صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 50

الموضوع: ملاحظات نقدية في تفسير المنار - المنهج والنتيجة

  1. وأما ما اعتمد عليه كدليل قياسي، مؤيد لما ذكره، و حاصله أن ما يقال في السمع والبصر من صفات ‏المعاني يقال في الرحمة، فإذا كانت تلك الصفات معان فالرحمة كذلك.‏
    فهو دال على ضعف تعقله لمباحث علم التوحيد وتخبطه فضلا عن تقليده الأعمى لمقولات ابن تيمية ‏وانجرافه خلفه بلا تأمل، وهو دال أيضا على نفوره الواضح من طريقة السادة الأشاعرة في تقرير العلوم.‏
    ويتضح ذلك كله من كلامه الآتي، فقد قال مباشرة بعد ما مضى
    :" فقاعدة السلف في جميع الصفات التي ‏وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، أن نثبتها له ونمرها كما جاءت مع التنزيه عن ‏صفات الخلق الثابت عقلا ونقلا بقوله عز وجل( ليس كمثله شيء) فنقول: إن لله علما حقيقيا هو وصف ‏له ولكن لا يشبه علمنا، وإن له سمعا حقيقيا هو وصف له لايشبه سمعنا، وإن له رحمة حقيقية هي صفة ‏له لا تشبه رحمتنا التي هي انفعال في النفس، وهكذا نقول في سائر صفاته تعالى، فجمع بذلك بين النقل ‏والعقل.‏
    وأما التحكم بتأويل بعض الصفات وجعل إطلاقها من المجاز المرسل أو الاستعارة التمثيلية كما قالوا في ‏الرحمة والغضب وأمثالهما دون العلم والسمع والبصر وأمثالهما، فهو تحكم في صفات الله وإلحاد فيها. فإما ‏أن تجعل كلها من باب الحقيقة مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه هذه الحقيقة والاكتفاء بالإيمان بمعنى ‏الصفة العام مع التنزيه عن التشبيه، وإما أن تجعل كلها من باب المجاز اللغوي باعتبار أن واضع اللغة ‏وضع هذه الألفاظ لصفات المخلوقين، فاستعملها الشرع في الصفات الإلهية المناسبة لها مع العلم بعدم ‏شبهها بها من باب التجوُّز"اهـ.‏
    هذا ما قاله رشيد رضا، ولا بد من أن نقررأولا أنه مع تأثره الظاهر بابن تيمية في مناهجه الاستدلالية، ‏وفي العديد من المسائل، إلا أنه لم يوافقه على التشبيه وما يتعلق به من مسائل كإثبات الحد والجهة والحركة ‏ونحو ذلك. مع تخابط ظاهر في تقعيد ما يذهب إليه ومنشأه عدم قدرته ومكنته على الاطراد التام في ‏تأسيس المذهب الذي يراه، وتردده بين أقوال مختلفة متخالفة، وتنقله بتدرج من واحد منها لغيره كما ‏ذكرنا ذلك.‏
    فنحن نراه هنا استعار من ابن تيمية طريقة استدلاله التي ذكرها في الرسالة التدمرية وفي غيرها من ‏الكتب، وهي إن القول في صفة من صفات الله كالقول في غيرها، إلا أن رشيد رضا لم أره يقول بقيام ‏الحوادث مثلا، وبالحركة والحد والجهة ونحو ذلك، خلافا لابن تيمية.‏
    واشترك معه في مخالفة الأشاعرة في تأويلهم لظاهر لفظ الرحمة مثلا والغضب ونحوهما.‏
    فرشيد رضا يقول إن القول في الغضب والرحمة كالقول بالعلم، فنثبتها جميعها مع عدم التشبيه، ونعترف ‏بالعجز عن إدراك كنه الصفات.‏
    وإطلاق هذه الصفات على الله تعالى إطلاق حقيقي، وليس من باب المجاز، وأنا مع مخالفتي له في ذلك، ‏أقول إنه أقرب من ابن تيمية إلى قول الأشاعرة مع استنكاره عليهم ورده لقولهم كما رأيت.‏
    لكن ما معنى الإطلاق الحقيقي عنده، والإطلاق الحقيقي هو استعمال اللفظ فيما وضع له، فما هو المعنى ‏الذي وضع له لفظ العلم مثلا، إنه يقول :"معنى الصفة العام" ولم يبين ماهو؟ وهذا ضعف ظاهر في ‏كلامه، مع استحضار ما زعمه سابقا أن العلم وضع للمعنى الذي ساقه وحللنا قوله فيه وبينا تهافته!‏
    فلا معنى إذن لقوله بالإطلاق الحقيقي هنا، ونحن نعتقد أنه يحوم حول المعنى الصحيح لكن لم يظفر به.‏
    وأما الاحتمال الثاني الذي يقترحه، فهو مانسبنا إليه سابقا من زعمه أن نحو هذه الألفاظ وضعت أصلا ‏لصفات المخلوقين، فهو قد قصرها على بعض مصاديقها فيكون استعمال اللفظ في حق الخالق بعد ذلك ‏بضرب من التجوز.‏
    وكان عليه أن يبين وجه التجوز، أما أن يطلق هكذا فلا يقبل منه، إلا أن الدافع الذي دفعه إلى مثل هذا ‏التشتت هو حيرته بين المذاهب والناهج المتعددة مع عدم أهليته للخوض في المسائل العظيمة بحسب ما ‏نراه فيه.‏
    وفي كلامه إيهامات لا بد من التنبيه عليها:‏
    ‏- منها ما يوهمه كلامه من أن أهل السنة يزعمون أنهم يعلمون حقيقة هذه الصفات وأن الاشتراك فيها ‏بين الخالق والمخلوق حقيقي فهذا زعم باطل من رشيد رضا وإيهام لا قيمة له.‏
    ‏- ومنها زعمه تناقض أهل السنة الأشاعرة حينما أولو بعض الصفات ولم يؤولوا بعضها الآخر، فادعاؤه ‏تناقضهم مبني على عدم دركه للمبنى الذي بنوا عليه قولهم، وهو في هذا مقلد أسير لابن تيمية لا لشيخه ‏محمد عبده.‏
    ‏- وأيضا أوهم في قوله أن هذا هو قول ابن تيمية ومدعي السلف من الوهابية، وقد عرفنا نحن بطلان ‏ذلك، فابن تيمية لا يقول بهذا القول بل يخالفه مخالفة صريحة، وذلك لأنه يثبت قيام الحوادث بالذات ‏الإلهية والحركة والتصرف بالذات ونحو ذلك من الحدود للذات، ويبدو من محمد رشيد رضا أنه لا ‏يرضى بذلك كله.‏
    وقد خلط رشيد رضا خلطا واضحا بين مذهب طائفة من المفوضة من أهل السنة، وهم الذين أثبتوا اليد ‏والعين والوجه صفة لله تعالى ليست بجزء ولا عضو ولا جارحة، وبين مذهب ابن تيمية فظن أن ابن ‏تيمية قائل بهذا القول، وظن أيضا أن هذا القول يرفضه الأشاعرة قاطبة.‏
    ومن جهة أخرى، فإنه عمم هذا القول في سائر الصفات كالرحمة وغيرها، وهذا لم يوافقه عليه هؤلاء ‏القائلون بالتفويض مع إثبات أصل المعنى من أهل السنة، وبهذا يظهر مدى تخابطه بين المذاهب والأقوال ‏وعدم قدرته على طرد المذاهب ولا الإلتزام بواحد منها بعينه!!‏
    وسوف يزداد هذا الحال لك اتضاحا فيما يأتي إن شاء الله تعالى.‏
    والحقيقة الواضحة عند من يعلم مذهب الأشاعرة أنهم يقولون بعدم التساوي بين حقيقة الصفات الإلهية ‏وحقيقة الصفات البشرية وغيرهم من المخلوقات، وإن اشتركت بينهما الأسماء، ولكنهم يجيزون إطلاق ‏نفس الاسم لاشتراكهما في عوارض خارجة عن الحقيقة أو بعض الأحكام، وبهذا صرح بعضهم بأن ‏الاشتراك بين الصفات الإلهية وبين صفات البشر في الأسماء نفسها هو اشتراك لفظي محض، وبعضهم ‏نص على أن قولنا في علم الله أنه صفة تتميز بها الواجبات والجائزات والمستحيلات، ليس تعريفا حقيقيا ‏بل هو رسم، وقولنا (صفة) في التعريف ليس جنسا حقيقيا بل هو كالجنس لعدم وجود اشتراك حقيقي ‏بين صفات البشر وصفات الله تعالى.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. ثم زعم محمد رشيد رضا أن ما قاله في الصفات الإلهية قد وافقه عليه الإمام الغزالي رحمه ‏الله تعالى في الإحياء ونقل فقرة من كلامه من كتاب الشكر،وها نحن ننقلها لك من كتاب ‏الإحياء بشرح الزبيدي(9/72):"إن لله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة يصدر عنها الخلق ‏والاختراع، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة ‏تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها فلم يكن لها في العلم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة ‏واضعي اللغات عن أن يمتد طرف فهمهم إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم ‏كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس، لا لغموض في نور الشمس، ولكن لضعف في ‏أبصار الخفافيش، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض ‏عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها اسم ‏القدرة، فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا: لله تعالى صفة هي القدرة، عنها يصدر ‏الخلق والاختراع، ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات ومصدر انقسام هذه ‏الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت ‏عبارة المشيئة، فهي توهم منها أمرا مجملا عند المتناطقين باللغات التي هي حروف وأصوات ‏المتفاهمين بها، وقصور اسم المشيئة عن الدلالة عن كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ ‏القدرة....."اهـ.‏
    وقد اقتصر محمد رشيد رضا في نقله إلى قول الإمام الغرالي:"هي القدرة عنها يصدر الخلق ‏والاختراع"اهـ.‏
    والمتأمل الحاذق في كلام الغزالي يراه لب مذهب الأشاعرة، فلم يقل واحد منهم ‏بالاشتراك في الحقائق بين الله تعالى والمخلوقات لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، ثم ‏أن ترى أن الغزالي يصرح أن الإطلاق كان بنوع استعارة، فليس الإطلاق عنده إذن حقيقيا كما ‏يزعم رشيد رضا أولا.‏
    وليت شعري كيف نرى محمد رشيد رضا يهجم على مذهب الأشاعرة هذا الهجوم ثم ‏يرجع ويستمد منهم ولا يق\ر على مخالفتهم في هذه المسألة مخالفة حقيقية، ويشيح بوجهه عن ‏ابن تيمية فلا يعترض عليه عندما يقول إن الإطلاق على الله تعالى حقيقي ولا مجاز ولا استعارة ، ‏فالتزم قيام الحوادث والحركة والحد وغيرها، ومع ذلك كله نرى رشيد رضا يزعم أن ما يقول به ‏ابن تيمية هو مذهب السلف وأن ما يقول به الأشاعرة إنما تبعوا فيه الفلاسفة!! فهل لذلك ‏سبب إلا الهوى المبني على جهل بحقائق المذاهب.‏
    ولا نجد\ أحدا من المعاصرين الذين يشيدون بمحمد رشيد رضا وبتفسيره يشيرون إلى ‏أمثل هذه التخابطات المنهجية المنتشرة في كتبه.‏
    ثم ختم محمد رشيد رضا كلامه بأن قال في تفسيره
    (1/78):" وقد رجع الإمام أبو ‏الحسن الأشعري شيخ المتكلمين والنظار إلى مذهب السلف في نهاية أمره...."اهـ. وهذا هو ‏الكلام المعهود من ابن تيمية، ولا قيمة له عند أهل التحقيق فالإمام الأشعري نصر مذهب ‏السلف منذ رجوعه عن الاعتزال ولم تحصل له رجعة أخرى في نهاية عمره كما يتوهم الواهمون، ‏وقد بينت ذلك في بعض كتبي.‏
    هجوم حاد على الألوسي:‏
    هاجم رشيد رضا الألوسي صاحب التفسير هجوما عنيفا واتهمه اتهامات كبيرة عندما ‏دافع الألوسي عن مذهب الأحناف في مسألة البسملة هل هي من الفاتحة أم لا. فقال في تفسير ‏المنار:"وقد ذكر الرازي في تفسيره سبع عشرة حجة على إثبات كون البسملة من الفاتحة، منها ‏القوية والضعيفة، وتصدى له الألوسي محاولا دحضها تصبا لمذهبه الذي تخله في الكبر إذ كان ‏شافعيا فتحول حنفيا تقربا إلى الدولة، وصرح بهذا التعصب قال هنا:"على المرء نصرة مذهبه ‏والذب عنه...إلخ"، وهذه كبرى زلاته، المثبتة لعدم استقلاله بعدم طلبه الحق لذاته....الخ"اهـ.‏
    يريد رشيد رضا أنه هو الباحث عن الحق باستقلال وتجرد، وليت شعري فإني أجزم أن ‏الألوسي أقرب إلى الحق والاستقلال في البحث عنه من رشيد رضا، الذي يقلد عدة مذاهب ‏ورجال وهو غير قادر على التوفيق بينها ولا على الترجيح الصحيح، ثم هو بعد ذلك يزعم أنه ‏باحث عن الحق!َ!‏
    ثم وصف محمد رشيد رضا الألوسي صاحب التفسير بقوله
    (1/93):"وأما الجواب ‏الذي نقله الألوسي وارتضاه، فلا يستغرب صدوره ولا إقراره ممن يثبت الجمع بين النقيضين ‏المنطقيين، ويفتخر بأنه يمكنه توجيه ما يعتقد بطلانه"اهـ.‏
    وهذا الكلام يتضمن القدح في الألوسي في نظر رشيد رضا، وما قاله عن الألوسي أنه قادر ‏على توجيه ما يعتقد بطلانه، فهذا دال على إحاطته وعلمه، وأما مسألة الجمع بين النفي ‏والإثبات، فإنا نرى رشيد رضا قد بالغ فيها، ونرى أن كلام الألوسي ضعيف أيضا، ولكن المقام ‏لا يلائم تفصيلها هنا.‏

    وبهذا نكون قد ذكرنا بعض الانتقادات المتوجهة على السيد محمد رشيد رضا والشيخ محمد ‏عبده في تفسير المنار إلى نهاية تفسيرهما لسورة الفاتحة، وسنشرع في تعقبهما بإذن الله تعالى لسورة ‏البقرة، ولا أريد من هذا إلا زيادة البحث والتدقيق الباعث عند أولي النظر والعقول إلى الاهتمام ‏بالإسلام وتنقيح الأنظار مطلوب جليل بل هو واجب على القادرين عند الحاجة. وندعو الله تعالى أن ‏يكون في عملنا هذا فائدة لطلاب العلم باعثا لهم على إعادة النظر في العديد من الأمور بناءً على ‏مناهج أهل السنة والجماعة وعلومهم، وأن لا يمنعهم من ذلك مانع وإن كان اسم الذي ينتقدونه كبيرا ‏وإن كان موصوفا الإمام أو الأستاذ الإمام، شريطة أن يلتزموا في نقدهم الأسس الصحيحة للنظر والله ‏الموفق.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. الإخوة الأفاضل،
    هذا الملف يحتوي على الملاحظات السابقة على تفسير المنار على شكل ملف أكروبات، لمن أراد قراءتها دفعة واحدة وتنزيلها عنده.
    مع رجاء الدعاء بالخير
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. الملف لايعمل ....

    الحقوووووونا .
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

  5. ملاحظات على تفسير المنار لسورة البقرة

    ملاحظات على تفسير المنار لسورة البقرة

    استكمالاً لما بدأناه من إبداء الملاحظات النقدية، وإرشادا لطلاب العلم إلى كيفية إعادة النظر في الكتب التي ألفها ‏بعض المشهورين، وقد خالفوا فيها من بعض الجهات طريقة أهل السنة، نشرع بتوفيق الله تعالى وعونه في كتابة ‏بعض ما لاحظناه على تفسير المنار.‏
    المؤمنون بمجرد الفطرة:‏

    ذكر محمد رشيد رضا أن أقسام الناس التي ذكرها الله تعالى في بداية سورة البقرة ثلاثة، منها كما ‏قال(1/105):"المؤمنون وهم قسمان : اللذين يؤمنون بالغيب بمجرد سلامة الفطرة ويقيمون ركني الدين؛ البدني ‏والروحي والمالي الاجتماعي، والذين يؤمنون به بتأثير إيمانهم بما أنزل من قبله من كتب الرسل..الخ"‏
    ثم ذكر القسمين الآخرين وهما الكافرون الراسخون في الكفر، والمنافقون. ونلاحظ على ما ذكره محمد رشيد رضا ‏أنه في القسم الأول ذكر أن المؤمنون إما يؤمنون بالفطرة أو بتأثير بما أنزل من قبل، ونحن نعجب من هذا القول ‏الذي يهمل فيه المؤمنون عن طريق النظر والعقل، وهو يعلم أن القرآن أصلا نزل يخاط الناس ليؤمنوا بالله تعالى ‏وبرسالاته عن طريق النظر والتدبر العقلي.‏
    ويبدو لي أن حصر المؤمنين في ما ذكر تقليدا للوهابية وابن تيمية، وقد لجأ محمد رشيد رضا إلى تفسير قوله تعالى ‏‏(أفلا تعقلون) في(1/111) بقوله
    "وهي صريحة في أن هذا مخالف في المنقول الشرعي وهو الكتاب، وللمعقول ‏الفطري إذ لا يخفى على عاقل قبح عمل من يأمر غيره بالخير وهو يتركه...الخ"اهـ. فسمى هذا المعقول بالمعقول ‏الفطري، وكان ينبغي أن يقتصر على تسميته بالمعقول كما أطلقه القرآن، وأما تقييده بالفطري، فإن كان المقصود ‏منه أن مخلوق مع الإنسان ذلك الإدراك، فهو غلط محض، وإلا فهو معقول مطلقا ولا وجه لتسميته بالفطري.‏

    استعماله لمصطلح غربي(القرون الوسطى)‏

    من المعلوم أن مصطلح القرون الوسطى مصطلح غربي أطلق على فترة معينة مر فيها أهل أوروبا، وفي هذه القرون ‏انتشر الجهل والخرافات والهزات الفكرية، واشتد فيها تسلط رجال الدين عندهم على الحياة الاجتماعية والسياسية ‏بزعم أنهم يتكلمون باسم الرب. ومن العجيب أن نرى واحدا يفسر القرآن ويزعم أنه يجدد للناس دينهم يستعمل ‏هذا المصطلح ويطلقه على علمائنا المتقدمين فقد قال مثلا في (1/114):" وإن في إطلاق مقلدة المصنفين من خلف ‏القرون الوسطى القول بإيجاب تقليد المجتهدين في أمور الدين وتحريم الأخذ بالدليل فيه.... خلاصة تحريم العلم ‏وإيجاب الجهل، وهذا منتهى الإفساد للفطرة والعقل ، وهو أقطع المدى لأوصال الإسلام وأفعل المعاول في هدم ‏قواعد الإيمان...الخ"اهـ.‏
    ومن الواضح تأثره بالغربيين لا في المصطلح فقط، بل إنه استحضر أيضا روحهم في مخاطبهم الرهبان والبابوات، ‏فتراه يخاطب علماء الدين بنفس تلك الروح التي تسلطت على ما يسمون بعلماء التنوير أو مفكري التنوير.‏
    وتأمل كيف يعتبر تقليد المجتهدين كالفقهاء الأربعة سببا في خراب الدين وفساده
    وقال في أثناء نقده لكتب كان ‏الأزهر قد اعتمدها كشرح التلخيص وحواشيه ونحوهما في تفسير المنار (1/202) وحض على قراءة كتب عبد ‏القاهر الجرجاني وقراءة كثير من منظوم العرب ومنثورهم
    :" فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهما وأداء، ‏والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام البليغ وليس هو مستنبطا منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى ‏حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في الكتب التي أشار إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها إن ‏قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها تفاضل الكلام..."اهـ
    ونحن لا نريد الآن إلا التنبيه على استعماله لمصطلح القرون الوسطى بنفس الإيحاءات التي أشرنا إليها سابقا، وليس ‏قصدنا أن ننقد ما قاله من رأي ضعيف حقا في كتب الإمام السعد وغيره، وسوف نتكلم على رأيه هذا في موضعه ‏إن شاء الله تعالى، وعند ذاك سيتبين لك مدى فهاهة قوله وتفاهة رأيه؛ وإن بدا للعديد من كتاب هذا العصر ‏الغريب العجيب قويا رشيدا.‏
    ولا بد من ملاحظة أننا لا نستقل من فائدة كتب الإمام عبد القاهر بل نقول إنها العمدة والأساس، ولكنا نخالفه في ‏رأي أبداه في مصنفات علماء البلاغة الأخرى على ما سيظهر لك في موضعه.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. لابد من الحجة العقلية للمتصدي لهداية القرآن:‏
    مر معك أن محمد رشيد رضا ذكر أن المؤمنين إما بالفطرة يكونوا مؤمنين أو بتأثرهم بالكتب السابقة، واعترضنا ‏عليه أنه أهمل ذكر الحاجة إلى الحجة العقلية، فالإنسان قد يؤمن بناء على النظر في الحجة العقلية أيضا وهو ما لم ‏يذكره.‏
    فإذا عرفت ذلك فتأمل في قوله قي(1/127)
    :" ومن لا يؤمن بالله لا يمكن أن يهتدي بالقرآن، ومن يتصدى لهدايته ‏لابد له أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلها متصفا بصفات الكمال....الخ"اهـ.‏
    فأنت ترى تصريحه بضرورة الاعتماد على الحجة العقلية في الإيمان بالله تعالى وذلك الإيمان هو شرط الإستفادة من ‏هداية القرآن، وهذا تضارب مع ما مضى مع أن الآيات في أول سورة البقرة لم تقيد المؤمنين بكونهم مؤمنين بالفطرة ‏أو لتأثرهم بالكتب السابقة، وهذا القيد من عند رشيد رضا. وأما القول بأن الإنسان محتاج إلى الحجة العقلية للإيمان ‏بالله تعالى فهو من كلام الشيخ محمد عبده وهو أقعد وأضبط عموما من مجازفات رشيد رضا.‏

    موقفه من بعض العلوم المهمة:‏
    لا يتردد محمد رشيد رضا في الحط من شأن بعض العلوم المهمة عند علماء أهل السنة والمحققين المشتغلين بالعلوم ‏الشرعية، وكذلك لا يلوح في تبخيس قدر بعض العلوم المهمة التي اشتغل أكثر العلماء بها واعتنوا فيها وجعلوها ‏عمدة للدرس والتحقيق، وهذا مطرد عنده وعند شيخه محمد عبده، ومن أمثلة ذلك:‏
    قال في تفسير المنار(1/173) تعليقاً على قوله تعالى: ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ‏ودرسوا ما فيه) :
    "بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، لكنه دارس الصوت والأعلام المعنوية لهداية ‏القلوب والأحلام ومقروء بالتجويد والأنغام ولكنه متروك الحكم والأحكام...الخ"اهـ.‏
    وقال في (1/182) موضحاً رأيه في مختصر السعد في البلاغة:" وأما مختصر السعد ومطوله فلا يتعلم قارئهما إلا ‏الاصطلاحات الجافة التي تفسر ملكة البيان وتبعد بقارئها عن الذوق والبلاغة"اهـ.‏
    ومن البين أن هذا مجرد مبالغة معهودة منه ومن الشيخ محمد عبده، فهذه الكتب لم ينكر فائدتها كبار العلماء بل ‏أقروا بما فيها، وإن اختلف البعض في طريقة عرض علم البلاغة أو النحو، فاختلاف الأساليب غير مذموم، بل هو في ‏غاية الإفادة، ولكن المستنكر هنا أن ينكر رشيد رضا هذه الكتب والعلوم ويدعي أنها تبعد الإنسان عن القراءة ‏والدين!!!‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. تأثره بالوهابية:‏
    قال محمد رشيد رضا (1/184):" فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله ( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ‏وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق هو ربهم ومدبر أمورهم، وإنما كان كفرهم الأعظم ‏بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذي هو ركن العبادة الأعظم في وجدان جميع البشر، وبغير بالدعاء والاستغاثة من ‏العبادات العرفية كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين...."اهـ.‏
    وهذا الكلام لا يُسَلَّم له، فإن الذي يعتقد أن الله تعالى هو مدبر أمره وهو ربه فيستحيل أن يدعو غيره، وإنما يدعو ‏الإنسان من يعتقد قدرته على الإجابة، فلولا أنهم كانوا مشركين مع الله تعالى غيره في التدبير والربوبية، لما دعوا غير ‏الله تعالى، ومن الواضح أن محمد رشيد رضا متأثر تماما بمذهب الوهابية، فهو يكرر بنفس طريقتهم، ولا يكلف ‏نفسه إعادة النظر في بعض مقولاتهم.

    تدقيق لغوي:‏

    قال محمد رشيد رضا في هامش(1/191):" هذا مبني على قاعدة معروفة في العربية وهي أن شرط (إذا) يقتضي ‏الوقوع، وشرط (إن) يقتضي عدم الوقوع أو الشك فيه"اهـ.‏
    والتحقيق أن (إذا) تقتضي قرب الوقوع وتوقعه، و(إن) تفيد بعده الصادق على غلبة نفيه وعلى عدم وجوده قطعاً؟
    وليس كما قال.‏


    تأويل آيه:‏

    قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)‏
    قال في المنار(1/192):
    " وقوله تعالى (من مثله) فيه وجهان (أحدهما) أن الضمير في "مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ‏‏(مما نزلنا)، و(الثاني) أنه ل(عبدنا)، قال شيخنا وهو أرجح بدليل من الداخلة على مثله الدالة على النشوء، أي فإن ‏كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة من مثله فليفعل"اهـ.‏
    قال الماوردي في النكت والعيون (1/84):" ( فأتوا بسورة من مثله) فيه تأويلان:‏
    أحدهما: يعني من مثله من القرآن وهذا قول مجاهد وقتادة.‏
    والثاني: فأتوا بسورة من مثل محمد صلى الله عليه وسلم من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم"اهـ.‏
    وذكر ابن عادل في اللباب الوجه الأول ثم قال(1/435):" الثاني أنها تعود على (عبدنا) فيتعلق (من مثله) ب (أتوا، ‏ويكون معنى (من ) ابتداء الغاية، ويجوز عل هذا الوجه أيضاً أن تكون صفة لسورة أي بسورة كائنة من رجل مثل ‏عبدنا أميّ لا يقرأ ولا يكتب، قال القرطبي: و(من) على هذين التأويلين للتبعيض."اهـ
    ثم ذكر ابن عادل قولين لعود الضمير، فما ذكره الشيخ محمد عبده سبقه إليه غيره وهو لم يدَّعِ التفرد، ولكن ‏لغرابة هذا الوجه ذكرنا ما ذكرنا لئلا يبادر إلى الإنكار.‏

    معنى قوله تعالى ( فاتقوا النار):‏

    قال الشيخ محمد عبده في المنار(1/197):" وهي موطن عذاب الآخرة نؤمن بها، لأنها من عالم الغيب الذي أغبر الله ‏تعالى به ولا نبحث عن حقيقتها، ولا نقول بأنها شبيهة بنار الدنيا ولا أنها غير شبيهة بها....الخ"اهـ.‏
    أنا أرى أن هذا المنهج غير مقنع، بل الواجب أن نثبت للنار حقيقتها وماهيتها المعلومة لدينا في الحياة الدنيا، ثم لا ‏مانع أن نقول أنها أعظم مما في الدنيا من حيث قوتها وكيفيتها أو شدتها، أما أن نقول: أنها لا شبيهة ولا غير شبيهة ‏بالنار في الدنيا، فهو خلاف الظاهر، ولا موجب هنا للعدول عن الظاهر. وإنما وجب العدول عن الظاهر في آيات ‏الصفات المتشابهة كاليد والوجه ونحوها، لأن الله تعالى يستحيل أن يشبه المخلوقات، وهذا المحظور المخوف منه هنا، ‏غير متحقق في النار الآخرة والدنيا.‏
    فقول محمد عبده أنها من المتشابهات، متشابه والله أعلم.‏
    وقد مشى الشيخ محمد عبده على ها الموقف في كل المواضع التي قال إنها من المتشابهات.‏

    تعليق صاحب المنار على القول بالصَّرْفة:‏

    قال صاحب المنار(1/198):" قال بعض علماء المعتزلة: إن إعجازه بالصرفة يعنون أن الله تعالى صرف قدرة بلغاء ‏العرب الخلص في عصر التنزيل عن التوجه لمعارضته فلم يهتدوا إليها سبيلاً، ثم تسلسل ذلك في غيرهم واستمر إلى ‏عصرنا هذا، وهذا رأي كسول أحب أن يريح نفسه من عناء البحث وإحالة قدح الفكر في هذا الأمر....الخ"اهـ
    وقد غفل صاحب المنار عن أن بعض أكابر علماء أهل السنة قد قالوا بالصرفة، كالإمام الجويني في النظامية، وقد ‏نقله القاضي عياض عن بعض أهل السنة في مواضع من الشفا في أحوال المصطفى. وهؤلاء لا يوصفون بأنهم مالوا ‏إلى هذا القول لمجرد أنهم كسولون يحبون أن يريحوا أنفسهم، كلا! بل لا يوصف بهذا الوصف من قال بهذا الوصف ‏من المعتزلة.‏
    ومن عنده علم يقطع أن المسألة لها ذيولها، وأنها لا تخلو من وجه دقة قد بينه العلماء الباحثون في إعجاز القرآن وفي ‏علم الكلام، وإن رجح أكثر أهل السنة خلافها وأن الإعجاز ليس بالصرفة، ولكن لا يقال إن هذا الرأي رأي كسولٍ...الخ ما قال رشيد رضا!
    وإنما أحببت التنبيه إلى هذا، لأن هذه الطريقة التي اتبعها صاحب المنار هنا في نقد المذهب القائل بالصرفة، ليست ‏طريقة علمية ولا مقبولة.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. انتقاد الكتب المعتمدة في بعض العلوم:‏

    غير خاف أن الشيخ محمد عبده كان قد ثار ثورة عظيمة على مناهج الأزهر، وانتقد العديد من الكتب التي كانت ‏مقررة منذ أزمان وفيه، وقد اتخذ الموقف نفسه في انتقاد الكتب المعتمدة للتدريس في علم البلاغة كشرح السعد ‏وألفية الخضري وشروحهما وحواشيهما، وقد كان يزعم أن هذه الكتب لا تفيد شيئاً بل تقطع الإنسان عن روح ‏اللغة، وعن بلاغة القرآن، وهذه دعوى عظيمة، نزعم نحن أنها مردودة لا قيمة لها، فإن أعظم من كتب في التفسير ‏والتدقيق في آيات القرآن الكريم على النهج البلاغي هم العلماء الذين برعوا في هذا الفن على الطريقة التي انتقدها ‏محمد عبده، ومنهم الإمام السعد والشريف الجرجاني والعديد من المفسرين وأصحاب الحواشي الدقيقة التي ما زلنا ‏حتى الآن ننهل من نهلها ونشرب من مائها.‏
    وقد سار على نهجه في هذا الانتقاد محمد رشيد رضا ، وكنا قد نقلنا بعض كلام له في هذا، وسنعلق هنا على جهة ‏نراها مهمة أغفلها الشيخ وتلميذه.‏
    فقد قال صاحب المنار (1/201):
    " فقد مرت القرون في إثر القرون على ترك الناس لمدارس الكلام البليغ منها ‏واستظهاره واستعماله، واقتصار مذاهب الأمصار على قراءة كتب النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وهي ‏أدنى ما وضع في فنونها فصاحة وبياناً، وأشدها عجمة وتعقيداً، وهي الكتب التي اقتصر مؤلفوها على سرد القواعد ‏بعبارة فنية دقيقة بعيدة عن فصاحة أهل اللغة وعن بيان المتقدمين الواضعين لهذه الفنون ومن بعدهم إلى القرن ‏الخامس...الخ"اهـ.‏
    وضرب أمثلة كالسمرقندية وشرحي جوهر الفنون وعقود الجمان وشرحي التلخيص للسعد والعالم بالبلاغة، وليس ‏من ضرورة العالم بالبلاغة أن يكون بليغاً في كتاباته، بمعنى إنه ليس بالضرورة أن يكون شاعراً وخطيباً وأديباً، ولكن ‏العالم بالبلاغة على تحليل الكلام ونقده، وإظهار البليغ منه وبيان جهات البلاغة فيه، وذكر مراتب الكلام البليغ. ‏وبناءً على ذلك، فليس من ضرورة كتب علم البلاغة أن تكون لغتها وأسلوبها شعرية خطابية، بل يمكن أن يكون ‏أسلوبها تقريرياً دقيقاً حازماً، بلا عبارات إنشائية، وهذا الأسلوب هو ما جرى عليه العديد من العلماء المتأخرين ‏وهو الأسلوب الذي قرره الأزهر لتعليم الطلاب، وفي رأيي أن هذا الأسلوب أقرب إلى البلاغة كعلم منه إلى البلاغة ‏كممارسة، وما يريده صاحب المنار ينصب في ممارسة البلاغة وصيرورة الإنسان نفسه بليغاً، ولكن المطلوب في ‏العلوم هو تقرير وجوه البلاغة في الكلام، ونقده وبيان درجاته، والقادر على ذلك هو الذي درس وتعلم علم ‏البلاغة كقواعد رصينة وليس هو من حفظ الشعر وقرأ الأدب وصار منفعلاً به. فالتحقيق إذاً أن المناسب للتدريس ‏هي الطريقة التقريرية في هذا العلم وغيره من العلوم على الأقل في مراحل معينة.‏
    وأزيد أيضاً فأقول: إن تقرير كتابي عبد القاهر وهما الدلائل والأسرار على المبتدئين في دراسة البلاغة غير مناسب ‏مطلقاً، ولا هو موافق للحكمة أيضاً، فهذا أن الكتابان من الكتب المؤسسة للعلم، وليس من المناسب في التدريس ‏تقرير الكتب المؤسسة، كمن يريد تعليم أصول الفقه للمبتدئين فيقرر عليهم الرسالة للشافعي!!‏
    ولذلك لم نزل نرى العلماء يختصرون الكتب المؤسسة ويهذبونها تقريباً لطلاب العلم، وتدرجاً بهم إلى امتلاك المبادئ ‏الأساسية ليتمكنوا بعد ذلك من الخوض مع الكتب الأساسية.‏
    ولو تأمل صاحب المنار قليلاً مع نفسه، لأدرك هذا المعنى، ولكنه في فورة اندفاعه قال ما قال!‏
    ونحن لا ننكر دقة كتب السعد، ولكنها لم تكتب للمبتدئين بل للمنتهين أو للبالغين مراحل متقدمة من هذا الفن. ‏وعلى الأساتذة والمعلمين تقرير الكتب المناسبة للمبتدئين والمتوسطين.‏
    على أنه لو تم سلوك طريقة معينة في التعليم، لكان تقرير مثل كتب السعد في موضعها في غاية الحكمة، وذلك بعد ‏أن يمهد لذلك بما يلائم من الكتب. أما مع قطع المراحل الممهدة والمباشرة في تقرير كتاب السعد، فسوف يلاقي ‏كل من الطالب والمعلم أشد العنت، فالتدرج مطلوب لا شك.‏
    ومما يدل على أن الأمر قد اختلط عند محمد رشيد رضا أنه بعد ما ذكر الطريقة ‘إلى تحصيل البلاغة من قراءة الشعر ‏وحفظه وقراءة كلام البلغاء نظماً ونثراً، ودراسة كتب عبد القاهر وغير ذلك مما هو معلوم غير مجهول ‏قال(1/202):
    " فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهماً وأداءً، والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام ‏البليغ وليس هو مستنبطاً منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في ‏الكتب التي أشرنا إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها إن قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها ‏تفاضل الكلام، إذ يمكن حمل كل كلام عليها ولذلك كان أكثر الناس مزاولة لها أضعفهم بياناً وأشدهم عياً ‏وفهاهةً"اهـ.‏
    وهذا الحكم ما هو إلا من تسرعه، فالمقصود من هذه الكتب ليس تحصيل ملكة البلاغة نفسها، بل تحصيل العلم ‏بالبلاغة، بقواعدها وأحكامها وآثارها، ونحو ذلك ولم يغب عن العلماء ما هي الطريق التي يتوصل بها الإنسان إلى ‏إدراك بلاغة البلغاء وصيرورة ذلك ملكة في نفسه، على أنَّا لا نسلم له عدم فائدة الكتب التي يهاجمها في تحصيل ‏ملكة البلاغة.‏
    وأما حكمه على من يقرأ هذه الكتب بأنه يزداد فهاهة وضعفاً فهو غير مُسَلَّم، بل يزداد علماً وتمكناً في إدراك ‏مواطن البلاغة، ولا أدل على ذلك من أن كبار المحشين على التفاسير المشهورة كالزمخشري والبيضاوي والجلالين ‏هم من أصحاب هذه الطريقة، وليسوا من أصحاب طريقة محمد رشيد رضا وصحبه، وأنى لهؤلاء أن ينتجوا لنا كما ‏أنتج أولئك!‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. ‏ اعتراض وتخابط
    قال الشيخ محمد عبده(1/229):" ولابد في تحقيق الإيمان من اليقين ولا يقين إلا ببرهان قطعي لا يقبل الشك ‏والارتياب"اهـ.‏
    ثم قال (1/229):" لا ينحصر البرهان العقلي المؤدي إلى اليقين في تلك الأدلة التي وضعها المتكلمون، وسبقهم إلى ‏كثير منها الفلاسفة الأقدمون...الخ"اهـ
    فعلق عليه محمد رشيد رضا(1/230):" كان الأستاذ قد أطلق اشتراط البرهان العقلي هنا كما أطلقه في مواضع ‏أخرى تقدم بعضها والبحث فيه، ثم قيده هنا بما بيَّن به خطأ بعض المتكلمين في اشتراطهم البراهين المنطقية التي ‏سموها قطعية على ما فيها من خلل وعلل، والحق أن اطمئنان القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير ‏تردد ولا اضطراب كافٍ في النجاة في الآخرة، وأن أفضل الأدلة ما أرشد إليه القرآن من النظر في آيات الله تعالى في ‏الأنفس والآفاق، فبداهة العقل فيه كافية عند سليم الفطرة الذي لم يبتل بشكوك الفلاسفة وجدليات المتكلمين ولا ‏بتقليد المبطلين"اهـ.‏
    وهكذا كما ترى لا يترك محمد رشيد رضا فرصةً في الحط من مناهج المتكلمين وتشويه صورتهم إلا وينتهزها.‏
    وأما ما قاله محمد عبده من عدم انحصار الأدلة فيما ذكره المتكلمون والفلاسفة، فإن قصد عدم وجوب ذلك عقلاً، ‏فوافقه، وإن قصد أنه يمكن الإتيان بما لم يأت به المتقدمون فمسلم، ولكن هل جاء هو أو غيره بذلك، أم إن همهم ‏هو الاستنقاص مما جاء به المتقدمون!؟
    وأما جعله المتكلمين تابعين في أكثر ما يقولون للفلاسفة فهو غير خاف، وفيه ما فيه، فإن الاستفادة منهم غير ممنوعة ‏لا شرعاً ولا دافعاً، ولكن لا يصح إنكار تفرد المتكلمين بما هو من خصائص منهجهم، ولا يصح عدم الالتفات إلى ‏ما انتقدوه على الفلاسفة وما ردوه عليهم.‏
    وكان على محمد رشيد رضا أن يوضح أن أكثر المتكلمين لم يشترطوا لصحة الإيمان العلم بالبراهين العقلية، وأن ‏المعتمد عند الأشاعرة هو جواز التقليد بشرط كونه جازماً، مع كون المقلِّد مقصراً إذا كان قادراً على الاستدلال ‏ولم يفعل.‏
    وأما عطفه جدليات المتكلمين على شكوك الفلاسفة وإضافة تقليد المبطلين إلى ذلك كله، فواضح ما يرمي إليه.‏
    وقد نص العلماء على أن المعتمد جواز التقليد بالشرط الذي ذكرناه، وهو يعلم ذلك إذ لابد أن يكون قد قرأ ‏الجوهرة ونحوها من كتب المبتدئين في علم التوحيد، وهذا كله مذكور فيها.‏

    الحور العين
    قال الشيخ محمد عبده(1/233):" ونساء الجنات من المؤمنات الصالحات، وهن المعروفات في القرآن بالحور العين، ‏وصحبة الأزواج في الآخرة كسائر شؤونها الغيبية نؤمن بما أخبر به الله تعالى منها لا نزيد فيه ولا ننقص منه، ولا ‏نبحث عن كيفيته، وإنما نعرف بالإجمال أن أطوار الحياة الآخرة أعلى وأكمل من أطوار الحياة الدنيا كما ‏تقدم...الخ"اهـ.‏
    وهذا خلاصة طريقة الشيخ محمد عبده في الإيمان بالغيب، مما أخبرنا الله تعالى عنه من شؤون الآخرة، إلا أنه يجب أن ‏يصرح بأن الحقائق في أصلها واحدة، فلإنسان إنسان في الآخرة أيضاً ولكن درجة إنسانيته أكمل ولذاته أكمل ‏وإدراكه أعلى، وهو لا ينكر ذلك، ولكن قد سبق النقل عنه في ما مضى قوله أنه لا يخوض حقيقة النار ولا يقول ‏أنها شبيهة بنار الدنيا ولا غير شبيهة بها، وكان ينبغي على طريقته أن يقول أن الحقائق والماهيات واحدة، ولكن ‏درجات وكمالات الوجود مختلفة، وحينذاك فلا يمنع القول بالمشابهة بين النارين وبين الوجودين، مع وجود ‏الاختلافات كمالاً ونقصاً.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. رأي رشيد رضا في الحياء:‏
    قال الشيخ محمد عبده (1/ 236) ناقلاً عن البعض مؤدي مذهبهم:" فمعنى عدم استحياء الله تعالى أنه لا يعرض له ‏ذلك الانكسار والانفعال، ولا يعتريه ذلك التأثر والضعف، فيمتنع من ضرب المثل"اهـ
    ولم يرفضه، ولم يمنعه.‏
    فقال محمد رشيد رضا(1/236):" أقول: هذا مؤدي ما قاله الأستاذ في الدرس .....والتحقيق أن الحياء انفعال ‏النفس وتألمها من النقص والقبيح بالغريزة الفضلى غريزة حب الكمال، فهو كمال خلافاً لأولي الوقاحة الذين يعدونه ‏ضعفاً ونقصاً....الخ"اهـ.‏
    ولا أدري هل نستطيع أن نفهم من كلام هذا الرجل أنه لا يحيل اتصاف الله تعالى بذلك، ويعده كمالاً! إنه إن ‏أجاز ذلك، فالله أعلم من هم أولو الوقاحة!‏
    وقد غاب عن رشيد رضا أن الحياء بالقدر الذي ذكره إنما يكون كمالاً لمن هو ناقص أصلاً وقابل لكمال زائد غير ‏حاصل له، أو من توقف كماله على غيره، أما من لم يكن كذلك فهذا المعنى محال في حقه. والله تعالى لا ينتظر ‏كمالاً ليس حاصلاً له ولا يستكمل بغيره. فليفهم هذا فإنه من أصول علم التوحيد.‏

    ‏( وما يضل به إلا الفاسقين):‏
    قال الشيخ محمد عبده( 1/238):" فعرفت علة ضلالهم وهي الفسوق أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في ‏خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلى الذين أوتوه، وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف في ‏الاصطلاحات الشرعية وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي، فإنه لا يصح هنا، وتلك الاصطلاحات حادثة بعد ‏التنزيل"اهـ.‏
    إن العلماء لا يمنعون من إطلاق الفسوق على الكفر، فالكافر فاسق، ولكنهم يقولون إن الفسوق يطلق على ما هو ‏دون الكفر من المعاصي أيضاً، فحمل اسم الفسوق على الكافر يحتاج إلى دليل وقرينة. وهذا الاصطلاح غير مخالف ‏لاستعمال الشريعة لهذا الاسم، بل هو مشتق منها.‏
    وتعريف الفسوق الذي ذكره الشيخ محمد عبده ليس كافياً في هذا المقام، لأن القرآن ذكر الفسوق في مقابل ‏الضلال، إما كفر أو معاصٍ، والمناسب لسياق الآيات إرادة الكفر هنا، لأنه جل شأنه قال: ( وأما الذين كفروا ‏فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً، يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ولا يضل به إلا الفاسقين).‏
    والفسوق هو خروج عن النظم المعين الذي هو الدين هنا، والله تعالى جعل الأمثال التي يضربها يترتب عليها امتحان ‏الناس وافتراقهم إلى ضالين ومهتدين، فالضلال إذن هو بالنسبة إلى ما ينزله الله تعالى من الآيات وليس بالنظر فقط ‏إلى السنن الكونية العامة والهدايات التي بثها الله تعالى في خلقه، وكذلك الهدى والاهتداء يناسب أن يكون بالنسبة ‏إلى المنزل من الآيات والأمثال، فالانحراف عنها فسوق وهذا موافق ومتفق مع اصطلاح العلماء وليس خارجاً عنه.‏

    قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله....):
    قال الله تعالى: ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون).‏
    وفي تفسير المنار قال الشيخ محمد عبده(1/246)
    :" لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي ‏الذي هو دليلها ومثبتها؟ لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث ‏في هذا المقام"اهـ.‏
    كذا قال فوجه الآية بأنها احتجاج بالمجموع بما عليه الجمهور، والذي أراه أن هذا غير مستقيم، لأنه استدلال برهاني ‏وليس حجة جدلية حتى يكون المراد الإلزام، فيكون معنى الآية بناءً على هذا:‏
    إن الله تعالى قد أحياكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، ثم هو الذي يميتكم، ثم يحييكم بعد إماتتكم، فإذا صح ذلك فكيف ‏يسوغ لكم الكفر به وإنكاره أو إنكار صفة من صفاته.‏
    فهو احتجاج عليهم بالأمر في نفسه، ولا يتوقف صحة الاحتجاج هنا على اعتقاد طائفة من الناس به سواء أكانوا ‏أغلب الناس أو أقلهم. وهذا هو الموافق لظاهر الآية، فهي خطاب للكفار بالله تعالى أنفسهم، فهو يقول لهم إنه لا ‏يصح كفرهم به ولا يقوم على أساس والحال ما ذكرنا!!‏
    وليس خطاباً لهم واحتجاجاً عليهم بعقيدة غيرهم ممن لا يكفر بالله.‏
    فلا معنى لقوله "فلا عبرة بالشذاذ"، لأنه لا عبرة بالجمهور إن كان منكراً للحق، والحال كلام في أصل من أصول ‏الدين، وليس يقوم على هذا قول الجمهور أو قول الأقلين.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. #26
    السلام عليكم

    أعطاك الله ملكة الباحث الدقيق فبارك الله بك وبأبحاثك
    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1

  12. جزاك الله خيرا أخي العزيز جمال على هذا الكلام الذي يشد العزم ويشحذ الهمة....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. قصة خلق آدم وخطاب الملائكة:‏
    قال محمد رشيد رضا في الآية الكريمة( وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة...) في تفسير المنار(1/251):" ‏وقد ذهب الأستاذ إلى أن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها بحسب قانون التخاطب ‏إما استشارة وذلك محال على الله تعالى، وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم ومحاجة وجدال وذلك لا ‏يليق بالله تعالى أيضاً ولا بالملائكة"اهـ
    فأنت ترى أن ما اختار أن ما ورد في هذه الآيات فالمراد به التمثيل، يعني أنه لم يحصل على ما يفيد ظاهر النص، ‏وهذا اختيار مخالف لمنهج التفسير حيث إن الأصل الأخذ بالظاهر، ما لم يستحيل، ولا استحالة هنا، أما ما اعتمد ‏عليه من أسباب، فهي ضعيفة جداً،
    فقد قال: إن خطاب الله تعالى إما أن يكون على سبيل الاستشارة وذلك محال في حق الله تعالى أو إخبار فيلزم ‏اعتراض الملائكة عليه جل شأنه وهذا لا يجوز لما أنهم لا يعصون الله ما أمرهم.‏
    فقد أدار الاحتمالات بين اثنين، والاستشارة مرفوضة قطعاً، أما الإخبار فهو في حد ذاته لا إشكال فيه، فلا محال ‏يلزم من إخبار الله تعالى لبعض خلقه ببعض أفعاله، وهو لم يعترض على مجرد إخبار الله تعالى، بل قال إذا كان ‏إخباراً فإن ما قاله الملائكة اعتراض عليه ولا يصح هذا، فنقول له: لا يلزم أن يكون ما قاله الملائكة لا يحتمل إلا ‏معنى الاعتراض، لم لا يحمل على الاستفهام بناء على محدودية علمهم، كما ذكره العلامة أبو السعود العمادي في ‏تفسيره (1/82)
    :" وإنما أظهروا تعجبهم استكشافاً عما خفي عليهم من الحكم التي بدت على تلك المفاسد وألغتها، ‏واستخباراً عما يزيح شبهتهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه السلام من الفضائل التي جعلته أهلاً لذلك، كسؤال ‏المتعلم عما ينقدح في ذهنه لا اعتراضاً على فعل الله سبحانه ولا شكاً في اشتماله على الحكمة والمصلحة إجمالاً، ولا ‏طعناً فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه الغيبة، فإن منصبهم أجل من أن يظن بهم أمثال ذلك، قال تعالى( بل ‏عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون).....الخ"اهـ.‏
    أفلم يكن نحو هذا التفسير قريباً بل متبادراً إلى الذهن كفاية ليخطر في نفس أصحاب تفسير المنار؟ فيصرفهم عن ‏دعوى أن الآية قد سيقت على سبيل التمثيل ولا سؤال ولا جواب!‏
    وكيف ساغ لهم ذلك وقد وردت هذه القصة ونحوها في القرآن والسنة حتى شاع هذا الأسلوب مما يسهل حمله ‏على غير الاعتراض والمشاورة اللذين اعتمد عليهما صاحب المنار في دعوى التمثيل والصرف عن الظاهر.‏
    وأما دعوى أن الخطاب على سبيل التشاور مع الملائكة فهو لعمري بعيد غير متبادر بل هو خطاب على سبيل ‏الإعلام لهم بما سيخلقه الله تعالى وبما سيجعله، ولم يتوقف حكم الله تعالى وإرادته على موافقة الملائكة ولا على ‏قناعتهم أو عدم ذلك مما هو الشأن في المشاورات، فهذا احتمال بعيد يستحضر لتبعيد الظاهر ويطوى طياً، وذلك ‏أسلوب لا يصح في التفسير.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. وأما من قال أن هذه الآية يفهم منها حسن التشاور، فلا شيء في هذا، ولكن يوجد فرق بين أن يستفاد منها حسن ‏المشورة وبين أن يقال أن الله تعالى يشاور الملائكة مشورةً.‏
    وقد عبر محمد عبده عن رأيه في الحوار المذكور في الآية فقال(1/254)
    :" وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من ‏شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ‏ذلك القول، ولكنا نعلم أنه ليس كما يكون منا"اهـ.‏
    وفي كلامه دلالة غير خافية على أنه يقول بأن الحوار تمثيل وإلا فلا حوار ولا سؤال ولا جواب ، وأما ما قال من ‏أنا لانعلم حقيقة ذلك القول ، إن قصد بالقول الآيات المنزلة ، فحقيقة مادل عليه ، وهي معلومة إما قطعا أو ظنا، ‏وإن قصد القول الذي هو كلام الله تعالى ما حقيقته في نفسه وكلام الملائكة ماحقيقته في نفسه ، فلا يتوقف فهم ‏الآية على ذلك وليس هذا مقصودا منها ، بل محل لذكر هذه العبارة هنا خصوصا.‏
    وقال الشيخ محمد عبده في تفسير المنار(1/255):
    "فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثِّلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لايعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين وبالأنبياء أن ‏يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين .."اهـ .‏
    وهذا يعني أن الشيخ محمد عبده يزعم أن ظاهر الآية المفهوم منها أن الملائكة فعلوا هذه الأفعال من الاختصام ‏ونحوه، ولا ريب في أن هذا خلاف الصحيح، كما بيناه عند العلماء.‏
    والشيخ مصر على أن الآيات وردت مورد التمثيل فقد قال ( 1 / 255 )
    :" وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة ‏الملائكة ووضع لهم تعريفا ومنهم من أمسك عن ذلك ، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون ، والقصة على ‏مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ماتفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية ..الخ"اهـ
    ولا أدري لم يستحيل حمل الآية على ظاهرها عند الشيخ محمد عبده، وقد أبطلنا الحجج التي سند إليها في ذلك، فإن ‏لم يبق عنده غيرها، فلا مصحح له لصرفها عند الظواهر.‏
    ولا أدري لما يصر الشيخ محمد عبده فيما يزعم أنه من المتشابهات على أن يجري فيه مجرى السلف فيسكت عنه ولا ‏يخوض فيه، ونراه قد تكلم وخاض هنا مع زعمه أن الآية من المتشابهات؟!‏
    وقال في ( 1 / 264 )
    :" وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله ‏تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك، وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل
    وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية في قوالب العبارة ‏اللفظية...الخ " اهـ
    كذا قال، وقد مضى أنه لاحاجة إلى التأويل بهذه الصورة، وإن قصد بالتمثيل أن شيئاً من المحاورة والخطاب لم يكن، ‏فهذا خلاف الظاهر ولا مسوغ له.‏
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. #30
    السلام عليكم

    الأستاذ المحترم سعيد

    ترى متى تحوّل محمد رشيد رضا عن منهج أستاذه محمد عبدة ليقترب أكثر من منهج السلفيّة --وأين بدأ ظهور ذلك في تفسير المنار ؟؟
    للتواصل على الفيس بوك

    https://www.facebook.com/jsharabati1

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •