف ، بيروت .
    13ـ بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، عبد الرحمن السيوطي، ط2، تحقيق( محمد أبو الفضل إبراهيم)، دار الفكر، بيروت، 1979م
    14ـ البيان والتبيين ، عمرو بن بحر الجاحظ ، تحقيق( عبد السلام هارون) ،دار الجيل ، بيروت .
    15ـ التمهيد، يوسف بن عبد الله، تحقيق( مصطفى العلوي، محمد عبد الكبير ) ، وزارة عموم الأوقاف، المغرب، 1387
    16ـ جواهر البلاغة ، أحمد الهاشمي، دار الفكر، بيروت ، 1991م
    17ـ حاشية الصبان على شرح الأشموني ، محمد بن علي الصبان، دار الفكر ، بيروت ، 2003م
    18ـ الحقيقة والمجاز ، تقي الدين أحمد ابن تيمية ، تحقيق( محمد بن حامد) ، دار البصيرة ، الإسكندرية، 2002م
    19ـ الخصائص، عثمان بن جني،ط2 ، تحقيق( محمد علي النجار)، دار الهدى، بيروت .
    20ـ رسائل الجاحظ ، عمرو بن بحر، ط1، تحقيق( عبد السلام هارون)، دار الجيل ، بيروت ، 1991م
    21ـ الرسالة ، محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق( أحمد محمد شاكر)، دار الفكر، بيروت .
    22ـ سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، ط11،تحقيق( حسين الأسد وأخرون)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م
    23ـ شرح القصائد المشهورات، أحمد بن محمد بن النحاس، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985م
    24ـ شرح مختصر المنتهى مع حاشية السعد، العضد الإيجي، مراجعة( شعبان محمد إسماعيل)، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1983م
    25ـ شرح المكودي على المقدمة الآجرومية، عبد الرحمن بن علي المكودي، ط1، تحقيق( عماد أحمد الزبن)، دار البشائر، بيروت، 2003م
    26ـ صحيح البخاري، البخاري، ط3، تحقيق( مصطفى البغا)، دار ابن كثير، بيروت، 1987م
    27ـ الصواعق المرسلة،ابن قيم الجوزية، ط3، تحقيق( علي الدخيل)، دار العاصمة، الرياض، 1998م
    28ـ طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين السبكي،تحقيق( محمود الطناحي و عبد الفتاح الحلو)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة .

    29ـ العباب الزاخر واللباب الفاخر ، الحسن بن محمد الصغاني، ط1، تحقيق( محمد حسن آل ياسين)، دار الشؤون الثقاقية، بغداد، 1987م
    30ـ الفتاوى الكبرى، تقي الدين أحمد ابن تيمية، ط1، تحقيق( حسنين مخلوف)، دار المعرفة، بيروت،1386
    31ـ الفهرست ، محمد بن إسحاق بن النديم، دار المعرفة، بيروت، 1978م
    32ـ كتاب منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز ، محمد الأمين الشنقيطي، مطابع الرياض،الرياض، 1376هـ
    33ـ المثل السائر، ضياء الدين ابن الأثير، تحقيق( محمد محيي الدين عبد الحميد)، المكتبة العصرية، بيروت،1995م .

    34ـ المجاز في اللغة والقرآن الكريم ، عبد العظيم المطعني، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة.
    35ـ مجموع الفتاوى، تقي الدين أحمد ابن تيمية، مطابع الرياض، الرياض، 1381هـ
    36ـ المحصول ، محمد بن عمر الرازي، ط1، تحقيق( طه جابر)، جامعة الإمام محمد بن سعود، 1400هـ
    37ـ المزهر في علوم اللغة، عبد الرحمن السيوطي، ط1،تحقيق( فؤاد علي منصور)،دار الكتب العلمية،بيروت، 1998م
    38ـ المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم، ط1، تحقيق( مصطفى عبد القادر عطا)، دار الكتب العلمية، بيروت ، 1990م
    39ـ المطول، مسعود بن عمر التفتازاني، ط1، تحقيق( عبد الحميد هنداوي)، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001م
    40ـ معجم المقاييس في اللغة، أحمد بن فارس، ط2، تحقيق( شهاب الدين أبو عمرو)، دار الفكر ، بيروت، 1998م
    41ـ المنخول ، محمد بن محمد الغزالي، ط2، تحقيق( محمد حسن هيتو)، دار الفكر، دمشق، 1400هـ
    42ـ النكت والعيون ( تفسير الماوردي ) ، أبو الحسن، علي الماوردي، تحقيق( السيد بن عبد المقصود) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1993م
    43ـ هدي الساري مقدمة فتح الباري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر ، بيروت ، 1996م
    44ـ وفيات الأعيان، أحمد بن خلكان، تحقيق( إحسان عباس)، دار الثقافة، بيروت، 1968م
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  7. بارك الله بك شيخنا الكريم ، وزادك علماً إلى علم
    يَقوْلوْنَ ليْ قدْ قلَّ مَذْهبُ أحْمَد .... وَكلُّ قَليْلٍ في الأنَام ضَئيْلُ .

    فقلتُ لَهُمْ : مَهلاً غلِطتُمْ بِزَعْمِكُم .... ألمْ تعلمُوا أنَّ الكرَامَ قليْلُ .

  8. #8
    أخي الشيخ عماد،
    إذا أردت أن تظهر الحواشي والتعليقات، فاعمل ما يأتي:
    اولا: انسخ موضوعه أو مقالتك من الوورد إلى outlook express (المستعمل للإيميلات) وسترى أن الحواشي ستظهر هناك مرتبة في آخر الموضوع.
    ثانيا: انسخ الموضوع كاملا من هناك إلى المنتدى وانشره فسوف تظهر الحواشي والتعليقات كما ظهرت مرتبة في البرنامج المذكور.

    وهذا دواء مجرب وناجح....!
    وربما يكون هناك أسلوب آخر غيره يتحفنا به الإخوة..
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. [frame="10 80"]بارك الله فيك شيخنا الدراكة ، وبارك الله فيك أخي خالد ، وزادك أدبا [/frame]
    [frame="1 80"][grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله[/grade][/frame]

  10. إثبات أن المجاز اصطلاح ثابت في كتب الفقه واللغة والحديث فى القرون الثلاثة الأول المفضلة :
    من أدلة وجود المجاز ذكر بعض علماء القرون الثلاثة الأول المجاز كأبي عبيدة معمر بن المثني 114 هـ - 210 هـ عالم لغة له كتاب (مجاز القرآن) وله كتاب (المجاز) ، ومن العلماء الذين ذكروا المجاز الخليل الفراهيدي 100هـ -174 هـ قال في كتابه الجمل في النحو : ( وكذلك يلزمون الشيء الفعل ولا فعل وإنما هذا على المجاز كقول الله جل وعز في البقرة ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ﴾ والتجارة لا تربح فلما كان الربح فيها نسب الفعل إليها ومثله : ﴿جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ ﴾ ولا إرادة للجدار ، ولأبي العباس أحمد بن يحيى المشهور بثعلب النحوي المتوفى سنة 291هـ كتاب قواعد الشعر أكثر من ذكر الاستعارة فيه والاستعارة ضرب من المجاز ،وقال ابن السراج النحوي المتوفى 316 هـ في كتابه الأصول في النحو : ( وجائز أن تقول لا قام زيد ولا قعد عمرو تريد الدعاء عليه وهذا مجاز ) ، وقال أبو العباس المبرد في كتابه المقتضب : ( وقد يجوز أن تقول أعطي زيدا درهم وكسي زيدا ثوب لما كان الدرهم والثوب مفعولين كزيد جاز أن تقيمهما مقام الفاعل وتنصب زيداً ؛ لأنه مفعول فهذا مجاز ) ومن الفقهاء الذين ذكروا المجاز في كتبهم محمد بن الحسن الشيباني 132 هـ - 189 هـ حيث قال في كتابه الجامع الصغير: ( فالحاصل أن أبا يوسف أبى الجمع بين النذر واليمين ؛ لأن هذا الكلام للنذر حقيقة ولليمين مجاز والحقيقة مع المجاز لا يجتمعان تحت كلمة واحدة فإن نواهما فالحقيقة أولى بالاعتبار ؛ لأن الحقيقة معتبر في موضعه والمجاز معتبر في موضعه ) ، ومن علماء الحديث الذين ذكروا المجاز في كتبهم ابن قتيبة حيث قال ابن قتيبة : ( والنبات لا يجوز أن يكون شراباً، وإن كان صاحبه يستغني مع أكله عن شرب الماء إلا على وجه من المجاز ضعيف ، وهو أن يكون صاحبه لا يشرب الماء فيقال إن ذلك شرابه ؛ لأنه يقوم مقام شرابه فيجوز أن يكون قال هذا إن كانت الجن لا تشرب شراباً أصلاً ) . قال القاسمي في محاسن التأويل (سورة الفجر) : (( قال ابن تيمية في بعض فتاواه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله وبالتأويل الجاري على نهج السبيل ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا أنا لا نقول بالمجاز والتأويل،والله عند لسان كل قائل،ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب،وما فتح به الباب إلى هدم السنة والكتاب واللحاق بمحرفة أهل الكتاب. والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه أن القرآن مشتمل على المجاز ولم يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم كأبي بكر بن أبي داود وأبي الحسن الخرزي وأبي الفضل التميمي وابن حامد وغيرهم إلى إنكار أن يكون في القرآن مجاز. وإنما دعاهم إلى ذلك من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز ، قابلوا الضلال بحسم المواد وخيار الأمور التوسط والاقتصاد )) .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    اليمن ، حضرموت ، تريم
    المشاركات
    284
    جزاكم الله خيرا

  12. #12
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أرفع هذا المقال الرائع لسيدي الشيخ عماد الزبن حفظه الله تعالى.
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2013
    الدولة
    المنيعة - الجزائر
    المشاركات
    684
    مقالات المدونة
    15
    نستأذن صاحب البحث ، في الحديث عن مثال القرية ، الذي أنكر الشيخ ابن تيمية أنه يحتوي على مجاز ، فنقول :
    إن كلمة القرية تطلق حقيقة على المحل ، أي المسكن الذي يسكنه أهل القرية ، و تطلق مجازا على سكان القرية . بحيث لو أن أناسا من المدينة جاءوا إلى قرية و اتخذوها مسكنا ، لصار اسمهم قرية و أهل قرية ، بسبب سكناهم في القرية ، و ذلك دليل على أن سكان القرية إنما اكتسبوا اسم قرية بسبب سكناهم في القرية ، و هذا هو المجاز ، لأن اسم القرية انتقل من المحل إلى أهل المحل . و هذا في اللغة كثير ، كأن نقول : أكل صحنين ، و نقصد أنه أكل الطعام الموجود في الصحنين ، فسمي الطعام باسم محل وجوده و هو الصحن ، مجازا .
    التعديل الأخير تم بواسطة عثمان حمزة المنيعي ; 25-05-2013 الساعة 08:44 سبب آخر: لغوي

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •