صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 50

الموضوع: ملاحظات نقدية في تفسير المنار - المنهج والنتيجة

  1. #1

    ملاحظات نقدية في تفسير المنار - المنهج والنتيجة

    تعليقات على تفسير المنار لمحمد رشيد رضا


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين، وبعد
    فقد أحببت أن أذكر هنا بعض الملاحظات النقدية على تفسير المنار لمحمد رشيد رضا، أهتم فيها ببيان طريقته في ‏التفسير وجهات يتضح بها موافقته أو مخالفته لأهل السنة، وطريقتهم في أخذ العلوم والأحكام، فإن المفسر الذي ‏لا تكون طريقته موافقة لأهل السنة في ذلك، فإنا لا يصح لنا إن نعتمده لطلاب العلم إلا القادرين على النقد ‏والتصويب وقليل ما هم، أما أن نحض الناس عليه ونعتمده في دراساتنا ووتدريسنا، فلا.‏
    وأدعو الله تعالى أن يكون فيما أكتب هنا فائدة لأهل العلم وطلابه...‏
    والله هو المسئول أن يوفقني وإياكم إلى انتهاج نهج أهل الحق، لننال رضاه....‏


    ‏1-‏ قال محمد رشيد رضا في المنار (1/7):"كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل ‏قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب وقواعد ‏النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين ‏واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، ‏وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، وقد زاد الفخر الرازي ‏صارفا آخر عن القرآن هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم ‏الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها وقلده بعض المعاصرين ‏بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولا ‏طويلة بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض من علوم الفلك والنبات والحيوان، تصد قارئها عما أنزل ‏الله لأجله القرآن."اهـ
    هذا ما قاله محمد رشيد رضا، ولننظر فيما زعمه ونحلل قوله لنصل إلى ما يذهب إليه.‏
    إنه يذكر هذا الكلام أثناء ذكر منهجه وطريقته هو في تأليف التفسير، ولأي هدف يكتب بهذه الطريقة، ولذلك فهو ‏يعترض على هؤلاء الأعلام الذين كان لكل واحد منهم هدف وغاية كان منهجه تبعا لذلك. ‏
    ولعل محمد رشيد رضا غفل عن أن الغاية التي حددها هي التي تفرض عليه الطريقة والأسلوب، فلما اختلفت ‏غاية المفسرين اختلفت طريقتهم. ‏
    فمن فسر القرآن بالمأثور كان غايته ذكر بيان القرآن بما ورد من الأثر والحديث، والنقل عن المتقدمين. ‏
    ومن اهتم بإعراب القرآن إنما كان ذلك لأن هدفه كان بيان أثر الإعراب على معاني القرآن الكريم، واختلاف ‏وجوه الدلالات بناء على ذلك. ‏
    ومن اهتم بذكر المسائل الفقهية في تفسيره إنما كان هدفه وغايته إظهار أثر القرآن في اختلاف الفقهاء، أو بيان ‏دلالة القرآن على مذهبه الذي يذهب إليه مالكيا أو شافعيا أو حنفيا أو حنبليا. ولا غضاضة في ذلك على واحد ‏منهم. ‏
    وكذلك يقال فيمن اهتم بذكر الإشارات الصوفية والفوائد البلاغية وغيره ذلك....‏
    فلا غضاضة على واحد منهم ما دام ملتزما بالمنهج العلمي الرصين في تفسيره للقرآن، كل واحد منهم بحسب ‏دائرة اهتمامه.‏
    والقارئ لكلام محمد رشيد رضا هنا وفي غير هذا الموضع، يرى تحامله على العديد من المناهج المذكورة، ‏تعصبا منه لرأيه وطريقته، فقد وقع إذن فيما انتقد به الآخرين!!! ‏
    ولا يجوز لأحد أن يقول إن هذه المناهج والطرق المختلفة في تفسر القرآن، تبعد القارئ عن معانيه السامية ‏وكلياته المفيدة الدافعة للتمسك بالدين والاعتناء بهدى رسول رب العالمين، إن من يدَّعِ ذلك، فإنما يقع في نفسه ‏ويستنزل مكانته. ‏
    فإن أحدا لا يستطيع أن ينكر أثر هذه الطرق في تحرير المعاني الكلية التي يبحث عنها رشيد رضا في تفسيره، ‏بل إنه لولا استفادته هو نفسه من هؤلاء الذين اعترض عليهم لما استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه مما أصاب ‏فيه....‏
    وأما اعتراضه على الإمام الرازي وادعاؤه أنه غلا في إيداع تفسيره مما ذكر، فإنما هو دليل على قصور ف ‏فهمه لما ذهب إليه الإمام الرازي من طريقة في التفسير، وغلو مبني على نزعة وهابية غير خفية في نفس رشيد ‏رضا، ومجرد كلام مكرر لا قيمة له لعبارة صدرت من بعضهم ادعى فيها أن في تفسير الإمام الرازي كل شيء ‏إلا التفسير، وقد وهم من قال ذلك ، بل افترى على الإمام، بل فيه كل شيء مع التفسير كما قاله الإمام المجتهد ‏تقي الدين السبكي، رداً على من زعم ذلك. ‏
    وأما مقارنة رشيد رضا لتفسير الإمام الرازي ببعض تفاسير المعاصرين يقصد بهم تفسير الطنطاوي، فهو دليل ‏على عدم استيعاب واضح من رشيد رضا لتفسير الإمام، وإنزال مقصود من مرتبة تفسيره العالية عندما يقارنه ‏بتفسير الطنطاوي.... !!! ‏
    وأما ادعاء رشيد رضا أن الإمام ينتهز فرصة ورود كلمة مثل السماء ليورد ما انتهت إليه المعارف التجريبية في ‏عصر الإمام في هذا الموضع، فهو من اغتراره برأيه، ولو تأنى على نفسه لأمسك عن كتابة هذه العبارة التي لا ‏تليق بمنزلة الإمام الرازي. فإن الإمام إنما يورد ما يفيد في توضيح المقصود من الآية المعينة، وإذا ذكر بعض ‏التفاصيل الكونية فإنما ذلك لدفع القارئ إلى تصور هذه المعاني لعل ذلك يحدث في نفسه من الأثر الذي يحضه ‏على التفكير في عظمة الله تعالى فيخضع له وينزل عند أوامره ونواهيه..... ‏
    وأما ما أضار إليه من الإسرائيليات فسنتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. ‏


    2- ‏ قال محمد رشيد رضا في تفسيره (1/101):" وقد أطال الفخر الرازي في استطرادات عديدة ومسائل ‏مستنبطة من لوازم للمعاني قريبة أو بعيدة، ولكنها تشغل مريد الاهتداء بالقرآن. وأطال ابن القيم في ‏أول كتابه (مدارج السالكين) القول في استنباط المسائل منها من طريق الدلالات الثلاث المطابقة ‏والتضمن والالتزام...."(ثم قال) :"والفرق بين هذه المستنبطات –ي مستنبطات ابن القيم- ومستنبطات ‏الرازي أن أكثر تلك في المصطلحات العربية والعقلية والكلامية والفقهية، وأكثر هذه في المقاصد ‏الروحية التعبدية لتلك المصطلحات والعلوم، فهي تزيد قارئها دينا وإيمانا وتقوى، ولكن لا يصح أن ‏يسمى شيء منهما تفسيرا للفاتحة، ولو كنا تعده تفسيرا، لاقتبسناه أو لخصناه في هذه الفوائد."اهـ

    فتأمل كيف يمدح تطويل ابن القيم ويعرض عن مدح ما يسميه تطويلا من الإمام الرازي، ويعلل لمدحه هذا بأنه ‏مما يزيد التقوى. وبأن ما أتى به الإمام الرازي في مختلف العلوم فلم يقتصر فيه على علم معين، وأما ما أتى به ‏ابن القيم، فإنما هو في ما يزيد التقوى على حد قوله. ‏
    وقد نسي رشيد رضا أن كتاب ابن القيم المسمى بمدارج السالكين في التصوف على طريقة المجسمة، فكان من ‏الملائم أن يورد من الفوائد ما يلائم التصوف، وأما الإمام الرازي فإنما يفسر القرآن، والمطلوب من المفسر أن ‏يورد ما يحتمله اللفظ بحسب القواعد العلمية والأدبية من معانٍ بلا التزام علم دون علم ، ولذلك فقد كانت المعاني ‏التي يوردها الإمام الرازي مختلفة ومتنوعة وترجع إلى علوم ومعارف متعددة الأجناس، منها الكلامية ومناه ‏اللغوية والنحوية، ومنها الفقهية ، ومنها السلوكية والصوفية....الخ. ‏
    وأما ما زعمه رشيد رضا أخيرا من أن ذلك لا يسمى تفسيرا، فنقول له: إن كانت تلك المعاني مبينة لدلالات ‏الكلمات والتركيبات القرآنية ، فلم لا يسمى ذلك تفسيرا، ولا يضيرنا بعد ذلك إن لم يوافق هواك، أو لم يتلاءم مع ‏ما تهدف إليه من أهداف... ‏

    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 30-01-2007 الساعة 00:42
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    الأخ الأستاذ سعيد

    السلام عليكم

    لا ننزل محمد رشيد رضا ولا الشنقيطي ولا محمد عبده ولا الطنطاوي ولا أيّ مفسّر حديث نفس المنزل الذي ننزله الرّازي أو القرطبي أو ابن كثير أو---ولا أقل منه بكثير--فاطمأن صديقي فنحن نفرّق بين الدرر والأصداف

    وبارك الله بك
    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1

  3. #3
    قولك
    فاطمئن صديقي فنحن نفرّق بين الدرر والأصداف
    أقول: كلامي لست أقصدك به .... !!!!
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 30-01-2007 الساعة 00:03
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. أحقًّا ما يقوله البعض أنّ تفسير الإمام الرازي يُطِيلْ في تفصيل قول أهل البدع ومن ثم يورد قول أهل السنة بشكل مُجمَلْ ، فيظهر أنّ قولهم القوي المحكم المتين وقول أهل السنّة الضعيف المُشكِلْ . أحقًّا هذا ؟

  5. #5
    هذا الكلام أخي الحسني فيه مبالغة وعدم تحقيق لطريقة الإمام الرازي، وإن أطلق هذا القول بعض الكبار... وإن صدق هذا القول فإنما يصدق على بعض المسائل الدقيقة -إن سلمنا- وليس منهجا مطردا عند الإمام الرازي....
    وسوف نتكلم على تفسير الإمام الرازي في موضع لائق به.....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. #6
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة
    قولك

    أقول: كلامي لست أقصدك به .... !!!!
    ونحن نعرف من تقصد --وكان كلامي عن مجموع المسلمين الذين هم يعرفون الفرق بين الرّازي وغيره من الجدد
    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1

  7. #7
    تعليل كون السور المكية موجزة
    قال رشيد رضا في المنار
    (1/32):"والفرق بين السور المكية والمدنية، هو أن المكية ‏أكثر إيجازا لأن المخاطبين بها هم أبلغ العرب وأفصحهم، وعلى الإيجاز مدار ‏البلاغة عندهم، ثم إن معظمها تنبيهات وزواجر وبيان لأصول الدين بالإجمال."اهـ
    أقول: البلاغة لا يشترط فيها الإيجاز، بل الإطناب بلاغة في موضعه أيضا، وذلك ‏بحسب ما يلائم مقتضى الحال، فإن اقتضى الحال الإيجاز كان الإيجاز أبلغ، وإلا فلا. ‏
    ولعل التعليل الأقرب إلى الصحة هو أن نفس مواضيع السور المكية يلائمها الإيجاز ‏أكثر مما يلائمها الإطناب، وذلك غير مطرد بل هو غالب، وأما ما قاله من أن ‏البلاغة عند أهل مكة مدارها على الإيجاز، فغير مسلم، لا بالنسبة لهم ولا لغيرهم. ‏

    رأي محمد عبده في أول سورة نزلت:
    نقل محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده أنه يرجح أن الفاتحة أول سورة نزلت، ‏فقال في تفسير المنار (1/35):"وأما الأستاذ الإمام فقد رجح أنها أول ما نزل على ‏الإطلاق، ولم يستثن قوله تعالى "اقرأ باسم ربك" ونزع منزعا غريبا في حكمة ‏القرآن وفقه الدين، فقال ما مثاله: ‏
    ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون سواء كان كون إيجاد أن كون تشريع، أن ‏يظهر سبحانه الشيء مجملا ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجا، وما مثل الهدايات ‏الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع ‏أصولها، ثم تنمو بالتدريج حتى تبسق فروعها بعد أن تعظم دوحتها ثم تجود عليك ‏بثمرها والفاتحة مشتملة على مجمل ما في القرآن وكل ما فيه تفصيل للأصول التي ‏وضعت فيها..."اهـ
    هذا الكلام يلخص لك مجمل رأي الشيخ محمد عبده، في سبب اختياره كون الفاتحة ‏أول سورة....‏
    ومن الواضح أن هذا التعليل أقرب إلى كونه خطابيا من كونه تعليلا حقيقيا، والاطراد ‏غير لازم فيما ذكره. ‏
    وقد نصَّ الإمام السيوطي في الإتقان (1/95) على أن أول ما أنزل منا لقرآن هو ‏قوله تعالى(اقرأ باسم ربك الذي خلق). فقال :" ‏
    اختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال ‏
    أحدها وهو الصحيح اقرأ باسم ربك ‏
    روى الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق ‏الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود ‏لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فتزوده لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار ‏حراء فجاءه الملك فيه فقال اقرأ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا ‏بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ ‏فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فغطني ‏الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ ما ‏لم يعلم فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره الحديث ‏
    وأخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في الدلائل وصححاه عن عائشة قالت أول ‏سورة نزلت من القرآن اقرأ باسم ربك ‏
    وأخرج الطبراني في الكبير بسند على شرط الصحيح عن أبي رجاء العطاردي قال ‏كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقرأ ‏باسم ربك الذي خلق قال هذه أول سورة أنزلت على محمد صلى الله عليه ‏وسلم."اهـ
    فتأمل كيف حكم بالصحة على هذا القول، ومعنى ذلك أن غيره ضعيف، وغير ‏صحيح، وبالنظر إلى الأحاديث الواردة، يترجح هذا القول فعلا، بل إنه راجح على ‏قول من قال إن أول ما نزل هو سورة المدثر، وراجح على قول من قال أن أول ما ‏نزل هو سورة الفاتحة أو البسملة. فهذه أقوال ضعيفة. ‏
    والطريقة التي اتبعها الشيخ محمد عبدة، لا تفيد في ترجيح أول ما نزل، بل هي ‏محض اتباع للرأي المجرد الذي لا يوافق النقل، ولا يلزم عند العقل!!‏
    وربما اغترَّ محمد عبده بما قاله الزمخشري في تفسيره ونقله عنه الإمام السيوطي ‏وذكر ردَّ الإمام ابن حجر عليه فقال في الإتقان(1/97):" قال في الكشاف ذهب ابن ‏عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقرأ وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة ‏نزلت فاتحة الكتاب ‏
    قال ابن حجر والذي ذهب إليه أكثر الأئمة هو الأول وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم ‏يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول وحجته ما أخرجه البيهقي في ‏الدلائل والواحدي من طريق يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ‏ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا ‏خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت معاذ الله ما كان ‏الله ليفعل بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو ‏بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا فقصا عليه فقال ‏إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأفق فقال لا ‏تفعل إذا أتاك فأثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل ‏بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين الحديث هذا ‏مرسل رجاله ثقات ‏
    وقال البيهقي إن كان محفوظا يحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعدما نزلت عليه ‏اقرأ و المدثر."اهـ
    ‏ فما اعتمد عليه الزمخشري إذن غير معتَمَدٍ. وليت شعري كيف يرجح الشيخ محمد ‏عبده هذا الرأي وهو مخالف للرواية الصحيحة.‏
    وكون جملة مقاصد الدين قد اشتملت عليها الفاتحة، لا يستلزم أن تكون هي أول ما ‏نزل من القرآن.‏
    وقد علق رشيد رضا على ما قاله محمد عبده فقال
    (1/38):"هذا ما قاله الإمام ‏مبسوطا، ويمكن أن يقال إن نزول سورة العلق قبل الفاتحة لا ينافي هذه الحكم التي ‏بينها لأنه تمهيد للوحي المجمل والمفصل خاصٌّ بحال النبي صلى الله عليه ‏وسلم....الخ"اهـ
    ومن الواضح أن محمد رشيد رضا غير راضٍ بتعليل شيخه محمد عبده لاختياره هذا ‏الرأي، ولكنه يخالفه بمنتهى الرقة ، وهذا في حد نفيه غير مذموم ، ولكنا نقول: كيف ‏لو كان قائل هذا القول أشعريا كالإمام الرازي أو البيضاوي أو غيرهما، وعلق عليه ‏محمد رشيد رضا، إننا نظن أنه لن يكتفي بهذا التلويح الرقيق في بيان ضعف قوله ‏واختياره، كما فعل في ترجيح تطويل ابن القيم على (تطويل!) الرازي، وقد سبق ‏التنبيه إليه.‏

    وقد ذكر د. فضل حسن عباس قول الشيخ محمد عبده ثم علق عليه قائلا في إتقان ‏البرهان (1/172):"ولكن مع وجاهة ما ذهب إليه هذا الإمام من حيث الدليل العقلي، ‏فإن ذلك يمكن أن يقبل إذا لم يتعارض مع النص الصريح، وحديث السيدة عائشة في ‏صحيح البخاري لا ينبغي أن يقدم عليه قول."اهـ
    وكلامه لطيف إلا ما قاله من أن ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده له وجاهة من حيث ‏الدليل العقلي، فإنا لا نرى له تلك الوجاهة.... فإن التنزيل على هذا الوجه من الإجمال ‏غير لازم عقلا، بل الملائم عقلا لو أردنا تحليلا عقليا مقبولا أن يكون أول ما ينزل ‏غير مشتمل على جميع مقاصد القرآن، بل على ما يدفع الإنسان إلى التفكير والنظر، ‏وما يحتوي على أصل نشأته والمطلوب منه في هذا الوجود، وبعد ذلك يناسب أن ‏يذكر جملة مقاصد الدين، ومن الواضح أن سورة اقرأ قد وفت بهذه المعاني التي ‏نراها ملائمة عقلا أكثر مما اقترحه الشيخ محمد عبده، ووافقه عليه عقلاً د. فضل ‏حسن عباس.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8
    التفسير قسمان ‏

    قال محمد رشيد رضا في التفسير (1/24):"فعلم مما ذكرنا أن التفسير قسمان
    أحدهما : جافٌّ مبعد عن الله وعن كتابه، وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب ‏الجمل وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية ، وهذا لا ينبغي ‏أن يسمى تفسيراً، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني ‏وغيرهما."اهـ
    أقول: ولا ريب في أن رشيد رضا يدرج تحت هذا الحكم أيضا التفاسير التي توضح ‏الفوائد المستفادة من القرآن في علوم الفقه والأصول والعقائد وغيرها من العلوم ‏والمعارف...‏
    وتأمل رحمك الله كيف وصف هذه التفاسير بأنها جافَّة!! ولم أعلم أن هناك شرطا ‏للتفاسير أن تكون غير جافة في نظر رشيد رضا، ولا أعلم ما مقدار صدق قوله أنها جافة، وهل هي جافة ‏لكل الناس أم إنها جافة على العوام منهم... ترى هل يراها طلاب العلم جافة كما حكم ‏عليها محمد رشيد رضا..؟!‏
    إنا نعلم أن التفسير يبحث في بيان المعاني المحتملة بحسب القواعد اللغوية المعتبرة، ‏وإعراب القرآن لا ريب في أنه شرط أكيد في توضيح تلك المعاني، بل إن العديد من ‏المفسرين يتوقفون في الحكم على معنى من المعاني لآية أو كلمة في القرآن إلى أن ‏يذكروا إعرابها، فإن الإعراب يؤثر على المعنى كما هو معلوم...‏
    وأنا لا أشك في أن محمد رشيد رضا يعلم ذلك، ولكنه في فورة اندفاعه لكي يحسن ‏صورة التفسير الذي يشرع فيه هو والشيخ محمد عبده، يبالغ في الحط من أساليب ‏المفسرين الأخرى... وهذا لا ريب في أنه عدم إنصاف منه...‏
    ولا أشك في سوء تأثير نحو هذه الكلمات على الناشئة الذين يقع في أيديهم تفسير ‏المنار، فيقرأ منه هذا الحكم، هل نتوقع منه بعد ذلك أن يتوجه إلى الاستفادة مما كتبه ‏المتقدمون بشتى الأساليب في سبيل بيان معني القرآن، أم إنه سيكون مانعا له من ‏ذلك؟! أترك الحكم للقارئ..‏
    وإنما أردت بيان هذا الأمر، لأنه يساعد في توضيح جانب من جوانب منهجية محمد ‏رشيد رضا والشيخ محمد عبده ولوازمها.‏
    وهو في عبارته نراه يستخف بمثل هذه الأساليب في التفسير، فهو يعتقد أنها لا ‏تستحق إلا أن تكون ضربا من التمرين في الفنون، وهذا لعمري فيه استخفاف كبير، ‏وحط لا يسامح عليه قائله...!‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #9
    اعتراضه على الجلالين والعلامة الصبان معنى الرحمن الرحيم‏
    نقل محمد رشيد رضا عن شيخه محمد عبده في التفسير (1/46) قوله:"وقد مشى الجلال في تفسيره ‏وتبعه الصبان على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول، ومن العجيب أن يصدر ‏مثل هذا القول عن عالم مسلم، وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها. ‏
    قال: وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه إن في القرآن كلمة تغاير أخرى ثم تأتي لمجرد تأكيد ‏غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به....الخ"اهـ ‏
    أقول: أنا لا أريد الآن أن أتعقب كلام رشيد رضا وشيخه في تفسير الرحمن الرحيم، وجميع ما وقعا فيه! ‏إذ المقام الآن لا يسمح بذلك، وربما أكتب رسالة خاصة فيه فإنه موضوع مهم يليق الاهتمام به.‏
    إنما أريد التنبيه إلى بعض تجاوزاته المتفرقة التي يناسب أن نذكرها في هذا الموضوع.‏
    أولا: ليس في كلام الجلال أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، بل غاية ما قاله الجلال المحلي في التفسير ‏لقوله تعالى(الرحمن الرحيم):"أي ذي الرحمة، وهي إرادة الخير لأهله."اهـ ‏
    وعلق عليه العلامة الصاوي في حاشيته فقال:"قوله(أي ذي الرحمة) أضار بذلك إلى أن الرحمن الرحيم ‏بنيتا للمبالغة من رحم والرحمة في الأصل رقة في القلب تقتضي التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى ‏مستحيلة في حقه تعالى، فتحمل على غايتها لأن ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد منه ‏لازمه وغايته."اهـ
    وقال العلامة الجمل في حاشيته:"أشار إلى أن الرحمن الرحيم بنيتا للمبالغة من رحم، أي ذي الرحمة ‏الكثيرة"اهـ فقيدها بالكثيرة.‏
    فالذي في هذا الكلام إشارةٌ إلى عدم القول بأنهما بمعنى واحد، بل تصريح بأن أصل اشتقاقهما فيه اشتراك ‏لا أكثر، أما هما، فلا يغيب عمَّن هو في مثل مكانة الجلالين، وخاصة الجلال المحلي أنَّ اختلاف البناء ‏والصيغة يؤثر في المعنى، فلا يليق أن ينسب إليه أنه يقول إنهما بمعنى واحد. ‏
    ثانيا: إن في كلام الشيخ محمد عبده استهانة بمثل الجلال، والمحشين، وهو لم يصل إلى أجزاء من دقتهم في ‏تحليل الكلام ولا في مكانته في الإسلام ، ويستحيل أن يساويَ درجة الإمام المحلي ولا السيوطي، وأما ‏مكانة محمد رشيد رضا فأدنى كثيرا من شيخه عندنا! ‏
    أقول: فإن كان الأمر كذلك، فلا يليق به أن يحط عليهما بمثل هذا الهجوم العنيف، فيقول:"أنا لا أجيز ‏لمسلم...الخ"اهـ.‏
    ثالثا: نسب الشيخ محمد عبده إلى العلامة الصبان أنه تابع الجلال في القول بالترادف، وأن الثاني مجرد ‏تأكيد للأول. ‏
    وقد خطر في بالي أولا أنه ربما يكون قد قصد العلامة الصاوي في حاشية فغلط سهوا، فلما تبين لي تصريح ‏الصاوي بالتغاير بينهما، فقد قال في حاشيته (4/321):"والرحمن المنعم بجلائل النعم كما وكيفاً، دنيا ‏وأخرى، والرحيم المنعم بدقائقها كذلك."اهـ، استبعدت أن يكون قد أراد الصاوي. ‏
    فرجعت إلى رسالة العلامة الصبان التي عملها في شرح البسملة، فرأيته بعد أن ذكر وجوها عديدة في ‏معاني الرحمن والرحيم، بناء على إفادة كل منهما معنى خاصاً، لا بناء على ترادفهما، واستقصى في ذلك ‏استقصاء مفيداً جدا، قال في ص49:"وفي المقام احتمالات أخر لا تخلو عن بعدٍ وتعسف ككون الرحمن ‏على الأول بدلا أو عطف بيان بناء على جواز اشتقاقهما وكون الرحيم مطلقا بدلا من الله.....إلى أن ‏قال.... وكونه تأكيدا لفظيا للرحمن بناء على ترادفهما، ونكتته ترغيب العباد في التخلق بالرحمة وتقوية ‏رجائهم رحمته...."اهـ
    فأنت ترى أن الصبان قد ذكر وجه التأكيد المبني على الترادف من ضمن الوجوه التي لا تخلو عن بعد ‏وتعسفٍ، فلم يرتضه إذن، فكيف يَصِحُّ من الشيخ محمد عبده التشنيع عليه في هذا القول، ولم يتعب محمد ‏رشيد رضا نفسه في محاولة تتبع شيخه لئلا يقع في العلماء الكبار الذين اعتمد محمد عبده عليهم هو وغيره ‏في تعلم العلوم المفيدة!!! بل تابعه في ذلك ورضي بما قاله، ولم لا فإن هذا التوجه يلاقي هوى في نفس ‏رشيد رضا أيضا!! ‏
    رابعا: وأما ما قاله الشيخ محمد عبده من أن الرحمن تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كفعال، وأن ‏صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على معان ثابتة كالأخلاق والسجايا، وبناؤه قولا خاصا في معنى ‏الرحمن الرحيم على ذلك، فأنا لا أسلمه له، ولا أراه أرجَحَ مـِمـَّا قاله العلماء الأكابر، وإن استخف به ‏وسماه كما في تفسير المنار (1/47):"تحكم في اللغة"اهـ. ‏
    خامساً: ولو كان المقام يسمح لنا بالتفصيل في مناقشته في تخريجاته اللغوية، لأريناك من التحقيق ما تسرُّ ‏له، ويطرب له كل ذي لبٍّ، ولكنا في هذا المحلِّ إنما نهتم بما يكفي لبيان منهج أصحاب تفسير المنار، وأثر ‏هذا المنهج على القراء من طلاب العلم، ومدى موافقته أو مخالفته لعلمائنا المحققين الذين هم العمدة في ‏العلوم الدينية.‏
    ومع ذلك فإنني لم أملك نفسي عن أن أنبه على أمر خطير صرح به الشيخ محمد عبده في معنى الرحمن ‏الرحيم، بناء على أن الرحمة صفة ذاتية لله تعالى، فقال
    (1/47):"فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه ‏آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ‏وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه ‏المفيض للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما، لأن الفعل إذا لم يكن عن صفة ‏لازمة ثابتة وإن كان كثيراً، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ‏ويرضيه سبحانه، ويعلم أن لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على ‏غير مثال صفات المخلوقين..الخ."اهـ
    فلو تمعنت في هذا القول لرأيته قد حاد فيه عن الصواب، إذ فيه تصريح بأن الفعل المتصف بالرحمة يجب ‏أن يكون دائم الصدور عن الله تعالى بناء على أن الرحمة صفة ينشأ عنها ذلك الأثر المتصف بالنعمة ‏والإحسان على سبيل الوجوب واللزوم!! وهذا القول أقرب إلى قول الفلاسفة وقد وقع في قريب منه في ‏تعليقاته على العقائد العضدية.‏
    ولم يعلق محمد رشيد رضا على هذا المعنى لأنه ليس من فرسان علم التوحيد والكلام، فربما لم ينتبه إليه، ‏ولم يعرف حقيقة مبناه، على أنه لو انتبه وعرف أنه مخالف في ذلك لما يقول به السادة الأشاعرة، ربَّما كان ‏تبناه وقال به ما دام لا يعارض أقوال ابن تيمية وابن قيم الجوزية خاصة بعد وفاة الشيخ محمد عبده!‏
    سادسا: وأما ما قاله الشيخ محمد عبده في مسألة الزيادة في القرآن وعدمها، فإنا سنتكلم عليها في موضع ‏خاص، لأن العديد من الكتاب قد خاضوا فيها ولم يفهمها الكثير منهم على وجهها.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. ولما تكلف الشيخ محمد عبده ما مضى، زاد عليه قوله في ص(1/51):"والرحيم الثابت له ‏وصف الرحمة لا يزايله أبدا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية ‏رحمة وإحسان، ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات..."اهـ
    فهو هنا يرجح أن الرحمة ترجع إليها جميع الصفات، وهذا غلو منه غير خافٍ، والمعتمد ‏عند أهل السنة غير ذلك. ‏
    ثم لما كان قد ادعى أن تعلق الرحمة عام، اضطر إلى تخريج وجود العقوبات دنيا وأخرى ‏فقال
    :"ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، وما أعده من العذاب ‏في الآخرة...فإنه وإن سمي قهرا بالنسبة لصورته ومظهره، فهو في حقيقته وغايته من ‏الرحمة..."اهـ
    وهذا تكلف آخر لا يخفى، فكما أن الله تعالى رحيم فهو جبار منتقم، وكما أنه المنعم على ‏عباده، فهو المعذب للكفار والمنافقين، والقول بأن الرحمة تتعلق تعلقا عاما بكل الأشياء، يحتاج ‏إلى دليل، ولم يذكره!‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. #11
    الأستاذ سعيد

    هل صحّ القول عن محمد رشيد رضا أنّه من دعاة نبذ السنّة القوليّة كما زعم سعيد ظاظا في موقع الورّاق إذ قال

    (اطلعت في موقع على الشبكة على بحث موسع حول منكري السنة، في العصر الحديث، فاستوقفني فيه كلامه عن الشيخ محمد رشيد رضا، فرأيت فيه ما يكشف جانبا غير مشهور من حياة هذا الرجل اللغز. قال:

    (كان محمد رشيد رضا من أشد منكري السنة خفية ودهاء، وإن المرء ليشعر بالخجل والأسف وهو يتحدث عن واحد من أبرز رموز الأمة في العصر الحديث، وقد شهد له القاصي والداني بأنه مرجعية المسلمين الأولى في زمانه، وحامل لواء السنة النبوية المطهرة لا مناحة في ذلك، غير أن الأدبيات التي تركها الإمام محمد رشيد رضا خالفت ما تمنيناه، وشككت في ما أيقناه، وشهدت على صاحبها بغير ما أحببناه.
    لقد كان الشيخ محمد رشيد رضا واحداً من الألغاز المحيرة، ليس أقل من لغز وحيرة شيخه الشيخ جمال الدين الأفغاني، فكل منهما قَدّم للإسلام الكثير من العلوم الفقهية والشرعية والسياسية، لكن كل منهما أيضاً استطاع أن يدس على المسلمين الكثير من السم الناقع القاتل، الذي تسلل إلى جسد الأمة حتى تمكن منه ولم يعد سهلاً البراءة من أذاه.
    لقد فتح الباب على صفحات مجلته الشهيرة (المنار) للعديد من الكتاب ومدعي العلم، لممارسة الطعن والإنكار والتشويه ليس في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ورواتها من صحابته رضوان الله عليهم، بل تجاوز ذلك إلى الطعن في كتاب الله وتأويل آياته على غير ما علمت الأمة واعتقدت، ابتداء من عددها التاسع من السنة التاسعة عام 1324هـ ، 1906، ولمدة أربعة أعوام في بضعة عشر عدداً من مجلته المنار.
    وكان صاحبي الشبهات التي تطوع الشيخ رشيد رضا بنشرها في المنار، هما طبيبه الخاص محمد توفيق صدقي (1298هـ ـ 1338هـ/1920) الطبيب بمصلحة السجون بالقاهرة، وصديقه الطبيب الصليبي عبده إبراهيم، الذي قال الشيخ رشيد رضا في المنار (209)، أنه أعلن إسلامه بعد ذلك بعامين، أي بعد أن أفسد على المسلمين عقيدتهم، لكن واحداً من الثلاثة (رشيد وصدقي والذي قيل أنه أسلم) لم ينشر في المنار أنه تراجع عما قال، أو تاب عما ارتكب.
    إنما كتب بعدها الشيخ رشيد رضا مقرظاً لما كتبوه في المنار (210)، ثم ثناءه عليهما عند اعترافه بتصميمه على مذهب منكري السنة (211)، كما وجدناه مرة ثالثة، يثني عليهما عند تأبينه لصدقي قائلاً: >فإني أعرفه سليم العقيدة، مؤمناً بالألوهية والرسالة، على وفق ما عليه جماعة المسلمين، مؤدياً للفريضة (212).
    ولأسباب عديدة فقد حاول الدارسين المسلمين وأصحاب الفقه والفكر، إعتزازاً بالرجل، أن يتلمسوا له الأعذار في هذه الجريمة الشنعاء، مستدلين على براءته بما كتبه في المجلة قائلاً (213): >إن أكبر شذوذ وقع للمترجم يقصد صدقي وشريكه] رحمه الله تعالى وحاول إثباته والدفاع عنه، هو ما عرض له من الشبهة على كون السنة ليست من أصول الدين... ولما عرض له ذلك، واقتنع به هو وصديقه الطبيب عبده إبراهيم، عفا الله عنهما (!!) جاءاني كعادتهما، وعرضاه علىّ ... وإنني كنت أعلم أن هذا الرأي، عرض لغيره من الباحثين المستقلين ... وإنه أي إنكار السنة] رأي منتشر في كثير من الأمصار التي يسكنها المسلمون... وأعلم أيضاً أن كثيراً من المباحث الكبيرة التي تختلف فيها الأنظار، لا تتمحص إلا بالكتابة والمناظرة، ولهذين السببين، ولتوفير الوقت عليّ في تمحيص المسألة لصاحب الترجمة وصديقه، اقترحت عليه أن يكتب رأيه لينشر في المنار<.
    لكن هؤلاء المحبين للشيخ، تغافلوا ولم يقرأوا ماكتبه تحت عنوان >الاعتراف بالحق< قائلاً: (214) >وأصرح بأن اعتقادي الذي ظهر لي بعد طول التفكير والتدبير، أن الإسلام هو القرآن وما أجمع عليه السلف والخلف من المسلمين عملاً واعتقاداً إنه دين واجب ... ولا يدخل في ذلك، السنن القولية غير المجمع على اتباعها)
    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1

  12. الأخ العزيز الأستاذ جمال،
    إن إنكار السنة تهمة خطير جدا، لا نقوى على إلصاقها بواحد وإن خالفناه في أمور عديدة إلا بعد التثبت القوي والمستقصي من أنه يقول بذلك، ولم أسمع عن رشيد رضا قوله بذلك، بل إنه في تفسيره يستشهد بالسنة.... نعم ربما يكون قد سمح لبعض أن ينشر أفكارا تقول بذلك كما يزعم هذا الكاتب، ولكني لا أستطيع أن أتخذ موقفا من هذا الكلام الشديد إلا بعد التحقق منه.
    نعم إن نحو هذا القول يدفعنا ويدفع الأفاضل من الإخوة في هذا المنتدى المبارك إلى أن يحاولوا التثبت من ذلك ومن غيره من الأمور التي تنسب إلى محمد رشيد رضا، وأن يحاولوا الاستقصاء عنها وإفادتنا بما يئول إليه بحثهم، فهذا البحث لا ريب في أنه يفيد الباحثين وطلاب العلم والمعرفة المنقحة.....
    ومع أن واقع الحال الظاهر نستطيع بناء على أن نقول إنه لا يقول بذلك، إلا أن هذا لا يمنعنا من زيادة التحقق...
    وإن وجدت شيئا بخصوص ذلك فسوف أنشره هنا بإذن الله تعالى.....
    والله الموفق
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. رأي محمد رضا في تفسير صفة الرحمة:‏
    ذكرنا لك ما أورده صاحب المنار في صفة الرحمة ، وكان أكثر ذلك الكلام نقلا عن الشيخ محمد عبده، ‏ولكن محمد رشيد رضا ارتأى رأيا آخر بعد الانتهاء من تفسيره سورة الفاتحة، ويغلب على الظن أنه مال ‏إلى هذا الرأي بعد وفاة الشيخ محمد عبده وزياراته المتكرره للوهابية ولقائه بملكهم كما حكاه عن نفسه في ‏كتاب المنار والأزهر . وسوف نحلل ما ذكره محمد رضا في تفسير المنار [1/76] وما بعدها، ونحلله بناء ‏على طريقتنا وبما يتلاءم مع هدفنا الذي وضعناه في المقدمة.‏
    قال محمد رشيد رضا
    : "ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة (ص46) تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ‏ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولا، ومحصلة أن الرحمة ليست من صفات الذات أو صفات المعاني ‏القائمة بذاته تعالى لاستحالة معناها اللغوي عليه، فيجب تأويلها بلازمها وهو الإحسان، فتكون من ‏صفات الأفعال كالخالق والرازق، وقال بعضهم تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة فلا ‏تكون صفة مستقلة وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح "اهـ.‏
    ونشير الآن وباختصار إلى ما في كلامه في هذه الفقرة.‏
    أولا: نسب محمد رضا إلى محمد عبده أنه تابع الأشاعرة والمعتزلة، لا عن قصد بل (ذهولا) كما عبر عنه، ‏وكأنه يقول أن محمد عبده لو عرف الذي عرفه رشيد رضا بعد ذلك، لما قال إلا بقوله، ولنبذ قول ‏الأشاعرة والمعتزلة! ولا ريب أن هذا فيه استنقاصا لعلم محمد عبده، وعندي أن الأولى بالذهول عن ‏الحق هو رشيد رضا لا محمد عبده .‏
    ثانيا: وقع محمد رشيد رضا في إشكالات مركبة سنوضحها في هذه النقطة وما يأتي.‏
    فقد نسب إلى محمد عبده أنه يؤول صفة الرحمة ويرجعها إما إلى الفعل أو إلى الإرادة كما قال رشيد رضا. ‏وهذا غلط واضح، فإن الموضع الذي أشار إليه ذكرنا لك سابقا أنه كلام محمد عبده، مع تعليقات لرشيد ‏رضا، وقد وضحنا سابقا أن محمد عبده اختار فيه أن الرحمة صفة ذاتية عامة التعلق، وهذا خلاف قول ‏الأشاعرة والمعتزلة، وخلاف من أثبتها صفة معنى من الأشاعرة لأنه لم يجعلها عامة التعلق.‏
    فما نسبه محمد رشيد رضا لمحمد عبده غير صحيح إذن، ويبدو أنه لم يتقن فهم كلام شيخه أو لعله قال ‏هذا الكلام مذهولا بعدما التقى بالوهابية وأثروا عليه بكتب ابن تيمية.‏
    ثالثا: تأمل أيها القارئ في العبارة الأخيرة لرشيد رضا، وهي العبارة التي يصف بها قول المتكلمين بأنه ‏فلسفة باطلة مخالفة لهدي السلف الصالح. وهذا القول الذي يصفه بهذه الشناعات هو قول الأشاعرة ‏وهم أهل السنة على التحقيق، فقد علم العارفون بعلم الأشاعرة أن الأشاعرة جمهورهم يقول بأن الرحمن ‏الرحيم إما مشتقان من الفعل الصادر عن الله تعالى، أو عن إرادة ذلك الفعل، وعليه فالرحمة إما صفة ‏فعلٍ لله تعالى، أو راجعة للإرادة بملاحظة بعض تعلقاتها.‏
    وكل من هذين القولين صحيح سائغ قريب من الفكر ومستند إلى اللغة، كما وضحه العلماء.‏
    وبعض الأشاعرة قد يقولون بأن الرحمة صفة ذات ولكن لا يقولون أنها عامة التعلق كما قال محمد عبده. ‏وهذا جرى منهم على طريقة التفويض.‏
    ومع أن المشهور من قول الأشاعرة أقوال راسخة في أهل العلم، إلا أن هذا لا يشكل أدنى دافع عند محمد ‏رشيد رضا ليجعله يتأنى قليلا قبل أن يصفه بأنه قول فلسفة باطلة، وبأنه مخالف لهدي السلف.‏
    وهذه الأوصاف تدلك أيها القارئ المنصف على حقيقة اعتقاد رشيد رضا في أهل السنة الأشاعرة، ‏ولذلك فلا تستغرب كثيرا إذا رأيت مواقفه الصارخة بمخالفتهم واحتقارهم!‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. ثم قال محمد رشيد رضا[1/77] :" والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة وسائر ما ‏يسميه الأشاعرة صفات المعاني، ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافا للمعتزلة . فإن معاني هذه ‏الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر محال على الله تعالى، إذ العلم بحسب مدلوله ‏اللغوي هو صورة المعلومات في الذهن الذي استفادها من إدراك الحواس أو من الفكر، وهي بهذا المعنى ‏محال على الله تعالى، فإن علمه تعالى قديم غيرعرض منتزع من صور المعلومات. وكذلك يقال في سمعه ‏تعالى وبصره. وقد تمدهما من صفات المعاني القائمة بنفسه، والرحمة مثلها في هذا"اهـ.‏
    لا بد أن نقول للقارئ أن رشيد رضا في كلامه هذا يمهد لذكر مذهب ابن تيمية، مع أنه لايفهم حقيقة ‏مذهب الرجل كما هو، وسوف نبرهن على ذلك لاحقا.‏
    ولكن يكفي الآن أن نحلل عباراته الواردة.‏
    فهو يعتقد أنه لا فرق بين العلم والقدرة من جهة، وبين الرحمة من جهة أخرى. فإذا كانت القدرة والعلم ‏صفات معنى، فيجب أن تكون الرحمة كذلك ومعتمده في هذا الاستدلال الغريب أن جميع هذه الصفات ‏محالة على الله تعالى بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر.‏
    فهذا هو معتمد رشيد رضا في قوله الذي اختاره، وهو القول الذي لأجله وصف محمد عبده بأنه إنما قال ‏بما قال ذاهلاً، وهو الذي لأجله وصف قول الأشاعرة بأنه فلسفة باطلة!‏
    وها هنا أمران...‏
    الأول : المدلول اللغوي للعلم مثلا.‏
    والثاني : استعمال العلم في البشر.‏
    ورشيد رضا يعتقد كما يظهر من عباراته أنه لا فرق بين المدلول اللغوي للعلم وبين المعنى الذي ينسب ‏للبشر إذا استعمل العلم فيهم!‏
    وهذا خلط فاضح بين أصل الوضع اللغوي للفظ معين، وبين ما صدق هذا المعنى عليه وما صح ‏استعماله فيه.‏
    نعم نحن نقول إن طريقة حصول البشر على العلم، وحقيقة نفس العلم الثابت للبشر ليس يجوز نسبته لله ‏تعالى، ولكنا لا نقول مطلقا إن ما هو متحقق للبشر مما يطلق عليه العلم، فهذا هو ما وضع له اسم العلم ‏في أصل اللغة، بل غاية ذلك أن يكون صادقا عليه. وهذا واضح عند من حصل أدنى قدر في علم ‏التوحيد، واطلع على بعض علوم الآلة كالبلاغة والوضع ونحوهما، وهي تلك العلوم التي استخف بها ‏رشيد رضا – على نحو من الأنحاء – كما بيناه سابقا، واستخف بفائدتها في علم التفسير!!‏
    فالتحقيق إذن خلافا لرشيد رضا أن المدلول اللغوي للفظ العلم، يصح إطلاقه على الله تعالى كصفة له أو ‏أصل يشتق له منه اسم أو وصف فيقال عالم وعليم.... وإطلاق هذا الاسم على الله في أصله صحيح ‏وليس محالا بالنظر إلى ما وضع له لفظ العلم.‏
    وأما العلم الحاصل للإنسان في حقيقته وأسبابه، فليس ملاحظا في أصل الوضع اللغوي كجزء من ماهية ‏المعنى الدال عليه لفظ العلم، بل هو مأخوذ مما صدق عليه هذا اللفظ عند استعماله في البشر.‏
    ورق عظيم بين الأمرين.‏
    فلا نقول أصلا إن أصل ما وضع العلم له محال في حق الله تعالى كما قال رشيد رضا. ولكنا نقول إن ما ‏صدق على لفظ العلم عند إطلاقه على الله تعالى، ليس عين ما صدق عليه عند استعماله في البشر وإطلاقه ‏عليهم، وذلك لأن حقيقة الله تعالى مخالفة لحقيقة البشر.‏
    ولهذا نقول تقريبا للأذهان إن الاشتراك في إطلاق لفظ العلم على الله تعالى وعلى المخلوقات كالبشر ‏والملائكة اشتراك لفظي بالنظر إلى ما صدق عليه في كلٍّ ، لاختلاف الحقائق،ولكن نقول إن لفظ العلم ‏وضع أصلا على كل مصداقٍ مصداقٍ منها، أو لبعضها دون بعض كما زعم رشيد رضا، بل هو موضوع ‏لمعنى عام صادق عليها كلها، والاشتراك في هذا المعنى لا يستلزم الاشتراك في الحقائق ولا يستلزم ‏الاضطرار إلى التجوز في الإطلاق، فشابه من هذا الجانب الاشتراك اللفظي.‏
    ووجه تسميته بالاشتراك اللفظي هو اختلاف حقائق مصاديقه، مع صحة إطلاقه عليها جميعا، ولكن ‏دون أن يكون موضوعا لكل واحد منها وضعا خاصا، بخلاف المشترك اللفظي المعهود فإن صدقه على ‏المتعددات المختلفات حقيقة يكون بواسطة تعدد الوضع لكلٍّ.‏
    ومع ذلك ، فليس من المحال كونه مشتركا على الحقيقة.‏
    ولنرجع إلى فول محمد رشيد رضا، فإنه خلط كما ترى بين الأمرين وجعلهما أمرا واحدا. ثم تأمل بعد ‏ذلك التعريف الذي زعمه للعلم، وزعم أن هذا اللفظ وضع أصلا في اللغة على هذا المعنى، وهاك المعنى ‏المزعوم للعلم عند رشيد رضا، فقد قال إن العلم في اللغة
    :" صورة المعلومات في الذهن التي استفادها ‏من إدراك الحواس أو من الفكر " اهـ.‏
    فمحمد رشيد رضا زعم أن اللغة وضعت لفظ العلم على هذا المعنى والمتألف مما يلي:‏
    ‏1- صورة المعلومات،‏
    وهذا خلط من محمد رشيد رضا، فإن تعريف العلم بأنه صورة المعلومات تعريف اصطلاحي، وليس ‏كون العلم صورة أو انفعالاً أو حصول الصورة أو نحو ذلك مما ذكره المعرفون للعلم بحسب نظرهم، ‏قيدا ملاحظا في أصل الوضع اللغوي.‏
    ‏2- ثم قيد محمد رشيد رضا المعلومات بأنها حاصلة في الذهن، أو موجودة في الذهن فجعلها كونها في ‏الذهن شطر مدلول كلمة العلم لغة، ولو طالبناه أن يأتي بدليل على هذا الزعم من اللغة لما استطاع إلى ‏هذا سبيلا، بل هو مبني على جهل مركب بالفرق بين أصل الوضع اللغوي والمعنى الاصطلاحي.‏
    ويلزم على قوله أن الذي أدرك الشيء على ما هو عليه، وليس له ذهن، فلا يكون هذا الإدراك علما، ولا ‏تكون الصورة الحاصلة عنده علما، وهذا باطل ظاهر البطلان، والملائكة عالمة لكن لايقال أن لها ذهنا.‏
    فاشتراط الذهن وحصول الصورة فيه كجزء من مفهوم العلم تحكم محض!!
    ‏3- ثم اشترط رشيد رضا للصورة الحاصلة في الذهن قيدا آخر، وهو أن تكون مستفادة من إدراك ‏الحواس أو من الفكر، ويلزم على ذلك أن من ليس له حاسة وحصلت فيه هذه الصورة بلا واسطة ‏الحس، فلا يسمى عالما في اللغة، وكذلك من حصلت لديه هذه الصورة بلا تأمل ولا نظر وفكر، فلا ‏يسمى لغة عالما عند رشيد رضا ومعلوم أن هذا كله تحكم محض منه.‏
    فتبين أن ما ادعاه رشيد رضا ظلمات بعضها فوق بعض.‏
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 10-02-2007 الساعة 16:03
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. وأما ما اعتمد عليه كدليل قياسي، مؤيد لما ذكره، و حاصله أن ما يقال في السمع والبصر من صفات ‏المعاني يقال في الرحمة، فإذا كانت تلك الصفات معان فالرحمة كذلك.‏
    فهو دال على ضعف تعقله لمباحث علم التوحيد وتخبطه فضلا عن تقليده الأعمى لمقولات ابن تيمية ‏وانجرافه خلفه بلا تأمل، وهو دال أيضا على نفوره الواضح من طريقة السادة الأشاعرة في تقرير العلوم.‏
    ويتضح ذلك كله من كلامه الآتي، فقد قال مباشرة بعد ما مضى
    :" فقاعدة السلف في جميع الصفات التي ‏وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن ‏صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله عز وجل( ليس كمثله شيء) فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف ‏له ولكن لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لايشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة ‏له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فجمع بذلك بين النقل ‏والعقل.‏
    وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في ‏الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها. فإما ‏أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى ‏الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة ‏وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين، فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم ‏شبهها بها من باب التجوُّز"اهـ.‏
    هذا ما قاله رشيد رضا، ولا بد من أن نقررأولا أنه مع تأثره الظاهر بابن تيمية في مناهجه الاستدلالية، ‏وفي العديد من المسائل، إلا أنه لم يوافقه على التشبيه وما يتعلق به من مسائل كإثبات الحد والجهة والحركة ‏ونحو ذلك. مع تخابط ظاهر في تقعيد ما يذهب إليه ومنشأه عدم قدرته ومكنته على الاطراد التام في ‏تأسيس المذهب الذي يراه، وتردده بين أقوال مختلفة متخالفة، وتنقله بتدرج من واحد منها لغيره كما ‏ذكرنا ذلك.‏
    فنحن نراه هنا استعار من ابن تيمية طريقة استدلاله التي ذكرها في الرسالة التدمرية وفي غيرها من ‏الكتب، وهي إن القول في صفة من صفات الله كالقول في غيرها، إلا أن رشيد رضا لم أره يقول بقيام ‏الحوادث مثلا، وبالحركة والحد والجهة ونحو ذلك، خلافا لابن تيمية.‏
    واشترك معه في مخالفة الأشاعرة في تأويلهم لظاهر لفظ الرحمة مثلا والغضب ونحوهما.‏
    فرشيد رضا يقول إن القول في الغضب والرحمة كالقول بالعلم، فنثبتها جميعها مع عدم التشبيه، ونعترف ‏بالعجز عن إدراك كنه الصفات.‏
    وإطلاق هذه الصفات على الله تعالى إطلاق حقيقي، وليس من باب المجاز، وأنا مع مخالفتي له في ذلك، ‏أقول إنه أقرب من ابن تيمية إلى قول الأشاعرة مع استنكاره عليهم ورده لقولهم كما رأيت.‏
    لكن ما معنى الإطلاق الحقيقي عنده، والإطلاق الحقيقي هو استعمال اللفظ فيما وضع له، فما هو المعنى ‏الذي وضع له لفظ العلم مثلا، إنه يقول :"معنى الصفة العام" ولم يبين ماهو؟ وهذا ضعف ظاهر في ‏كلامه، مع استحضار ما زعمه سابقا أن العلم وضع للمعنى الذي ساقه وحللنا قوله فيه وبينا تهافته!‏
    فلا معنى إذن لقوله بالإطلاق الحقيقي هنا، ونحن نعتقد أنه يحوم حول المعنى الصحيح لكن لم يظفر به.‏
    وأما الاحتمال الثاني الذي يقترحه، فهو مانسبنا إليه سابقا من زعمه أن نحو هذه الألفاظ وضعت أصلا ‏لصفات المخلوقين، فهو قد قصرها على بعض مصاديقها فيكون استعمال اللفظ في حق الخالق بعد ذلك ‏بضرب من التجوز.‏
    وكان عليه أن يبين وجه التجوز، أما أن يطلق هكذا فلا يقبل منه، إلا أن الدافع الذي دفعه إلى مثل هذا ‏التشتت هو حيرته بين المذاهب والناهج المتعددة مع عدم أهليته للخوض في المسائل العظيمة بحسب ما ‏نراه فيه.‏
    وفي كلامه إيهامات لا بد من التنبيه عليها:‏
    ‏- منها ما يوهمه كلامه من أن أهل السنة يزعمون أنهم يعلمون حقيقة هذه الصفات وأن الاشتراك فيها ‏بين الخالق والمخلوق حقيقي فهذا زعم باطل من رشيد رضا وإيهام لا قيمة له.‏
    ‏- ومنها زعمه تناقض أهل السنة الأشاعرة حينما أولو بعض الصفات ولم يؤولوا بعضها الآخر، فادعاؤه ‏تناقضهم مبني على عدم دركه للمبنى الذي بنوا عليه قولهم، وهو في هذا مقلد أسير لابن تيمية لا لشيخه ‏محمد عبده.‏
    ‏- وأيضا أوهم في قوله أن هذا هو قول ابن تيمية ومدعي السلف من الوهابية، وقد عرفنا نحن بطلان ‏ذلك، فابن تيمية لا يقول بهذا القول بل يخالفه مخالفة صريحة، وذلك لأنه يثبت قيام الحوادث بالذات ‏الإلهية والحركة والتصرف بالذات ونحو ذلك من الحدود للذات، ويبدو من محمد رشيد رضا أنه لا ‏يرضى بذلك كله.‏
    وقد خلط رشيد رضا خلطا واضحا بين مذهب طائفة من المفوضة من أهل السنة، وهم الذين أثبتوا اليد ‏والعين والوجه صفة لله تعالى ليست بجزء ولا عضو ولا جارحة، وبين مذهب ابن تيمية فظن أن ابن ‏تيمية قائل بهذا القول، وظن أيضا أن هذا القول يرفضه الأشاعرة قاطبة.‏
    ومن جهة أخرى، فإنه عمم هذا القول في سائر الصفات كالرحمة وغيرها، وهذا لم يوافقه عليه هؤلاء ‏القائلون بالتفويض مع إثبات أصل المعنى من أهل السنة، وبهذا يظهر مدى تخابطه بين المذاهب والأقوال ‏وعدم قدرته على طرد المذاهب ولا الإلتزام بواحد منها بعينه!!‏
    وسوف يزداد هذا الحال لك اتضاحا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.‏
    والحقيقة الواضحة عند من يعلم مذهب الأشاعرة أنهم يقولون بعدم التساوي بين حقيقة الصفات الإلهية ‏وحقيقة الصفات البشرية وغيرهم من المخلوقات، وإن اشتركت بينهما الأسماء، ولكنهم يجيزون إطلاق ‏نفس الاسم لاشتراكهما في عوارض خارجة عن الحقيقة أو بعض الأحكام، وبهذا صرح بعضهم بأن ‏الاشتراك بين الصفات الإلهية وبين صفات البشر في الأسماء نفسها هو اشتراك لفظي محض، وبعضهم ‏نص على أن قولنا في علم الله أنه صفة تتميز بها الواجبات والجائزات والمستحيلات، ليس تعريفا حقيقيا ‏بل هو رسم، وقولنا (صفة) في التعريف ليس جنسا حقيقيا بل هو كالجنس لعدم وجود اشتراك حقيقي ‏بين صفات البشر وصفات الله تعالى.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •