النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: مقال مهم حول أحكام الترك في السنة

  1. مقال مهم حول أحكام الترك في السنة

    الترك في السنة والأحكام التي تدل عليها


    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن تروك النبي صلى الله عليه وسلم يمكن تقسيمها إلى أقسام موازية لأقسام أفعاله. والأقسام التي يظهر انقسام الترك إليها ما يلي:
    الأول: الترك لداعي الجِبِلّة البشرية. وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم الضب، وقال: ((إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه)).
    وكان يترك الطعام إن لم يكن مما يشتهي. ففي الحديث: ((ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه)).
    ويظهر ن من هذا النوع ما روي أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة فأتته ميمونة بخرقة، فلم يُردها، وجعل ينفض الماء بيده. فتركه التنشيف ظاهر أنه لغرض جِبِلّي، ولعله يتعلق برغبته في إطالة برهة ترطب البدن، أو غير ذلك. وقال ابن دقيق العيد: ((رد المنديل واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشيف، بل لأمر يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك)). ولا حاجة لهذا التكلف بل الأولى حمله على الغربة الجِبِلّية، والله أعلم. ونقل ابن قدامة أن عبدالرحمن بن مهدي وجماعة من أهل العلم كرهوا التنشيف لهذا الحديث. ثم قال: ((وترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الكراهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد يترك المباح كما يفعله)).
    الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به صلى الله عليه وسلم. وهو تركه لما حرم عليه خاصة. كتركه أكل الصدقة. قال صلى الله عليه وسلم: ((إنا معشر آل محمد لا تحل لنا الصدقة)).
    ومثله ترك ما يشتبه أنه من الصدقة. ومنه أنه صلى الله عليه وسلم وجد تمرة ملقاة، فقال: ((لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها)).
    ولا يجوز أن يحمل شيء من تروكه صلى الله عليه وسلم على الخصوصية لمجرد الاحتمال. بل لابد من دليل، كما في الأفعال.
    وقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة على سبيل الاستحباب.
    فقياس قوله هنا إنه ينبغي أن يستفاد لحقنا كراهية ما خُصّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمه. فيكون أكل الصدقة مثلاً، مكروهاً لنا.
    الثالث: الترك بياناً أو امتثالاً لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله. فيستفاد حكم الترك من الدليل المبين والمتمثل. ومثاله تركه صلى الله عليه وسلم الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: ((إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)). وقال: ((لا يحل مني حرام حتى يبلغه الهدي محله)) فقد امتثل النهي الذي في الآية، بترك التمتع، لما كان قد ساق الهدي. وتبين بذلك حكم من ساق الهدي. وتبين أيضاً أن المحِلّ الزماني مراعىً.
    والحكم هنا ـ أعني حكم الحلق ـ هو التحريم، لظاهر النهي في الآية.
    ومن الترك الامتثالي تركه صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافقين لما نزل قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً).
    الرابع: الترك المجرد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة. وهو نوعان:
    الأول: ما علم حكمه في حقه بقوله صلى الله عليه وسلم، أو باستنباط.
    والثاني: ما لم يعلم حكمه.
    فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذاً من قاعدة المساواة في الأحكام.
    وأما ما لم نعلم حكمه في حقه صلى الله عليه وسلم، فما ظهر فيه أنه تركه تعبداً وتقرباً نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذاً من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة، حتى تيمم.
    وما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد.
    فعلى ما تقدم ذكره، لا فرق بين الفعل والترك في التأسي فيهما، وقد صرح الشوكاني بذلك، فقال: ((تركه صلى الله عليه وسلم للشيء كفعله له في التأسي به فيه)).
    ويقول الجصاص، وفيه تلخيص أحكام الترك: ((نقول في الترك كقولنا في الفعل. فمتى رأينا النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك فعل شيء، ولم ندر على أي وجه تركه، قلنا تركه على جهة الإباحة. وليس بواجب علينا إلا أن يثبت عندنا أنه تركه على جهة التأثم بفعله، فيجب علينا حينئذ تركه على ذلك الوجه حتى يقوم الدليل على أنه مخصص به دوننا)). وفي هذا القول منه بعض النظر يعلم مما بيناه في هذا المبحث.
    وقال ابن السمعاني: ((إذا ترك صلى الله عليه وسلم شيئاً وجب علينا متابعته فيه)) ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال.
    فظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسي.
    ـ تفريق القاضي عبدالجبار في التأسي بين الترك والفعل ومناقشتنا له في ذلك:
    فرّق القاضي عبدالجبار بين الترك وبين الفعل، في التأسي بهما. فعنده أن الفعل إذا وقع منه صلى الله عليه وسلم يتأسى به فيه على كل حال، لأنه، لا يخلو أن يكون من أحد الأقسام المعلوم حكمها أو من المجرد، فإن كان مجرداً فإما أن يظهر فيه قصد القربة، فيتأسى به على وجه الندب، أو لا يظهر فيه ذلك، فيتأسى به فيه على وجه الإباحة، أما الترك فإن كان معلوم الحكم يتأسى به على أساس ذلك الحكم، لكن إن كان مجهول الحكم فالتأسي به عند عبدالجبار غير ممكن. يقول: ((أما الفعل فقد ينقل الوجه الذي عليه وقع، فيصح معه التأسي))، ثم قال: ((فأما تركه فإنما يدل بمقدمة زائدة، نحو أن نعلمه تاركاً لما جعل علامة لوجوب الفعل، فنعلم أنه ليس بواجب، أو خروجه عن كونه واجباً إذا تعمده وقصد إليه)).
    ويقول في موضع آخر: ((التأسي به صلى الله عليه وسلم في الفعل أولى من الترك، لأن الترك لا يقع غلا على الحد الأول الذي لا تقتضيه طريقة التأسي، فهو بمنزلة الأكل والشرب وغير ذلك، إلا بأن يكون الترك واقعاً على وجه يعلم أنه من باب الشرع)). اهـ.
    وهو بهذا يشير إلى أن الترك يجوز أن يدل على التخصيص أو النسخ. فإن لم يكن كذلك وعلم حكمه من دليل خارجي صح التأسي به. فإن لم يعلم حكمه فهو حينئذ من قبيل الترك الجِبِلّي، ويكون بدرجة الفعل الجِبِلّي الذي لا أسوة فيه، لأن حالة الترك هي الأصل بالنسبة إلى الأفعال الوجودية. ولا يجوز عند عبدالجبار إلحاق الترك بما ظهر فيه قصد القربة من الأفعال، حتى يدل على الكراهة.
    وتوجيه قوله أن الفعل يظهر فيه قصد القربة من كونه مخالفاً للمعتاد، كهيئة المصلي، أو الساجد، أو الملبي، أو الطائف، أو الساعي، مع ما يظهر من الخشوع والتضرع، ونحو ذلك. أما الترك فهو أمر مجرد لا يظهر للتقرب به وجه.
    والذي نرى أنه يحل الإشكال أن يقال: إن الترك إن كان عدمياً صرفاً، فهو الذي بمنزلة الفعل الجبلي غير الاختياري، لأنه صلى الله عليه وسلم لغفلته عن الشيء الذي ليس بحضرته، ولا داعي يدعوه لفعله، فهو خارج عن نطاق التكليف. ولذلك فلا أسوة فيه. وهو الذي نعتقد أن القاضي عبدالجبار يريده بالترك الذي لا أسوة فيه.
    وأما الكف عن الشيء والإمساك عنه، فهو أمر تكليفي مقصود، قد يظهر فيه قصد القربة، فيدل على كراهة الشيء، دون تحريمه. وقد لا يظهر فيه قصد القربة، فيحمل على أنه من ترك المباح. ويدل على الإباحة.
    ولذلك كان الصواب التسوية بين الفعل والترك في جميع المراتب. فكما أن من الأفعال أفعالاً جبلية اضطرارية لا أسوة فيها، فكذلك التروك العدمية جبلية اضطرارية، ولا أسوة فيها. وكما أن من الأفعال ما هو معلوم الحكم فيتأسى به، فكذلك في التروك. وكما أن مجهول الحكم من الأفعال يحمل على الندب أو الإباحة ويتأسى به على ذلك الأساس، فكذلك الكف والإمساك، يحمل مجهول الحكم منه على الكراهة أو الإباحة، والله أعلم.
    ـ تكرار الترك:
    إنه كما تقدم في الفعل أن تكراره والمواظبة عليه يقرب أنه صلى الله عليه وسلم فعله على جهة التعبد والقربة، فكذلك التروك، ترقى بها المواظبة حتى تقربها من باب ما ترك تعبداً.
    ونضرب مثالاً على ذلك ما ورد في الصحيحين عن ابن عمر: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه)). وفي رواية البخاري: ((إلا الفرائض)) ولمسلم: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)).
    فإنه تركه لصلاة الفريضة على الراحلة، لو كان تركه مرة أو مرتين، لا يدل على المنع منها. يقول ابن دقيق العيد: ((قد يتمسك بما في الحديث في أن صلاة الفرض لا تؤدي على الراحلة. وليس ذلك بقوي في الاستدلال لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص. وليس الترك بدليل على الامتناع)).
    ثم قال: ((وقد يقال إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين. فترك الصلاة لها دائماً، مع فعل النوافل على الراحلة، يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه)).
    وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي نريده. وهو المعتمد عند الفقهاء في هذا الفرع.

    د. محمد سليمان الأشقر


    منقول
    http://www.daraleman.org/forum/forum_posts.asp?TID=2944
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,004
    مقالات المدونة
    2
    أولاً: كلام الإمام ابن دقيق العيد ليس فيه تكلف، لأنه لم يذكر سوى أمثلة لما يمكن أن يحمل عليه تركه عليه الصلاة والسلام للتنشيف، فما وجه التكلف فيه؟

    ثانياً: لم يفرق الكاتب هنا بين الكف وبين الترك في مسألة ترك النبي صلى الله عليه وسلم أكل الصدقات، فهذا كف وليس ترك، لأنه ترك مقصود، فهو ليس من باب التروكات المبحوث فيها.

    والله أعلم
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  3. هل لكم شيخ جلال أن تقوموا بدراسة نقدية وافية لهذا البحث ان رأيتم خيراً في ذلك ؟

    فمسألة الترك من المسائل التي لم تستوف حقها في كتب الأصول بحسب علمي المتواضع
    وهذا يعني أنها تستحق دراسة أعمق وأشمل والمقالة مناسبة لنحظى بتعليقات مفيدة عليها منك تغني هذا الموضوع .

    وبارك الله بكم .
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •