حكم صرف الزكاة لبني هاشم


سئلت عن حكم إعطاء الزكاة لآل النبي صلى الله عليه وسلم؟
فأقول وبالله التوفيق: اتفقت الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أنه لا يجوز صرف الزكاة لبني هاشم، وهم آل علي، وآل عبّاس، وجعفر، والحارث بن عبد المطلب؛ لصريح الأدلة فيها، ومنها:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لآل محمد إنما هي أوساخ الناس)[في الموطأ 2: 1000، وصحيح مسلم 2: 756]، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم وأنفسهم كما قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}[التوبة: 103]، فهي كغسالة الأوساخ.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: (أخذ الحسن بن علي رضي الله عنه تمرةً من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ كخ. ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)[في صحيح البخاري 2: 542، وصحيح مسلم 2: 756]. قال الإمام النووي: ((هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالماً به، وتقديره: عجبت كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريمه))[ينظر: شرح النوي لمسلم 7: 175، وشرح السيوطي لمسلم 3: 170].
وهذه بعض عبارات فقهاء المذاهب الصريحة في ذلك:
قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي في المبسوط 3: 2: ((لو صرفها إلى هاشمي أو مولى هاشمي وهو يعلم بحاله لا يجوز....وهذا في الواجبات، فأما في التطوعات والأوقاف فيجوز الصرف إليهم، وذلك مروي عن أبي يوسف ومحمد y في النوادر؛ لأن في الواجب المؤدى يطهر نفسه بإسقاط الفرض، فيتدنس المؤدى بمنزلة الماء المستعمل، وفي النفل يتبرّع بما ليس عليه، فلا يتدنس به المؤدى كمن تبرد بالماء)). وينظر: شرح الوقاية 2: 226، واللباب 1: 78، وفيه: ((إن الله تعالى حرم عليهم أوساخ الناس، وعوضهم بخمس خمس الغنيمة)).
وقال الإمام الشيرازي الشافعي في المهذب 1: 308: ((ولا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي)). وينظر: كفاية الأخيار 1: 277.
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في المغني 2: 517: ((لا نعلم خلافاً في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة...)).
هذا هو المعتمد في المذاهب إلا أننا نجد أن بعض فقهاء المذاهب أجاز إعطاءهم الزكاة عند منعهم من حقّهم في الخمس:
قال أبو سعيد الاصطخري الشافعي: ((إن منعوا حقّهم من الخمس جاز الدفع إليهم؛ لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم في خمس الخمس، فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم)) لكن الإمام الشيرازي بيَّن أن المعتمد عدم إعطائهم وإن منعوا من الخمس، فقال في المهذب 1: 308: ((والمذهب الأول؛ لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس)).
وعن الإمام القاضي أبي يوسف : إنه يجوز دفع بعضهم لبعضه، وهو أيضاً رواية عن الإمام أبي حنيفة t.
وروى أبو عصمة عن الإمام أبي حنيفة إنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه؛ لأن عوضها الخمس، وهو خمس الخمس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم، وإيصالها إلى غير مستحقيها، فإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المعوض، وأقرَّه القُهُستاني. كذا في شرح الملتقى. ينظر حاشية الطحطاوي على المراقي 2: 719.
وفي الموسوعة الفقهية 1: 102: ((والمشهور عند المالكية أن محل عدم إعطاء بني هاشم من الزكاة إذا أعطوا ما يستحقونه من بيت المال، فإن لم يعطوا، وأضر بهم الفقر أعطوا منها، وإعطاؤهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم.
وقيده الباجي بما إذا وصلوا إلى حالة يباح لهم فيها أكل الميتة، لا مجرد الضرر، والظاهر خلافه، وأنهم يعطون عند الاحتياج ولو لم يصلوا إلى حالة إباحة أكل الميتة؛ إذ إعطاؤهم أفضل من خدمتهم لذمي أو ظالم...
والظاهر من إطلاق المنع عند الحنابلة أنه تحرم على الآل الصدقة وإن منعوا حقهم في الخمس)).
فحاصل ما سبق إن المذاهب الأربعة اتفقت على عدم جواز صرف الزكاة إلى بني هاشم لصريح النهي النبوي من أنها أوساخ أموال الناس، وهذا عام عند الشافعية والحنابلة سواء أعطوا من الخمس أو لم يعطوا إلا ما قاله الاصطخري من الشافعية، ولكن المالكية قيَّدوا النهي بعد الإعطاء إذا أعطوا الخمس، وإذا لم يأخذوا الخمس فيجوز لهم أخذ الزكاة، وعند الحنفية ورد عن أبي حنيفة جواز إعطائهم الزكاة إن لم يصرف لهم الخمس، وعنه أيضاً وعن أبي يوسف يجوز إعطاء بعضهم لبعض الزكاة. والله أعلم وعلمه أحكم.