هامش:
ملحوظة هذه النسخة وزع مجانا منها 2000 نسخة على المصليين بمسجد الحامدية الشاذلية بالمهندسين منذ عامين
بسم الله الرحمن الرحيم www.Allah.com
الحمد لله كما ينبغي لجلاله www.Muhammad.com
قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (الأحزاب 56)
قَالَ ﷺ (مَنْ نَسِىَ الصَّلَاةَ عَلىَّ فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الجَنَّةِ) ابن ماجه 908
بردة بانت سعاد
مَجْلِسُ مدح
الصحابي للني ﷺ
للإمام الصحابي الجليل أبي المظفر
كعب بن زهير
رضي الله عنه (ت 26 هـ 646 م)
ألقاها أمام الرسول والمهاجرين والأنصار بمسجد الرسول بعد الفجر فألقى الرسول عليه بردته فرحا لما وصل لبيت
إنَّ الـرَّسُولَ لَنورٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ
مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ
مهداة إلى
رئيس جمهورية مصر العربية وأسرته
وأمير المدينة المنورة وأسرته
وشيخي الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية 3 مرات
(ضيف الملك عبد العزيز أكثر من 10 سنوات)
وشيخي المحدث عبد الله بن الصديق الغماري الحسني
(ضيف الشيخ عبد العزيز بن باز)
عني بها
مستشار الحاسوب أحمد كامل درويش
خادم القرآن والحديث والتراث وتلميذ المفتي الشيخ حسنين مخلوف والمحدث الشيخ السيد عبد الله بن الصديق الغماري
المدينة المنورة - شيكاغو – القاهرة
كلام الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 2 / 312 )
"أما المؤمنون فيمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيه من الصفات الحميدة والرسالة والعبودية ، كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، كما عليه شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه وأقرّهم ، مثل حسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زُهير ، وعبدالله بن رواحة ، وغيرهم من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين مدحوه بصفاته صلى الله عليه وسلم ، وردوا على الكفّار والمشركين هذا هو المدح الصحيح المعتدل ، الذي فيه الأجر وفيه الخير ، وهو وصفه صلى الله عليه وسلم بصفاته الكريمة من غير زيادة ولا نُقصان"
"وأمّا مدحُه صلى الله عليه وسلم بما وصفه الله به بأنّه عبدٌ ورسول ، وأنه أفضل الخلق، فهذا لا بأس به ، كما جاء في أشعار الصحابة الذين مدحوه ، كشعر حسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وكذلك كعب بن مالك ، وعبدالله بن رواحة ، فهذه أشعار نزيهة طيبة ، قد سمعها النبي صلى الله عليه وسلم وأقرها ، لأنها ليس فيها شيءٌ من الغلو ، وإنما فيها ذكر أوصافه صلى الله عليه وسلم ".
وذكر السهيلى وأبو أبى بكر الأنباري أنه حين أنشد كعب
إن الرسول لنور يستضاء به ... إلى قوله زولوا
نظر عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه الكرام كالمعجب لهم من حسن مقولته وجودة شعره وكماله فى حاله وقال لهم اسمعوا أخرجه الحاكم والبيهقي وابن عبد البر ويؤخذ من هذا الأمر الإجماع على استحباب الإجتماع لسماع هذه القصيدة بعد الفجر بالمسجد لما اشتملت عليه من نعوت الحضرة المصطفوية وأوصاف أصحابه المرضية وغيرها من الفضائل البهية والشمائل السنية ومعرفة القواعد العربية والفوائد الأدبية إلى غير ذلك
أستهلال
هذه بعض المراجع المعتمدة التي ذكرت كعبا – رضى الله عنه – وقصيدته المرضية التي نرويها عن السيد عبد الله بن الصديق الغماري والشيخ مخلوف رحمهما الله لمن أراد المزيد والأسانيد:
ابن الأثير فى أسد الغابة بالمجلد 4
الآحاد والمثاني للضحاك بالمجلد 5
الأعلام لخير الدين الزركلي بالمجلدات 6 و 7 و 8 و 4 و 5 و2 و3
الاستيعاب بالمجلد 6
الإصابة لابن حجر بالمجلد 5
الاستذكار بالمجلدين 7 و 8
المستدرك على الصحيحين للحاكم بالمجلد 3
تبصير المنتبه بتحرير المشتبه
دلائل النبوة للحافظ البيهقي
سير أعلام النبلاء الذهبي بالمجلدات 6 و 5 و17
فتح الباري للحافظ ابن حجر بالمجلدين 9 و 11
فهرس الفهارس والأثبات
الإصابة لابن حجر ج 5: ... وأخرج بن قانع من طريق الزبير بن بكار عن بعض أهل المدينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال ... حتى صار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل يبايعك فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده فمد كعب يده فبايعه وأسفر عن وجهه فأنشده قصيدته التي يقول فيها نبئت ان رسول الله اوعدني والعفو عند رسول الله مأمول وفيها (إن الرسول لنور يستضاء به - مهند من سيوف الله مسلول) فكساه النبي صلى الله عليه وسلم بردة له
مقدمة
الحمد لله فقد قضيت جل نصف عمري بمصر وقليل بدولة الإمارات سكرتيرا للشيخ عبد الله بن علي المحمود ولكن خادما طوال عمري للشيخين حسنين محمد مخلوف والسيد عبد الله بن الصديق الغماري ثم قضيت النصف الثاني في هجرة للدعوة بأمريكا الشمالية حيث أجرى الله الخير الكثير على أيدينا من غير حول منا ولا قوة فتأسس موقعا الله ومحمد وترجم التراث الكثير للإنجليزية فضلا عن تأليف موسوعات إلكترونية عربية بأحدها 2000 كتاب والأخرى تجمع كل متون الأحاديث استكمالا وميراثا لخطة الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى.
هذا ولما اعتمرت – بفضل الله المحض وحفظه - عام 2006 ضمن أحباب الحامدية الشاذلية فى رجب أثناء زيارتنا لمصر بعد غياب طويل فى الدعوة لله والعمل فى مجال الحاسوب بالشركات الكبيرة بأمريكا الشمالية، كانت الرحلة بالبحر فى غاية الحسن والبركة والإشارات اللطيفة، فمثلا بشباك حجرتنا بالطابق الحادى عشر عششت حمامة من حمام حرم مكة المكرمة، جالسة على بيضتين وفقست يوم سافرنا ورأينا المحدث عبد الله بن الصديق فى سنة من نوم فى منتصف الطريق للمدينة وقبل باغتباط استشارتنا الحاسبية المجانية رجالات العلم بمكة والمدينة بالحرمين بتواصل طيب من أجل خدمة الحديث الشريف والتراث الشريف وأساتذة العلم وطلابه فكان ذلك ميراثا من شيخينا فكلما دخلا بلدا احتاج الناس لهما والحمد لله الذي فى عون العبد مادام العبد فى عون أخيه
هاأنذا بفضل الله المحض أصمم التصميم الحاسوبى الرفيع الجامع المانع لمركز معلومات الحرمين وجامعة المدينة العالمية و مكتبة مكة المكرمة التي قال عنها أستاذنا المبجل عضو كبار العلماء بالمملكة صاحب الفضيلة سماحة الأستاذ الشيخ عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان فى 18-9-1416 هـ الموافق 7-6-1997م فى مقدمة (فهرس مخطوطات مكتبة مكة المكرمة) :
"فإن مكتبة مكة المكرمة أحد معالم العاصمة المقدسة الأثرية والحضارية تحتل مكانة رفيعة فى نفوس المسلمين إذ عاصرت أرضها الطاهرة مولد أشرف الرسل سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه الذي بعثه الله نورا وهداية للعالمين (والمكان يشرف بالمكين) وقد أصدر الملك عبد العزيز عام 1370 أمرا بأن ينشأ على أرض المولد الطاهرة مكتبة عامة"
جزاه الله خيرا وأنجاله الخادمين للحرمين وآثار النبوة ومبجلين ومكرمين لكبار علماء الأمة الإسلامية والعاملين فى حقل الدعوة أجمعين من كل البقاع والجنسيات
ولله المنة فقد صور لى بناء على طلبي مدير مكتبة مكة المكرمة – صاحب الرؤية التكنولوجية الثاقبة - الدكتور النابه عبد الرحمن بن عبد القادر الأنصاري كل مخطوطات شروح قصيدة كعب بن زهير رضى الله عنه:
فتح الجواد بشرح قصيدة بانت سعاد للجهبذ العلامة شيخ الإسلام سليمان الجمل
الإسعاد على بانت سعاد لعمدة المحققين وقدوة المدققين شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري
كتاب تلخيص شرح الحافظ السيوطي على بانت سعاد للشيخ عبد الله الادكاوي
وإن شاء الله سأنقل عنهم بتصرف جل الشرح بدون العزو لهم حيث أعلنته هنا لتسهل قراءة الشرح ولاسيما أنهم ينقلون عن بعضهم البعض وأكثر أخذي عن شيخ الإسلام سليمان الجمل لوضوح المخطوطة وسهولة العبارة
ونيتنا بفضل الله أن نخرجها فى 3 فصول وملحق منفصل
الفصل الأول الأبيات التي مدح بها الرسول ذي الخلق العظيم وصحابته عليهم الرضوان
الفصل الثاني شرح الأبيات التي مدح بها الرسول ذي الخلق العظيم وصحابته عليهم الرضوان
الفصل الثالث باقى القصيدة
الفصل الأول الأبيات التي مدح بها الرسول وصحابته الكرام
أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَنى
والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ
فقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً
والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ
مَـهْلاً هَـداكَ الـذى أَعْطاكَ نافِلَةَ
الْـقُرْآنِ فـيه مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ
لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاةِ ولَـمْ
أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ
لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه
أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ
لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ
مِنَ الَّـرسُـولِ بِإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ
حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـمينى لا أُنازِعُهُ
فـى كَـفِّ ذِي نَـقَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدى إذْ أُكَـلِّمُهُ
وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْئُولُ
مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ
مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ
يَـغْذوا فَـيَلْحِمُ ضِـرْغامَيْنِ عَيْشُهُما
لَـحْمٌ مَـنَ الـقَوْمِ مَـعْفورٌ خَراديلُ
إِذا يُـسـاوِرُ قِـرْناً لا يَـحِلُّ لَـهُ
أنْ يَـتْرُكَ الـقِرْنَ إلاَّ وهَوَ مَغْلُولُ
مِـنْهُ تَـظَلُّ سَـباعُ الـجَوِّ ضامِزَةً
ولا تَـمَـشَّى بَـوادِيـهِ الأراجِـيلُ
ولا يَــزالُ بِـواديـهِ أخُـو ثِـقَةٍ
مُـطَرَّحَ الـبَزِّ والـدَّرْسانِ مَأْكولُ
إنَّ الـرَّسُولَ لَنورٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ
مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ
فـي فِـتْيَةٍ مِـنْ قُـريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ
بِـبَطْنِ مَـكَّةَ لَـمَّا أسْـلَمُوا زُولُوا
زالُـوا فـمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ
عِـنْـدَ الِّـلقا ولا مِـيلٌ مَـعازيلُ
شُــمُّ الـعَرانِينِ أبْـطالٌ لُـبوسُهُمْ
مِـنْ نَـسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ
بِـيضٌ سَـوَابِغُ قـد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ
كـأنَّـها حَـلَقُ الـقَفْعاءِ مَـجْدولُ
لا يَـفْـرَحونَ إذا نَـالتْ رِمـاحُهُمُ
قَـوْماً ولَـيْسوا مَـجازِيعاً إذا نِيلُوا
يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ
ضَـرْبٌ إذا عَـرَّدَ الـسُّودُ التَّنابِيلُ
لا يَـقَعُ الـطَّعْنُ إلاَّ فـى نُحورِهِمُ
ومـا لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليل
من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحي الأنصار
الباذلين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وفتنة الكفار
قضاءهم الناس عن أحياضهم بالمشرفي وبالقنا الخطار
والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الأبصار
يتطهرون كأنه نسك لهم بدماء من قتلوا من الكفار
لو يعلم الأقوام علمي كله فيهم لصدقني الذين أماري
الفصل الثاني شرح الأبيات التي مدح بها الرسول ذي الخلق العظيم وصحابته عليهم الرضوان
أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني
والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ
أعاد كعب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشطرين إظهارا للتعظيم وإشعارا بالتفخيم ولذا أتى بقوله "العفو عند رسول الله" بدلا من "العفو من رسول الله" لأن "عند" أدل على التعظيم ولتقوية الرجاء عند الكريم إذ قد تواترت الأخبار أن الصفح والكرم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى ذكر صريح اسمه من التفخيم ما ليس فى الإشارة له بالضمير فلم يقل "أتيته معتذرا" أو "عنده مقبول" فضلا عن أن التكرار مرتين بالاعتراف بالرسالة فى "رسول الله" يقتضى العفو ويستجلب الرضا واعلم أن جميع الأبيات توطئة لهذا البيت فهو غرضه من القصيدة وما فيها من الإتحاف هو التنصل من ماضيه والاستعطاف وحصيلة البيت استرضاء رسول الله واستجلاب أخلاقه الكريمة حصولا للرحمة والعناية ودفع سخطه وغضبه وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا البيت قال: "العفو عند الله" ذكره ابن جماعة
وقَـدْ أَتَـيْتُ رَسُـولَ اللهِ مُـعْتَذِراً
والـعُذْرُ عِـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَقْبولُ
عطف على البيت السابق أي أنبئت بالوعد فأتيت معتذرا ، وهذا البيت غير موجود فى أكثر النسخ فليعلم.
مَـهْلاً هَـداكَ الـذي أَعْطاكَ نافِلَةَ الْـ
ـقُرْآنِ فـيه مَـواعيظٌ وتَـفُصيلُ
هذا البيت وما بعده تتميم للاستعطاف ، والاستعطاف من أمور:
أحدها: ما اشتمل عليه من طلب الرفق والأناة فى أمره بقوله "مهلا" وفيه إشارة إلى قدرته عليه السلام وتمكنه منه وأن ليس له من النبي صلى الله عليه وسلم مهرب ولا مخلص وهذا خطاب للنبي فالتفت فيه من الغيبة فى قوله فى البيت الذي قبله "أنبئت أن رسول الله أوعدني" إلى الخطاب بقوله "مهلا"
ثانيها:
الدعاء فى "هداك" أي غفر الله لك وصلى الله عليك وهو أبلغ من صيغة الطلب
ثالثها:
التذكير بنعمة الله عليه ليكون ذلك أدعى إلى العفو شكرا للنعمة و"هداك" أي زادك هدى وطلب هدى متجدد ويتضمن هداك الله للصفح والعفو عما أوعدتنى به فيكون فى الحقيقة داعيا لنفسه لما فيه من التذلل والمسكنة والتلطف فى الدعاء والمسألة
أما قوله "نافلة القرآن" فإشارة إلى نافلة أخلاق القرآن وأن الله أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم بعلوم عظيمة علمه إياها وجعل الكتاب زيادة (أى نافلة) له على تلك العلوم حيث إن الوحي 3 أنواع القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي ومنه ما لا نعلمه "فأوحى إلى عبده ما أوحى" وكان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم كما تفوهت أم المؤمنين والمؤمنات السيدة عائشة بنت الصديق رضى الله عنهما.
رابعا:
الإقرار بالتنزيل وهو من تمام الإسلام الذي يحقن الدم ويصون عن القتل
خامسا:
الإشارة إلى ما جاء بالتنزيل من قوله تعالى "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" ونافلة القرآن فيها مواعيظ (وفى رواية مواعيد) أي تبيين لما يحتاج إليه من أمر المعاش وأحكام الأصول والفروع للعباد.
لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاةِ ولَـمْ
أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِـيَّ الأقاويلُ
وهذا البيت يبين البيت قبله وسبب طلبه "مهلا" و"لا" ليست للنهي بل هي سؤال تضرع ومسكنة واستذلال واستعطاف لرفعة وعلو المخاطب صلى الله عليه وسلم.
والواشي هو الذي يسعي بين المحب ومحبوبه بالإفساد، أي لا تأحذني بأقوالهم عنى أنى مذنب على كل حال وإن كنت على هذه الحالة، والمعنى : لا تبح دمي ولا تعاقبنى فى جرمي بسبب أقوال الوشاة الكاذبين والحال أني غير مذنب بعد أن هدانى الله بك فإن الإيمان بك يجب ما قبله وأيضا لم أذنب الذنب الذي قيل عني كله وإن كثرت فيَّ الأكاذيب من الأقاويل بل وقع مني ما يسعه حلمك وعفوك وكرمك إشارة ضمنية إلى رئيس الوشاة الشيطان الرجيم فقد أنساه وصية والده زهير بالإيمان بالنبي – صلى الله عليه وسلم – حبا فى النبي بالغيب وخدعته إشاعات قريش السلبية الكاذبة ضد الصادق الأمين المتحنث الجميل فكانت سرابا لما قربت ساعة الهداية والفوز وتلألأت معاني القرآن ونبل وشيم وشمائل النبوة فى ثنايا قصيدته المبجلة التي حازت قصب السبق ورضى النبي وفرحه بها وإشارته له بعد ذلك "لو ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل" بأن يزيد بالتصريح فى مدح الأنصار بعد ما مدحهم تضمينا بمدح النبي والمهاجرين وهم مستضيفوهم ومشاركوهم فى الأموال والأولاد - رضى الله عنه وعن جميع الصحابة والقرابة وألحقنا به وبهم فى محفل شفاعة النبي له ولهم على الحوض -
لَـقَدْ أقْـومُ مَـقاماً لـو يَـقومُ بِـه
أرَى وأَسْـمَعُ مـا لـم يَسْمَعِ الفيلُ
لَـظَلَّ يِـرْعُدُ إلاَّ أنْ يـكونَ لَهُ
مِنَ الَّرسُـولِ بِإِذْنِ اللهِ تَـنْـويلُ
هذان البيتان مرتبط أحدهما بالآخر أي لقد قمت وحضرت مقاما ومجلسا ما لو يقوم الفيل وسمعت ورأيت ما لو رأى وسمع الفيل لظل أي صار واستمر يرعد من الخوف فما بالك بي! لولا التنويل أي النوال وهو الأمان من الرسول بإذن الله فيالها من نعمة عظيمة ، أي أني حضرت مجلسا هائلا ورأيت فيه أمرا عظيما وسمعت فيه كلاما عجيبا بحيث لو حضر فيه الفيل – الذي هو أعظم الحيوانات جثة وقوة جأش وتحمل وصبر - ورأى ما رأيت وسمع ما سمعت لأصابته الرعدة واستمر يرعد من ارتعاد فرائصه وتزعزع قوته إلا أن تحفه العناية بتأمين الرسول له تأمينا يسكن به روعه ويثبت به نفسه ذلك لما يدركه من هيبة النبي صلى الله عليه وسلم وقد جعل كعب الهيبة التي أشار إليها ناشئة عن ثلاثة أشياء:
الأول:
هيبة المقام وخفر المجلس، وذلك أن مجلسه صلى الله عليه وسلم كان فى غاية الخفر والاحترام وعظيم الهيبة والجلال وقد وصف الخليفة علي كرم الله وجهه مجلسه فقال إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عند حديثه من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ حديثه ، ولا شك أن ذلك من هيبته صلى الله عليه وسلم عندهم واحترامه لديهم فلم يزل صلى الله عليه وسلم عظيم الهيبة عندهم رفيع القدر فلم يزل لا يزيدهم تلطفه بهم وتأنيسه لهم إلا هيبة.
الثاني:
هيبة الرؤية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مهيبا فى نفسه محفوفا بالجلال والخفر يهابه كل من يراه ويجله كل من لاقاه وقد جاء فى وصفه صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه ومن عاشره أحبه ، وفى صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضى الله عنه : " وما كنت أطيق أملأ عينى منه إجلالا له ولو قيل لى صفه لما استطعت لأني لم أكن أملأ عيني منه.
الثالث:
هيبة السماع، وكان يشير إلى سماع القرآن والوحي فإن له روعة وعليه طلاوة تلحق قلوب سامعيه وهيبة تعتريهم عند تلاوته لقوة جلالته وأناقة خطره قال تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله" وقال تعالى: "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" وربما اعترف لهذه الهيبة والرعدة ما لا يفهم معانيه كالفيل.
حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ
فـي كَـفِّ ذِي نِـقَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ
وكعب كان أخوف عند وضع يمينه فى كف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بدليل وصفه بذي نقمات - أي ينتقم من الكفار- أي وضعت يمينى وضع طاعة وتسليم وانقياد لأمره خوفا من سطوته وشدة بأسه - بالكافرين المعاندين - أي أذعنت له حال كوني طائعا له وراضيا بحكمه فلا أخالفه فى أي شيء و معنى قِيلُهُ القِيلُ أي القول المعتد به لكونه نافذا ماضيا ، وكعب يشير بذلك إلى حاله مع النبي – صلى الله عليه وسلم – حين قدم عليه وهو في المسجد بين حلقات أصحابه كما ذكر ابن الأثير فى أسد الغابة ".. وأقبل حتى أناخ راحلته بباب المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة دون حلقة يقبل إلى هؤلاء مرة فيحدثهم والى هؤلاء مرة فيحدثهم .." ووضع يده فى يده وقال : يا رسول الله إن كعب بن زهير جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به ؟ قال : نعم ، فقال: يا رسول الله أنا كعب ...
فقد أشار كعب فى هذا البيت إلى أربعة مقاصد:
الأول:
وضع يمينه فى كف النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى الاعتناء بشأن التيمن
الثاني:
عدم المنازعة للنبي صلى الله عليه وسلم والدخول تحت أمره والانقياد لطاعته وهو من الأمور والواجبات اللازمة حتى أن الله قرن طاعته بطاعته فى كثير من الآيات.
– فيا له من درس يناسب القائمين على الإعلام من صحافة ومجلات وإذاعة وتلفاز وقنوات فضائية فيتوبوا لله فى الدنيا حتى يكونوا من الفائزين فى الآخرة -
الثالث:
وصف كعب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو نقمات والمراد به شدة السطوة وقوة البأس للكفر والكفار والباطل والمبطلين والإغلاظ عليهم فى القول وعدم الضراعة لهم ائتمارا بأمره تعالى حيث قال : "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" وقد وصفه كعب بذلك أيضا استدرارا للرحمة والجود والرأفة حيث جاء مؤمنا وقد وصفه الله تعالى بالرأفة للمؤمنين والرحمة بهم فقال عز من قائل: "بالمؤمنين رؤوف رحيم" وفى حديث السيدة عائشة رضى الله عنها "وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمات الله وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله "
الرابع:
وصفه صلى الله عليه وسلم بأن قوله القيل يعني أمرين
أولهما :أنه إذا قال قولا من وعد أو وعيد لابد أن يقع وكان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ، وثانيهما: أنه إذا سطى لا يثبت لسطوته شيء فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا غضب ولا يغضب إلا لله لم يقم لغضبه شيء والله أعلم.
لَــذاكَ أَهْـيَبُ عِـنْدي إذْ أُكَـلِّمُهُ
وقـيـلَ إنَّـكَ مَـنْسوبٌ ومَـسْؤولُ
مِـنْ خـادِرٍ مِنْ لُيوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ
مِـنْ بَـطْنِ عَـثَّرَ غِيلٌ دونَهُ غيلُ
ومعنى البيتين أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فى مقامه بين يديه وقد أخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم معه فى نسبه ومن أي قبيلة – حيث استجار كعب بقبيلة مزينة فأبت - فاشتدت هيبته عليه فى خطابه وعظم فى نفسه وقع كلامه حتى وهنت قواه ودخله الروع واشتدت به الرهبة أكثر مما تداخله الهيبة من الأسد وقد اشتمل البيان على ثلاثة مقاصد:
الأول:
هيبته واستحياؤه من النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما أوشي فى حقه للنبي خوفا أن يطالبه بالخروج منه والرجوع عنه، وخص بالأسد إشارة لأنه أعظم الحيوانات هيبة وهو ملك الغابة حتى يقال إن الإنسان بمجرد رؤية الأسد لا يستطيع الفرار منه وورث الإمام البوصيري الصحابي الجليل كعب فى استخدامات الأسد والليث فى مدح حضرة النبي حيث قال البوصيري:
ومن تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأسد فى آجامها تجم
وقال أيضا:
أحل أمته فى فى حرز ملته كالليث حل مع الأشبال فى أجم


:
رد مع اقتباس