النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: ارجو التوضيح (الكسب) و (معنى صفة الحياة)

  1. ارجو التوضيح (الكسب) و (معنى صفة الحياة)

    مشايخنا الكرام تفضلوا علي بالاجابة.

    الأول: مازال يشكل علي فهم قضية الكسب. في كتاب الشعائر للشيخ سعيد حفظه الله قال "العبد غير مجبر على أفعاله، بل هو قادر عليها مكتسب لها، والدليل على إثبات القدرة للعبد أن العاقل يفرق بين أن ترتعد يده وبين أن يحركها قصداً. ومعنى كونه مكتسبا أنه قادرٌ على فعله وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدور. وذلك بمثابة الفرق بين ما يقع مرادا وبين ما يقع غير مراد، وإن كانت الإرادة لا تؤثر في المراد"

    1- السؤال هنا حتى هذه القدرة التي اثبتناها للعبد هي خلق من خلق الله فمردها الى الله. فكيف نخرج من قضية الجبر.

    2- قال الشيخ "قادر على فعله و ان لم تكن القدرة مؤثرة في ايقاع المقدور". اذا هنا مازلنا في دائرة الجبر لأن قدرتك ليست هي المؤثرة.

    3- ما هو معتقد الوهابية في قضية التخير و الجبر.

    الثاني: هل يجوز تفويض معاني الصفات الثابة قطعا لله. يعني بحثت عن معنى واضح للحياة فلم اجد الا هذا التعريف الذي في السنوسية "صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك" هذا التعريف ينطبق كذلك على المخلوقات.

    أرجو من جنابكم التوضيح

  2. هل من مجيب؟؟؟؟

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    [ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخ الفاضل أبو محمد،

    أولاً: قولك: (حتى هذه القدرة التي أثبتناها للعبد هي خلق من خلق الله فمردها الى الله. فكيف نخرج من قضية الجبر)

    أقول: لا شكّ في أن ما في الوجود لا يخرج عن كونه إما الخالق الموصوف بصفات الكمال المطلق، أو المخلوق المحتاج إلى الله تعالى احتياجاً تامّاً سواء في وجود ذاته أو صفاته أو أفعاله. فكلّ ما سوى الله تعالى فهو من خلق الله تعالى حتّى إرادة الإنسان وقدرته وأفعاله.
    إذا سلّم ذلك، فنقول إن كلّ إنسان يجد من نفسه بالضرورة فرقاً واضحاً بيّناً بين حركة ارتعاشه، وحركة يده لتناول كوب الشاي مثلاً. وإنّ كلّ إنسان يستيقن هذا الفرق، ويستيقن إرادته للحركة الثانية وقدرته عليها، ويستيقن أنّه لم يكن مريداً للحركة الأولى، ولا كان قدرته مدخليّة في تحصيلها. فهذا دليل ضروريّ على أنّ الإنسان مخيّر في بعض الأمور، ومسيّر مجبور في بعضها. وليس مجبوراً مطلقاً ولا مخيّراً مطلقاً. والتكاليف الشرعيّة سواء الاعتقاديّة أو العمليّة فلا شكّ أنها واقعة في دائرة الاختيار والقدرة الإنسانيّتين، وهذا مستيقن في نفس كلّ إنسان منّا بالضرورة. فلا يستطيع أحد أن ينكر أنّه مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن، أو يقوم بالواجبات العمليّة من صلاة وصيام ونحوهما أو لا يقوم. فانتفى بذلك بحسب الظاهر والمعلوم بالضرورة أن يكون الإنسان مسيّراً في هذه التكاليف. إذاً فلينحصر الكلام من الآن فصاعداً في هذه الأفعال الاختياريّة التي نحاسب عليها. هذا أولاً.

    أمّا قولك بالمعنى أنّه ما دام الله تعالى هو خالق قدرتنا وإرادتنا وأفعالنا فهو بالضرورة مجبر لنا، فهو غير صحيح. وبين يدي توضيح الغلط فيه هاك مثلاً يضربه العلماء يقرّب معنى مهمّاً يجب الالتفات إليه، وكذا قواعد عقليّة ضروريّة سوف نستخدمها في الجواب.

    والمثل هو أنّك حين تحرّك يدك لتناول كوب الشاي، فإن ثمّة عدداً كبيراً من الحركات الصغيرة، والتغيرات الكيميائية التي لها علاقة بتوفير الطاقة اللازمة لهذه الحركة، وهنالك سيّالات عصبيّة هي عبارة عن إشارات كهربائيّة، يتم تبادلها بين مراكز معيّنة في الدّماغ والأجزاء الكثيرة المشاركة في عمليّة تناول الكوب. وأشياء أخرى لو بدأت بتفصيلها لمللت، وكلّ هذه الأشياء تحصل ولا يشعر بها الإنسان، ولا يلتفت إليها. إنّ الأصابع يجب أن تتحرّك على نحو معيّن متناسق وتلمس الكوب بالشكل المناسب وتمسك به بالشكل المناسب، واليد يجب أن تنتقل نحو موضع الكوب المعيّن، ثمّ ترتفع إلى الفمّ بشكل معيّن، فتساهم أيضاً الحواس من بصر ولمس في العمليّة، وكلّ حركة صغيرة أو كبيرة تحصل في هذه العملية المعقّدة جداً تكون بإشارات كهربائيّة متبادلة بين ذلك الجزء المشارك ومراكز معيّنة في الدّماغ، ولو اختلّ عمل أي جزء من هذه الأجزاء لم تحدث العمليّة بالشكل الصحيح، ولا بدّ فوق كلّ ذلك أن يكون ثمّة تناغم بين هذه الحركات جميعها، بيحث يؤدي المجموع إلى القيام بالفعل المطلوب.

    أما القواعد العقليّة فهي:
    1- أنّ فاعل الفعل يجب أن يكون قادراً على الفعل، وإلا إن لم يكن الفعل قد حصل بقدرته هو فلا يصحّ أن ينسب إليه على الحقيقة.
    2- أنّ فاعل الفعل المحكم النظام، لا بدّ أن يكون مريداً له على ذلك النحو، وإلا لوقع منه على غير تلك الصورة، فوقوعه على صورة معيّنة دون ما عداها من الصوّر دليل جليّ على أنّ فاعل الفعل مريد لوقوعه على هذه الصورة بالذات، أي أنّ له إرادة خصّصت المقدور ببعض الأمور دون بعض بحيث يكون على هذه الصورة بالذات دون غيرها من الصّور.
    3- أنّ فاعل الفعل الذي قلنا إنه مراد ومقدور ومحكم النظام لا بدّ أن يكون عالماً بكيفيّة حدوثه، وتفاصيله الجزئيّة التي يتألف منها، أي عالماً بكلّ ما يختصّ بإيقاع هذا الفعل مطلقاً. فلا يتصوّر أن وقوع الصنعة المحكمة المتكرّرة على نسق واحد إلا من عالم بكيفيّاتها.

    والآن الجواب:
    إنه لا منافاة بين كون الله تعالى هو عالماً بأفعالنا ومريداً وخالقاً لها وبين كون الفعل مراداً ومقدوراً منا بما يصحّح نسبة الفعل إلينا، مع أننا لم نوجده ولم نوقعه بقدرتنا.

    أما أننا لم نوقعه بقدرتنا فلأنا لا نعلم كيفية وقوعه على التفصيل ولا كيفيّة إيقاعه، ونغفل عن تفاصيل كثيرة يتطلّبها وقوع الفعل، فلا نستطيع أن نقول إننا أردنا وقوع تلك التفاصيل، أو أننا نحن من خلق هذا الفعل وأوجده مع كلّ هذا الجهل وهذه الغفلة عمّا يتطلّبه الفعل.

    وأما أنه يصحّ أن ينسب الفعل إلينا فذلك معلوم من اللغة. لأنا نعلم علماً ضرورياً أنّه حين يحرّك أحد الكوب من مكانه، أنه يسأل عمّن فعل ذلك؟ وأن أهل اللغة يجيبون أنّ فلاناً فعل ذلك. مع أننا نقطع بعقولنا أنّ فلاناً الذي نسبوا إليه الفعل لا قدرة له على إيجاده وإيقاعه، لما مرّ من غفلته وعدم إرادته لكثير من التفاصيل التي يتطلّبها وقوع الفعل.

    وأما أنه لا منافاة بين كون الله تعالى هو القادر المريد لأفعالنا وبين كون الفعل مراداً منا ومقدوراً لنا. أنّه يمكن أن يتصوّر العقل وقوع فعل يكون مشتركاً بين عدّة إرادات وعدة قدر غير متنافية. فإن ما يشترطه العقل للفعل هو مطلق القدرة على تحصيله ومطلق إرادته على الوجه الذي وقع عليه، أما كون الإرادة واحدة والقدرة واحدة، فهذا أمر آخر لا يلتفت إليه العقل ههنا لكي يصحح وقوع الفعل.

    ثمّ لمّا علمنا بالضرورة أن لنا إرادة وبنا قدرة على بعض الأفعال المنسوبة لنا كما قدّمنا، وعلمنا أنّ قدرتنا وإرادتنا لا يمكن أن تتعلق بإيجاد تلك الأفعال. قلنا إن إرادتنا وقدرتنا تعلّقتا باكتساب الفعل، وليس بإيجاده. وإرادة الله تعالى وقدرته تعلّقتا بإيجاده. فاجتمعت على الفعل إرادتان واحدة من المخلوق لاكتسابه والأخرى من الخالق لإيجاده، وقدرتان واحدة من المخلوق لاكتسابه والأخرى من الخالق لإيجاده. فأنت تحرّك يدك وتتناول الكوب موقنا أنّك أردت ذلك وأنك تقدر عليه قابلاً بأن ينسب إليك هذا الفعل، وأن تكون لمسؤولاً عنه، ومع ذلك يقطع عقلك بأنّك لم توجد ذلك الفعل لأنّ إيجاده يتطلب العلم بتفاصيله وأنت جاهل بها، ويتطلب إرادة تلك التفاصيل وأنت لم تردها ولا خطرت لك على بال، ويتطلب قدرة على تحريك السيالات العصبيّة وتنسيق وظائف الأعضاء والأجزاء الكثيرة المشاركة في الفعل وتنظيم عملها والتحكّم بها.. إلخ ما أشرنا إليه، والحق أنك عاجز عن كلّ ذلك. فكيف بالله يدّعي البعض بأنه خالق أفعاله وهو على هذه الحالة من الجهل والغفلة والعجز!
    فالحلّ إذاً في نظريّة الكسب. أن الأفعال التي تسمى اختياريّة، والتي يقع التكليف في دائرتها ويتعلّق الثواب والعقاب بها، مكسوبة للعبد مخلوقة للرب سبحانه وتعالى. والدليل عليه أنّ العبد ليس بقادر على خلق هذه الأفعال وإيجادها كما قلنا، بل يستحيل أن يخلق شيئاً، لأنّ الخلق فعل الله تعالى وحده. ولا يشترط لكي يقع التكليف بها، والمحاسبة عليها أن تكون مخلوقة للعبد، بل يكفي كونها مكسوبة له.

    ثانياً: قول الشيخ: "قادر على فعله وإن لم تكن القدرة مؤثرة في إيقاع المقدور". وقولك: (إذاً هنا مازلنا في دائرة الجبر لأن قدرتك ليست هي المؤثرة)

    أقول: ومن قال إنك تكون مجبوراً إذا لم تكن قدرتك مؤثّرة؟ إنه كما بيّنا يمكنك أن تكون مختاراً للأفعال المنسوبة إليك دون أن تكون مؤثّراً في إيجادها. ألا ترى أنّك لو ألقيت حجراً على رأس إنسان فمات أنه يقال إنك قتلته ويحاسبك القانون على ذلك، مع أنّه لم يكن لك أيّ أثر مباشر في قتله. إنك صرفت جزءاً من طاقتك لتحريك الحجر عامداً إلى تحريكه وإيقاعه على رأس ذلك الإنسان بقصد أن يحدث له ضرر جسيم يعطب دماغه فيموت. فأنت توجهت إلى تحريك الحجر والله تعالى خلق هذا الفعل، وهو الذي خلق العطب في دماغ ذلك الإنسان وهو الذي أماته. ومع علمك بكلّ ذلك فإنك تقبل أن تحاسب على هذا الفعل، وتقول إنك مختار فيه، ولم يجبرك أحد عليه. ولا تشترط كونك المميت للرجل، ولا الفاعل لحركة الحجر، أي المؤثّر في هذه الأفعال لكي تسمّي نفسك مختاراً مريداً لموته. فكلّ ما تراه لا يعدو كونه أسباباً عاديّة لحدوث الحوادث، وليست هي المؤثرة في وجودها أي ليست علة في إيجادها أو إعدامها. بل الله تعالى وحده هو الفاعل المختار، أي الذي تتعلق قدرته وإرادته بإيجاد الأشياء وإعدامها. وليست المخلوقات إلا كاسبة لتلك الأفعال على وفق جري العادات أي القوانين التي اختارها الله تعالى لهذا العالم. ولو شاء الله تعالى لخرق جميع هذه القوانين وأبدلها بقوانين أخرى. فالإنسان يتحرّى اجتلاب المنافع والمضار بما لها من الأسباب، والله تعالى يخلقها. فالعبد كاسب، والله تعالى هو الخالق. ولا يشترط لكي يصحّ كون الإنسان مخيّراً أن يكون خالقاً ومؤثراً، فإن الخلق من أخصّ خصائص الربّ سبحانه، ولا يقدر عليه أحد غيره.

    ثالثاً: قولك: (هل يجوز تفويض معاني الصفات الثابة قطعا لله. يعني بحثت عن معنى واضح للحياة فلم أجد إلا هذا التعريف الذي في السنوسية "صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بصفات الإدراك" هذا التعريف ينطبق كذلك على المخلوقات)

    أقول: نعم هذا التعريف ينطبق على حياة المخلوقات، ولكن ليس في ذلك تشبيه لله تعالى بالمخلوقات. فهو يتكلّم عن الحياة بوصفها شرطاً عقليّاً للاتصاف بصفات المعاني، والقياس الذي من باب الشروط والعلل العقليّة لا إشكال فيه. مع قطع السنوسيّ وغيره بأنّ حياة الله تعالى لا تشبه حياة المخلوق ولا بوجه من الوجوه، وليست على أيّ كيفيّة من الكيفيّات. ولعلّك تلاحظ أنّ الإمام السنوسي وغيره من علماء العقائد يشرحون الصفات ببعض لوازمها، لا بحقيقتها. لأنّ حقيقتها في نفس الأمر غير معلومة لنا. فنحن مثلاً نعلم أنّ قدرة الله تعالى صفة قديمة يتأتى بها إيجاد كلّ ممكن أو إعدامه، ولكن ما حقيقة القدرة؟ لا نعلم. وكذلك فإننا نجهل حقيقة الإله، مع معرفتنا له بآثاره ولوازم صفاته سبحانه وتعالى. ولذلك فإن تفويض حقائق الصفات بهذا المعنى الذي نتكلّم عنه ههنا، واجب، لأنه يشبه أن يكون تفكّراً في ذات الله تعالى. وهو عمل مهما تطاولت فيه فإنك لن تصل إلى نتيجة، لأن حقيقة ذات الله تعالى وصفاته مما لا قدرة لحواس الإنسان وعقله على الإحاطة بها. ولذا قال بعضهم ذات الله تعالى وصفاته لا تدرك ولا تترك. أي لا تدرك حقائقها، ولا يترك الإيمان بوجودها لقيام الأدلة القاطعة عليها. هذا ما تيسّر لي قوله الآن، والله تعالى أعلم بالصواب. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. ايها الشيخ الكريم جزاك الله خيرا على هذه الاجابة الكافية و الوافية خاصة في القضية الاولى. أشعر بالامان اذا كان عندنا امثالكم بارك الله فيك. أخي الكريم ليتك تكمل معي بعض الاستفسارات لأني في الحقيقة في بلدي يصعب ان اجد من يعينني على هذا الامر و انا غريب بين اهلي و جيرتي بسبب تحولي من الوهابية الى مذهب السادة الأشاعرة.

    _____

    1- الوهابية عندما يثبتون لله يد حقيقية و يقولون انهم يعرفون معناها هم في الحقيقة يقصدون لوازمها لذلك تجدهم يقولون يقبض بها و لكن طبعا يعترفون بانهم لا يعرفون حقيقتها. فليتك تعلق على هذا الامر.

    2- سيدي الكريم عندما قلت لا نعرف حقيقة الصفات هل تقصد بذلك كيفية الصفات. لأني اعرف ان الكيف عنه مرفوع فليس لصفاته كيف.

    3- قلت سيدي الكريم "والقياس الذي من باب الشروط والعلل العقليّة لا إشكال فيه" متى يكون القياس مشكلة و ممكن تعطي امثلة اكثر على القياسين.

    جزاكم الله خيرا

  5. مولانا الشيخ اين انت او اي احد من طلاب العلم في هذا المنتدى المبارك

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    الأخ الكريم،

    أرجو أن تتريث قليلاً حتى أجد ساعة من الفراغ أكجيبك فيها عمّا سألت. ثمّ إن أسئلتك تم بحثها في عدة مواضيع كتبتها أنا وغير من أهل المنتدى، فلا داعي لاستعجالي في الجواب. والله يعلم كم أنا مشغول.

    وفقك الله تعالى، فانتظر الجواب
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    [ALIGN=RIGHT]بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخ الفاضل أبو محمد،

    قولك: (الوهابية عندما يثبتون لله يداً حقيقية ويقولون إنهم يعرفون معناها. هم في الحقيقة يقصدون لوازمها لذلك تجدهم يقولون يقبض بها ولكن طبعاً يعترفون بأنهم لا يعرفون حقيقتها. فليتك تعلق على هذا الأمر)

    أقول: هم يقولون إن لله تعالى يداً حقيقيّة. ولكننا نحن لا نفهم من تقييدهم اليد بالحقيقيّة إلا اليد بالمعنى الوضعيّ لها في لغة العرب. لأن هذا التقييد المقصود منه نفي أي معنى مجازي نأتيهم به لليد في استعمالات العرب. فارجع إلى القواميس وانظر ما يقوله علماء اللغة في اليد. تجدهم يذكرون جميع المعاني التي استعملت فيها اليد، كالكف، والأصابع إلى الكف، والنعمة والقوّة وغير ذلك من المعاني. فما هو المعنى الحقيقيّ لليد وما هو المعنى المجازيّ لها في نظر السلفيّة؟ هذا أوّلاً. ثمّ ثانياً ما المعنى الذي تقبله السلفيّة من هذه المعاني ما داموا يقولون إن القرآن نزل بلغة العرب، والله تعالى خاطب النّاس بما يعقلون بلسان عربيّ مبين، وما داموا يقولون إنهم يثبتون المعنى ويفوّضون الكيفيّة؟
    أمسك لسان العرب مثلاً أو أيّ قاموس آخر، واعرض المعاني المذكورة فيه على سلفيّ، وانظر أي هذه المعاني سيقبل وأيها سيرفض. عندها ستتيقن أنّ قولهم بأنهم يفهمون القرآن بلغة العرب مجرّد كذبة كبيرة. بل هم يفهمون القرآن الكريم والسنة المشرّفة على أساس من هواهم. بدليل رفضهم للمعاني التي تحتملها اللغة ولا تتنافى مع سياقات الآيات ومع تنزيه الله تعالى. إنهم في قرارة أنفسهم يقبولون بعض المعاني التي تحتملها اللغة ويسمونها المعاني الحقيقية والظاهرة من الألفاظ، والتي تتنافى مع تنزيه الله تعالى عن الجسميّة. إذاً فالأمر واضح، هؤلاء قوم لهم عقائد فاسدة، يثبتون وينفون المعاني لله تعالى وعنه سبحانه على أساس من هذا المعتقد الفاسد الذي تعصّبوا عليه، على وهم أنّه هو الحق الذي لا محيد عنه.
    إنّ الذي أعتقده أنّ هؤلاء الحمقى يثبتون لله تعالى يداً كاليد التي للإنسان. وحين يقولون لا كأيدينا، أو يقولون لا نعرف الكيفية. فهذا أشبه باعتذار عن التشبيه الصريح المأخوذ من كلامهم. ولعلهم يعنون بذلك أنها ليست بنفس بعض مواصفات اليد الإنسانيّة من الحجم والمقدار والشكل العام، وأمثال ذلك من الأمور العرضيّة. ولكنهم لجهلهم لا يعرفون أنهم متى قالوا إن اليدّ متكيّفة ولكن نجهل هذه الكيفيّة، فهذا الجواب قاطع في التشبيه والجسميّة. لأن ما يقبل التكييف أي الصورة والهيئة المعيّنة هو الجسم لا غير. فمهما كان لليد صورة فهذا تشبيه، سواء عيّنوا تلك الصّورة أو أطلقوها تاركين الأمر لخيال كلّ واحد من أتباعهم الجهلة أن يعيّنها على نحو ما يتلاعب به الشيطان الرّجيم.
    وحتى قبل ذلك، فإن مجرّد قولهم إننا نثبت لله تعالى يداً حقيقيّة، يلزمهم التكييف فوراً، لأننا لا نعرف في اللغة يداً حقيقيّة إلا متكيّفة. أعني مقيّدة بقيد الحقيقة إلا ولها صورة ما من حجم وعدد أصابع إلى غير ذلك. إلا أن يشرحوا لنا ما يعنوه بقيد الحقيقة التي يلصقونها إلى كلّ صفة يصفون الله تعالى بها. وهم لن يفعلوا كي لا يشنّع عليهم. فتعبيراتهم عن عقايدهم أسبه بتعبيرات الباطنيّة، والشاطر يفهم. هكذا هو الأمر والله، ومن لا يصدّق فليقرأ ابن القيم في النونية، وحادي الأرواح وغيرها من كتبه الفاسدة، وليلق بنظرة على الكاشف الصغير ليعلم قدر ما تنطوي عليه سريرة ابن تيمية من الخبث في تقرير عقائده وما ينطوي عليه كلامه من تلبيس على الناس.
    ولقد ناقشت عدداً من السلفيّة في أكثر من مناسبة، وكنت أقول لهم إن اليد معناها كذا وكذا، فلا يختارون معنى، ويتمسكون بأنّ اليد معروفة في لغة العرب، ومعناها معروف للجميع، والقرآن نزل بلغة الغرب، وهذه هي اليد التي نثبتها. فتقول لهم إن لغة العرب تطلق اليد على أكثر من معنى، فأيها تريدون، فيقولون إننا نعني اليد الحقيقيّة. ولم أر أحداً يجرؤ على التصريح بهذا المعنى الذي يثبته من اليد وغيرها هو العضو إلا واحداً في منتدى سلفيّ منذ مدّة حيث اعتذر بقوله هذه هي لغة العرب.
    وعلى أيّ حال، هم يرفضون أصلاً وجود المجاز في القرآن الكريم. وهو من العجب العجاب. ولك أن تتأمل في اللوازم البشعة التي تلزمهم من نفي المجاز في القرآن الكريم.
    وحاصل الكلام، أنهم مهما قالوا، وزوّقوا أحاديثهم بالعبارات المنمّقة ليهربوا من الجواب، فالنتيجة واحدة، وهو أنّهم بهذا القول إما أن يعترفوا بالتشبيه والتجسيم صراحة، وهم لا يجرؤون على ذلك لشناعة هذا القول، أو أن يبقوا يتهرّبون ولا تأخذ منهم جواباً صريحاً واضحاً مغمغمين متكتمين على عقايدهم كباطنية جديدة، تتكلم بالألغاز والإشارات. فهل رأيت سلفيّاً قط يتكلّم بلغة واضحة مفهومة يعبر بها عن عقائده كما يقرر أهل السنّة عقائدهم بوضوح وصراحة لا يخشون شيئاً!!!
    وأنا من هذا المنتدى، أنادي جميع رؤوس السلفيّة، أن يأتي من استطاع منهم، ومن يجرؤ على الكلام ويمتلك الشجاعة الأدبيّة وليقل لي دون لفّ ولا دوران، إن المعنى الذي يدّعون أنّهم يعرفونه من اليد هو كذا، ومن القدم كذا، ومن الأصابع كذا، ومن العين ومن الوجه، ومن الرجل، كذ وكذا وكذا. أريدهم أن يعيّنوا معنى كلّ ما يثبتونه لله تعالى، ما داموا يقررون أنّهم يعرفون هذه المعاني، ولا نطالبهم بتكييفها، بل بتعيين المعاني التي يثبتونها. أريد من يجرؤ على قول هذه المعاني بصراحة. حاول أن تحاورهم بهذه الطريقة فإن ظفرت منهم برجل صريح، ستجد أنّ الكيفيّة التي يدّعون أنهم يجهلونها داخلة في نفس المعنى الذي يثبتونه لله تعالى. وهذا مما لا يرضاه إنسان ينزه الله تعالى، ويعقل معنى قوله تعالى (الله أحد) (لم يكن له كفواً أحد) (ليس كمثله شيء). فهذه الآيات وأشباهها أصل كبير يجب أن لا يغيب عن بال من يؤمن بالله تعالى، ويعرفه بما عرّف به نفسه، ويقدره حقّ قدره.
    إن هذه المذكورات والتي يسمّونها صفات لله تعالى، في قرارة أنفسهم إنما يعتقدون أنها جوارح وأعضاء، وآلات لله تعالى. ومهما نفوا الجوارح والأعضاء والآلات بألسنتهم، فإن كلامهم دائر على معانيها، بما لا يملكون الهروب منه والفكاك عنه.
    إن واحدهم حين يقول مثلاً الله استوى ويعني الله جلس وقد يصرّح بذلك، تعالى الله عمّا يقولون. ثمّ يقول لك أنا لا أشبه ولا أكيّف، أو أنني أثبت المعنى ولا أعرف الكيفيّة. فانظر هل أبقى من الكيفيّة شيئاً ليفوّضه؟ ويقول لك إنه يفهم القرآن كما هي لغة العرب. فأين في لغة العرب أن استوى وحدها دون أيّ قرينة أخرى معناها جلس؟ وأين السياقات التي في الآيات الكريمة التي تعيّن معنى الجلوس دون ما عداه من المعاني؟ إذاً فادعاؤهم الاحتكام إلى لغة العرب مجرّد كذب. وإلا فإننا وجدنا في لغة العرب:
    قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
    فلماذا يرفضون هذا المعنى؟
    إن القرائن اللفظيّة المحيطة بكلمة استوى في جميع الآيات الكريمة لترفض أن يكون معناه جلس. خذ مثلاً قوله تعالى (استوى على العرش يدبّر الأمر)
    وانظر إلى قوله تعالى: (ولما بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكماً) هل معنى استوى جلس.
    وانظر قوله تعالى: (ثمّ استوى إلى السماء وهي دخان) فعدّى الاستواء بإلى، فهل معناه ههنا جلس؟
    وانظر قوله تعالى: (فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع) هل معناه أن الزرع جلس؟
    وانظر قوله تعالى: (ثمّ استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) فهل يقبل عاقل أن معنى الآية جلس يعلم. قبح الله البلادة! ويكفيهم أن نفس الآية تقول (وهو معكم أينما كنتم) فليقولوا لنا ما معنى هذا الكلام بلغة العرب؟ أهو على الحقيقة أو على المجاز؟ إن كان على الحقيقة فكيف يكون مع كلّ واحد منا أينما كنّا وهو في نفس الوقت مستقرّ على عرشه تعالى الله عمّا يقولون.
    وانظر في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء فسوّاهنّ سبع سماوات وهو بكلّ شيء عليم)
    وانظر في قوله تعالى: (إن ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين)
    وانظر في قوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثمّ استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلّ يجري لأجل مسمى، يدبّر الأمر يفصّل الآيات لعلّكم بلقاء ربكم توقنون)
    انظر وتأمّل في هذه الآيات، وانظر ماذا يقول المفسّرون فيها، تعرف أنّ هذه الآيات لا تمتّ بصلة إلى الجلوس، بل الأقرب أنها تتكلّم عن تدبير الله تعالى لهذا العالم، وسيطرته عليه، وتصرّفه التام المطلق فيه. فليرينا هؤلاء القوم كيف فهموا جلس من أيّ آية من الآيات التي ذكر فيها الاستواء؟ لا سيّما أنّه ليس هنالك نص على الجلوس، ولا بقاء لظهور معناه إذا سلم أن استوى بلا قيد تأتي بمعنى جلس. وإنما قلنا لا بقاء لهذا الظاهر إن سلّم ظهوره لأن الدليل العقليّ يمنع من حمله على معنى الجلوس، لأنه محض تشبيه الله تعالى بخلقه. وكذا الدليل النقليّ القاطع ينفي مشابهته تعالى للحوادث، والجلوس فعل تتلبس به ذوات المخلوقات الجسمانية التي يتصوّر منها ذلك، فإثباته لله تعالى عن ذلك إثبات منقصة لله تعالى، بل هو مما يستحيل تصوّره في حقه سبحانه. وعلى ذلك قس كلّ ترّهاتهم تجد مشربهم في عقيدتهم هو التجسيم، لا اللغة ولا غيرها مما يدّعون التمسّك به.

    قولك: (عندما قلت لا نعرف حقيقة الصفات هل تقصد بذلك كيفية الصفات. لأني أعرف أن الكيف عنه مرفوع فليس لصفاته كيف)

    أقول: أنا لا أعني الكيف قطعاً، وقد ذكرت بأنه لا كيف أصلاً لذات الله تعالى وصفاته، لأن الكيفيّات من خصائص الأجسام. والله تعالى ليس كذلك. ولكن ما أعنيه أنّنا لا نعرف حقائقها. أي أننا لا يمكننا أن نحيط بذات الله تعالى علماً، ولا بصفاته. فإن الله تعالى لا حدود لعظمة ذاته تعالى وكمال صفاته بحيث يمكن أن نعلمها علماً تاماً، وفي ذلك يقول الله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً)، ويقول: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)، ويقول: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار). فإذا كنا لا نحيط علماً بحقائق ذوات أدنى مخلوقات الله تعالى، ولا نكاد نعرف إلا النزر اليسير جداً من الأسرار التي أودعها الله تعالى في مخلوقاته، فكيف نعلم حقيقة الله سبحانه وتعالى. هذا هو ما قصدته. أما الكيف فهو غير ثابت أصلاً لله تعالى. فلا كيف، لأن الكيف عنه مرفوع، وغير معقول، ومحال تصوّره في حقه.

    قولك: (قلت: "والقياس الذي من باب الشروط والعلل العقليّة لا إشكال فيه" متى يكون القياس مشكلة وممكن تعطي أمثلة أكثر على القياسين)

    أقول: القياس الذي لا يجوز أن نجريه بين الله تعالى ومخلوقاته، هو القياس الذي تكون نتيجته إثبات معنى لله تعالى من جنس المعنى الثابت للمخلوق وهو قياس الغائب على الشاهد.
    فالتحيّز والجسميّة والتغيّر والحدوث، هذه كلّها معان ثابتة للمخلوقات فلا يجوز أن نثبتها لله تعالى على الاستحالة.
    ومثال ذلك أن يقول قائل: إن كلّ موجود فهو جسم، والإله سبحانه موجود، فلا بدّ أن يكون جسماً. فمبنى هذا القياس الباطل على مقدّمة مأخوذة من استقراء ناقص للموجودات في الشاهد، فعواره ظاهر. وعلى ذلك فقس. ويمكن أنّ يفصّل أكثر في أنواع القياسات الباطل إجراؤها بين الله تعالى وخلقه، إلا أن الحاصل بها ما ذكرنا من الحكم للباري تعالى بمعنى من جنس المعنى الثابت للمخلوق.
    وقد أجاز أهل السنّة قياس الغائب على الشاهد في أربعة أمور: الحد، والشرط، والعلّة، والدلالة. ولم يجدوا في تعديتها بالقياس من الشاهد إلى الغائب محظوراً ينافي تنزّه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات. وهو ما كنت أشرت إليه في كلامي.
    ومن أمثلة ذلك:
    قولهم: إذا دلّ قبول الحوادث في الشاهد على استحالة أن يعرى القابل لها عنها، لزم مثله في الغائب. فالحكم على كلّ قابل للحوادث بوجودها فيها ما دام موجوداً يكون صحيحاً، لأن شرط الدلالة الاطراد، فكلّ ما قبل الحوادث فلا يعرى عنها سواء كان شاهداً أو غائباً.

    وقولهم: إذا كان شرط كون العالم عالماً في الشاهد هو قيام صفة العلم به، وجب أن يكون العالم الغائب متّصفاً بعلم قائم به.
    وكقولهم: إذا كانت الحال كالعالميّة مثلاً معلّلة بصفة العلم في الشاهد، فكذلك هي في الغائب.
    وكقولهم إذا كان حدّ العالم في الشاهد من قام به العلم، فيجب أن يكون حدّه في الغائب كذلك. لأن الحدّ يجب اطراده.
    والكلام الذي نقلته عن السنوسي رحمه الله تعالى حاصه أنه رأى الحياة في الشاهد شرطاً مصححاً للاتصاف بصفات العلم والسمع والبصر، فأثبت ذلك للغائب. وهو لا إشكال فيه إن شاء الله. فإننا لم نعدّ بهذا القياس ههنا إلا كون الحياة شرطاً لصحة الاتصاف بهذه الصفات. مع قطعنا بأن ذات الله تعالى لا تشبه ذات المخلوق، ولا أي من صفاته سبحانه تشبه صفات المخلوقين، ولا من وجه من الوجوه.
    وهذا ما تيسّر لي، والله تعالى الموفّق [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  8. كلام درر سيدي الشيخ بلال .. حفظك ربي وأدامك
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •