صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 46 إلى 54 من 54

الموضوع: إشكالات حول فائدة علم المنطق

  1. #46
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    الأخت أنفال،

    شكراً على حسن تفهّمك

    سأطلب من أخينا الشيخ الفاضل أن يكتب شيئاً عما استفاده من المنطق في التفسير وغيره، فإن كتب شيئاً فسننشره هنا إن شاء الله تعالى.

    أما لماذا يعادون المنطق –وليس المنطق وحده بل وعلم الكلام والمنهج العقليّ برمته- فالجواب ببساطة: لأن معتقداتهم وأفكارهم لا تتوافق معه، فلا بدّ من هدمه وتأسيس منطق جديد يمكنهم بناء ما يعتقدونه عليه. وهذا العداء الذي نراه اليوم للمنطق هو استمرار للعداء التاريخي له، بدءاً من السوفسطائية التي قاومها سقراط وأفلاطون وأرسطو وتلاميذهم، وربما قبل ذلك.

    وفي التاريخ الإسلاميّ وجد من عاداه خوفاً على المسلمين من أن يشوب معتقداتهم الصافية شيء من ضلالات الفلاسفة ودينهم الذي أسسوه على العقل والقول بالطبع والعلّة. ووجد من يعاديه لأن معتقده يتنافى مع المنهج العقليّ كابن تيميّة وبعض الاتجاهات الصوفيّة. ووجد من يعادي الكلام وحده دون المنطق كالفلاسفة الإسلاميين والشيعة اليوم من امتدادات المذاهب الفلسفية الباطنية. والسلفية امتداد لابن تيمية. ولكن في السنوات الأخيرة صاروا يدرسون بعض الكتب المنطقية مع تحفّظهم في بعض المباحث ويشربون تدريسهم بعض النقد له، فهذه مرحلة من مراحل تطورهم... وأنا شخصياً سعيد بذلك، وأتمنى أن يبدأوا عما قريب بدراسة متون عقائد مثل السنوسية والنسفية والخريدة البهية، أتمنى فعلاً أن يفهم السلفيّون حقيقة مذهبهم وحقيقة مذهبنا، ليكون من اختار أن يبقى سلفياً سلفيّاً عن بيّنة لا مجرّد مقلّد أعمى.

    وفي الغرب وقبل أن نرى هذه السوفسطائية الجديدة، نشأت علمانية لا تعادي المنطق بل تعادي الأديان وتدعي أنها لا توافق العقل وساعدهم ما رأوا من التناقض الهائل في المعتقدات المسيحية التي كانت ترعاها الكنيسة. ثمّ جاء الحداثيون وما بعدهم ولا أدري هل بقي احتمالات ليتمظهر فيها الباطل ويظهر بعد هؤلاء أوْ لا...

    ثمّ في الشرق وفي بلاد المسلمين وُجد دائماً الجاهزون لفتح المظلات، كلّما مرّت سحابة في إنكلترا أو فرنسا أو أميركا... فالله المستعان.

    وليتك تسألين الشيخ سعيداً هذا السؤال، وأن يكون لديه وقت ليكتب بعض ما تفيض به لواعجه، فهو خير من يجيبك عن هذا السؤال.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  2. #47
    سيدي الشيخ بلال؛ سلامٌ عليكم و رحمة الله

    لقد وضّحتُ سيدي أني أريد بتساؤلي الفلاسفةَ الكبار/ الطبيعيين. السوفسطائية و علماء أهل السنة كالسيوطي و غيره و السلفيون/المجسمة هؤلاء عداوتهم للمنطق سببها معروف كما قدّمتُ. و معاداة علم الكلام سببها معروف أيضًا. إنما سؤالي عن علم المنطق بالتحديد.

    المهم، قلتم أنّ الفلاسفة الكبار و الطبيعيّين أيضًا لم يختلفوا عنهم، و أقول: قبيحٌ بهم جدًّا حقيقةً إذا عادَوا مذهبًا و ما يتعلّق به قالوا أنه غير مفيد، و لا قيمة له، لمجرّد أنهك عادوه. هذه حجة من لا حجة له، و لا يرضاها لنفسه العاقل. إن كنتَ تعتقد الحقّ، فانقد هذا الذي تزعم أنه بلا فائدة، و وضح لنا -بالضبط- وجه عدم فائدته، و أنه لا يستحق أن يُدرَس، إذا كنتَ فعلًا تعتقد ذلك. أما إن كنتَ جاهلًا بهذا العلم و تقول هذا القول فالمصيبة أعظمُ.

    ليس حسنًا! و لكن هكذا كان على ما يبدو!


    أمّا أن أوجّه السؤال لسيدي الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته- شخصيًّا، فأعتقد -و الله أعلم- أنه يطّلع على موضوعات قسم المنطق و الكلام، خصوصًا إذا كان هو مشاركًا بها حفظه الله من الأساس، إن كان متفرِّغًا لذلك. و الظنّ أنه سيشارك إن وجد في ذلك مصلحة، جزاه الله خيرًا.

    عمومًا ننتظر مشاركة الأخ الكريم شريف عسى أن نخرج بفائدة إن شاء الله!

    جزاك الله خيرًا، و السلام عليكم
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  3. #48
    أمّا أن أوجّه السؤال لسيدي الأستاذ سعيد -أسعد الله مهجته- شخصيًّا، فأعتقد -و الله أعلم- أنه يطّلع على موضوعات قسم المنطق و الكلام، خصوصًا إذا كان هو مشاركًا بها حفظه الله من الأساس، إن كان متفرِّغًا لذلك. و الظنّ أنه سيشارك إن وجد في ذلك مصلحة، جزاه الله خيرًا.
    لا أنسى أن أضيف أن مشاركة الأستاذ سعيد بما ستشتمل عليه من تدقيق و تحقيق ستفرحنا كثيرًا....حفظه الله!
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  4. #49
    قال الأخ شريف:

    قول ديكارت " أنا أفكر اذن أنا موجود" ما رأيك فيه؟

    و هذا الكلام من كتاب تدعيم المنطق للشيخ سعيد فودة و أنصح الأخت الفاضلة به
    فرددتُ:

    قرأتُ كلام تدعيم المنطق للأستاذ سعيد و ذكرتُ ذلك في مشاركتي التي ردّ عليها الشيخ بلال، و أتذكّر كيف نقد الأستاذ سعيد هذا الدليل، و لكني لا أقرّ أن هذا الدليل لا أستطيع نقده النقد الصحيح إلا بدراسة المنطق.
    و ملخَّص ما قاله الأستاذ سعيد خلال نقد دليل الكوجيتو:

    أن ديكارت جعل وجود التفكير علّة لإثبات وجوده، و أنه استعان -بلا شك- بمقدّمة خفية و هي: "و كل من يفكر لا بدّ أن يكون موجودًا"، و هو مصادرة على المطلوب. إذ إن التفكير عارض للذات، و نسبة عارض إلى الذات لا يمكن أن يصحّ إلا بعد التسليم بأن الذات نفسها موجودة. أما ما اعتمد عليه حفظه الله لنقد هذا الدليل فما ورد في كتاب التهذيب للإمام المحقق السعد، قال:

    [و لا بدّ في الموجبة من وجود الموضوع، إما محقّقًا و هي الخارجية، أو مقدّرًا فالحقيقية....] اهـ

    و شرح هذا الكلام الملا عبد الله اليزدي فقال:

    [و لا بد في الموجبة أي في صدقها، و ذلك لأن الحكم في الموجبة بثبوت شيء لشيء، و ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبَت له، أعني الموضوع، فإنما يصدق هذا الحكم إذا كان الموضوع محقّقًا موجودًا إما في الخارج إن كان الحكم بثبوت المحمول له هناك، أو في الذهن كذلك.
    ثم القضايا الحملية المعتبرة في العلوم باعتبار وجود موضوعها لها ثلاثة أقسام. لأن الحكم فيها إما على الموضوع الموجود في الخارج محقّقًا نحو كلّ إنسان حيوان، بمعنى أن كلّ إنسان موجود في الخارج حيوان في الخارج....] اهـ

    أقول -و أنا في مقام تلميذة الأستاذ سعيد!-: أذكر أني فكّرتُ بدليل الكوجيتو قبل ثلاث سنوات، حين أعدتُ قراءة كتاب تدعيم المنطق، و من ضمن ما فكّرتُ فيه أن مقولة "أنا أفكّر، إذن أنا موجود" لا تصحّ دليلا على إثبات وجود الذات، و لكنّا لو قلنا -مثلًا-: أن هناك إنسانًا لا يؤمن بثبوت وجود شخص معيّن كان متخفّيًا وراء الجدار، فقيل له: فإن تكلم و سمعتَ كلامه؟ قال: نعم، فتكلّم الشخص المتخفّي، فقال هذا الإنسان: هذا شيء يصدر منه كلام أدميّ، و كلّ شيء يصدرُ منه كلام آدمي فهو إنسان، إذن هذا الذي تكلّم وراء الجدار إنسان. (لنفترضْ أنّ هذا المثال نُظِم أيامَ ما قبل تكنولوجيا التلفاز و المذياع و غيرهم، باستطاعتي تغيير المثال إلى أفضل منه و لكن هذا الذي خرج معي حاليًّا فلْنبقِه!)
    فهذا الإنسان جعل كلام الشخص المتخفّي علةً لإثبات وجوده، نفس الأمر الذي قاله الأستاذ سعيد حين قرّر دليل الكوجيتو أعلاه، أليس كذلك؟ فكأنّ ديكارت اشتبه عليه الأمر، و كذلك الناس الذين احتفلوا بل انخدعوا بهذا الدليل! لأنهم ربما قاسوا دليل ديكارت على هذا المثال. و في الحقيقة الفرق بين دليل ديكارت و المثال الذي عرضتُه، أنّ في المثال الإنسان يسلّم و يعتقد بالقضية الحقيقية، كما يقول الإمام السعد، بمعنى: أنه كان يقرّ بأن كلّ ما لو وُجِد في الخارج من كلام آدميّ فهو على تقدير وجوده في الخارج لازم لوجود الإنسان، أو نقول: فرعٌ له. يعني هو يقرّها من الأساس، أي: يصدِّق بإمكان وجود الموضوع في الخارج، و يصدّق بوقوعه، و يصدّق بنسبة المحمول إلى الموضوع، حالَ وجود الموضوع، و لكن محلّ طلبه الدليل هو الماصَدق الخارجي، فقط. و لا يكون في هذا شيء من المصادرة على المطلوب. تخيّلوا أن ديكارت حين نظم هذا الدليل كان يقرّ بهذا بل أكثر! و لكن فعله في الحقيقة هو عين المصادرة على المطلوب، لأنه من الأساس لا يقرّ بالقضية لا حقيقية و لا خارجية، هو لا يقرّ بشيء! هكذا ينبغي أن نعتقد! فإن كنتَ أصلًا لا تقرّ بوجودك، فكيف تبني إثبات وجودك على وجود نفسك؟ أليس في هذا دور؟ و مشاغبة أيضًا؟
    فالظاهر أن ديكارت يقرّ بوجود نفسه من حيث لا يدري، بل يقرّ بعلومات عديدة من خلال نظمه لهذا الدليل على الأقل كما قدّمتُ، و لكنه بالغ في التعسّف، حين تظاهر بإنكار وجود نفسه، و وقع بما وقع فيه من التخبّط، هذه عاقبة العناد الزائد!

    أنا أعتقد، و الله أعلم، أن لو مزّق الناس عن دليل الكوجيتو سرابيل القداسة و العظمة، و كسروا عن أنفسهم قيد العبودية و الامتثال، و لبسوا نظّارة القراءة، لتبيّن لهم تهافت هذا الدليل، لاأقصد كلّ الناس طبعًا ستلاحظ موضع الغلط في الدليل، أقصد الدّارس المتأمّل بقليل من النظر يستطيعه إن شاء الله حتى لو لم يدرس المنطق. و من جهة أخرى: فوجه مشقة اكتشاف خطأ هذا الدليل أشرتُ إليها آنفًا، أي أن الناس لأنها لم تشكّك قطُ بوجود الإنسان، و كان أمرًا مسلّمًا مقطوعًا به لا يختلف عليه لا صغير و لا كبير، و كانت دائما تستخدم الفرع دليلًا على ثبوت الأصل في الخارج، من أجل ذلك خفي عليها غلط هذا الدليل. و لم تنتبه أنها مقرة بالقضية الحقيقية من الأساس.


    و هذا كمن يقول لمن لا يؤمن بوجود الديناصورات أصلًا، فيقول له واحد: "و لكن ثبت أن الديناصورات تأكل و تتكاثر!! و كل ما كان كذلك فهو موجود." فيردّ عليه: "ما لك يا رجل! هل تتحامق! أقول لك لا أؤمن بوجودها من الأساس تقول أنها تأكل!!" لم يحتج هذا الإنسان لتعلّم المنطق، و الاطلاع على كلام الإمام السعد و شرح التهذيب!! و التفريق بين القضية الخارجية و الحقيقية، و معرفة أن الموجبة لصدقها لا بد من وجود موضوعها إلخ حتى يردّ بهذا الردّ!!

    نعم، ديكارت يختلف عنه في أمرين: أنه هو بنفسه نظم هذا الدليل، فيعسر على من نظم الدليل، و أقرّ به و اعتقد صحّته، و بنى عليه آمال الخروج من الشك إلى اليقين، يصعب عليه أن يكتشف خطأه بسهولة، ثم هناك الجهة التي قلتُها آنفًا، أنّه أصلًا يقرّ بالقضية الحقيقية و إن تظاهر بغير ذلك فاشتبه عليه الأمر.


    فالإنسان الذي في المثال كان صادِقًا صريحًا في ادّعائه أنه لا يؤمن بوجود الديناصورات، أما ديكارت فقد كان معاندًا في إنكاره لوجود نفسه، ربما لذلك لم يستغرب نظم دليله و ضعفه كما فعل هذا الرجل!! ثم نضيف السببين اللذين ذكرتُهما أعلاه.

    و أنا قلتُ للأخ الشريف:

    ربما أعود لدليل ديكارت لاحقآ و أبين كيف أنقده من دون اصطلاحات المناطقة.
    و لكنّي مزجْتُ تعليقي و نقدي بالمصطلحات المنطقية، و لكنّي بالفعل قبل ثلاث سنوات استغرق مني التفكير وقتًا ليس بالقليل، حينُ فكّرتُ التفكير السابق، و حاولتُ تدوين ما أستطيعه من الأفكار حتى تكتمل ملاحظاتي، و مع ذلك لم تكتمل، و السبب: أنّي أحسّ المعاني في نفسي، و لكني لا أعرف لها تعبيرات و ألفاظًا، و من كان يفتقد إلى التعبيرات و الألفاظ، عسُرت عليه عمليّة التفكير، و صعب عليه الترقّي فيه، و هذا أمر معروف. و أنا حين قلتُ:

    و في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)
    ما كنتُ أستصغر هذه الفائدة للمنطق، كما أظن الشيخ بلال يعتقد فيّ، بل على العكس. فالإنسان إذا كانت عنده معانٍ في نفسه (كلام نفسيّ) و لا يعرف لها تعبيرات و اصطلاحات فسيعاني و يتعب للتعبير عما في داخله، كما يحصل معي هذا كثيرًا. فالمنطق أفادني مشكورًِا هذه الاصطلاحات، و ما كنتُ درستُ شرح التهذيب قبل وجود هذه المعاني في نفسي، و لا انتبهتُ جيّدًا إلى عبارة الإمام السعد التي نقلها الأستاذ سعيد في الكتاب، و لكني أمس حين أخذتُ أتذكّر ملاحظتي على دليل الكوجيتو و أنا أعيد قراءة كلام الأستاذ سعيد فيه ربطتُ المعاني التي في نفسي بتعبيرات الإمام السعد و استخدمتُها أعلاه، فالحمد لله على نعمة البيان، هي نعمة مريحة، كما النوم و الأكل و غيرها من النعم التي تزيل الجهد.

    و الله أعلم.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  5. #50
    فائدة علم المنطق لا تخفى على من مارسها.ولو لم يكن فيها أي فائدة لما اشتغل بها العلماء كأمثال الامام الرازي والغزالي والكاتبي والشيخ زكريا الأنصاري والشيخ عليش وووو.......

  6. #51
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راشد بن أحمد بن علي مشاهدة المشاركة
    فائدة علم المنطق لا تخفى على من مارسها.ولو لم يكن فيها أي فائدة لما اشتغل بها العلماء كأمثال الامام الرازي والغزالي والكاتبي والشيخ زكريا الأنصاري والشيخ عليش وووو.......
    أعتقد يا سيدي الكريم راشد أن كلامك قد سبق أن ناقشناه أنا و الشيخ بلال في الصفحة الماضية...فما فائدة ذكره مرة أخرى دون أي إضافة.....
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  7. #52
    سأوضح قولي هذا أكثر:

    في الحقيقة الفائدة التي استفدتها من علم المنطق ترجع إلى استفادة الألفاظ و الاصطلاحات أكثر من المحتوى. (مقدمة، حجة، قياس، مانعة جمع و خلو، مانعة خلو، الخ)
    من كان يفتقد إلى التعبيرات و الألفاظ، عسُرت عليه عمليّة التفكير، و صعب عليه الترقّي فيه.
    نعم، أحترم فعلا قدرة أرسطو العجيبة في اختراع هذا العلم، و استنباط الأشكال و وضع شروط عليها و غير ذلك.
    أنا فعلًا أعتقد أن أرسطو قد أبدع في اختراع هذا العلم، لأنه و إن كانت العديد من الأمور بديهيّة، أي يعلمها الإنسان من دون دراسة المنطق، و بعضها الآخر قريب من البداهة، إلا أن إخراجها من حيّز المعاني، و صياغتها على شكل اصطلاحات و قوالب من الكلام، له فائدة لا تُنكَر، و هو دالّ على نبوغ مخترعها بلا شك. و قريب جدًّا مما فعل أرسطو ما فعله أبو الأسود الدؤلي حين وضع النحو، فالقواعد النحويّة كان يعرفها العرب الفصحاء قبل أبي الأسود الدؤلي، من حيث تطبيقها في كلامهم، بلا حاجة إلى دراسة كتب النحو. و أيضًا الإمام الحجة الشافعي رضي الله عنه حين وضع علم أصول الفقه، فالفقهاء قبله و معه كانوا يقرّون بما أودعه الإمام الشافعي في رسالته و يعرفونها قبل تأليفه لها، و لكنّه حين وضعها الإمام الشافعي لم يقلْ واحد منهم: "ما هذا؟ نحن نعرف كلّ ما قلتَه فما فائدة تأليف هذه الرسالة؟ هذا شيء لا قيمة له، و لا تفيدنا قراءته شيئًا" لم يقل واحدٌ من الأئمة ذلك!! مع أن الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في زمن الإمام الشافعي كثر!! كلهم أثنوا على الرسالة، من بلغته منهم، لا أشك في ذلك لحظة. لماذا؟ لأنه حين تكون هناك قواعد مصاغة بشكل ألفاظ و قوالب، فقرأها و حفظها الإنسان، يسّرت عليه حتمًا ملاحظة معانيها أثناء ممارسة العلم، و أضحت المعاني تتجلّى في ذهن الإنسان بصورة أوضح، و بعدد أكثر، و بشكل أسرع. و صارتْ عملية التفكير العميق و المعقّد أيسر بكثير بتوسّط الاصطلاحات و التعبيرات. كم الألفاظ مفيدة! و هذا طبعًا ينبطق على ما كان مسبوق الجهل بالمعاني و الألفاظ، و كذلك ما كان مسبوق الجهل بالألفاظ و التعبيرات و القواعد فقط، دون المعاني، كالمجتهدين في عصر الشافعي مثلا فيما يخصّ أصول الفقه.


    إلا أن الفرق بين علمَي النحو و أصول الفقه من جهة و المنطق من جهة أخرى، و إن كانوا كلهم علوم آلة، أن المنطق أقرب جدًّا من البداهة منهم بمسافات، بل لا تصح المقارنة أصلًا. لذلك ربما الناس الذين سمعوا بالمنطق أو قرؤوا منها شيئًا يسيرًا أو مروا عليه مرور الكرام لربما انقدح في نفسهم عدم جدواه. و فرقٌ آخر بينهما، أن الناس فسدت ألسنتهم في زمن أبي الأسود الدؤلي، فضلًا عما بعده، فلذلك صار تعلّم النحو أمرًا حتميًّا لمن أراد سلامة لسانه من اللحن، نحن أصلًا لم نعرف ما كان عليه فصحاء العرب إلا من النحو جزاه الله خيرًا. أما أصول الفقه، فهو أخص من المنطق و النحو، إذ لم يكن يعرف الفقه و أدلته الإجمالية منذ عهد الصحابة إلى عهد الإمام الشافعي إلا من بلغ رتبة في العلم و الدين، بخلاف النحو، فقد كان الصحابة مثلًا فقيههم و عامّيهم أيضًا سليمي اللسان (إلا من كان أعجميًّا من الصحابة إن وجد فهذا شيء آخر)، فكانت الحاجة إلى تعلمّ أصول الفقه، عند من أراد تعلم الأدلة الإجمالية للأحكام الشرعية، أشدّ من حاجة من أراد تعلم النحو أو المنطق لسلامة لسانه و عصمة فكره كما لا يخفى. و أما المنطق فهو أعمهم، أقصد، أن مصدرَه هو العقل، الذي هو موجود عند جميع البشر غير المجانين و السفهاء و من يقاس عليهم، بخلاف النحو فمصدره تتبع كلام العرب الفصحاء، و الأصول مصدره تقصّي و استنباط القواعد من خلال ملاحظة نصوص الشريعة. و لا خلاف أن هذا الأمر يحتاج إلى شيء زيادة على العقل، يحتاج إلى الإحاطة بكلام العرب في الأول، و يحتاج إلى العلم التام بنصوص الشريعة و غيرها في الثاني، و هذان الأمران بالطبع لا يوجدان عند كلّ إنسان! لا علمًا ذاتيًّا، و لا اقتدارًا على اختراعها! أمّا الأول فكما قلنا فقد ولّتْ أيام الفصحاء العرب بلا رجعة! و أما الثاني فأخص منهما، فمن هذا الذي يستطيع تتبّع نصوص الشريعة و يعرف الأدلة الإجمالية! أما العقل فالأمر أخف منهما بكثير، لأنه موجود راسخ عند كلّ عاقل سليم الطباع قديمًا و حديثًا. أنا لا أقول أن اختراع العلم و صياغة القوالب و وضع الألفاظ يستطيعه كلّ إنسان!! قصدت: أن كل إنسان لديه الكثير من المعاني المذكورة في المنطق، و يعمل بها لا شعوريًّا أحيانًا كثيرة. ثم لا يخفى على أحد أن الحاجة الأم إلتى ولدت لنا اختراع المنطق الأرسطي هو محاربة السوفسطائية و التي اشتدّ عودها في زمن أرسطو. و السفسطة هي فنّ العناد و قلب الحقائق و جحود الواقع. فالإنسان العاقل لربما لا يستشعر فائدته إذا كان عاقلًا سليم الطباع كما قال الشيخ بلال. و السؤال: ما هي نسبة من كان غير عاقل سليم الطباع بحاجة إلى تعلم المنطق في العالم الناطق بالعربية الآن، إلى من هو جاهل بالنحو و أصول الفقه و محتاج إليهما؟! أكيد الأول نسبته أقل بكثير جدًّا من الثاني بل لا مقارنة لأسباب مضت معنا أعلاه. و أزيد فأقول: كم نسبة الخطأ الذي قد يقع فيه الإنسان في التفكير إذا لم يدرس المنطق في عصرنا هذا، بالمقارنة مع نسبة الخطأ في النطق إذا لم يدرس النحو، و نسبته في استنباط الأحكام الشرعية!! إذا لم يدرس أصول الفقه؟! لا مقارنة أيضًا. و سؤال أخير قريب من السابقَين: ماذا يحصل للعاقل في ملكة النقد عنده و عصمة فكره إذا لم يدرس المنطق، و ماذا يحصل للعاقل في نطقه إذا لم يدرس النحو، و في قدرته على استنباط الأحكام الشرعية!! إذا لم يدرس أصول الفقه؟! أيضًا لا مقارنة.


    و أضيف: تطبيقات النّحو و أصول الفقه واضحة تلوح في الأفق لكلّ من درسهما لا يشكّك في ذلك إلا جاهل بهما، و يستطيع الواحد أن يرى ثمرة هذين العلمين من خلال الكتب التي نتجت المشتملة على التطبيقات النحويّة و الأصولية، و هي كعدد النجوم كثرة. أنا المبتدئة لا أشكك فيها للحظة. أما المنطق -و الكلام صادرٌ من مبتدئة و أمرنا إلى الله- فبعد دراسته لم أجد فيه تطبيقات و فوائد لائحة تضيء الأفق كما يضيئه النحو و أصول الفقه، كلّ ما أعرفه مما يقوّي شوكة المنطق هو اشتغال العلماء الأكابر المحققين به من أهل السنة، و هم من هم في التحقيق و الدقّة و النظر، ثم إقرار الكثير كما يقول الشيخ بلال بجدواه و تصحيحه للفكر و تقوية ملكة النقد. هذا ما عندي شخصيًّا مما يرفع مكانة المنطق عندي، أمّا أن أجد تطبيقات صريحة على المنطق، و التي لولاه ما حصلت و لا نتجتْ، فهذا -للآن- لم أقع عليه. كلّ الذي قرأتُه أسعد فيه من جهة الاصطلاحات و التعبيرات المنطقية التي أحبّها، التي تزيد النقد وضوحًا، و هو مثالٌ واحد الذي رأيتُه فقط لا غير: نقد دليل الكوجيتو عن طريق استخدام المنطق الأرسطي. أما الأمثلة المذكورة في كتب المنطق للمبتدئين، و التي هي مرمى لسهام نقّاد هذا العلم، "كل إنسان حيوان" و أشباهها، و أيضًا الأمثلة التي ذكرها الأخ شريف في هذا الرابط، فهي ليست كافية أبدًا للتدليل على جدوى علم المنطق. ثم إن وجود جودة النقد لا يلغيه عدمُ دراسة المنطق ألبتّة.


    و مع هذا كلّه أقول: على الرغم من ذلك، فإنّ دراسة الاصطلاحات و قوالب القواعد في المنطق لا شكّ أنّها مفيدة. (لا يزعل مني الشيخ بلال!) فكما أسلفتُ فإن الإنسان إذا كانت القواعد مصاغة في ذهنه على شكل ألفاظ و تعبيرات سهل عليه العمل بها و لا شك، و هذا ما أراده الشيخ بلال حين قال: "ولكنا نقول إن من يدرسه فإن ذهنه يتقد ويشحذ ويتوسع إدراكه ويقوى وينعكس ذلك على تفكيره وكلامه" اهـ و النحو في ذلك أشد، و أصول الفقه لمن أراد الاشتغال بالفقه أو مجرّد تعلم الأدلة الإجمالية أشدّ من كليهما.

    و كما قلتُ في مشاركة ماضية فإن الإنسان لن يدرك الفائدة إدراكًا جازمًا إلا إذا جرّب، ربما لأني اقتصرتُ على كتب المبتدئين و لم أرقَ إلى الكتب الموسّعة فلذلك ظننتُ المنطق فائدته قليلة لي!! ربّما إن شاء الله أعدِل عن رأيي في المستقبل!!

    و قد قال الشيخ بلال لي:

    وأخالفك الرأي فأقول إن من لم يدرس المنطق فقد فاته الكثيييير الكثير، وسيفوته الكثير في المستقبل،
    و نحن في نقاش علمي فالظن أن كلمة الشيخ بلال: "الكثيييير الكثير" ليستْ مبالغة منه. و أرجو من الله عزّ وجل أن ندرك هذا الكثير.


    ------------------------------------------------------

    مجرّد محاولة لاكتشاف سبب الهجوم على المنطق!

    إن شاء الله تكون هذه آخر مشاركة لي -اليوم- في هذا الرابط، جهِدتُ حقيقة من الكتابة ثم مراجعة الكتابة ثم مراجعة المراجعة ثم الزيادة ثم الاستدراك.....و هلم جرًّا.
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  8. #53
    مرّ أسبوع تقريبًا على ما كتبتُ و لم يعلِّق أحد...و السبب -على الراجح- أحد أمرين: إما أن كلامي ليس فيه أيّ شيء يستحقّ الرّدّ، لا بالموافقة و لا بالمعارضة، أو أن أغلب روّاد الأصلين لا يهتمّون بالمنطق ذاك الاهتمام الذي يدفعهم إلى المشاركة أو الحوار، أو كلاهما، و كل هذه الأمور محتملة قريبة.


    عمومًا....قال الأخ شريف:


    أعتذر على التطفل و لكن أحببت أن أضرب بعض الأمثلة لتطبيقات المنطق لأن هذا الأمر (فائدة المنطق) شغلني أيضا من قبل
    إن لم يعدْ يشغلك موضوع فائدة المنطق فهل لك تكرّمًا أن توضّح لنا ما الذي تغيّر...أو كيف أدركتَ أنّه ذو فائدة؟
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


  9. #54
    الشيخ الكريم بلال النجار أخبرنا عن أخ فاضل استفاد من علم المنطق كثيرًا و قال:


    سأطلب من أخينا الشيخ الفاضل أن يكتب شيئاً عما استفاده من المنطق في التفسير وغيره، فإن كتب شيئاً فسننشره هنا إن شاء الله تعالى. اهـ

    ليت أحدًا ممن له صلة بالشيخ بلال يذكره بذلك!!

    يعني لا يُعقَل أن ندعو الناس إلى علم لا نرى فيه فائدة ظاهرة مُسفِرة، أو أن ندرِّسَه ....

    من له اهتمام بعلم المنطق في هذا المنتدى -و أعلم أنهم قلة- فنرحب بمشاركته هنا ....
    لا تَجْسُرُ الفُصَحاءُ تُنشِدُ ههُنا * بَيْتاً ولكِنّي الهِزَبْرُ البَاسِلُ


صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •