النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: تسلية أهل المصائب

  1. #1

    تسلية أهل المصائب

    كتاب تسلية أهل المصائب

    ---------------------------------------------------------------------

    الباب الأول ـ
    في المصيبة و حقيقتها و ما أعد الله لمسترجعها
    ---------------------

    قال الله تعالى : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : نعم العدلان و نعمت العلاوة { أولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة } الآية ذكره البخاري تعليقا


    و قال تعالى : { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله و من يؤمن بالله يهد قلبه } قال علقمة وجماعة من المفسرين : هي المصائب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيرضى و يسلم و الآيات في هذا الباب كثيرة


    قال أهل اللغة : يقال مصيبة و مصابة و مصوبة قالوا : وحقيقته الأمر المكروه يحل بالإنسان و قال القرطبي : المصيبة كل ما يؤذي المؤمن و يصيبه يقال : أصابه إصابة و مصابة و صابة و المصيبة واحدة المصائب و المصوبة بضم الصاد مثل المصيبة و أجمعت العرب على همز المصائب و أصله الواو وكأنهم شبهوا الأصل بالزائد و يجمع على مصاوب و هو الأصل وعلى مصائب
    و المصاب : الإصابة قال الشاعر :
    ( أسليم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم )
    و صاب السهم القرطاس يصيبه صيبا : لغة في أصابه و المصيبة : النكبة ينكبها الإنسان و إن صغرت و تستعمل في الشر و [ روى عكرمة مرسلا : إن مصباح النبي صلى الله عليه و سلم انطفأ ذات ليلة فقال : { إنا لله و إنا إليه راجعون } فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال : نعم ! كل ما آذى فهو مصيبة ]

    و في صحيح مسلم [ من حديث أبي سعيد و أبي هريرة ـ رضي الله عنهما ـ أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما يصيب المؤمن من وصب و لا نصب و لا سقم و لا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ]
    و الوصب : المرض ـ و النصب : التعب


    و في الصحيحين [ عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز و جل بها عنه حتى الشوكة يشاكها ]

    و قال الإمام أحمد : [ ثنا يونس ثنا ليث ـ يعني ابن سعد ـ عن يزيد ابن عبد الله عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أم سلمة قالت : أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه و سلم قولا سررت به قال : لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول : اللهم اؤجرني في مصيبتي و أخلف لي خيرا منها إلا فعل ذلك به

    قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت في مصيبتي و قلت : اللهم اؤجرني في مصيبتي و أخلف لي خيرا منه ـ وفي لفظ : خيرا منها ـ ثم رجعت إلى نفسي و قلت : من أين خير لي من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ و أذنت له فوضعت له وسادة من أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي فلما فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة و لكني امرأة في غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به و أنا امرأة قد دخلت في السن و أنا ذات عيال فقال : أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز و جل عنك و أما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل ما أصابك و أما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي قالت : فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه و سلم فتزوجها رسول الله ] فقالت أم سلمة بعد : أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه : رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد روي هذا الحديث بعدة طرق في الصحاح و المسانيد و سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى
    -----------------------

    إن رأى الزملاء في الكتاب فائدة نواصل استعراضه

    فما رأيكم؟؟

  2. نحن نتابع فواصل بارك الله فيك .
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

  3. #3
    فصل ـ
    في كلمة إنا لله و إنا إليه راجعون

    -------------------------------------------------------
    و قد جعل الله كلمات الإسترجاع ـ و هي قول المصاب : { إنا لله و إنا إليه راجعون } ملجأ و ملاذا لذوي المصائب و عظمة للممتحنين من الشيطان لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة فيهيج ما سكن و يظهر ما كمن فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير و البركة فإن قوله : { إنا لله } توحيد و إقرار بالعبودية و الملك و قوله { و إنا إليه راجعون } إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا فهو إيمان بالبعث بعد الموت و هو إيمان أيضا بأن له الحكم في الأولى و له المرجع في الأخرى فهو من اليقين إن الأمر كله لله فلا ملجأ منه إلا إليه
    و روى مسلم في صحيحه من [ حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : { إنا لله و إنا إليه راجعون } اللهم اؤجرني في مصيبتي و أخلف لي خيرا منها ] الحديث


    و روى مسلم أيضا عن [ أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون قالت : فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال : قولي اللهم اغفر لي و له و أعقبني منه عقبى حسنة ] فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه : محمدا صلى الله عليه و سلم هكذا روي بالشك : إذا حضرتم المريض أو الميت هذا لفظ مسلم
    و قد تقدم معنى هذا الحديث من طريق أخرى [ عن ابن سفينة مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : { إنا لله و إنا إليه راجعون } اللهم اؤجرني في مصيبتي و أخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها ] قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت : من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قالت : ثم عزم لي فقلتها فتزوجت رسول الله صلى الله عليه و سلم


    و روى مسلم نحوه من حديث سعد بن سعيد الأنصاري أخي يحيى ابن سعيد عن عمر بن كثير عن ابن سفينة فذكر نحوه
    و المقصود : أن هذا تنبيه على قوله تعالى : { و بشر الصابرين } إما بالخلف كما أخلف الله تعالى لأم سلمة بدل زوجها أبي سلمة رسول الله صلى الله عليه و سلم حين تبعت السنة و قالت ما أمرت به ممتثلة طائعة إن البر ـ له ـ والخير فيما قاله الله ورسوله و إن الضلال و الشقاء في مخالفة الله و رسوله فلما علمت ـ رضي الله عنها ـ أن كل خير في الوجود إما عام و إما خاص فهو من جهة الله و رسوله و أن كل شر في العالم أو كل شر مختص بالعبد فسببه مخالفة الله و رسوله فلما قالت هذه الكلمات حصل لها مرافقة الرسول في الدنيا و الآخرة


    و قد يحصل العبد بكلمات الاسترجاع منزلة عالية و ثوابا جزيلا كما في [ حديث أبي موسى و سيأتي ذكره و فيه : فيقول الله تعالى لملائكته : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك و استرجع فيقول الله تبارك : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد ] و قد تقدم الاسترجاع في المصيبة وأن قائله عليه الصلوات من ربه و الرحمة و هو من المهتدين و قول عمر : نعم العدلان و نعمت العلاوة وأنه أراد بالعدلين الصلوات و الرحمة و بالعلاوة الهداية و الله أعلم و قيل : المراد استحقاق الثواب و تسهيل المصاب و تخفيف الحزن { أولئك عليهم صلوات من ربهم } فالصلاة من الله الرحمة و من الملائكة الاستغفار و من الآدمي التضرع و الدعاء و قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة و صلاة الملائكة الدعاء و ظاهر الآيه ـ و الله أعلم ـ أن الصلاة من الله غير الرحمة فإنه تعالى عطف الرحمة على الصلاة فعلم التغاير

  4. #4

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •