النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الآراء السياسية لإمام الحرمين الجويني

  1. الآراء السياسية لإمام الحرمين الجويني

    الآراء السياسية لإمام الحرمين الجويني

    طارق محمود أبوهدهود

    تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على الآراء السياسية لعبد الملك بن عبد الله الجويني المعروف بإمام الحرمين المتوفى سنة (478هـ)، وهو فقيه ومتكلم ومحدِّث أنجز أعمالاً كبيرة في الفقه وفي التنظير السياسي، كانت جزءاً من التيار الفكري والسياسي الذي شهده عصره، وكان من رواده فقهاء ومفكرون مثل الماوردي والغزالي، وهذه الأعمال اندرجت تاريخياً تحت [grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]مصطلح (الإمامة).

    تعريف بالجويني وعصره

    هو أبو المعالي عبد الملك بن عبدالله بن يوسف الجويني الملقب بإمام الحرمين، أحد فقهاء الشافعية. عاش في القرن الخامس الهجـري، بيـن 419-478هـ (1)، أي في الحقبة التي شهدت قمة التمزق السياسي والانقسام المذهبي في العالم الإسلامي؛ ففي المغرب كان الفاطميون قد استولوا على شمال إفريقيا وأحكموا قبضتهم على مصر 362هـ، ثم وسعوا نفوذهم إلى الشام وهددوا بغداد نفسها. وفي المشرق الإسلامي كانت الخلافة العباسية قد فقدت كامل سلطتها، وأصبحت رهينة لتسلط الأمراء والجند وصراعاتهم؛ كالصراع بين البويهيين والسلاجقة الذي شهده الجويني وانتهى بانهيار الحكم البويهي ودخول السلاجقة بغداد (2).
    نشأ الجويني في مدينة نيسابور في خراسان، والده هو أبو محمد عبدالله بن يوسف، وهو من علماء نيسابور وأحد فقهاء المذهب الشافعي فيها (3).
    وقد تتلمذ ابنه على عدد من الفقهاء، كأبي القاسم الاسفراييني الذي أخذ عنه أصول الفقه، وأبي بكر الأصبهاني الذي أخذ عنه الحديث، وأبي عبدالله الخبَّازي الذي أخذ عنه القراءات، وأبي الحسن المُجاشعي الذي درس عليه كتابه في النحو "إكسير الذهب في صناعة الأدب" وغيرهم.
    خرج الجويني من نيسابور هارباً من جند ( الكُندري) وزير السلطان السلجوقي (طغرلبيك) فيما عُرف بفتنة الكندري، ويبدو أن هذا الوزير كان معتزلياً وخصماً لفقهاء السنة والأشاعرة، فاستصدر أمراً من السلطان بالقبض عليهم، ومنهم الجويني، الذي تمكن من الفرار والخروج من نيسابور. عاش الجويني فترة من حياته في بغداد ثم أصبهان، ورحل بعد ذلك إلى الحجاز ومكث في مكة مدة أربع سنوات، وهناك عمل في التدريس والإفتاء، وبعد ذلك سكن المدينة، ومن هنا جاء لقبه إمام الحرمين (4).
    ترك الجويني دراسات وكتباً كثيرة في مختلف العلوم الإسلامية، ففي أصول الفقه وضع كتاب (البرهان)، وفي علم الكلام كتاب (العقيدة النظامية)، وفي التفسير كتاب (تفسير القرآن الكريم)، وفي الحديث كتاب (الأربعون)، وفي أحكام الإمامة كتاب (غِياث الأمم في التياث الظُلَم) المعروف باسم (الغِياثي) ، نسبة إلى "غيِاث الدولة" وهو نفسه الوزير السلجوقي "نظام المُلْك" (5)، وسنعتمد هذا الكتاب في تبيُّن آراء الجويني السياسية.
    وجوب نصب الإمام
    يؤكد الجويني ـ بعد أن قدّم توصيفاً لمصطلح الإمامة بأنها "رياسة تامة، وزعامة عامة... مهمتها حفظ الحوزة ورعاية الرعية..." (6) ـ يؤكد على أن نصب الإمام واجب، ويعترض على من يقول بغير ذلك، كعبد الرحمن بن كيسان (الأصم) ويعتبره مخالفاً لإجماع الأمة "واتفاق مذاهب العلماء قاطبةً" (7).
    وأبرز شواهده على ذلك موقف الصحابة بعد وفاة الرسول (ص) في اجتماع السقيفة؛ إذ رأوا الاستعجال إلى نصب الإمام والتشاور فيمن سيخلف الرسول (ص) في رئاسة المسلمين، وانشغلوا بهذا الأمر حتى عن تجهيزه ودفنه، لأنه لو تُرك الناس لفترة دون إمام " لانتثر النظام، وهلك العظام، وتوثَّبت الطَّغام والعوام، وتحزبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة" (8).
    وهكذا فالفوضى والفتـن هما النتيجة الحتمية لغياب الإمام كما يرى الجويني، وهو بذلك يعبر عن رأي فقهاء أهل السنة عموماً، ولا يختلف كثيراً مع مفكري الشيعة والخوارج.
    ويناقش الجويني بعد ذلك مسألة: هل يجب الاستناد في وجوب نصب الإمام إلى الشرع أم إلى العقل؟ فيقرر أن هذا الأمر يستفاد من الشرع المنقول وليس أمراً نستنتجه من العقل (9). ويناقش آراء بعض الجماعات التي تستند إلى العقل في وجوب نصب الإمام كالشيعة والمعتزلة، الذين ذهبوا إلى "أن الله تعالى جدُّه يجب عليه استصلاح عباده، وزعموا أن الصلاح في نصب الإمام" (10). فيرد عليهم بأن كلمة (وجوب) لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى، لأنه يترتب على ذلك تعريض الله لاحتمالات الثواب والعقاب، فلا أحد يوجِب على الله شيء "فهو الموجِب بأمره" (11).
    كما أن الاستناد إلى العقل في وجوب نصب الإمام ـ حسب الجويني ـ سوف يؤدي إلى تفرق الأمة(12) وتعدد مذاهبها والتصادم فيما بينها في مسألة جوهرية وخطيرة في مسيرتها، وهي مسألة الحكم، فالعقل القاصر بطبيعته والخاضع لعوامل التبدل لا يمكن الركون إليه في أمر (الإمامة) الذي يُناط به توحيد الأمة، "ولو رُددنا إلى العقول لم نُبعد أن يُهلِك الله الخلائق، ويقطعَهم في الغوايات على أنحاء وطرائق، ويَغمسَهم في غمرات الجهالات، ويصرفهم عن مسالك الحقائق، فبحكمه تردّى المعتدون، وبفضله اهتدى المهتدون." (13).
    نلاحظ أن الجويني هنا يستخدم أسلوباً عقلياً في الرد على من يقول بوجوب الإمامة بالعقل. ولابد من التأكيد على أن الإمامة أو رئاسة الدولة مسألة حضارية ليست بحاجة إلى البحث عن وجوبها سواء بالشرع المنقول أو بالعقل.


    الجهات التي تعيِّن الإمام
    يرى الجويني أن الإمامة تُعقد بناءً على اختيار أهل الحل والعقد، وهو بذلك يختلف مع الآراء القائلة بالنص، أي أن الرسول (ص) نص على الإمام صراحة وعلى رؤوس الأشهاد. ويحاول أن يفنِّد هذه الآراء، فيرد على الشيعة الإمامية التي تقول إن الرسول (ص) نصَّ على عليٍّ، وتستشهد بأحاديث مثل؛ "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" وكذلك الحديث الذي يخاطب فيه الرسول (ص) عليّاً بقوله "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".. يرى الجويني أن هذه الأحاديث لم ينقلْها رواة ثقات، وهي ليست متواترة، وإنما أحاديث آحاد، نقلها أفراد معرضون للخطـأ والزلـل (14)، وهو هنا يحتكم إلى القاعدة التي تقررت عند أهل الحديث وهي أن "كل خبر اقتضت العادة والعرف نقله تواتراً، فنُقل آحاداً يُقطـع بكذبـه" (15)، فالإمامـة ـ حسب رأيه ـ ليست قضية صغيرة يمكن الاعتماد في حسمها على أخبار الآحاد، كما أن هذه الأحاديث لو كانت متواترة، كيف يُختص بها الشيعة دون غيرهم؟ ولماذا لم يعلم بها الآخرون؟ وبناءً على ذلك لماذا ينكرون على بعض أهل السنة الذين يقولون إن الرسول (ص) نصّ على أبي بكر ليكون خليفة بعده؟ (16). ثم لو كان هناك نص على عليّ، لما وجد الصحابة حاجة أصلاً لاجتماع السقيفة الذي شهد نقاشاً واسعاً وخلافاً صريحاً بين المهاجرين والأنصار حول مسألة الإمامـة التي يُفترض ـ حسب القائلين بالنص ـ أنها محسومة أصلاً لعليّ (17).
    ويناقش الجويني بعد ذلك دلالات الألفاظ في النصوص التي تستند إليها الشيعة الإمامية، منها نص "من كنتُ مولاه فعليّ مولاه". فكلمة مولى كما يقول "من الألفاظ المشتركة بين مسمَّيات وجهات في الاحتمالات" (18)، إذ إنها تحتمل أكثر من مدلول، فقد يراد بها ابن العم أو المُعتِق أو ربمـا الناصر، و المدلول السياسي الذي أراده الشيعة هو أحد تلك المعاني. وبالتالـي لايمكـن ـ حسب رأيه ـ التشبث بواحد منها وإهمال غيره، وهو لا يعدو سوى "الاحتمال" بأن المقصود من كلمة "مولى" المدلول الذي يشير إلى إمامة المسلمين، فالإمامة شأن أخطـر من أن يكتفـي الرسول (ص) بالإشارة إليه بكلام غير واضح يَحتمل أكثر من معنى، فهي تستحق نصاً واضحاً صريحاً متواتراً حاسماً (19).
    ومن جهة أخرى هذا الحديث ورد بمناسبة خاصة ليس لها صلة بالولاية العامة، فقد جاء ـ كما يرجِّح الجويني ـ رداً على زيد مولى الرسول (ص)، حين قال لعليِّ لستَ مولاي إنما مولاي رسول الله، عندها قال الرسول (ص) "من كنت مولاه فعليِّ مولاه". أما حديث "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" فهو أيضاً لا يمكن الاستناد إليه؛ فهارون كان نبياً، ومات قبل موسى بسنين، وبالتالي لم يخلفْه بعد وفاته، إذن لم يكن علي يشبه هارون في شيء من حالاته (20).

    اختيار الإمام:
    بعد أن استبعد الجويني فكرة ثبوت الإمامة بالنص يؤكد مرة أخرى على أن الاختيار من قِبل أهل الحل والعقد هو الأسلوب الذي اعتمده المسلمون منذ البداية لحسم هذه المسألة ، وهو الأسلوب الذي يتفق مع قواعد الشريعة حسب رأيه، وهو هنا ـ كغيره من فقهاء السنة ـ استند في آرائه إلى الأساليب التي جرى من خلالها اختيار الخلفاء الراشدين. فأبو بكر "تواترت البيعة له يوم السقيفة، وكان عمَر وليَّ عهده، وتعيَّن عثمان من الستة المذكورة في الشورى بالبيعة، ولما انتهت النَّوْبة إلى علي طلبَ البيعة، فأول من بايعه طلحة والزبير.." (21). ويرى الجويني في باب صفات الإمام أن الإمام يجب أن يكون من قريش، وهو لا يستدل على ذلك بحديث "الأئمة من قريش" الذي لم يبلغ درجة التواتر كما يقول، وإنما باستقراء الواقع التاريخي في القرون الأربعة التي سبقته، إذ إن التطورات التاريخية تشير إلى أن ثمة إجماعاً على حصر الإمامة في قريش (22). لكن هذا الإجماع يستثني الفاطميين ويعتبرهم مغتصبين للخلافة فهم ليسوا من قريش، وإنما انتموا إلى فاطمة الزهراء وشجرة النبوة "انتماء الأدعياء، وبذلوا حرائب الأموال للكاذبين النسّابين، حتى ألحقوهم بصميم النسب" (23). فهـو إذن يشـكك في نسب الفاطميين، ويتهمهم بالادِّعاء والكذب. إلا أن الجويني بعد ذلك يتوقف وكأنه يسأل نفسه عن علة اشتراط "القرشية" في الإمام، ذلك أن الإمامة ليست شأناً تعبُّدياً خارجاً عن نطاق العقل ومجاله، ومن ثَم لا حاجة للتشبث بهذا الشرط وكأنه مسألة جوهرية، ولعل الجويني بهذا الاستدراك يعبِّر عن قناعة غير كاملة بهذا الشرط. "ولسنا نعقل احتياجَ الإمامة في وضعها إلى النسب" (24)، ويمكن إحالة اعتماده "القرشيةَ" شرطاً للإمامة إلى منهجه، بوصفه واحداً من فقهاء السنة الذين يعتبرون أنفسهم متَّبِعين لسلف الأمة وملتزمين بإتفاق الصحابة والتابعين؛ فالماضون كانوا قد صرّحوا باختصاص الخلافة في قريش، "ولم يتشوف قط أحدٌ من غير قريش إلى الإمامة" (25)؛ أي لم يتطلع أحد من غير قريش لهذا المنصب.
    والواقع أن الجويني يغفل بهذه الأقوال جماعات أخرى من "الماضين" رفضت هذا الشرط، كالخوارج الذين اشترطوا التقوى والورع والعدل في الإمام. كما أنه يغفل موقف الأنصار في السقيفة الذين تطلعوا فعلاً إلى الخلافة وهم من غير قريش، وأما عدم تطلُّع أحد من غير قريش إلى الخلافة إبّان ضعفها منذ القرن الثالث، فربما يعود ذلك إلى الظروف السياسية؛ فالمتحكمون بالخلافة من الفرس أو الأتراك لم يمنعهم من الاستيلاء على الخلافة كونهم ليسوا من قريش، وإنما وجدوا أن الأفضل لهم سياسياً أن يظلوا متحكمين بالسلطة مستبدِّين بها في ظل خلفاء لم يبقَ لهم من الحكـم سوى الاسم والنسب.
    عصمة الإمام
    يناقش الجويني هنا مسألة عصمة الإمام التي تعدها الشيعة شرطاً أساسياً للإمامة، وهو ينفي ذلك، فالإمام "لا تجب عصمته عن الزلل والخطل.. وأن الإمامية لم يرَوْا للإمامة مستنداً غير نص الرسول (ص)، وزعموا أن الإثنَيْ عشر إماماً نص عليهم رسول الله، ونص بعضهم على بعض..." (26)، وبما أنهم بنَوْا قناعتهم في عصمة الإمام على النص، استناداً إلى أن الرسول (ص) لا ينص إلا على معصوم، إذن فعصمة الإمام باطلة، لأن النص ـ كما ثَبَت للجوينـي ـ باطل أصلاً شرطـاً للإمامة (27).
    وبناءً على ذلك لا يمكن لمن يختار الإمام الاطِّلاع على سريرته، ومن ثم لا يمكن له ضمان عصمته واستقامته في المستقبل (28). كما أننا ـ والكلام للجويني ـ " نعلم أن عليَّاً وابنيه الحسن والحسين وأولادَهم.. ما كانوا يدّعون لأنفسهم العصمة..." بل كانوا يعترفون بالذنوب ويتضرعون إلى الله بالاستغفار(29). وتسوِّغ الإمامية ذلك بأن الأئمة كانوا يعتقدون بالتَقيَّة، لكن الجويني يرد عليهم بأنه كيف يمكننا الثقة بأقوالهم إذا كانوا يُظهرون خلاف ما يُضمرون؟ ومعلوم أن الغاية من اشتراط العصمة اتِّباع الأئمة فيما يقولون وما يفعلون (30).

    عزل الإمام والثورة عليه
    حدد الجويني شروطاً لعزل الإمام؛ أولها وأهمها ردة الإمام وخروجه عن الدين، وحتى لو جدَّد إسلامه "لم يَعُد إماماً إلا أن يُجدَّد اختياره"، ويُعزل كذلك إذا أصيب بخلل في عقله، أو ضعُف نظره ضعفاً حاداً لا يستطيع معه القيام بواجبات الحكم (31).
    إلا أنه يختلف مع بعض الفقهاء الذين يروْن عزل الإمام إذا طرأ عليه فسق، فهو لا يجيز ذلك، ويستند في رأيه إلى قناعته حول عصمة الإمام؛ فبما أن الإمام غير معصوم فهو حتماً معرَّض كغيره من البشر للوقوع في الزلات والآثام، ومن العسير جداً أن نشترط عليه دوام التقوى دون أخطاء في مسلكه، لأن ذلك قد يشكِّل تعطيلاً له عن القيام بالمهام المناطة به، كعقد الألوية وقيادة الجيوش وإدارة أموال المسلمين وغير ذلك (32). أضِف إلى ذلك أن الإمام من الممكن أن يتوب ويعود عن أخطائه، فلا يجوزـ كما يقول الجويني ـ اللجوء إلى عزل الإمام كلما وقع في زلة عابرة، لأن في ذلك "رفضَ الإمامة ونقضَها، واستئصال فائدتها... وإسقاط الثقة بها، واستحثاث الناس على سل الأيدي عن ربقة الطاعة" (33).
    والحقيقة أن الجويني اتخذ في موقفه هذا مسلكاً توفيقياً، فهو يمنح الشرعية لجميع الخلفاء والأمراء الذين سبقوه أو عاصروه أو حتى الذين سيأتون بعده، كما أنه يبرر لهم حتى الأعمال التـي قد تجعلهم متهمين بالفسق، ويضيِّق كل مساحة ممكنة للتفكير في عزل الإمام أو ربما معارضته، وهو يستشهد ـ كغيره من الفقهاء ـ بأحاديث تدعو الناس إلى ترك الأمراء وشأنهم والصبر عليهم مثل حديث "هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوُ أمرهم وعليهم كدرُه". والملاحظ أن هذا الحديث بالذات هو من أخبار الآحاد كما يقول الجويني نفسه (34)، وقد مر بنا أنه انتقد الشيعة لأنها استخدمت حديث آحاد دليلاً على أن إمامة علي منصوص عليها.
    ومع أن الجويني لم يُجِز عزل الإمام الذي يصدر عنه عمل فيه شكل من أشكال الفسق، إلا أنه يعود بعد ذلك ليؤكد أنه لا يجوز عقد الإمامة لفاسق ابتداءً، فهو يرى أن على أهل الحل والعقد أن يختاروا ـ عند افتتاح العهد ـ الأفضل قدر الإمكان، وإذا استتب له الأمر فلا يجوز بعد ذلك عزله حتى لو بدرت عنـه أعمـال فيهـا فسق (35). لكن الجويني يستدرك مرة أخرى ليقول إن الإمام إذا استمر في المعصية، وأظهر الفساد، وتعطلت بسبب ذلك الحدود، وضاعت الحقوق، وأظهر الخيانة، وظَلَم الرعية ولم ينصف المظلوم، تعيَّن على الرعية عندها تداركُ الأمر وعزلُه والثورةُ عليه، حتى ولو أدى ذلك إلى "ترك الناس سدى ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل" (36). إلا أنه يرى أن الثورة على الإمام يجب أن لا يقوم بها أفراد متفرقون، خوفاً من فشلهم والقضاء عليهم، وإنما يجب أن يقودها "رجل مُطاع ذو أتباع وأشياع... آمراً بالمعروف ناهيـاً عن المنكـر" (37)، شرط أن لا تؤدي هذه الثورة ـ حسب رأيه ـ إلى نتائج أسوأ من بقاء الإمام الظالم (38).
    أما إذا "أُسر الإمام وحُبس في المطامير وبَعُد توقُّع خلاصه وخلَت ديار الإسلام عن الإمام ... فلا نجد والحالة هذه من نصب إمام بُدَّاً" (39).
    لعل الجويني في هذا القول يعبِّر بوضوح عن موقفه السياسي من الأوضاع المعاصرة له، فهو هنا يسوِّغ عزل الإمام الذي يتعرض للأسر، وتنصيب إمام آخر بدلاً عنه، وكأنه بذلك يمنح الشرعية لحكم الأمراء والجند الذين استبدوا بالخلافة وسلبوا الخلفاء كل الصلاحيات بل وبطشوا ببعضهم واعتقلوهم. فحتى الإمام الذي تم اختياره اختياراً صحيحاً، يرى الجويني ضرورة عزله لمجرد أن قلوب الناس نفرت منه، ولو كان ذلك دون سبب "فالوجه نصبُ إمام مُطاع" (40)، أي أن الإمام الشرعي من وجهة نظره هو من يفرض طاعته على الناس، والإمام الذي لا يستطيع فرضَ طاعته على الناس يكون كالإمام المأسور في منزلة واحدة (41). ومعلوم أن الجويني عاش في الفترة التي شهدت أوج تسلط الأمراء والسلاطين على الخلافة، حيث شهد نهاية حكم البويهيين لبغداد (447 هـ) وتحكُّم الأمراء السلاجقة بالخلافة، وهو لم يُخفِ ميوله الواضحة للدولة السلجوقية، ولعل آراءه السياسية جاءت انعكاساً لعلاقاته بالسلاجقة وخصوصاً الوزير نظام المُلك. لكنه لم يقبل الفصل بين سلطة الخليفة الدينية وسلطة السلطان الزمنية كما فعل الغزالي، ولم يتنازل عن وحدة السلطة في الإسلام، التي يجب ـ مهما تغيرت الظروف ـ أن تبقى بشقيها السياسي والديني بيد الخليفة. في حين قبِل الغزالي بالواقع السياسي السائد في عصره، والذي كان يقوم على تحكّم السلاطين السلاجقة بالسلطة السياسية تاركين الشوؤن الدينية للخلفاء، فوضع آراءه لتسوِّغ هذا الواقع باعتباره الأنسب للظروف السياسية في ذلك الوقت.
    ولاية العهد
    يرى الجويني أن تولية الإمام العهد لغيره أمر ثابت بإجماع المسلمين، ويستند في ذلك إلى ما فعله أبو بكر عندما عهِد إلى عمر بالخلافة بعده. وهو هنا يفرِّق بين هذا المعنى وبين العهد إلى الابن، الذي يشير فيه إلى أن ثمة خلافاً بين الفقهاء حوله "فمنهم من لم يصحح العقد بتوليته... ومنهم من صحح العقد والعهد، وزكَّى الإمام عن ارتقاب التُّهم.." (42). وهو يرى أن تولية العهد من الإمام إلى ولده صحيحة إذا ثبت أن ولي العهد اجتمعت فيه الصفات المرعية في الإمام وأهمها العدالة، ويكون ذلك بشهادة آخرين غير والده (43). لكنه يستدرك هنا أيضاً فيقول إن "المسألة مظنونة، وليس لها مستند قطعي، ولم أرَ التمسك بما جرى من العهود من الخلفاء إلى بنيهم؛ لأن الخلافة بعد منقرَض الأربعة الراشدين شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق المحض في الإمامة مرفوضاً، وصارت الإمامة مُلكاً عضوضاً" (44).
    من ناحية أخرى يُجيز تولية العهد لأكثر من واحد على الترتيب، شرط أن يكونوا صالحين للأمر، وهو يستشهد بقصة غزوة مؤتة، حين رتب الرسول (ص) أمراء الجيش (45). إلا أنه يعود مـرة أخرى ليتخذ مسلكاً توفيقياً حين يناقش مسألة تولية الخلفاء لأولياء العهود، ويَعتبِر أن من حق ولي العهد الذي تُفضي إليه الخلافة، أن ينقض عهد سلفه ويعهد إلى آخرين، لأنه "صار الوالي المستقلَّ بأعباء الإمامة، والعهد الصادر منه أحق بالإمضاء" (46).

    نصب إمامين في وقت واحد
    يرى الجويني أن الأصل هو أن يكون لجميع المسلمين إمام واحد فقط، لكن إذا طرأت على الدولة ظروف معينة، واستحال معها متابعة الإمام لأحوال المسلمين ووصول أحكامه وأوامره إليهم جميعاً، كانفصال جزء من الدولة، ليس ثمة ما يمنع عنده من تنصيب شخص آخر، شرط أن لا يكون هذا الشخص إماماً بأي شكل من الأشكال، وإنما يأخذ صفة الأمير فقط، ويكون ذلك بصورة مؤقتة، أما إذا "زالت الموانع، واستمكن الإمام من النظر لهم، أذعن الأمير والرعايا للإمام وألقَوْا إليه السَّلَم"(47). لكن الجويني لا يعطينا مثالاً عملياً يمكن أن نرى فيه تأييداً لما ذهب إليه، خصوصاً في مسألة إذعان الأمير للإمام.

    الهوامش

    (1) ابن الجوزي، المنتظم، ج6، ص244 وما يليها / ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص167 / السبكي، طبقات الشافعية، ج3، ص249 / الزركلي، الأعلام، ج4، ص160.
    (2) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 447هـ .
    (3) ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص47.
    (4) ْْْْْْْْْْْابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص278 وما يليها / ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج3، ص168 وما يليها / ياقوت، معجم البلدان، مادة جويْن.
    (5) الجويني، الغياثي، ص18
    (6) نفسه، ص22.
    (7) نفسه، ص22-23.
    (8) نفسه، ص23.
    (9) نفسه، ص24.
    (10) نفسه، ص25.
    (11) نفسه، ص25.
    (12) نفسه، ص26.
    (13) نفسه، ص26.
    (14) نفسه، ص 28 وما يليها.
    (15) عبد العظيم الديب، إمام الحرمين، ص 150.
    (16) الجويني، الغياثي، ص31.
    (17) نفسه، ص36.
    (18) نفسه، ص39.
    (19) نفسه، ص39.
    (20) نفسه، ص40.
    (21) نفسه، ص55.
    (22) نفسه، ص79، 80./ عبد العظيم الديب، إمام الحرمين، ص156.
    (23) الجويني، الغياثي، ص80.
    .
    (24) نفسه، ص81./ عبد العظيم الديب، إمام الحرمين، ص157.
    (25) الجويني، الغياثي، ص80.
    (26) نفسه، ص92.
    (27) نفسه، ص92.
    (28) نفسه، ص92-93.
    (29) نفسه، ص93.
    (30) نفسه، ص95-96.
    (31) نفسه، ص98-99.
    (32) نفسه، ص100 وما يليها.
    (33) نفسه، ص104.
    (34) نفسه، ص104-105.
    (35) نفسه، ص105.
    (36) نفسه، ص106.
    (37) نفسه، ص115-116.
    (38) نفسه، ص116.
    (39) نفسه، ص116.
    (40) نفسه، ص116-117.

    (41) نفسه، ص117.
    (42) نفسه، ص137.
    (43) نفسه، ص138-139.
    (44) نفسه، ص139.
    (45) نفسه، ص139.
    (46) نفسه، ص147.
    (47) نفسه، ص176.[/grade]

  2. جزاك الله خيرا
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •