صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 46 إلى 53 من 53

الموضوع: ايمان المقلِّد ، دعوة للحوار

  1. سيدي همام :
    لم أنهِ ما أريد نقله من كلام العلماء
    وما ذكرته سابقا لا يفيدني كثيرا في ما ذهبتُ اليه .
    ولكن الامام الجوني في الشامل نقل الاجماع على كفر المقلد .
    وتضاربت الاقوال عن الامام الاشعري .
    بل وتضاربت الاقوال في تحديد مذهب الجمهور أيضا .
    فهدفي من النقول السابقة عرض وجهات نظر الاشاعرة على اختلاف ما ذهبوا اليه لا أكثر .
    وإلا لكنت نقلت عن الجويني أو السنوسي مباشرة .
    وأترك التعليق الى أن انتهي من بعض النقول .

  2. 5. الشامل في أصول الدين , الإمام الجويني :
    ..... ولكن غرضنا الآن ذكر مسالة متعلقة بالنظر وهو أن العلم المقدور المستدل عليه المطلوب بالأدلة لا يجوّز ثبوت تقدير وقوعه مقدورا مكتسبا من غير تقدير نظر .
    هذا ما ارتضاه القاضي ومعظم المتكلمين .
    ....
    فصل في أن النظر موجب بالشرع :
    فإن قال قائل : فما الدليل على وجوب النظر من جهة الشرع ؟؟
    قلنا الدليل عليه إجماع المسلمين على وجوب معرفة الله تعالى مع اتفاقهم على أنها من أعظم القرب وأعلى موجبات الثواب .
    ولا يقدح في هذا الإجماع مصير بعض المتأخرين إلى أن المعرفة ضرورية ، فإن ما ذكرناه من الإجماع سبق انعقاد هذا المذهب .
    فإذا ثبت الإجماع فيما قلناه .
    وثبت بدلالة العقول أن العلوم المكتسبة يتوقف حصولها على النظر الصحيح .
    وما ثبت وجوبه قطعا ، فمن ضرورة ثبوت وجوبه ، وجوب ما لا يتوصل إليه إلا به .
    والذي يوضح ذلك أنه إذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة ، ثم ورد بعد ذلك أمر بالصلاة الصحيحة فالأمر بها يتضمن الأمر بالطهارة .
    وقد أشبعنا القول في الرد على الحشوية المقلدين المنكرين حجاج العقول في بعض الامالي .
    فرأينا الاكتفاء به فهم اقل من أن يكترث بهم .
    وإنما لم نعتصم في إثبات وجوب النظر بظواهر الكتاب والسنة ، لأن المقصد علم مقطوع به .
    والظواهر التي هي عرضة للتأويلات لا يسوغ الاستدلال بها في القطعيات ، ولكن لو استدللت بها وقرنت استلالك بها بإجماع الأمة أنها غير مؤولة ، بل هي محمولة على ظواهرها ، فيحسن الاستدلال على هذا الوجه بظواهر الكتاب ، على ما أوردناها في الرد على المقلدين .

  3. يتبع الكلام السابق للإمام الجوني رحمه الله
    فصل في أول واجب على المكلف
    فإن قال قائل: ما أول واجب على المكلف ؟
    قلنا: هذا مما اختلفت فيه عبارات الأئمة .
    فذهب بعضهم إلى أن أول واجب على المكلف معرفة الله .
    وذهب المحققون إلى أن أول واجب عليه النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الصانع .
    وهذا القائل يقول: إن النظر واقع قبل العلم وهو واجب وفاقا ، فأنى يستقيم مع ذلك المصير إلى أن أول الواجبات المعرفة مع الاعتراف بأن قبلها واجبا !!.
    والقائل الأول يعتذر عن ذلك لسبب أنه أنكر وجوب النظر قبل العلم .
    ولكن المقصد من النظر العلم ، فعبرنا عن المقصد ، وهذا كما أن القائل يصف الصلاة بالوجوب في مفتتح الوقت في حق المحدث ، وإن كان المحدث لا يتوصل إلى إقامة الصلاة إلا بعد الوضوء .
    والذي يوضح ذلك: أن الصائرين إلى أن أول واجب النظر المؤدي إلى العلم بالله متجوزون ، إذ النظر في العلم بالله ينبني على ضروب من النظر سيأتي ترتيبها إن شاء الله .
    والذي اختاره القاضي رضي الله عنه التصريح بالمقصد ، فإنه قال: أول واجب على المكلف أول جزء من النظر على الترتيب المشروط فيه .
    وقال الأستاذ أبو بكر: أول واجب على المكلف إرادة النظر إذ الإرادة تتقدم على المراد .
    وقال أبو هاشم: أول واجب على المكلف الشك في الله ، إذ لا بد على أصله من تقديم الشك على النظر .
    ومن هذا الضرب من الشك قال : الشك في الله حسن .

    وهذا خروج منه عن قول الأمة ، وتوصل منه إلى هدم أصله ، وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض، إذ لا يثبت الأمر إلا مع العلم بالأمر ، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكك فيه متناقضان .
    فاعلموا أن الكلام في هذا الفصل يؤول إلى العبارات ، وفيها التنازع ، ولا يتأكد في المعاني إلا الذي قاله أبو هاشم ، فهو مردود لفظا ومعنى .
    القول فيمن اخترمته المنية أثناء النظر
    فإن قال قائل: لو ابتدر العاقل في أول حالة التكليف على النظر من غير تفريط في النظر فاخترمته المنية قبل انتهاء النظر ، فما قولكم فيه ؟ إن ألحقتموه بالعالم كان بعيدا ، لأنه اخترم وهو غير عالم بالله ، وكذلك إن ألحقتموه بالمقلدين كان مستبعدا لأنه لم يأل جهدا فيما كلف .
    قلنا: سبيله عند أئمتنا سبيل من مات في صباه ، وسيأتي تفصيل القول في صبيان المسلمين والمشركين في التعديل والتجوير إن شاء الله .
    وهذا مكلف يموت غير عالم بالله ولا نحكم له بالنار على الأصح .
    ولو انقضى من أول حال التكليف زمن يسع النظر المؤدي إلى المعارف ولم ينظر مع ارتفاع الموانع ، واخترم بعد زمان الإمكان فهو ملحق بالكفرة .
    ولو مضى من أول الحال قدر من الزمان يسع بعض النظر ولكنه لم ينظر مقصرا ، ثم اخترم قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل ، فقد قال القاضي رضي الله عنه: يمكن أن يقال إنه لا يلحق بالكفرة ، إذ تبين لنا بالآخرة أنه لو ابتدأ النظر ما كان له في النظر نظرة ، ولكنه لا يتوصل إلى مطلبه .
    وقال: الأصح الحكم بكفره لموته غير عالم ، مع بدو التقصير منه فيما كلف .
    وهذا يقرب من اختلاف العلماء في المرأة المصبحة صائمة في شهر رمضان، إذا أفطرت بما يوجب الكفارة ، ثم عاجلتها الحيضة قبل مغيب الشمس ، فقد استبان لنا في الآخر أن صوم هذا اليوم كان لا يتم لها وإن لم تفطر ، فقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها .
    قال القاضي رضي الله عنه: والحكم بتكفير من مات في الصورة التي قدمناها يضاهي الحكم بتأثيم المفطرة وهي مؤثمة وإن طرأت الحيضة عليها .
    وهذا ظاهر، ولكنه رحمه الله أومأ مع ذلك إلى أن المسالة مجتهد فيها وليست من القطعيات .

  4. 7. التقي السبكي :
    مَسْأَلَةٌ ) مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ : إنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَجُوزُ ومَا الذي ذهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ ، وَهَلْ مَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُوَافَقٌ عَلَيْهِ أَوْ لَا ، وَإِذَا كَانَ كَمَا ذَكَرَ فَمَا حِيلَةُ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ فِي صِحَّةِ إيمَانِهِ ، وَمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُحَرَّرُ فِي ذَلِكَ ؟ . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .

    ( أَجَابَ ) الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يَقُلْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا وَلَا قَالَهُ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالسَّائِلُ مَعْذُورٌ فِي غَلَطِهِ فَإِنَّ لَفْظَ التَّقْلِيدِ مُشْتَرَكٌ وَالْعُلَمَاءُ قَدْ أَطْلَقُوا كَلِمَاتٍ رُبَّمَا تَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْهَا ذَلِكَ ، وَأَنَا أُثْبِتُهَا لَكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ قَاعِدَتَيْنِ :
    إحْدَاهُمَا: أَنَّ لَفْظَ التَّقْلِيدِ يُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ :
    أَحَدُهُمَا: قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَرُبَّمَا قَبِلَ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ
    الْمَعْنَى الثَّانِي لِلتَّقْلِيدِ: أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ لَا لْمُوجِبُ وَرُبَّمَا قِيلَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا لْمُوجِبُ .
    إنْ عَرَفْت مَعْنَى التَّقْلِيدِ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَدْ يَكُونُ ظَنًّا وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا كَمَا يُرَى فِي تَقْلِيدِ إمَامٍ فِي فَرْعٍ مِنْ الْفُرُوعِ مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي خِلَافِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ ، وَإِذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يَكْفِي فِي أُصُولِ الدِّينِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ هَذَا .
    وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لَا لْمُوجِبُ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ انْفَرَدَ بِذَلِكَ عَنْ طَائِفَتِهِ وَسَائِرِ طَوَائِفِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ الْأَدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ فِي ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ بِأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَأَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ نَجِدْ لَهُ مُوَافِقًا إلَّا أَبَا هَاشِمٍ ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَحْمِلَ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ .
    وَمَنْ قَالَ : إنَّمَا إيمَانُ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وَأَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا فِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ مُصَمَّمٍ فَكَلَامُهُ صَحِيحٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إلَّا مَنْ شَذَّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .
    الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِيمَانِ مِنْ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ مُصَمَّمٍ بِحَيْثُ لَا يَتَشَكَّكُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا : أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا أَنَّ شَرْطَ الْإِيمَانِ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَشَكَّكُ إذَا أُشْكِلَ وَلَا يَضْطَرِبُ إذَا حُرِّكَ لِقَوْلِهِ { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قَالَ إبْرَاهِيمُ فَشَهِدَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ . انْتَهَى قَوْلُ الْوَاحِدِيِّ . وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْإِعْلَامُ لَا الْأَمْرُ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي ذَلِكَ ، فَنَقُولُ : اعْلَمْ كَذَا أَيْ اعْلَمْهُ مِنْ جِهَتِي وَمَعْنَاهُ أُعْلِمُكَ كَذَا ، وَالْآيَةُ الْأُولَى دَلَالَتُهَا ظَاهِرَةٌ وَالْعِلْمُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْجَازِمِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّ وَلَا عَلَى الشَّكِّ وَلَا عَلَى الْوَهْمِ فَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ بِشَيْءٍ مِنْ الظَّنِّ وَالشَّكِّ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْجَزْمِ لَكِنَّ الْجَزْمَ تَارَةً يَكُونُ عَنْ دَلِيلٍ أَوْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ وَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ . أَمَّا عَنْ دَلِيلٍ فَبِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا عَنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ فَهُوَ الْمُخْتَارُ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِنَايَةِ وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ . وَتَارَةً يَكُونُ الْجَزْمُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا دَلِيلٍ خَاصٍّ كَإِيمَانِ الْعَوَامّ أَوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ فَهُوَ إيمَانٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَيُسَمَّى عِلْمًا فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُسَمِّيهِ عِلْمًا .
    إذَا عَرَفْت هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فَنَرْجِعُ إلَى الْمَقْصُودِ وَنَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ طَبَقَتَانِ :
    أَعْلَاهُمَا أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ
    وَأَدْنَاهُمَا أَهْلُ الْعَقِيدَةِ وَهُمْ الْعَوَامُّ الْمُعْتَقِدُونَ .
    وَإِنْ شِئْت قُلْت :
    النَّاسُ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ:
    الْعُلْيَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ
    وَالْوُسْطَى أَهْلُ الْعَقِيدَةِ مَعَ التَّصْمِيمِ
    وَالدُّنْيَا مَنْ لَمْ يَحْصُلُ عِنْدَهُ تَصْمِيمٌ ، وَلَكِنَّهُ قَلَّدَ فِيهِ كَمَا يُقَلِّدُ فِي الْفُرُوعِ . وَهَذَا لَا أَعْلَمُ أَحَدًا صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَكْفِي إلَّا مَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ النَّقْلِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَعَنْ الْعَنْبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ، وَقَالَ : إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الْإِيمَانِ إلَّا بِعَقْدٍ مُصَمَّمٍ
    فَلْنُسْقِطْ هَذِهِ الْفُرْقَةَ مِنْ طَوَائِفِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ طَبَقَتَانِ لَا غَيْرُ:
    إحْدَاهُمَا :الْعَارِفُونَ وَهَؤُلَاءِ دَرَجَاتٌ أَعْلَاهَا دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنْ الصِّدِّيقِينَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى دَرَجَاتِهِمْ وَلَا يَعْلَمُ تَفَاوُتَهَا وَمَقَادِيرَهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِاسْتِدْلَالٍ وَلَا بُدَّ مِنْ مُصَاحَبَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ . وَأَهْلُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَرَاتِبَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى أَدْنَاهَا مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ وَحَدَثِ الْعَالَمِ وَنَحْوِهِ ، وَأَدِلَّةُ هَذَا الصِّنْفِ كَثِيرَةٌ أَيْضًا لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَأَحْسَنُ مِنْهَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ إثْبَاتِ الْمُعْجِزَةِ أَوَّلًا وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَحْسَنَ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ ، وَالشُّكُوكُ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا أَقَلُّ وَانْدِفَاعُهَا أَسْهَلُ ، وَكِلْتَا هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ أَهْلُ كَلَامٍ وَنَظَرٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى التَّحْرِيرِ وَالتَّقْدِيرِ وَدَفْعِ الشُّبْهَةِ بِالتَّفْصِيلِ وَأَهْلُ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِدَلَائِلِ الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأَوْضَاعِ الْجَدَلِ لَا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بَلْ بِحَسْبِ مَا يَتَرَتَّبُ فِي ذِهْنِهِ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَدَلَالَتُهَا عَلَى صَانِعِهَا ، وَيَعْرِفُ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً وَيَقْدِرُ عَلَى تَقْدِيرِهَا بِحَسْبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ . وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَدَلِيِّينَ بَلْ طَرِيقَةُ هَذَا أَنْفَعُ وَأَسْلَمُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّلَفِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ بِالْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ فَيُرْشِدُهُ إلَى الْجَزْمِ وَالتَّصْمِيمِ وَلَكِنْ لِجَهْلِهِ بِالتَّفْصِيلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّقْدِيرِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَرِّرُ فِي عُقُولِهِمْ بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْحَاصِلُ عِنْدَهُمْ يُسَمَّى اعْتِقَادًا وَيُسَمَّى عِلْمًا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ سَمَّاهُ بَعْضُ النَّاسِ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ ، وَإِنْ نَازَعَ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَوْمِ عَلَى تَقْرِيرِ الْعَوَامّ عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ أَقُولُ : إنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْعَوَامّ لِاعْتِقَادِهِ الدَّلِيلَ الْإِجْمَالِيَّ بَلْ هَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُمَارِسُوا الْعُلُومَ وَلِهَذَا نَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ مَا لَا يُرْتَابُ فِيهِ وَلَوْ سَأَلَتْهُ عَنْ تَقْرِيرِ دَلِيلٍ لَمْ يَعْرِفْهُ فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَهُمْ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا .
    الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الَّذِينَ لَا دَلِيلَ عِنْدَهُمْ أَلْبَتَّةَ لَا إجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا بَلْ عِنْدَهُمْ عَقِيدَةٌ جَازِمَةٌ قَدْ صَمَّمُوا عَلَيْهَا وَأَخَذُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا نَشَئُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ أَصْلًا وَهَذَا فِي تَصْوِيرِهِ عُسْرٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ لَا بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ وَيَصِلَ إلَيْهِ مِنْ الدَّلَائِلِ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الِالْتِحَاقُ إلَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَإِنْ فُرِضَ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا تَصْمِيمٌ تَقْلِيدِيٌّ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَأَبُو هَاشِمٍ يَقُولُ بِكُفْرِهِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِإِيمَانِهِ ، وَلَكِنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِ النَّظَرِ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاصٍ بَلْ هُوَ مُطِيعٌ مُؤْمِنٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْهُ إلَّا الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ وَقَدْ حَصَلَ . وَأَمَّا الْقِيَامُ بِتَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ فَذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَحِينَئِذٍ نَقُولُ الْقِيَامُ بِتَقْرِيرِ الْأَدِلَّةِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيَكُونُ بِأَحَدِ طَرِيقِينَ إمَّا طَرِيقَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْجَدَلِيِّينَ وَإِمَّا طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَهِيَ الْأَنْفَعُ وَالْأَسْلَمُ . وَالِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ كَوْنِهِ عَنْ دَلِيلٍ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَالْقَائِلُونَ بِوُجُوبِهِ اكْتَفَوْا بِالدَّلِيلِ الْإِجْمَالِيِّ وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْعِصْيَانِ وَأَبْعَدَ أَبُو هَاشِمٍ فَقَالَ : إنَّهُ كَافِرٌ وَرُبَّمَا فُهِمَ مِنْ أَبِي هَاشِمٍ إجْرَاءُ ذَلِكَ فِي تَرْكِ الدَّلِيلِ التَّفْصِيلِيِّ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفَةُ السَّهْلَةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا عَاصٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . انْتَهَى . .


    أحببت وضعه هنا وذكره بعد كلام الامام الجويني للمقارنة بينهما .
    والكلام منقول من الاخ سامح جزاه الله خيرا .

    http://www.aslein.net/showthread.php...CA%DE%E1%ED%CF

  5. 8. قال الإمام السنوسي في أم البراهين :
    ويجب على كل مكلف شرعا أن يعرف ما يجب في حق ملانا جل وعز وما يستحيل وما يجوز ، وكذا يجب عليه أن يعرف في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام .
    وقال رحمه الله في شرحه على المتن :
    يعني انه يجب شرعا على كل مكلف - وهو البالغ العاقل - أن يعرف ما ذكر لأنه بمعرفة ذلك يكون مؤمنا محققا لإيمانه على بصيرة في دينه ، وإنما قال يعرف ولم يقل يجزم إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ، وهي الجزم المطابق عن دليل ، ولا يكفي فيها التقليد وهو الجزم في عقائد الإيمان بلا دليل .
    وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وإماما الحرمين وحكاه ابن القصار عن مالك أيضا .
    ثم اختلف الجمهور القائلون بوجوب المعرفة .
    فقال بعضهم: المقلد مؤمن ولكنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح .
    وقال بعضهم: المقلد ليس بمؤمن أصلا وقد أنكره بعضهم .
    ولإمام الحرمين في الشامل تقسيم المكلفين إلى أربعة أقسام :
    فمن عاش بعد البلوغ زمنا يسعه للنظر فيه ونظر لم يختلف في صحة إيمانه .
    ومن عاش بعده زمنا لا يسعه النظر وشغل ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه من بعض النظر لم يختلف في صحة إيمانه .
    وإن أعرض عن استعمال فكره فيما يسعه ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه النظر ، ففي صحة إيمانه قولان: والأصح عدم الصحة .
    قلت : ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا ولو بالتقليد .
    وذهب غير الجمهور إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان بل وليس بواجب أصلا وإنما هو من شروط الكمال فقط .
    وقد اختار هذا القول الشيخ العارف الولي ابن أبي جمرة والإمام القشيري والقاضي أبو وليد بن رشد والإمام أبو حامد الغزالي وجماعة .
    والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة وجوب النظر الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان أو لا .
    والراجح أنه شرط في صحته .
    وقد عزا ابن العربي القول بأنه تعالى يعلم بالتقليد إلى المبدعة ونصه في كتابه المتوسط في الاعتقاد :
    اعلموا علمكم الله أن هذا العلم المكلف به لا يحصل ضرورة ولا إلهاما ولا يصح التقليد فيه , ولا يجوز أن يكون الخبر طريقا إليه ، وإنما الطريق إليه النظر , ورسمه أنه الفكر المرتب في النفس على طريق يفضي إلى العلم أو الظن .
    يطلب به من قام به علما في العلميات أو غلبة ظن في المظنونات .
    ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء ، أو إلهاما لوضع الله تعالى ذلك في قلب كل حي ليتحقق به التكليف ، وأيضا فإن الإلهام نوع ضرورة وقد أبطلنا الضرورة .
    ولا يصح أن يقال أنه تعالى يعلم بالتقليد كما قال جماعة من المبتدعة ، لأنه لو عرف بالتقليد لما كان قول واحد من المقلدين أولى بالإتباع والانقياد إليه من الأخر , كيف وأقوالهم ومختلفة .
    ولا يجوز أيضا أن يقال انه يعلم بالخبر ، لأن من لم يعلم الله تعالى كيف يعلم أن الخبر خبره .
    فثبت أن طريقه النظر وهو أول واجب على المكلف إذ المعرفة أول الواجبات ولا تحصل إلا به .
    فبضرورة تقديمه عليها تثبت له صفة الوجوب قبلها ، وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة .
    فصل :
    ومع أنا نقول إن المعرفة واجبة ، وإن النظر الموصل إليها واجب ، فإن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الق وتعلق به اعتقاده على الوجه الصحيح في صفاته فإنه مؤمن موحد، ولكن هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظر ، ولو حصل غير ناظر لم نأمن أن يتخلل اعتقاده ، فلابد عندنا أن يعلم كل مسالة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد ، ولا ينفعه اعتقاده إلا أن يصدر عن دليل علمه بذلك ، فلو اخترم وقد تعلق اعتقاده بالباري تعالى كما ينبغي وعجز عن النظر ، فقال جماعة منهم يكون مؤمنا .
    وإن تمكن من النظر ولم ينظر ، قال الأستاذ أبو إسحاق يكون مؤمنا عاصيا بترك النظر ، وبناه على أصل الشيخ أبي الحسن ، فأما كونه مؤمنا مع العجز والاخترام فظاهر إن شاء الله تعالى، وأما كونه مؤمنا مع القدرة على النظر وتركه ، فقوله فيه نظر عندي ولا أعلم صحته الآن .
    فإن قيل أوجبتم النظر قبل الإيمان على ما أستقر في كلامكم فإذا دعي المكلف إلى المعرفة فقال حتى أنظر فأنا الآن في مهلة النظر وتحت ترداده ماذا تقولون ؟
    أتلزمونه الإقرار بالإيمان فتنقضون أصلكم في أن النظر يجب قبلها ، أم تمهلونه إلى حد يتطاول به المدى فيه .
    أم تقدرونه بمقدار فتحكمون عليه بغير نص ؟
    فالجواب أنا نقول :
    أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدي إلى التسوية بين النبي والمتنبي ، وأنه يؤمن أولا فينظر فيتبين له الحق فيتمادى أو يتبين له الباطل فيرجع وقد اعتقد الكفر .
    وأما إذا دعا المطلوب بالإيمان إلى النظر فيقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده وإن كنت لا تعلمه فاسمعه , ويسرد في ساعة عليه فإن أمن تحقق استرشاده ، وإن أبى تبين عناده فوجب استخراجه منه بالسيف أو يموت .
    وإن كان ممن ثافن أهل الإسلام وعلم طريق الإيمان لم يمهل ساعته .
    ألا ترى أن المرتد استحب فيه العلماء الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ؟
    ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا ، وكيف يصح لناظر أن يقول إن الإيمان يجب قبل النظر ولا يصح في المعقول إيمان بغير معلوم ؟
    وذلك الذي يجده المرقي نفسه حسن ظن بمخبره وإلا فإن تطرق إليه التجويز أو التكذيب تطرق .
    وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى النظر أولا ، فلما قامت الحجة به وبلغ غاية الاعذار فيه حملهم على الإيمان بالسيف .
    ألا ترى أن كل من دعاه إلى الإيمان قال له : اعرض علي آياتك فيعرضها عليه فيظهر له الحق فيؤمن فيأمن أو يعاند فيهلك ؟ انتهى .

    قلت هذا كلام ابن العربي وهو حسن واستشكل القول بان المقلد ليس بمؤمن لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدح فيما علم أن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعا، وورد ان أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة .
    وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها ، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة .
    ولاشك أن النظر على هذا الوجه غير بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل أخر الزمان الذي يرفع فيه العلم النافع ويكثر فيه الجهل المضر ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلا عن المعرفة عند كثير ممن يظن به العلم فضلا عن كثير من العامة ، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

  6. 9. حاشية الدسوقي على بعض العبارات :
    يعني انه يجب شرعا على كل مكلف - وهو البالغ العاقل - أن يعرف ما ذكر لأنه بمعرفة ذلك يكون مؤمنا محققا لإيمانه على بصيرة في دينه ، وإنما قال يعرف ولم يقل يجزم إشارة إلى أن المطلوب في عقائد الإيمان المعرفة ، وهي الجزم المطابق عن دليل ، ولا يكفي فيها التقليد وهو الجزم في عقائد الإيمان بلا دليل .
    وإلى وجوب المعرفة وعدم الاكتفاء بالتقليد ذهب جمهور أهل العلم كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وإماما الحرمين وحكاه ابن القصار عن مالك أيضا .
    ثم اختلف الجمهور القائلون بوجوب المعرفة .
    فقال بعضهم: المقلد مؤمن ولكنه عاص بترك المعرفة التي ينتجها النظر الصحيح .
    وقال بعضهم: المقلد ليس بمؤمن أصلا ( أي بل هو كافر وليس المراد أنه منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة في المؤمن العاصي أنه يخلد في عذاب غير عذاب الكفر ، إذ لا قائل بذلك في المقلد كما قاله ابن عرفة ، وناهيك بتحصيله بخلاف القول بكفره فإنه موجود فيحمل كلام الشارح عليه . وعلى هذا القول تكون المعرفة واجبة وجوب الأصول فمن لا يحصلها يكون كافرا ، وهذا القول مبني على أن النظر شرط في الإيمان وأن الإيمان المعرفة أو حديث النفس التابع للمعرفة على ما سبق ، ومهما انتفى الشرط انتفى المشروط ) وقد أنكره بعضهم .( أي وقد أنكر القول بعدم إيمان المقلد بعضهم وهذا خلاف ما صححه في شرح الكبرى من كفره وادعى الإجماع عليه ، وقد علمت ما هو المعتمد من تلك الأقوال ، واعلم أن الخلاف في المقلد في كفره وعدم كفره إنما هو بالنسبة لنجاته وعدمها في الآخرة لأنه في الدنيا لا قائل بأنه يعامل معاملة الكافر بل يعامل فيها معاملة المسلمين اتفاقا . قال الشاوي: وهذا الخلاف الذي في المقلد بعكس الخلاف الذي في المعتزلة في أنهم كفار أو مؤمنون عصاة فإنه بالنظر لحال الدنيا ؛ أي هل تجري عليهم أحكام الكفار في الدنيا أم لا ؟ وأما في الآخرة فلا خلاف أنهم يخلدون في النار فتأمله . )
    ولإمام الحرمين في الشامل تقسيم المكلفين إلى أربعة أقسام :
    فمن عاش بعد البلوغ زمنا يسعه للنظر فيه ونظر لم يختلف في صحة إيمانه .
    ومن عاش بعده زمنا لا يسعه النظر وشغل ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه من بعض النظر لم يختلف في صحة إيمانه .
    وإن أعرض عن استعمال فكره فيما يسعه ذلك الزمن اليسير بما يقدر عليه فيه النظر ، ففي صحة إيمانه قولان: والأصح عدم الصحة .
    قلت : ولعل هذا التقسيم إنما هو فيمن لا جزم عنده بعقائد الإيمان أصلا ( أي والذي جرى فيه الخلاف فيمن عنده جزم فقوله ولعل ...الخ جمع بين كلام إمام الحرمين وما قبله وإنما ترجى الشارح ولم يجزم للاحتمال كلام الشامل أن يخص بما لا جزم عنده كما قال الشارح ، وأن يعمم فيه بحيث يشمله ويشمل المقلد الجازم. هذا وفي كلام الشارح شئ وذلك لأن من لا جزم عنده صادق بالظان والشاك في العقائد والمتوهم لها والمعتقد لضدها وخالي الذهن عنها لكونه نشأ بعيدا عن أهل الإسلام بالمرة وهذا وإن ظهر في القسم الثاني وهو من عاش بعد البلوغ زنا طويلا يسعه فيه النظر وترك ، لا يظهر بالنسبة للقسم الأول وهو من عاش بعد البلوغ زمنا طويلا يسعه فيه النظر ونظر لأن هذا عنده جزم فلا يصح أن يحمل على من لا جزم عنده الصادق بالخمسة المتقدمة ، ولا يظهر أيضا بالنسبة للقسم الثالث وكذا الرابع بالنظر للقول فيه بالإيمان وذلك لأن من عاش بعد البلوغ زمنا لا يسعه فيه النظر وشغل ذلك الزمن ببعض بالنظر أو اعرض عن النظر فيه بالمرة ولم يحصل عنده جزم بالعقائد بل ظنها أو شك فيها أو توهمها أو جزم بضدها أو كان خالي الذهن عنها كيف يقال بصحة إيمانه ؟ بل هذا كافر قطعا ، وأجيب بأن المراد بقوله: ولعل هذا التقسيم أي ولعل بعض هذا التقسيم وهو القسم الثاني والثالث والرابع فمن لا جزم عنده بدليل أن الأول عنده جزم ويراد بالإيمان في الثالث والرابع على أحد القولين لازمه وهو عدم المؤاخذة بالكفر فلا ينافي انه كافر في الواقع ، ولا غرابة في عدم مؤاخذة من اعتقد الضد والشك ونحوه لأنه لما ضاق الزمان عليه ولم يتسع للنظر غاية أمره أن يكون كأهل الفترة، وهذا الجواب الذي ذكره الشارح بعيد فالأحسن أن يحمل كلام إمام الحرمين على المقلد الجازم كما في الذي قبله، ويكون ما ذكره إمام الحرمين من عدم الخلاف في كفر المقلد طريقة ، والذي قبله من جريان الخلاف فيه طريقة أخرى ، فالأهل الفن طريقتان: طريقة تحكي الخلاف في إيمانه وكفره، وطريقة تحكي الاتفاق على كفره ، كذا قرر شيخنا العلامة العدوي ، وذكر الشيخ الملوي ما حاصله أن تقسيم إمام الحرمين يحتمل أن يكون في المقلد والغافل والساهي والذاهل ليخرج معتقد الضد والشاك ؛ أي أنهم إما أن ينظروا نظرا كاملا زال به التقليد والغفلة والسهو والذهول ، وإما أنهم لم ينظروا مع سعة الزمان إلى أخر ما ذكره إمام الحرمين ) ولو بالتقليد .( هذا من مدخول النفي أي فيمن كان جزمه ولو بالتقليد منتفيا ).
    وذهب غير الجمهور إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان بل وليس بواجب أصلا وإنما هو من شروط الكمال فقط .
    وقد اختار هذا القول الشيخ العارف الولي ابن أبي جمرة والإمام القشيري والقاضي أبو وليد بن رشد والإمام أبو حامد الغزالي وجماعة .
    والحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة ( أي فقد ورد فيهما الأمر بالنظر في مواضع كثيرة ، والأمر إذا أطلق ينصرف للوجوب وكثرته تفيد القطع بالوجوب، والوجوب محتمل للشرطية غيرها إذ الوجوب أعم منها ، والأعم لا أشعار له بأخص معين ولذا قال مع التردد ) وجوب النظر ( أي الموصل لمعرفة العقائد ومثله المعرفة بها لأنها تابعة له والتابع يعطى حكم المتبوع ) الصحيح مع التردد في كونه شرطا في صحة الإيمان ( أي فيكون واجبا وجوب الأصول ) أو لا .( فيكون واجبا وجوب الفروع . وهذا الحق الذي ذكره هنا هو عين ما ذهب إليه جمهور أهل العلم سابقا . )
    والراجح أنه شرط في صحته . ( يعني في صحة الإيمان بمعنى انه لا يوجد إيمان ولا يتحقق إلا إذا نشأ عن نظر ، وأما إذا نشأ عن تقليد فلا يحصل الإيمان ويحصل الخلود في النار، وقد علمت أن هذا خلاف الراجح وأن الراجح أن النظر واجب وجوب الفروع في حق من فيه أهلية للنظر ، وحينها فالمقلد الذي فيه أهلية للنظر مؤمن عاص فقط وإيمانه منج له من الخلود في النار ، وأما إذا كان ليس فيه أهلية للنظر فهو مؤمن غير عاص . )
    وقد عزا ابن العربي القول بأنه تعالى يعلم بالتقليد إلى المبدعة ( أشار بذلك إلى ضعف القول بأن النظر ليس شرطا في صحة الإيمان بل شرط كمال وأن التقليد كاف في عقائد الإيمان ) ونصه في كتابه المتوسط في الاعتقاد :
    اعلموا علمكم الله أن هذا العلم المكلف به لا يحصل ضرورة ولا إلهاما ولا يصح التقليد فيه , ولا يجوز أن يكون الخبر طريقا إليه ، وإنما الطريق إليه النظر , ورسمه أنه الفكر المرتب في النفس على طريق يفضي إلى العلم أو الظن .
    يطلب به من قام به علما في العلميات ( أي في المسائل التي لا يكفي فيها إلا العلم كالعقائد ) أو غلبة ظن في المظنونات .
    ولو كان هذا العلم يحصل ضرورة لأدرك ذلك جميع العقلاء ، أو إلهاما لوضع الله تعالى ذلك في قلب كل حي ليتحقق به التكليف ، وأيضا فإن الإلهام نوع ضرورة وقد أبطلنا الضرورة .
    ولا يصح أن يقال أنه تعالى يعلم بالتقليد كما قال جماعة من المبتدعة ، لأنه لو عرف بالتقليد ( هذه إشارة إلى قياس شرطي حذفت استثنائيته وذكر دليلها وحذف أيضا مقدم الشرطية ، وأصل التركيب هكذا : لو كان التقليد طريقا للعلم لحصل العلم به تعالى بالتقليد لكن التالي باطل فكذلك المقدم . أما الشرطية فالملازمة فيها ظاهرة ، ووجه بطلان التالي الذي هو الاستثنائية أن المقلد لا يخلو إما أن يقلد كل واحد من الناس أو بعضهم ، وكلاهما لا يصح لأنه إن قلد واحدا مثلا دون غيره لزم عليه الترجيح من غير مرجح لاستواء المقلَدين – بالفتح - وعدم كون بعضهم أولى من بعض بإتباعه قوله ، والترجيح من غير مرجح باطل ، فليكن ما أدى إليه من تقليد البعض دون البعض الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا . وإن قلد الكل لزم عليه الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد ، لأن أقوال المقلَدين – بالفتح – متنافية ، أي والجمع بين المتنافيات في الاعتقاد باطل . فليكن ما أدى إليه من تقليد الكل الذي هو طريق لحصول هذا العلم باطلا ، فالحاصل أن حصول العلم عن التقليد يؤدي إما إلى الترجيح بلا مرجح وإما إلى الجمع بين المتنافيات في الاعتقاد ، وكلاهما محال ، فما أدى لذلك وهو حصول العلم عن التقليد محال ، وحينئذ لا يحصل العلم بالتقليد ) لما كان قول واحد من المقلدين أولى بالإتباع والانقياد إليه من الأخر , كيف وأقوالهم ومختلفة .
    ولا يجوز أيضا أن يقال انه يعلم بالخبر ، لأن من لم يعلم الله تعالى كيف يعلم أن الخبر خبره .
    فثبت ( فإذا بطل كون الضرورة والإلهام والتقليد والخبر طريقا للعلم به تعالى ، ثبت أن طريقه النظر أي الصحيح المركب من مقدمات يقينية لأن النظر قد يطلب به الظن كما مر ، والمطلوب هنا إنما هو العلم اليقيني ) أن طريقه النظر وهو أول واجب على المكلف إذ المعرفة أول الواجبات ولا تحصل إلا به .
    فبضرورة تقديمه عليها تثبت له صفة الوجوب قبلها ، وإيجاب المعرفة بالله معلوم من دين الأمة ضرورة .
    فصل :
    ومع أنا نقول إن المعرفة واجبة ، وإن النظر الموصل إليها واجب ، فإن بعض أصحابنا يقول إن من اعتقد في ربه الق وتعلق به اعتقاده على الوجه الصحيح في صفاته فإنه مؤمن موحد، ولكن هذا لا يصح في الأغلب إلا لناظر ، ولو حصل غير ناظر لم نأمن أن يتخلل اعتقاده ، فلابد عندنا أن يعلم كل مسألة ( أي وجبت علينا معرفتها ) من مسائل الاعتقاد بدليل ( أي قطعي وهو البرهان المركب من مقدمات يقينية والمراد بالدليل ما يسمى الجملي ) واحد ( بيان لأقل ما يكفي )، ولا ينفعه اعتقاده ( وحينئذ فالمقلد كافر عند ابن العربي ) إلا أن يصدر عن دليل علمه بذلك ، فلو اخترم وقد تعلق اعتقاده بالباري تعالى كما ينبغي وعجز عن النظر ، فقال جماعة منهم يكون مؤمنا .
    وإن تمكن من النظر ولم ينظر ، قال الأستاذ أبو إسحاق يكون مؤمنا عاصيا بترك النظر ، وبناه على أصل الشيخ أبي الحسن ، فأما كونه مؤمنا مع العجز والاخترام فظاهر إن شاء الله تعالى، وأما كونه مؤمنا مع القدرة على النظر وتركه ، فقوله فيه نظر عندي ولا أعلم صحته الآن .
    فإن قيل أوجبتم النظر قبل الإيمان على ما أستقر في كلامكم فإذا دعي المكلف إلى المعرفة فقال حتى أنظر فأنا الآن في مهلة النظر وتحت ترداده ماذا تقولون ؟
    أتلزمونه الإقرار بالإيمان فتنقضون أصلكم في أن النظر يجب قبلها ، أم تمهلونه إلى حد يتطاول به المدى فيه .
    أم تقدرونه بمقدار فتحكمون عليه بغير نص ؟
    فالجواب أنا نقول :
    أما القول بوجوب الإيمان قبل المعرفة فضعيف لأن إلزام التصديق بما لا تعلم صحته يؤدي إلى التسوية بين النبي والمتنبي ، وأنه يؤمن أولا فينظر فيتبين له الحق فيتمادى أو يتبين له الباطل فيرجع وقد اعتقد الكفر .
    وأما إذا دعا المطلوب بالإيمان إلى النظر فيقال له إن كنت تعلم النظر فاسرده وإن كنت لا تعلمه فاسمعه , ويسرد في ساعة عليه فإن أمن تحقق استرشاده ، وإن أبى تبين عناده فوجب استخراجه منه بالسيف أو يموت .
    وإن كان ممن ثافن أهل الإسلام وعلم طريق الإيمان لم يمهل ساعته .
    ألا ترى أن المرتد استحب فيه العلماء الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ؟
    ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا ، وكيف يصح لناظر أن يقول إن الإيمان يجب قبل النظر ولا يصح في المعقول إيمان بغير معلوم ؟
    وذلك الذي يجده المرقي نفسه حسن ظن بمخبره وإلا فإن تطرق إليه التجويز أو التكذيب تطرق .
    وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق إلى النظر أولا ، فلما قامت الحجة به وبلغ غاية الاعذار فيه حملهم على الإيمان بالسيف .
    ألا ترى أن كل من دعاه إلى الإيمان قال له : اعرض علي آياتك فيعرضها عليه فيظهر له الحق فيؤمن فيأمن أو يعاند فيهلك ؟ انتهى .
    قلت هذا كلام ابن العربي وهو حسن واستشكل القول بان المقلد ليس بمؤمن لأنه يلزمه تكفير أكثر عوام المسلمين وهم معظم هذه الأمة، وذلك مما يقدح فيما علم أن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعا، وورد ان أمته المشرفة ثلثا أهل الجنة .
    وأجيب بأن المراد بالدليل هو الدليل الجملي وهو الذي يحصّل في الجملة للمكلف العلم والطمأنينة بعقائد الإيمان بحيث لا يقول قلبه فيها لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، ولا يشترط النظر على طريق المتكلمين من تحرير الأدلة وترتيبها ودفع الشبهة الواردة عليها ، ولا القدرة على التعبير عما حصل في القلب من الدليل الجملي الذي حصلت به الطمأنينة .
    ولاشك أن النظر على هذا الوجه غير بعيد حصوله لمعظم هذه الأمة أو لجميعها فيما قبل أخر الزمان الذي يرفع فيه العلم النافع ويكثر فيه الجهل المضر ولا يبقى فيه التقليد المطابق فضلا عن المعرفة عند كثير ممن يظن به العلم فضلا عن كثير من العامة ، ولعلنا أدركنا هذا الزمان بلا ريب ، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

    هذا وتوجد عدة تعليقات للعلامة الدسوقي قصرت همتي عن نقلها الان واكتفي بالاشارة اليها وقد أنقلها لاحقا إذا تطلب الامر .
    وأظن أن ما سبق يحقق المقصد .

  7. ملخص ما سبق :
    1. الإيمان المطلوب هو ما كان يقينيا ولا يقبل التردد في الإيمان .
    2. يطلق لفظ المقلد ويراد به أحد شخصين :
    الأول هو الذي يجزم بالعقائد لا لموجب والثاني هو الذي يقبل قول الغير بلا حجة .
    3. الثاني كافر إجماعا لأنه لم يصل اليقين والخلاف في المقلد الأول .
    4. انقسم أهل السنة في المقلد الأول على مذاهب وهي :
    أ. القول بكفره وحكاية الإجماع على ذلك .
    ب. القول بكفره مع تجويز غيره .
    ج. القول بإيمانه مع إثبات تقصيره في واجب النظر .
    د. القول بإيمانه مع عدم تقصيره على القول بعدم وجوب النظر .
    5. منشأ كل مذهب :
    أ. ذهب من قال بكفر المقلد إجماعا أن الإيمان اليقيني لا يكون إلا بعد النظر فالنظر شرط للإيمان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إجماعا ، والإيمان بالله واجب إجماعا فما لا يتم إلا به واجب إجماعا لنفس سبب وجوب الإيمان .
    ب. ذهب من قال بكفر المقلد وتجويز غيره إلى أن المسألة اجتهادية وعليه لا يكفر من يقول بخلافها .
    ج. أصحاب هذا المذهب يرون أن النظر هو شطر للإيمان - على القول بأن لإيمان يزيد وينقص - او هو شرط كمال لا شرط تحقق ولذلك فمن أخل به يكون مقصرا ولا ينتفي عنه أصل الإيمان .
    د. أصحاب هذا المذهب يرون أن النظر ليس بواجب أصلا ويكتفي بالتقليد وهذا اضعف الأقوال .
    6. بعض أهل السنة أنكر المذهب ( أ ) وبعضهم أنكر المذهب ( د ) .
    7. اتفق الجميع على إيمان من لا يملك الأهلية للنظر أو من لم يجد الوقت الكافي للنظر والخلاف المذكور هو فيمن يجد الأهلية والوقت .
    8. الدليل الكافي للخروج من التقليد هو الدليل القطعي ولا يشترط تقريره للغير بل يكفي أن تدرك قطعيته في نفس صاحبه .
    9. ما خرج به أبو هاشم عن كافة الأقوال هو قوله وجوب الشك قبل النظر لا قوله بكفر المقلد .
    10. الخلاف المذكور عند أهل السنة في نجاة المقلد في الآخرة وإلا فهو مؤمن في الدنيا إجماعا ، أما عند المعتزلة فهو في الآخرة كافر إجماعا وخلافهم فيه هو في إقامة أحكام المسلمين عليه في الدنيا .


    هذا ما بدا لي إلى الآن وأرجو أن أسمع تعليقاتكم إن وجدت .
    وقد كنت أرغب بنقل المزيد من الأقوال ولكن همتي قصرت عن ذلك فاكتفيت بما سبق لتحصيله المطلوب .
    والله اعلم .

  8. بحث دقيق ومهم .. بارك الله فيكم

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •