صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 49

الموضوع: تحرير كلام أئمة أهل السنة-المتقدمين والمتأخرين- في الحكم على أهل الأهواء والبدع

  1. #1

    تحرير كلام أئمة أهل السنة-المتقدمين والمتأخرين- في الحكم على أهل الأهواء والبدع

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد
    فإن الحاجة إلى بيان قول أهل السنة في مسألة التكفير والتبري من أهل الأهواء والبدع مسألة مهمة، لا بد من بيانها، خاصة مع ما انتشر فيها من تعصب وتأويل بلا علم لبعض ما نقل عن المتقدمين، مما قد يستدعي إذا ترك بلا تحقيق ازدياد الفتنة وانقسام أهل السنة.
    وسوف أكتفي بذكر نبذ كافية لطالب الحق النزيه، وأدعو الله تعالى أن يوفقني إلى كتابة رسالة خاصة أفصل فيها في ذكر الأقوال وتحريرها، فالأمر بذلك حقيق.
    والله المستعان، وعليه التكلان، ومنه التوفيق.
    اللهم لا تجعل في كلامنا انحرافا عن الجادة ولا ليا لأعناق الأقوال لما نرغب به أو نهرب عنه، بل أن نكون خاضعين للحق كائنا ما كان.
    هذا ذكر أقوال بعض علماء المذهب الأشعري من المتقدمين والمتأخرين، في مسألة التكفير ‏لأهل الأهواء والبدع من أهل القبلة، بنقل موثق، وبعض التعليقات التي توضح معنى ‏كلمات هؤلاء الأكابر، وتبين حقيقة مواقفهم وأقوالهم. ‏
    وسوف أقتصر على ذكر بعض ما لديَّ في هذا الباب، مهما رأيته كافيا بإذن الله تعالى. ‏

    قال الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/207):"20688 أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا ‏أبو محمد المزني قال سمعت يوسف بن موسى المروروذي سنة خمس وتسعين ومائتين يقول ‏كنا عند أبي إبراهيم المزني بمصر جماعة من أهل خراسان وكنا نجتمع عنده بالليل فنلقي ‏المسألة فيما بيننا ويقوم للصلاة فإذا سلم التفت إلينا فيقول أرأيتم لو قيل لكم كذا وكذا ‏بماذا تجيبونهم ويعود إلى صلاته.‏
    فقمنا ليلة من الليالي فتقدمت أنا وأصحاب لنا إليه فقلنا: نحن قوم من أهل خراسان وقد ‏نشأ عندنا قوم يقولون القرآن مخلوق ولسنا ممن يخوض في الكلام ولا نستفتيك في هذه ‏المسألة إلا لديننا ولمن عندنا لنخبرهم عنك بما تجيبنا فيه. فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق ‏ومن قال إن القرآن مخلوق فهو كافر.‏
    قال الشيخ رحمه الله: فهذا مذهب أئمتنا رحمهم الله في هؤلاء المبتدعة الذين حرموا التوفيق ‏وتركوا ظاهر الكتاب والسنة بأرائهم المزخرفة وتأويلاتهم المستنكرة."اهـ

    أقول: ‏
    أبو محمد المزني هو محمد بن عبد الله المزني وهو من مشايخ الحاكم.‏
    وأما يوسف بن موسى فقد قال الذهبي في تاريخ الإسلام (22/327):"يوسف بن موسى ‏المروروذي القطان حج وحدث بالعراق عن ابن راهويه وأبي معمر القطيعي وأحمد بن ‏صالح المصري وعنه ابن عقدة وأبو بكر الشافعي وجماعة من آخرهم أحمد بن يوسف بن ‏خلاد وثقه الخطيب ومات سنة ثلاث وتسعين."اهـ
    فهذا الخبر فيه نقل إطلاق التكفير على من قال إن القرآن مخلوق، عن أئمة كبار، وليس ‏لأي واحد أن يفهم هذا الإطلاق على ما يراه دون أن يستأنس بأفهام العلماء، بل يرجع ‏فيه إلى العلماء الأعلام الذين هم قادرون على تحقيق مراد هؤلاء المجتهدين.‏
    فإن فهم كلام الأئمة يجب فيه الرجوع إلى أصحابهم الذين عندهم القدرة على تحقيق ‏معانيهم، وتنقيح كلامهم. ‏
    نعم بعد أن يبلغ الواحد في العلم مرتبة فله أن يقول برأيه، إذا اطرد عنده سلامة فهمه، ‏ولهذا ضوابط ليس هنا محل ذكرها. ‏
    ولذلك فإننا سوف نهتم بنقل كلام العلماء في هذا الباب، وإن أضفنا إليه شيء من توضيح ‏أو تبيين، فندعو الله تعالى أن نكون مصيبين، وغالبا ما لن نضيف إلا ما رأيناه عند أكثر ‏من عالم معتمد في قوله وفهمه، ولن نتسرع في فهم أو رأي، دفعا للهوى عن النفس، ‏والتزاما بالطريق الأَسَدِّ.‏
    فهل إطلاق الكفر هنا لا يراد به إلا الكفر المخرج عن الملة، المستلزم للحكم على من ‏كفرته بأنه خالد في النار، وما التفصيل في القول بأن القرآن مخلوق، هل المراد به أن من ‏نفى صفة الكلام يكفر كفرا مخلدا له في النار في الآخرة، أو أنه يتلبس بالبدعة التي يطلق ‏عليها العديد من العلماء اسم الكفر، بل ورد ذلك أيضا في الأحاديث النبوية والشريفة، ‏وكلام المتقدمين. ‏
    وما المراد بأن القرآن كلام الله هل المراد به الحرف والصوت، أو الكلام النفسي القائم ‏بالذات القديم الذي لا يتصف بالحدوث والطروء، ولا التغير، وليس مؤلفا من حرف ‏وصوت..الخ. ‏
    هذه بعض المباحث التي يجب على من يريد البحث في هذه النصوص أن يبحثها ويحققها، ‏ولا شك أن تحرير ذلك يستوجب علما كبيراً، لا يقوم به إلا الأعلام من العلماء، ولذلك ‏فإن علينا الالتزام بأفهامهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، خصوصا إذا كان الفهم مطردا مع ‏القواعد، ومنتشرا بين الأعلام، بلا استنكار.‏
    ولذلك فلنقرأ بعناية ما قاله العلماء. ‏

    يتبع.....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    قال الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/207) بعد نقله للخبر السابق:"وقد سمعت أبا ‏حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول لما قرب ‏حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه الله في داري ببغداد دعاني فقال اشهد علي أني لا ‏أكفر أحدا من أهل هذه القبلة لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد وإنما هذا اختلاف ‏العبارات.‏
    قال الشيخ رحمه الله: فمن ذهب إلى هذا زعم أن هذا أيضا مذهب الشافعي رحمه الله ألا ‏تراه قال في كتاب أدب القاضي: ذهب الناس من تأول القرآن والأحاديث والقياس أو من ‏ذهب منهم إلى أمور اختلفوا فيها فتباينوا فيها تباينا شديدا واستحل فيها بعضهم من بعض ‏ما تطول حكايته وكل ذلك متقادم منه ما كان في عهد السلف وبعدهم إلى اليوم فلم ‏نعلم أحدا من سلف هذه الأمة يقتدي به ولا من التابعين بعدهم رد شهادة أحد بتأويل ‏وإن خطأه وضلله ثم ساق الكلام إلى أن قال وشهادة من يرى الكذب شركا بالله أو ‏معصية له يوجب عليها النار أولى أن تطيب النفس عليها من شهادة من يخفف المأثم فيها ‏قالوا."اهـ

    أقول: أبو حازم العبدوي، يكفي في تعديله أن الإمام البيهقي سماه حافظا.‏
    وقال صاحب المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور (1/401):" أبو حازم العبدوي ‏
    عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه بن سدوس بن علي بن عبد الله بن عبد الله بن عبد ‏الله بن عبيد الله بن مسعود الهذلي العبدوي أبو حازم الحافظ الإمام في صنعة الحديث الثقة ‏الأمين كثير السماع حسن الأصول. ‏
    سمعه أبوه عن جماعة من المتقدمين مثل أبي العباس الصبغي وأبي علي الرفاء الهروي وغيرهما ‏فلم يحدث عنهم تورعا وقال لست أذكرهم فلا أروي عنهم وحدث عمن سمع منهم ‏بخراسان والعراق والحجاز بعد الخمسين والثلاثمائة، فروى عن والده أبي الحسن العبدوي ‏وعن عمه أبي عبد الله وابن نجيد وابن مطر وأبي بكر الإسماعيلي وأبي الفضل بن خميرويه ‏وأبي الحسن السراج وأبي أحمد الغطريفي وأبي الحسين الحجاجي وبشر الأسفرايني وأبي ‏محمد الشيباني وأبي عبد الله العصمي والحسين بن أحمد الصفار وأبي حامد الور وأبي سعيد ‏الخلالي وأبي بكر ابن قريش وأبي الحسن الكارزي الطوسي وطبقتهم.‏
    توفي فجأة ليلة الأربعاء الثاني من شوال سنة سبع عشرة وأربعمائة وصلى عليه الإمام أبو ‏إسحاق الإسفرايني ودفن في مقبرة عاصم جنب والده."اهـ
    وأما زاهر بن أحمد السرخسي فهو إمام في الحديث والفقه والتفسير، وهو من أصحاب ‏الإمام أبي الحسن الأشعري ومن تلامذته الذين استفادوا منه، قال الإمام ابن عساكر في ‏تبيين كذب المفتري:ص128:"وممن صحب الشيخ أبا الحسن ببغداد واستفاد منه من أهل ‏خراسان الشيخ أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي."اهـ
    وقال في العبر في خبر من غبر (3/45) في من توفي في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة:"وأبو ‏علي زاهر بن أحمد السرخسي الفقيه الشافعي أحد الأئمة في ربيع الآخر وله ست ‏وتسعون سنة."اهـ
    أقول: يعني أن عمره كان ثلاثا وثلاثين سنة لما توفي الإمام الأشعري إذا كانت وفاته سنة ‏‏326هـ ، وسبعا وثلاثين سنة إذا توفي الإمام سنة 330هـ. ‏
    أقول: فهذه الكلمة ثابتة عن الإمام الأشعري، وممن حكم بثبوتها الذهبي في سير أعلام ‏النبلاء (15/88)، والبيهقي وابن عساكر كما سيأتي قريبا.‏
    وتدل دلالة أكيدة على أن الإمام الأشعري كان يقول بالتكفير ثم أشهد قبل موته أنه ‏تراجع عن التكفير إلى التبديع، وليس بالضرورة أن يكون تراجعه في ذلك الوقت تماما، ‏أعني قبيل وفاته، بل قد يكون قبل ذلك بمدة، ولكن لاشتهار طريقته السابقة ومعرفة الناس ‏بها، أراد أن يؤكد أنه تراجع عنها فأشهد عليها بعض أصحابه، وربما فعل ذلك ليؤكد ‏على هذه القاعدة التي رجع إليها. ‏
    وشهادته هذه بمنزلة الطلب من هذا التلميذ -الذي صار إماما كبيرا بعد ذلك كما ذكرنا- ‏لأن يرويها عن الإمام الأشعري رضي الله عنه، وهذا ما فعله.‏
    إذن هذه الرواية عن الإمام الأشعري تدل على ما قلناه، وهو عين ما فهمه منها الإمام ‏البيهقي، والإمام ابن عساكر، وغيرهما من كبار العلماء كما سنوضح. ‏
    ولذلك اجتمعت كلمتهم على رواية هذين القولين، وصار هذا مشهورا، ولكن الذي يلزم ‏معرفته أن آخر قوليه هو عدم التكفير. ‏
    ولا يستلزم هذا أن جميع أصحابه قد اختاروا ما اختاره آخرا، بل قد يبقى بعضهم على ‏التكفير لأصحاب الأهواء، وقد يختار البعض منهم عدم التكفير، وهذا هو ما حصل ‏بالضبط، ولذلك اشتهر هذان الطريقان في المذهب الأشعري كما سننقله عن العلماء. ‏
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 12-04-2007 الساعة 23:12
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    وقال الإمام البيهقي في سننه الكبرى (10/207):"والذي روينا عن الشافعي وغيره من ‏الأئمة من تكفير هؤلاء المبتدعة فإنما أرادوا به كفرا دون كفر وهو كما قال الله عز وجل ‏‏(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال ابن عباس: إنه ليس بالكفر الذي ‏تذهبون إليه إنه ليس بكفر ينقل عن ملة ولكن كفر دون كفر.‏
    قال الشيخ رحمه الله: فكأنهم أرادوا بتكفيرهم ما ذهبوا إليه من نفي هذه الصفات التي ‏أثبتها الله تعالى لنفسه وجحودهم لها بتأويل بعيد مع اعتقادهم إثبات ما أثبت الله تعالى، ‏فعدلوا عن الظاهر بتأويل، فلم يخرجوا به عن الملة وإن كان التأويل خطأ، كما لم يخرج ‏من أنكر إثبات المعوذتين في المصاحف كسائر السور من الملة لما ذهب إليه من الشبهة، ‏وإن كانت عند غيره خطأ.‏
    والذي روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله‎:‎‏ (القدرية مجوس هذه الأمة) إنما ‏سماهم مجوسا لمضاهاة بعض ما يذهبون إليه مذاهب المجوس في قولهم بالأصلين وهما النور ‏والظلمة؛ يزعمون أن الخير من فعل النور وأن الشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية، كذلك ‏القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله تعالى خالق الخير والشر والأمران معا ‏منضافان إليه خلقا وإيجادا [و]إلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا.‏
    هذا قول أبي سليمان الخطابي رحمه الله على الخير.‏
    وقال أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي فيما ‏
    ‏20689 أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عنه في الدليل على أن القدرية مجوس هذه الأمة: إن ‏المجوس قالت خلق الله بعض هذه الأعراض دون بعض خلق النور ولم يخلق الظلمة وقالت ‏القدرية خلق الله بعض الأعراض دون بعض خلق صوت الرعد ولم يخلق صوت المقدح ‏وقالت المجوس إن الله لم يخلق الجهل والنسيان وقالت القدرية إن الله لم يخلق الحفظ والعلم ‏والعمل وقالت المجوس إن الله لا يضل أحدا وقالت القدرية مثله وقد قال الله عز وجل ‏يضل من يشاء وقال يريد أن يغويكم.‏
    قال الشيخ رحمه الله وإنما سماهم مجوس لهذه المعاني أو بعضها وأضافهم مع ذلك إلى ‏الأمة."اهـ


    أقول: إن الإمام البيهقي يوضح هنا أن القول الذي قال به الإمام الأشعري من عدم ‏التكفير إنما هو عين ما كان الإمام الشافعي يقوله. وأوضح أن ما نقل عن الشافعي وعن ‏غيره من الأئمة، فلم لا يكون مرادهم منه التكفير بمعنى كفر دون كفر، والمقصود به البدعة، ‏والتفسيق، وسنرى أن البيهقي يرجح هذا تحقيقا لقول الشافعي، فإن لم يكن المخالف في أصول المذهب كافرا، فإنه يكون مبتدعا. وتوجد هنا تفاصيل قد ننقلها قريبا، وإن كان ‏الخلاف في مسائل ليست بأصلية وإن اختارها أئمة المذهب فقد يكون الخلاف لا يستلزم ‏التبديع أصلا، كما هو النزاع بين الأصحاب في بعض المسائل المعلومة، وسوف نشير إلى ‏بعضها فيما يأتي. ‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    قال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار (7/429):"كلام الشافعي رحمه الله في كتاب ‏أدب القاضي يدل على أنه كان يذهب إلى قبول شهادتهم إلا أن يكون منهم من يعرف ‏باستحلال شهادة الزور على الرجل لأنه يراه حلال الدم والمال فترد شهادته بالزور أو ‏يكون منهم من يستحل الشهادة للرجل إذا وثق به فيحلفه له حقه ويشهد له بالبت به ولم ‏يحضره ولم يسمعه فترد شهادته من قبل استحلاله للشهادة بالزور أو يكون منهم من يباين ‏الرجل المخالف مباينة العداوة له فترد شهادته من جهة العداوة ثم ساق الكلام إلى أن قال ‏وأيهم سلم من هذا أجزت شهادته وشهادة من يرى الكذب شركاً بالله أو معصية له ‏وتوجب عليها النار أولى أن تطيب النفس عليها من شهادة من يخفف المأثم فيها وكأنه لا ‏يرى بكفرهم وقد حكينا عنه وعن غيره من أئمة الدين أنهم كفروا القدرية ومن أنكر ‏منهم صفات الله الذاتية نحو الكلام والعلم والقدرة فكأنه أراد بالتكفير مما ذهبوا إليه ‏من نفي هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه في كتابه وجحودهم لها بتأويل بعيد ‏ولم يرد كفراً يخرجون به عن الملة لاعتقادهم إثبات ما أثبت الله في الجملة وإن كانوا ‏تركوا هذا الأصل في بعض ما ذهبوا إليه يشبه فأخطأوا كما لم يخرج عن الملة من أنكر ‏إثبات المعوذتين في المصاحف كسائر السور لما ذهب إليه من الشبهة والله أعلم ‏
    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله القدرية مجوس هذه الأمة فإنما سماهم ‏مجوس لمضاهاة بعض ما يذهبون إليه مذاهب المجوس وقد روي عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم أنه قال وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. "اهـ


    أقول: وانظر إلى المعنى الذي حمل عليه الإمام البيهقي ما ورد عن الإمام الشافعي وغيره من ‏الأئمة من التكفير لبعض أهل الأهواء كالقدرية ومن أنكر الصفات الذاتية بأنه كفر دون ‏كفر، أي إنه تبديع لهم، وهو فسق ومعصية لا شك في ذلك. ‏
    وعلى ذلك يمكن أن يحمل العديد من الأقوال الثابتة عن المتقدمين بكفر بعض أهل ‏الأهواء. ‏


    قال الإمام البيهقي في معرفة السنن والآثار (7/429):"قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ‏فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجين من الدين إذ النبي صلى الله عليه ‏وسلم جعلهم كلهم من أمته وأن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله ‏
    قال أحمد وسمعت أبا حازم العبدوي الحافظ يقول سمعت أبا علي زاهر بن أحمد السرخسي ‏يقول لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه الله في داري ببغداد دعاني فأتيته ‏فقال اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل هذه القبلة لأن الكل يشيرون إلى معبود ‏واحد وإنما هذا كله اختلاف العبارات.‏قال الشافعي: وإن كانوا هكذا –يعني أهل الأهواء- فاللاعب بالشطرنج وإن كرهنا له ‏وبالحمام وإن كرهنا له أخفُّ حالا بما لا يحصى ولا يقدر. فأما إن قامر رجل بالحمام أو ‏بالشطرنج رددنا شهادته."اهـ


    أقول: وقد تكلم الإمام الشافعي على حكم اللعب بالشطرنج وغيرها في الأم (6/224) ‏طبعة دار الفكر، ثم قال:"ومن لعب بشيء من هذا على الاستحلال لم ترد شهادته."اهـ ‏وهذا قسم من النص الذي نقله عنه الإمام البيهقي فهو عدل في نقله، ثقة في فهمه.‏
    وها أنا أسوق إليكم كلام الإمام الشافعي الذي تكلم عليه ونقل منه الإمام البيهقي وهو ‏ثقة في نقله عدل في فهمه، لكنَّ الاطلاع على كلام الإمام من مصدره الأصلي يزيد في ‏علم القارئ، وزيادة تأكده مما يقال لكي لا يتطرق إلى وهمه إمكان خلل في النقل بعد ‏السلامة من الخلل في الفهم على نحو العلماء الأعلام الذي نقلنا عنهم فهمهم لكلام الإمام ‏الشافعي. ‏


    فقد قال رضي الله تعالى عنه في الأم (6/222):" ما تَجُوزُ بِهِ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ‏
    ‏- قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَهَبَ الناس من تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ أو من ‏ذَهَبَ منهم إلَى أُمُورٍ اخْتَلَفُوا فيها فَتَبَايَنُوا فيها تَبَايُنًا شَدِيدًا وَاسْتَحَلَّ فيها بَعْضُهُمْ من ‏بَعْضٍ ما تَطُولُ حِكَايَتُهُ وكان ذلك منهم مُتَقَادِمًا منه ما كان في عَهْدِ السَّلَفِ وَبَعْدِهِمْ ‏إلَى الْيَوْمِ فلم نَعْلَمْ أَحَدًا من سَلَفِ هذه الْأُمَّةِ يُقْتَدَى بِهِ وَلَا من التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ رَدَّ ‏شَهَادَةَ أَحَدٍ بِتَأْوِيلٍ وَإِنْ خَطَّأَهُ وَضَلَّلَهُ وَرَآهُ اسْتَحَلَّ فيه ما حُرِّمَ عليه وَلَا رَدَّ شَهَادَةَ أَحَدٍ ‏بِشَيْءٍ من التَّأْوِيلِ كان له وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ وَإِنْ بَلَغَ فيه اسْتِحْلَالَ الدَّمِ وَالْمَالِ أو الْمُفَرِّطِ من ‏الْقَوْلِ وَذَلِكَ أَنَّا وَجَدْنَا الدِّمَاءَ أَعْظَمَ ما يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى بها بَعْدَ الشِّرْكِ وَوَجَدْنَا ‏مُتَأَوِّلِينَ يَسْتَحِلُّونَهَا بِوُجُوهٍ وقد رَغَّبَ لهم نُظَرَاؤُهُمْ عنها وَخَالَفُوهُمْ فيها ولم يَرُدُّوا ‏شَهَادَتَهُمْ بِمَا رَأَوْا من خِلَافِهِمْ فَكُلُّ مُسْتَحِلٍّ بِتَأْوِيلٍ من قَوْلٍ أو غَيْرِهِ فَشَهَادَتُهُ مَاضِيَةٌ لَا ‏تُرَدُّ من خَطَأٍ في تَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قد يَسْتَحِلُّ من خَالَفَهُ الْخَطَأَ إلَّا أَنْ يَكُونَ منهم من ‏يُعْرَفُ بِاسْتِحْلَالِ شَهَادَةِ الزُّورِ على الرَّجُلِ لِأَنَّهُ يَرَاهُ حَلَالَ الدَّمِ أو حَلَالَ الْمَالِ فَتُرَدُّ ‏شَهَادَتُهُ بِالزُّورِ أو يَكُونَ منهم من يَسْتَحِلُّ أو يَرَى الشَّهَادَةَ لِلرَّجُلِ إذَا وَثِقَ بِهِ فَيَحْلِفُ ‏له على حَقِّهِ وَيَشْهَدُ له بِالْبَتِّ ولم يَحْضُرْهُ ولم يَسْمَعْهُ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ من قِبَلِ اسْتِحْلَالِهِ ‏الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ أو يَكُونَ منهم من يُبَايِنُ الرَّجُلَ الْمُخَالِفَ له مُبَايَنَةَ الْعَدَاوَةِ له فَتُرَدُّ ‏شَهَادَتُهُ من جِهَةِ الْعَدَاوَةِ فَأَيُّ هذا كان فِيهِمْ أو في غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُنْسَبُ إلَى هَوًى ‏رَدَدْت شَهَادَتَهُ وَأَيُّهُمْ سَلِمَ من هذا أَجَزْت شَهَادَتَهُ وَشَهَادَةَ من يَرَى الْكَذِبَ شِرْكًا بِاَللَّهِ ‏أو مَعْصِيَةً له يُوجِبُ عليها النَّارَ أَوْلَى أَنْ تَطِيبَ النَّفْسُ عليها من شَهَادَةِ من يُخَفِّفُ الْمَأْثَمَ ‏عليها وَكَذَلِكَ إذَا كَانُوا مِمَّا يَشْتُمُ قَوْمًا على وَجْهِ تَأْوِيلٍ في شَتْمِهِمْ لَا على وَجْهِ الْعَدَاوَةِ ‏وَذَلِكَ أَنَّا إذَا أَجَزْنَا شَهَادَتَهُمْ على اسْتِحْلَالِ الدِّمَاءِ كانت شَهَادَتُهُمْ بِشَتْمِ الرِّجَالِ أَوْلَى أَنْ ‏لَا تُرَدَّ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ في الْوَجْهَيْنِ وَالشَّتْمُ أَخَفُّ من الْقَتْلِ فَأَمَّا من يَشْتُمُ على الْعَصَبِيَّةِ أو ‏الْعَدَاوَةِ لِنَفْسِهِ أو على ادِّعَائِهِ أَنْ يَكُونَ مَشْتُومًا مُكَافِئًا بِالشَّتْمِ فَهَذِهِ الْعَدَاوَةُ لِنَفْسِهِ وَكُلُّ ‏هَؤُلَاءِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَمَّنْ شَتَمَهُ على الْعَدَاوَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ من أَهْلِ الْفِقْهِ يَسْأَلُ عن الرَّجُلِ ‏من أَهْلِ الحديث فيقول كُفُّوا عن حَدِيثِهِ وَلَا تَقْبَلُوا حَدِيثَهُ لِأَنَّهُ يَغْلَطُ أو يحدث بِمَا لم ‏يَسْمَعْ وَلَيْسَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ عَدَاوَةٌ فَلَيْسَ هذا من الْأَذَى الذي يَكُونُ بِهِ الْقَائِلُ لِهَذَا فيه ‏مَجْرُوحًا عنه لو شَهِدَ بهذا عليه إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بِعَدَاوَةٍ له فَتُرَدَّ بِالْعَدَاوَةِ لَا بهذا الْقَوْلِ ‏وَكَذَلِكَ إنْ قال إنَّهُ لَا يُبْصِرُ الْفُتْيَا وَلَا يَعْرِفُهَا فَلَيْسَ هذا بِعَدَاوَةٍ وَلَا غِيبَةٍ إذَا كان يَقُولُهُ لِمَنْ ‏يَخَافُ أَنْ يَتَّبِعَهُ فَيُخْطِئَ بِاتِّبَاعِهِ وَهَذَا من مَعَانِي الشَّهَادَاتِ وهو لو شَهِدَ عليه بِأَعْظَمَ من ‏هذا لم يَكُنْ هذا غِيبَةٌ إنَّمَا الْغِيبَةُ أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالْأَمْرِ لَا بِشَهَادَتِهِ لِأَحَدٍ يَأْخُذُ بِهِ منه حَقًّا في حَدٍّ ‏وَلَا قِصَاصٍ وَلَا عُقُوبَةٍ وَلَا مَالٍ وَلَا حَدٍّ لِلَّهِ وَلَا مِثْلُ ما وَصَفْت من أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِعُيُوبِهِ ‏فَيَنْصَحَهُ في أَنْ لَا يَغْتَرَّ بِهِ في دِينِهِ إذَا أَخَذَ عنه من دِينِهِ من لَا يُبْصِرُهُ فَهَذَا كُلُّهُ مَعَانِي ‏الشَّهَادَاتِ التي لَا تُعَدُّ غِيبَةً قال وَالْمُسْتَحِلُّ لِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالْمُفْتِي بها وَالْعَامِلُ بها مِمَّنْ ‏لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَكَذَلِكَ لو كان مُوسِرًا فَنَكَحَ أَمَةً مُسْتَحِلًّا لِنِكَاحِهَا مُسْلِمَةً أو مُشْرِكَةً لِأَنَّا ‏نَجِدُ من مُفْتِي الناس وَأَعْلَامِهِمْ من يَسْتَحِلُّ هذا وَهَكَذَا الْمُسْتَحِلُّ الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ ‏وَالدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ وَالْعَامِلُ بِهِ لِأَنَّا نَجِدُ من أَعْلَامِ الناس من يُفْتِي بِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ ‏وَيَرْوِيه وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِلُّ لِإِتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ فَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا مَكْرُوهٌ مُحَرَّمٌ وَإِنْ ‏خَالَفْنَا الناس فيه فَرَغِبْنَا عن قَوْلِهِمْ ولم يَدْعُنَا هذا إلَى أَنْ نَجْرَحَهُمْ وَنَقُولَ لهم إنَّكُمْ حَلَّلْتُمْ ‏ما حَرَّمَ اللَّهُ وَأَخْطَأْتُمْ لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ عَلَيْنَا الْخَطَأَ كما نَدَّعِيه عليهم وَيَنْسِبُونَ من قال قَوْلَنَا ‏إلَى أَنَّهُ حَرَّمَ ما أَحَلَّ اللَّهُ عز وجل."اهـ ‏


    أقول: وأما كلام الإمام أبي سليمان الخطابي الذي أشار إليه الإمام البيهقي
    فقد رواه عنه ‏الإمام البيهقي في السنن الكبرى (10/208) قال:"وقد أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد ‏الروذباري في كتاب السنن أنبأ أبو بكر محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا وهب بن بقية عن ‏خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى ‏على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.‏
    قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله فيما بلغني عنه: قوله ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ‏فرقة فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجين من الدين إذ النبي صلى الله عليه ‏وسلم جعلهم كلهم من أمته وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله. ‏
    قال الشيخ رحمه الله: ومن كفر مسلما على الإطلاق بتأويل لم يخرج بتكفيره إياه بالتأويل ‏عن الملة فقد مضى في كتاب الصلاة في حديث جابر بن عبد الله في قصة الرجل الذي ‏خرج من صلاة معاذ بن جبل فبلغ ذلك معاذا فقال منافق ثم إن الرجل ذكر ذلك للنبي ‏صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزد معاذا على أن أمره بتخفيف ‏الصلاة وقال أفتان أنت لتطويله الصلاة وروينا في قصة حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب ‏إلى قريش بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح أن عمر رضي الله عنه قال يا ‏رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد ‏بدرا ولم ينكر على عمر رضي الله عنه تسميته بذلك إذ كان ما فعل علامة ظاهرة على ‏النفاق وإنما يكفر من كفر مسلما بغير تأويل."اهـ


    أقول: والكلام الذي نقله البيهقي عن الخطابي تجده في معالم السنن (4/272) من طبعة دار ‏الكتب العلمية. [مع التنبيه على وجود خطا طباعي في النسخة التي طبعتها دار الكتب ‏العلمية إذ ورد النص فيها كما يلي:"....فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها خارجة من ‏الدين إذ قد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم‏ كلهم من أمته، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ ‏في تأويله."اهـ ، وحقُّ العبارة كما لا يخفى أن تكون:"فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها ‏غير خارجة من الدين...الخ) فهو المناسب لسياقه وتعليله ولما بعده، ثم هو المناسب لما ‏نقلناه عن الإمام البيهقي رحمه الله تعالى.]‏

    يتبع إن شاء الله ....
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 13-04-2007 الساعة 23:27
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    قال الإمام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (1/148):"باب ما وصف من مجانبته –أي ‏الإمام الأشعري- لأهل البدع وجهاده وذكر ما عرف من نصيحته للأمة وصحة اعتقاده ‏
    أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بنيسابور قال سمعت الأستاذ أبا القسم ‏عبد الملك بن هوازن القشيري يقول سمعت الأستاذ الشهيد أبا علي الحسن بن علي الدقاق ‏رحمه الله يقول: سمعت أبا علي زاهر بن أحمد الفقيه رحمه الله يقول مات أبو الحسن ‏الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري وكان يقول شيئا في حال نزعه من داخل حلقه ‏فأدنيت إليه رأسي وأصغيت إلى ما كان يقرع سمعي فكان يقول لعن الله المعتزلة موهوا ‏ومخرقوا.‏
    سمعت الشيخين أبا محمد عبد الجبار ابن أحمد بن محمد البيهقي الفقيه وأبا القاسم زاهر بن ‏طاهر المعدل بنيسابور يقولان سمعنا الشيخ أبا بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي يقول ‏سمعت أبا حازم عمر بن أحمد العبدوي الحافظ يقول سمعت أبا علي زاهر بن أحمد ‏السرخسي يقول لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري رحمه الله في داري ببغداد ‏دعاني فأتيته فقال اشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل هذه القبلة لأن الكل يشيرون إلى ‏معبود واحد وإنما هذا كله اختلاف العبارات."اهـ


    أقول: واعلم أن كل هؤلاء الأعلام الذين رووا هذه الكلمات عن الإمام الأشعري، لم ‏يعترضوا عليها، ومنهم الإمام القشيري أبو القاسم، والإمام البيهقي، وأبو علي الدقاق....‏

    ثم قال الإمام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص409:"فان قلد الأهوازي المعتزلة ‏وأطلق القول بتكفيره لشدة جهله فإن الأشعري كان لا يرى تكفيره ولا تكفير أحد من ‏أهل القبلة لسعة فضله وقد تقدمت عنه في ذلك حكاية زاهر بن أحمد وهي الحكاية التي ‏ينبغي أن يصار إليها في التكفير ويعمد لأنه القول الأخير الذي مات عليه وأكثر المحققين ‏من أصحابه ذهب إليه."اهـ

    أقول: ‏
    ويفهم من هذا الكلام أمور: ‏
    أن الإمام الأشعري مات على القول بعدم تكفير أحد من أهل القبلة، وأهل القبلة يندرج ‏فيهم أهل الأهواء من المعتزلة والمشبهة وغيرهم، وإن فصل علماء الأشاعرة في هذا ‏الإطلاق كما سنورده، فبعضهم استثنى المجسم الصريح والقائل بعدم علم الله تعالى بما ‏سيكون ونحو ذلك لأنه لا يقال عليه إنه تأويل وشبهة ، بل انحراف عن النص الصريح. ‏وسنفصل في أقوالهم في ذلك لاحقا إن شاء الله تعالى. ‏
    وقد قرر الإمام ابن عساكر أن هذا القول قد ذهب إليه أكثر المحققين من أصحابه، أي من ‏أصحاب الإمام الأشعري. ‏
    ويفهم من هذا أن الإمام الأشعري كان يذهب قبل ذلك إلى تكفير بعض أهل القبلة من ‏أهل الأهواء الذين ذكرناهم، وهذا ما يفهم من قول ابن عساكر:" وقد تقدمت عنه في ذلك حكاية زاهر بن أحمد وهي الحكاية التي ‏ينبغي أن يصار إليها في التكفير ويعمد لأنه القول الأخير الذي مات عليه وأكثر المحققين ‏من أصحابه ذهب إليه."اهـ، فمعنى ‏ذلك أنه كان يذهب إلى خلاف ذلك من قبل. ‏
    ويؤخذ أيضا من قول ابن عساكر أن بعض أصحاب الإمام الأشعري، وبعض المحققين ‏منهم من ذهب إلى تكفير أهل الأهواء أو بعضهم، فأخذ بقول الإمام الأشعري السابق. ‏
    إذن هذا نص صريح في أن للإمام الأشعري قولين، الأول هو التكفير والثاني عدم التكفير، ‏بل التبديع، ويفهم التبديع من لعنه للمعتزلة في الرواية التي سقناها سابقا عنه رحمه الله ‏تعالى، وهي قوله:" لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا"اهـ. فأقل ما يكون عليه اللعن ‏التبديع، ولما نفى التكفير، ثبت التبديع لهم، ولا يصح تسويتهم بأهل السنة في الاعتقاد ‏وحقيته، ثم إن هذا الكلام لم يأخذه بعض العلماء على إطلاقه، بل قيدوه كما سنرى.‏
    ثم تأمل في هذا النص العظيم الفائدة لتعلم مكانة الإمام الأشعري رحمه الله تعالى. ‏
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 13-04-2007 الساعة 23:01
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. #6
    قال الإمام ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (1/148):"كتب إلي الشيخ أبو القسم ‏نصر بن نصر الواعظ يخبرني عن القاضي أبي المعالي بن عبد الملك وذكر أبا الحسن ‏الأشعري فقال: نضر الله وجهه وقدس روحه فإنه نظر في كتب المعتزلة والجهمية والرافضة ‏وإنهم عطلوا وأبطلوا فقالوا: لا علم لله ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا بقاء ولا ‏إرادة.‏
    وقالت الحشوية والمجسمة والمكيفة المحددة: أن لله علما كالعلوم وقدرة كالقدر وسمعا ‏كالأسماع وبصرا كالأبصار، فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما، فقال: إن لله سبحانه ‏وتعالى علما لا كالعلوم وقدرة لا كالقدر وسمعا لا كالأسماع وبصرا لا كالأبصار.‏
    وكذلك قال جهم بن صفوان: العبد لا يقدر على إحداث شيء ولا على كسب شيء. ‏
    وقالت المعتزلة: هو قادر على الإحداث والكسب معا.‏
    فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: العبد لا يقدر على الإحداث ويقدر على ‏الكسب ونفى قدرة الإحداث وأثبت قدرة الكسب. ‏
    وكذلك قالت الحشوية المشبهة: أن الله سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر ‏المرئيات. ‏
    وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك رضي الله ‏عنه طريقة بينهما.‏
    فقال: يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف كما يرانا هو سبحانه وتعالى وهو غير ‏محدود ولا مكيف، فكذلك نراه وهو غير محدود ولا مكيف فكذلك نراه وهو غير محدود ‏ولا مكيف وكذلك قالت النجارية إن الباري سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا ‏جهة.‏
    وقالت الحشوية والمجسمة إنه سبحانه حال في العرش وأن العرش مكان له وهو جالس عليه ‏فسلك طريقة بينهما فقال كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان وهو ‏بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه وقالت المعتزلة له يد يد قدرة ونعمة ووجهه وجه ‏وجود.‏
    وقالت الحشوية يده يد جارحة ووجهه وجه صورة فسلك رضي الله عنه طريقة بينهما ‏فقال يده يد صفة ووجهه وجه صفة كالسمع والبصر وكذلك قالت المعتزلة النزول نزول ‏بعض آياته وملائكته والإستواء بمعنى الاستيلاء وقالت المشبهة والحشوية النزول نزول ذاته ‏بحركة وانتقال من مكان إلى مكان والاستواء جلوس على العرش وحلول فيه فسلك رضي ‏الله عنه طريقة بينهما فقال النزول صفة من صفاته والاستواء وكذلك قالت المعتزلة كلام ‏الله مخلوق مخترع مبتدع وقالت الحشوية المجسمة الحروف المقطعة والأجسام التي يكتب ‏عليها والألوان التي يكتب بها وما بين الدفتين كلها قديمة أزلية فسلك رضي الله عنه طريقة ‏بينهما فقال القرآن كلام الله قديم غير مغير ولا مخلوق ولا حادث ولا مبتدع فأما الحروف ‏المقطعة والأجسام والألوان والأصوات والمحدودات وكل ما في العالم من المكيفات مخلوق ‏مبتدع مخترع...."اهـ وكلامه هناك نفيس جدا فانظره.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. #7
    وقال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (1/409):""فأما الأصحاب فإنهم مع اختلافهم ‏في بعض المسائل مجمعون على ترك تكفير بعضهم بعضا بخلاف من عداهم من سائر ‏الطوائف وجميع الفرق فإنهم حين اختلفت بهم مستشنعات الأهواء والطرق كفر بعضهم ‏بعضا ورأى تبريه ممن خالفه فرضا وظهرت منهم أمارات المعاداة والتباغض كما عرف من ‏فرق المعتزلة والخوارج والروافض وما ذلك إلا من أمر الله عز وجل عليهم وإحسانه في ‏الائتلاف مع وجود الإختلاف إليهم."اهـ
    أقول: فتأمل بعد كيف يتناول طائفة منتسبون إلى الأشاعرة غيرهم من الأشاعرة بالتكفير ‏ويعتبرون أنفسهم مجاهدين في سبيل الله تعالى وقائمين بالحق، واستغرب ما شئت! ‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8
    كلام الإمام بدر الدين الزركشي (ت 794هـ): ‏
    وقد زعم بعض الناس أن الإمام الزركشي قال بأن الإجماع قد وقع على كفر من قال ‏بالتشبيه هكذا على الإطلاق، بلا تفصيل بين المشبه الصريح وبين من يلزمه ذلك لزوما، ‏ولا فرق بين اللزوم البين وغير البين، ولا هو فاهم لهذه التفاصيل. ‏
    وقد استند في قوله إلى كلمة وردت في كتاب تشنيف المسامع للإمام الزركشي وهو شرح ‏لجمع الجوامع، مختصر الأصول المشهور الذي ألفه الإمام تاج الدين السبكي، حيث قال ‏الإمام الزركشي (4/648
    ):"ونقل صاحب "الخصال" من الحنابلة عن أحمد أنه قال:من ‏قال جسم لا كالأجسام كفر. ونُقل عن الأشعرية أنه يفسق. وهذا النقل عن الأشعرية ‏ليس بصحيح."اهـ
    وشرع هذا الزاعمُ بعد ذلك في نفي كل كلمة تُنْقَلُ عن إمام يستفاد منها خلاف ما زعمه ‏من إجماع، فإن لم يستطع نفيها، زعم أنها مدسوسة على ذلك الإمام المشهور، ولم يهتم ‏لكون تلك الكتب التي وردت فيها هذه الكلمات الموافقة لما يخالف ما زعمه كتب ‏مشهورة، وعليها الفتوى عند الشافعية وغيرهم من الفقهاء، ولو عرف في كم كتاب وقع ‏مثل هذا المعنى لاستخفَّ عقله حين زعم دسَّها، ولكنه التعصب الأعمى!‏
    واحتج هذا المتشدد بقول الزركشي:"وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح"اهـ، ‏زاعما أن الصحيح عن الأشعرية أنهم يكفرون المجسمة مطلقا لا فرق بين مصرح وغير مصرح، ولا فرق بين أصناف المجسمة، وأنه لا خلاف بينهم في ذلك. ‏
    وفهمه هذا عاطل باطل. ‏
    وادعى الإجماع القاطع اعتمادا على هذه العبارة التي نقلناها عن الإمام الزركشي. ‏
    وهيهات أن تكفي هذه العبارة لإثبات إجماع يقام عليه حكم ديني، بحيث يترتب تكفير ‏بعض الأشاعرة والماتريدية والحكم على المتأخرين منهم بأنهم خالفوا المتقدمين ولا عبرة ‏بهم! وليس تكفير بعض المبتدعة فقط.‏
    ولم يصرح الزركشي في كلامه بالإجماع أو بالحكم الذي يزعم هذا الزاعم أن الإجماع قد وقع عليه، لا نصا ولا ما يدلُّ عليه، ‏ولم يقل الإمام ولي الدين العراقي مختصر شرح الزركشي -كما سنرى- إنه فهم الإجماع من مجرد هذا ‏القول، كما إنه ليس في كلام الزركشي نص على ما هو الحكم الذي قال به الأشاعرة بلاضبط، بل النص في كلامه على أن النقل الذي نقل عنهم غير صحيح، والنقل يقول إنهم فسقوا من قال بكذا، فمن أين عرف هذا الحاذق ما الذي أراده الزركشي!؟ وما الذي يصحح له زعم الإجماع ونسبته إلى الإمام الزركشي بهذه الصورة المتهافتة، بل إن من فهم الإجماع منها فهمه بالاعتماد على مفهوم المخالفة، وهذا الفهم ‏الساذج لا يصح هنا، ولا يصح لعاقل أن يعتمد على المخالفة في مثل هذا المقام ليزعم أن ‏الزركشي أو غيره ادعى الإجماع على ما يقول. فالإجماع ونقله وادعاؤه يحتاج إلى أكبر ‏من هذا التكلف الواضح.‏
    إنني أحذر المشتغلين بالعلم وخاصة من كان منهم من أهل السنة أن يتسرع على هذا النحو فيزعم الإجماع بمجرد فهمه -غير المسلم- ثم يتحكم بالأمة من بعد ذلك، وينسب ذلك كله إلى الأئمة والعلماء....!!
    وليس في تعليق الزركشي على عبارة صاحب الخصال، ما يدلُّ على أنه سلم له تصحيح ‏النقل عن الإمام أحمد، ولكنه ينقل ذلك على عهدة صاحب الخصال، ولا أظن من نقل هذه العبارة واحتج بها يعلم من هو صاحب الخصال المذكور في كلام الزركشي، ولا أنه كان يعرفه حين نقل العبارة عنه. ‏
    وسوف يتضح لك المقصود من كلام الإمام الزركشي بعد قليل إن شاء الله. ‏


    يتبع ...
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 16-04-2007 الساعة 17:01
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #9
    فقد قال الإمام الزركشي في شرحه لعبارة الإمام تاج الدين السبكي(4/800):

    "ولا نكفر أحدا من أهل ‏القبلة"اهـ
    فقال الإمام الزركشي هناك:
    "أي بشيء من الذنوب"اهـ
    ثم قال (4/802):

    "إذا علمت هذا فههنا أمران
    أحدهما: في بيان المراد بهذه العبارة. وقد قال والد المصنف رحمهما الله تعالى يعني هذه ‏العبارة:‏
    إنا لا نكفر بالذنوب التي هي المعاصي كالزنا والسرقة وشرب الخمر خلافا للخوارج ‏حيث كفروهم، أما تكفير بعض المبتدعة بعقيدة تقتضي كفره حيث يقضي الحال القطع ‏بذلك أو ترجيحه، فلا يدخل في ذلك، وهو خارج بقولنا: بذنب، غير أني أقول شيئا، ‏وهو:‏
    أنه ما دام الإنسان يعتقد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتكفيره صعب، ‏وما يعرض في قلبه بدعة إن لم تكن مضادة لذلك لا يكفر، وإن كانت مضادة، فإذا ‏فرضت غفلته عنها واعتقاده للشهادتين مستمر، فأرجو أن ذلك يكفيه في الإسلام، وأكثر ‏أهل الملة كذلك، ويكون كمسلم ارتد ثم أسلم، إلا أن يقال: ما كفر به لا بدَّ في إسلامه ‏من توبته عنه، فهذا محل نظر.‏
    وجميع هذه العقائد التي يكفر بها أهل القبلة قد لا يعتقد بها صاحبها إلا عن بحثه فيها ‏لشبهة تعرض له أو مجادلة أو غير ذلك، وفي أكثر الأوقات يغفل عنها، وهو ذاكر ‏للشهادتين لا سيما عند الموت. انتهى
    وفيما قال نظر: لأن الحكم منسحب عليه وإن لم يستحضره كما تجري أحكام الإسلام ‏على المسلم، وإن لم يكن مستحضرا الأركان. ‏
    وأما ما ذكره أولا فينازع فيه كلامٌ لابن القشيري حيث جعل ذلك في العقائد فقال في ‏المرشد: ‏
    فمن كان من أهل القبلة وانتحل شيئا من البدع كالمجسمة والقدرية وغيرهم هل يكفر؟
    للأصحاب فيه طريقان، وكلام الأشعري يشعر بهما، وأظهر مذهبيه ترك التكفير، وهو ‏اختيار القاضي. ‏
    ومن قال قولا أجمع المسلمون على تكفير قائله أو فعل فعلا أجمعوا على تكفير فاعله ‏كفرناه وإلا فلا.

    والطريقة الثانية: تكفير المتأولين.

    ومثال المسألة: من قال: إن الله ليس بعالم، كفر بإجماع ‏الأمة على تكفيره، ومن قال هو عالم وليس له علم، فهذا موضع الخلاف إذ لا إجماع هنا ‏بخلافه. ‏
    ثم من قال بتكفير المتأولين يلزمه أن يكفر أصحابه في نفي البقاء أيضا كما يكفر في نفي ‏العلم وغيره من المسائل المختلف فيها، ‏
    قال: وإذا لم يكفر فلا أقل من التفسيق والتضليل، ومن أصحابنا من لا يرى التفسيق ‏أيضا. ‏
    قال: وهذه الطريقة التي هي نفي التكفير مبنية على أن الشيء الواحد يجوز أن يكون ‏معلوما من جهة مجهولا من وجه آخر. انتهى.‏
    . ‏



    يتبع قريبا إن شاء الله تعالى...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. [تكملة الكلام السابق للإمام الزركشي]

    الثاني: أن معنى هذه العبارة نقلوها عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، وأبي حنيفة ‏والأشعري، فأما أبو حنيفة فصحَّ عنه التصريح به، وكذلك الأشعري، قال في كتاب ‏المقالات: إن المسلمين اختلفوا بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء ضلل بعضهم ‏بعضا، وتبرأ بعضهم عن بعض، فصاروا فرقا شتى إلا أن الإسلام يعم جميعهم. انتهى. ‏
    وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد: رجع الأشعري عند موته عن تكفير ‏أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات.
    وقال: اختلفنا في عبارة والمشار إليه واحد. ‏
    وقال القاضي ابن العربي: اختلف العلماء في إكفار المتأولين على قولين: فذهب شيخ السنة ‏وإليه صنعو [كذا بالمطبوع: ولعلها مصحفة أو محرفة عن نحو مال أو ذهب] القاضي في ‏أشهر قوليهما: أن الكفر يختص بالجاحد والمتأول ليس بكافر. وأما الشافعي رضي الله عنه ‏فأخذ ذلك من قوله: لا أرد شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية، فإنهم يعتقدون جواز ‏الشهادة لأوليائهم على أعدائهم زورا. ‏
    وقال بعضهم: هذا لا يدل على إطلاق عدم التكفير، إذ لا يلزم من عدم تكفير أهل البدع ‏والأهواء عدم التكفير مطلقا، فإن مخالفة الحق في الديانات تارة توجب البدعة والضلال، ‏وتارة توجب الكفر، والمخالف في الأول هو المسمى بأهل البدع والأهواء دون الثاني. ‏
    قلت[أي الزركشي]:
    وقد صح عن الشافعي رضي الله عنه إطلاق القول بتكفير القائل ‏بخلق القرآن، لكن جمهور أصحابه أولوه على كفران النعمة كما قاله النووي وغيره، ‏وحكى ابن المنذر عن الشافعي رضي الله عنه أن القدري لا يستتاب، ذكره القاضي عياض ‏في الشفا. ‏
    وأما مالك وأحمد فقد نقل عنهما ما يوهم الخلاف في ذلك
    . ‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. [ تكملة الكلام السابق للإمام الزركشي ]

    وقال ابن العربي: من أعظم أصول الإيمان القدر، فمن أنكره فقد كفر نص عليه مالك ‏رحمه الله، فإنه سئل عن نكاح القدرية فقال: قد قال الله تعالى(ولعبد مؤمن خير من ‏مشرك). ‏
    وقال القاضي عياض: أكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم، لكن يؤدبون ‏ويستتابون. ‏
    وأما أحمد فنقل عنه القاضي عياض تكفيرهم، وقال: إن عليه أكثر السلف، ونقل عنه ‏تكفير تارك الصلاة وإن اعتقد وجوبها، واحتج بعضهم على عدم التكفير بقوله صلى الله ‏عليه وسلم :"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"، ولأنا لو كفرناه كفرنا ‏بعض أصحابنا في نفي البقاء ونحوه، ولأن التكفير عبارة عن إنكار ما علم بالضرورة مجيء ‏الرسول صلى الله عليه وسلم. وليس المراد بالضرورة ضرورة العقل، بل إنه لشهرته ‏والاتفاق عليه كالضروري كالصلاة والزكاة، وعلى هذا فلا نكفر أحدا من أهل القبلة، ‏لأن كونهم جاحدين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم غير معلوم بالضرورة، بل ‏بالنظر، أي لم يشتهر اشتهارا يصير به كالضروري، ولم يتفق عليه. ‏
    وهذا تحقيق جيد بين [كذا بالمطبوع: ولعلها بني] على تفسير المتكلمين : الإيمان بما علم ‏أنه من دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالضرورة، فسبق تقريره. ‏

    وقد قال القاضي في كتابه المسمى "بإكفار المتأولين" :"أما مسائل الوعد والوعيدوالرؤية ‏وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وسبهها من الدقائق فالمنع من إكفار المتأولين فيها ‏أوضح، إذ ليس في الجهل بشيء من ذلك جهل بالله تعالى، ولا أجمع المسلمون على إكفار ‏من جهل منها شيئا، وقد نقله عنه القاضي عياض وغيره. ‏


    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. [تكملة الكلام السابق للإمام الزركشي]


    قلت[أي الإمام الزركشي]: ولعل هذا مأخذ الشيخ عز الدين بأنه لا يكفر مثبت الجهة. قال: ولا مبالاة بمن ‏كفرهم لمزاحمته لما عليه الناس، وحمل بعضهم كلام القاضي السابق فيمن جهل شيئا منها، ‏أما من قال بجملته وكان علمه به على خلاف ما هو عليه أهل السنة، فجهله هذا جهل ‏مركب، فهو أشد من جهله بسيطا، وأطلق الآمدي في التكفير حكاية قولين، ثم قال: ‏والحق التفصيل وهو إن كان من البدع المضللة والأقوال الممكنة يرجع إلى اعتقاد وجود ‏غير الله تعالى وحلوله في بعض الأشخاص، كالنسبة لبعض غلاة الشيعة، أو إلى إنكار ‏الرسالة أو إلى استباحة المحرمات فلا نعرف خلافا بين المسلمين في التكفير به، وأما ما عدا ‏ذلك من المقالات المختلفة فلا يمتنع أن يكون معتقدها مبتدعا غير كافر، وذلك لأنه لو ‏توقف الإيمان على أمر غير التصديق بالله تعالى ورسوله وما جاء به من معرفة المسائل ‏المختلف فيها في أصول الديانات كما عددناه، لكان الواجب على النبي صلى الله عليه ‏وسلم أن يطالب الخلق بمعرفته كالشهادتين، ولم ينقل ذلك، وجرى عليه الصحابة ‏والتابعون، فالجهل به لا يكون كفرا. انتهى. ‏
    والأول يخرج بقول المصنف: عن أهل القبلة، فإن صاحب هذه المقالات ليس منها، ولكن ‏حصره التكفير فيما ذكرناه ممنوع، بل من أنكر ما يعلم مجيء الرسول به ضرورة في الحشر ‏والعلم بالجزئيات وحدوث العالم ونحوه، لا شك في تكفيره. ‏
    واعلم أنه وقع في كلام الطحاوي زيادة مذهب في هذه العقيدة واستغنى المصنف عنه بأنه ‏إن لم يكن بذنب لم يقع كلام في التكفير.‏
    فرع: ‏
    من لم نكفره من أهل الأهواء والبدع لا نقطع بخلوده في النار وهل نقطع بدخوله إياها فيه ‏وجهان، حكاهما القاضي حسين في باب إمامة المرأة من تعليقه، وقال المتولي هناك: ظاهر ‏المذهب أنه لا يقطع به، وعليه يدل كلام الشافعي رضي الله عنه."اهـ


    إلى هنا نهاية كلام الإمام الزركشي، وإنما نقلته مع طوله لكثرة فوائده، كما لا يخفى.

    يتبع إن شاء الله تعالى.....
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 16-04-2007 الساعة 17:47
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة
    [الزركشي]


    [COLOR="Green"]قلت[أي الإمام الزركشي]: ولعل هذا مأخذ الشيخ عز الدين بأنه لا يكفر مثبت الجهة. قال: ولا مبالاة بمن ‏كفرهم لمزاحمته لما عليه الناس،
    جزاكم الله خيرا...
    والعبارة السديدة: لمراغمته لما عليه الناس.
    ينظر فتاوى البرزلي ٦/٢٠٠.. وفتوى ابن حجر الهيتمي في حكم مثبت الجهة
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  14. بارك الله تعالى بك يا أخي العزيز،
    وسوف أنقل لاحقا ما ورد في فتاوي البرزلي وكتاب البيان والتحصيل وفتاوي ابن حجر والرملي وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين والمتأخرين من مختلف المذاهب الإسلامية المعتبرة، وأعلق عليها بما يفيد زيادة بيانها وتقريبا إلى الفهم...
    والله من وراء القصد....
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 16-04-2007 الساعة 22:32
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. أقول:

    وبعد ذكر هذا الكلام من الإمام الزركشي، أتعجب جدا ممن يتجرأ ويزعم أن ‏الإمام الزركشي نفى وجود الخلاف في تكفير أهل الأهواء، ومنهم المشبهة والمعتزلة ‏وغيرهم، بل زعم أن ما علقه الزركشي على كلام صاحب الخصال تصريحٌ بالإجماع، ‏وهذا من عدم فهمه لما يقال، وأنى لنحو تلك العبارة أن تكون دالة على الإجماع. ‏
    ثم قد عرفنا أن معناها، أقصد معنى قوله :"ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن ‏الأشعرية ليس بصحيح"اهـ، ليس معناه أنهم جميعا يكفرون المذكورين، فإن هذا الزاعم ‏قد أخذ مفهوم المخالفة، وظنَّ أن نسبة القول بأن المجسم يفسق هي الغلط، وأنَّ الحقَّ هو ‏أنهم لا يفسقونه بل يكفرونه، وأن هذا إجماع منهم! ثم تجرأ هذا الزاعم وادعى أن ‏الزركشي ينقل الإجماع على ما فهمه! فبالغ في الشطط. ‏
    والتحقيق أن الزركشي يخالف في أن يُنْسَبَ إلى الأشاعرة على سبيل العموم أنهم كلهم ‏يقولون بفسق نحو المعتزلة والمجسمة وغيرهم، بل بعضهم فسقهم وبدعهم، وبعضهم كفرهم. فالحق إذن أن ‏مذهب الأشاعرة كما يقول الزركشي فيه خلاف في الحكم على أهل الأهواء والبدع ‏العقائدية. ولكن المجازف نسب إليه دعوى الإجماع على التكفير مطلقا. وهذا فهم عجيب ‏وباطل. ‏
    وكيف يفهم من الزركشي دعوى الإجماع وأنت تراه ينقل الخلاف في ذلك صراحة بلا ‏تلويح، وينقل طريقتين وبَيَّن على ماذا بناهما مَنْ قال بهما من العلماء المتقدمين. ‏
    وتأمل كيف ينقل هذا الخلافَ عن المتقدمين كالإمام الباقلاني والإمام الأشعري، وينقله ‏عنهم الإمام ابن القشيري، وهو أحد أذكياء العالم، وقد تعلم من والده، وكان في زمان ‏الإمام الجويني، وسيرته معلومة. ‏

    فهل هؤلاء كلهم قد غفلوا عن الإجماع المدَّعى المزعوم؟ ومتى وقع الإجماع أبعد زمانهم أم ‏قبله؟! منهم أم من غيرهم؟!‏
    ولو كانوا جاهلين بالإجماع، ألا يلزم على بعض أقوالهم عدم الحكم بالكفر على الكافر-على ‏حسب زعم من يكفر إطلاقا-؟ وهذا يستلزم إدخال الكافر في الإسلام على قول من لم ‏يكفر! وهذا كفر عند هؤلاء المخالفين الزاعمين لوقوع الإجماع، لأن من لم يكفر الكافر ‏فهو كافر! فيلزمهم تكفير كل هؤلاء الأئمة... ويلزمهم تكفير كل المخالفين لما يقولون ‏من المتأخرين. وهذا فتح لباب من الفتنة عظيم!‏
    وأيضا فلا تغفل عن حفظ أن الإمام الزركشي قد نقل عن العز بن عبد السلام أنه لم يكفر ‏القائل بالجهة للسبب الذي نقلناه، ولم يزعم كما زعم بعض الجهلة بأقوال العلماء أن هذا ‏القول مدسوس في كلام العز بن عبد السلام؟! كيف يصدق هؤلاء أن هذا الكلام ‏مدسوس، وقد قرأه كبار العلماء ومنهم تلامذته والقريبون من زمانه كالقرافي، بل تتابع ‏العلماء على نقل كلام العز ولم أعرف أحدا منهم قال بأنه مدسوس عليه! فكيف تجرأ هذا ‏المتجرئ على ادعاء الدسِّ هكذا بلا برهان ولا بينة؟ وإن هذا الفعل يفتح باب التشكيك ‏في كتب الإسلام على سبيل العموم! ولا يخفى ما في هذا من خطر عظيم.
    ثم تأمل كيف أكد الإمام الزركشي على أن الإمام الأشعري قد رجع إلى القول بعدم ‏التكفير وقد نقل هذا القول أيضا عن العز بن عبد السلام، ونقل نقلا واضحا لا لبس فيه ‏أن للإمام الأشعري قولين في هذه المسألة وشرح مبناهما، وكذلك للإمام الباقلاني قولان ‏فيها على نهج شيخه.
    ثم ترى بعض الناس ينكرون كل هذا، ويزعمون أن في المسألة إجماعا مقطوعا به، من ‏خالفه فهو كافر، فليكفروا الباقلاني والأشعري ومن صرح بوجود قولين ومن لم يصرح ‏باعتقاده بوجود الإجماع، فليكفروا جميع هؤلاء العلماء إذن!!! ‏
    أو فليقولوا بأنَّ كلَّ هذا الكلام مدسوس في كتبهم، ليجعلوا من أنفسهم ضحكة الأولين ‏والمتأخرين. ‏
    ولو أرادوا التحقيق لاعترفوا بالحق الصريح الذي نقول به، وهو أن من علماء الأشاعرة ‏من كفر هؤلاء على التفصيل المعلوم، ومنهم من لم يكفرهم كذلك، ولم يعهد عن أحد ‏من المكفِّرين تكفيرُ من لم يرجح التكفير منهم، كما يفعل هؤلاء الناشئون! فإنْ هُمْ قالوا ‏بذلك التفصيل والتحقيق، حفظوا بيضةَ أهل السنة ومنعوا التشتت والتخالف، ويكون ‏قولهم هذا متمشيا مع أقوال العلماء الذين يزعمون أنهم بهم مقتدون! فليقتدوا بهم إذن.
    ولكني ما زلت أتعجب: كيف يجيز لنفسه أن ينسب إلى الإمام الزركشي أنه يقول بوقوع ‏الإجماع على تكفير أهل الأهواء والبدع، ونحن نراه ينقل بكل وضوح الخلاف بين ‏الأصحاب على طريقتين. ‏
    وتأمل عبارة الإمام ابن العربي:"اختلف العلماء في إكفار المتأولين على قولين...الخ"اهـ، ‏فصرح بوجود القولين أيضا، لتعلم مدى الغلط الذي وقع فيه من ادعى الإجماع وعدم ‏الخلاف، ثم صار يكفر كل من لم يوافقه على التكفير لكل من يكفره هو، وإن كان من ‏أهل السنة...‏

    وسوف ننقل لهؤلاء المدَّعين أقوال أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين حتى يتثبت هذا ‏المذهب بما فيه من خلاف، فنحن كما قلنا أكثر من مرة، لا نرضى لأحد أن ينكر الخلاف ‏المعتبر، أو يزعم أنه لم يكن، ولا نرضى لأحد من الناس أن يجبر غيره على أحد الأقوال ‏التي اعتبرها علماء أهل السنة، بلا قاطع يقطع في ذلك. ‏
    عجبا من هؤلاء الناشئة، كيف يتجرؤون على إكفار من هو من أهل السنة ‏والجماعة(الأشاعرة والماتريدية) لمجرد أنهم يخالفونهم في تكفير من يكفرونهم، بل يكتفون ‏بالتفسيق والتضليل، والحال أن الرافضين للتكفير لا يعتقدون إلا بالحق، والحال أننا نرى أئمتنا قد ‏استعظموا تكفير المبتدعة من الفرق الأخرى؟! فكيف بتكفير من كان من أهل السنة؟!‏
    أهكذا يكون الالتزام بمذهب أهل السنة والجماعة منهجا وأحكاماً؟!‏
    ولما نقلنا لهم عن الإمام البيهقي أنه أوَّلَ كلام الشافعي في إكفار القائل بخلق القرآن على ‏كفران النعمة، وأنت ترى أن الإمام الزركشي قد ذكر ذلك في هذا النص أيضا في ‏قوله:"لكن جمهور أصحابه أولوه على كفران النعمة كما قاله النووي وغيره"اهـ، ‏سارعوا بأن أتوا بنقل من بعض العلماء الأكابر يؤكد فيه على أنه يرى كلام الإمام ‏الشافعي غير محمول على كفر النعمة، بل على الكفر الحقيقي؟ ‏
    ولم يعرفوا أن هذا النقل عينه الذي يأتون به يؤيد ما نقول به من وجود الخلاف عن ‏الأصحاب، فبعضهم كفر وبعض لم يكفر، وهو عين ما ندعيه، خلافا لما يزعمونه من أن ‏الإجماع قد وقع على التكفير.‏
    وكأنهم يحسبون أننا لم نطلع على هذا القول وغيره من أقوال أكابر العلماء! بلى ولكنا فهمناها على وجهها وكما يليق بهم، ووضعنا كل قول في محله اللائق به وعلى معناه الذي أراده منه قائله. وقدوتنا في ذلك أكابر العلماء.
    وأما كلام القاضي عياض فسوف ننقله كاملا لاحقا إن شاء الله تعالى، وسوف نعلق على ‏كلامه ونوضح معانيه الفائقة هناك. ‏
    ولكن يكفي أن نذكر القارئ هنا أن الإمام الزركشي نقل بعض كلام القاضي عياض ‏وهذا يؤكد أن هذا الكلام لم يدسَّ على القاضي، كما سوف يتخيل هؤلاء الواهمون إذا ‏رأوا كلامه.‏
    وكذلك سنفعل في كلام الإمام العز بن عبد السلام، فتذكر أيها القارئ أن الإمام ‏الزركشي قد نقله هنا وأشار إليه ولم يقل إنه مدسوس على العزِّ كما زعم البعض. ‏


    يتبع إن شاء الله تعالى ....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •