النتائج 1 إلى 12 من 12

الموضوع: بحث: السلفية المعاصرة، وأثرها في تشتييت المسلمين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,985
    مقالات المدونة
    2

    بحث: السلفية المعاصرة، وأثرها في تشتييت المسلمين

    هذه ورقة الأستاذ سعيد حفظه الله وأيده بالتسديد .. قدمها في مؤتمر (وحدة الأمة وتصفية الفكر الإسلامي)، وقد حصل حولها نقاش طويل بين الحضور.. وبإذن الله تعالى سأضع لكم قريباً شريط الفيديو كاملا ًلهذه المحاضرة بالمناقشات التي تمت حولها، وبردة فعل السلفيين الذين حضروا هذا المؤتمر ..

    =====================================

    الورقة في المرفقات ..
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة جلال علي الجهاني ; 02-04-2007 الساعة 23:11
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  2. بوركت أخي الكريم

  3. الحمد لله
    تحليل دقيق أيها الشيخ السعيد، فقد وضعتم إصبعكم فوق النقاط المهمة، ألا وهي محاولة استبدال الصرح الأعظم بالوهم المظلم، وقرون من النظر والتحقيق، ببضع سنين من الافتراء والتلفيق، فمعلوم أن الفكر السني الأشعري لم يتوقف عن النقد الذاتي والتطور بغية الوصول إلى أقصى المدارك الانسانية لفهم وإقامة الحجة على صحة عقائد الاسلام الدينية، تماما كما هو معلوم أن الجمود والتقليد الوهابي السلفي لشيخيهما اليتيمين لم يتزحزح شبرا عن رتبته الدنية، بل ضل متقهقرا إلى أن صار يحتج بالسب والشتم وتسفيه أفاضل الأمة وأكابر علمائها التي تفخر بهم الأمة الاسلامية، بل تدين لهم الحضارة الانسانية، والعجب العجاب أن عوامهم قد انخرطوا في سلك القدح في العلماء المرضيين، يتكلمون فيهم بهتانا وزورا وبلا سلطان مبين، حجتهم أناشيد حفظوها من الرؤساء البؤساء، يلقونها بلا إدراك لمضمونها ولا لوازمها النكراء، ولو كان في متعالميهم خيرا لألجموهم عن الخوض في أصول الدين، وحذروهم حصائد ألستنهم يوم الدين، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، والمعاند حتما سيضل في التيه، وإني لأعتقد يقينا أن مذهبهم الفاسد ليس إلا جنديا باطلا من جنود الحق، وكلما اشتد عوده أذن ذلك بموته وقرب انتصار الحق، فحركتهم المدعومة بالذهب الأسود، ستسود وجوههم وتخزيهم إلى الأبد، ولو كانوا يرومون طول عمر لقلدوا المذاهب الشيعية، الذين ألجموا عوامهم عن القدح في كلام الأئمة الأشعرية، واكتفوا بالكذب عليهم في كتب الخواص منهم، درءا لكشف عوراتهم وانفضاحهم.

    أما عن السيد رشيد الرضا، فقد جاء في تفسير آية المحكمات والمتشابهات من سورة آل عمران ص ١٩٦ بما ينبأ عن انتقاله من تقليد صحيح إلى تقليد فاسد، ومن فكر لم تزل آفاقه تتسع إلى فكر كاسد، فقد قال:

    اعلم أن ما تلقيناه في كتب العقائد التي تقرأ للمبتدئين من طلاب العلم في ديار مصر والشام كالجوهرة والسنوسية الصغرى وما كتب عليهما من شروح وحواش، هو أن للمسلمين في الآيات والأحاديث المتشابهات في الصفات مذهبين: مذهب السلف وهو الإيمان بظواهرها مع تنزيه الله عما يوهمه رالظاهر وتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، ومذهب الخلف وهو تأويل ما ورد من النصوص في ذلك بحمله على المجاز أو الكناية ليتفق النقل مع العقل. وقالوا إن مذهب الخلف أعلم لأنه يفسر النصوص جميعها ويحمل بعضها علي بعض فلا يكون صاحبه مضطربا في شيء من دينه، وقالوا إن الخلاف في التأويل والتفويض مبني على الخلاف في قوله تعالى: *والراسخون في العلم * هل هو معطوف على ما قبله، أم الواو للاستئناف، والراسخون مبتدأ، خبره: *يقولون آمنا به* إلخ . هذا ملخص ما يلقن الطلاب في هذا العصر، كتبناه من غير مراجعة لهذه الكتب القاصرة التي اعتمد عليها الأزهريون ومن على شاكلتهم فليراجعها من شاء في حاشية الجوهرة للباجوري عند قول المتن: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها. ،كنا نظن أوائل الطلب أن مذهب السلف ضعيف وأنهم لم يؤولوا كما أول الخلف لأنهم لم يبلغوا مبلغهم من العلم والفهم لا سيما الحنابلة أو بعضهم. ولما تغلغلنا في علم الكلام وظفرنا بعد النظر في الكتب التي هي منتهى فلسفة الأشاعرة في الكلام بالكتب التي تبين مذهب السلف حق البيان، لا سيما كتب ابن تيمية، علمنا علم اليقين أن مذهب السلف هو الحق الذي ليس وراءه غاية ولا مطلب، وأن كل ما خالفه فهو ظنون وأوهام لا تغني من الحق شيئا. انتهي

    وكما يرى القارئ، فظاهر كلامه ينبئ عن كونه سبر كتب الأشاعرة وتحقق زيف آرائهم، وعند تحقيقه يتبين مدى بعده عن مداركهم، بل وعجزه - عمدا أو جهلا - عن ضبط مذاهبهم.. وسنأتي بظبطه على أيدي المحقق قاضي القضاة الشيخ البكي الكومي في شرحه على عقيدة أهل السنة عقيدة العلامة ابن الحاجب.

    فقوله: مذهب السلف وهو الإيمان بظواهرها مع تنزيه الله عما يوهمه ذلك الظاهر وتفويض الأمر فيه إلى الله تعالي. انتهي. يرده قول صاحب متن الجوهرة في شرحه الكبير عليها في شرح البيت المذكور: فظهر مما قررناه اتفاق الفريقين - السلف والخلف - على التنزيه عن المعنى الظاهر للفظ. انتهى.
    ولن نأتي بتفصيل ما قاله ذلك الإمام، على تحقيقه، فالغرض بيان ادعاء رشيد الرضا أن الجوهرة والسنوسية تقرران أن مذهب السلف هو الإيمان بالظواهر والتنزيه عما يوهمه الظاهر لما فيه من اجتماع النقيضين وما فيه من نسبة الإيمان بالظواهر إليهم المستلزمة للتشبيه كما هو معلوم عند أهل هذا العلم من مفهوم مصطلح الظاهر.. ففي نقله لمذهبهم إما جهل بقواعدهم ومصطلحاتهم وبلوازم الكلام، أو تلبيس تمهيدا للقدح في أصولهم.. ولا يليق ذلك بمن تغلغل في علم الكلام كما ادعى.

    ثم حاول الرشيد غفر الله له اللعب على مشاعر القارئ الحساسة تجاه السلف الصالح، وإيهام أن مقتضى مذهب الأشاعرة القدح في علومهم، والرد عليه ومن تبعه سيكون من كلام صاحب المتن الذي اعتمده ليتبين جهله به، قال اللقاني في الشرح الكبير: اشتهر بين القوم اشتهار المثل السائر أن طريق السلف أسلم، وأن طريق الخلف أعلم. قال بعض المحققين: وفي قولهم أعلم مجاز مرسل، إذ هو من إطلاق اسم المسبب مرادا به السبب؛ لأن المعنى الحقيقي للأعلم هو الأزيد علما، والأحوجية سبب مقتض لأن يصير الأحوج أعلم. وفي إسناده إلى التأويل الذي هو مذهب الخلف مجاز في الإسناد؛ إذ هو من إسناد المسبب إلى السبب أيضا؛ فإن الأحوج إلى مزيد علم هو من يأوّل، لا التأويل، والتأويل سبب الأحوجية. وربما أبدل بعضهم أعلم بأحكم يعني أكثر إحكاما أي إتقانا بالنسبة إلى دفع الشبه عن العقيدة. ولا يظهر أرجحية إحدى العبارتين على الأخرى. وادعى بعضهم أرجحية الأولى؛ قال: بالنسبة إلى الأدب مع السلف. انتهى

    فأنت ترى تصريح ذلك المحقق بكمال مذهب السلف بالنسبة إلى الخلف اللذين لو لا احتياجهم لدفع شبه المشبهة لما خاضوا في التأويل الاضطراري..وما قاله الرضا من أنه كان يظن في أوائل الطلب أن مذهب السلف ضعيف، فذلك من وهمه أو تلبيسه، ويزيده بيانا ما قاله الشيخ المازري الأشعري في شرح الإرشاد بعد أن بين فساد مذهب الكرامية وحملهم الاستواء في الآية الكريمة على الاستقرار الحسي:

    قد بينا في أثناء هذا الفصل أن جماعة من السلف وأهل العلم أخذوا هذه الآية على ظاهرها مع تصميم على استحالة التجسيم والاستقرار على الله تعالى، وإنما حملهم على ذلك الثقة بأنفسهم وعلمهم بأن زمانهم كان شاغرا عن هذه التخاليط والعورات البادية والاعتقادات المتناقضة والأقوال المتهافتة، وأما وقد فشى القول بالتجسيم واعتقاد قوم ممن يظن بهم جميع ما حكيناه من القول بالنزول والصعود والرجوع إلى الاستقرار والقعود، والحكم على الإله تعالى بأنه له لحم ودم وله شعر في ذراعيه ويكشف عن ساقه ويضع قدمه في النار وإذا مشى مشى بنعلين من ذهب ويقوم له كرسي يقعد عليه إلى غير ذلك، فإن الآية والحال هذه يحرم على أئمة الموحدين أن يجروها على ظاهرها ويهملوا أمر تأويلها، بل لا بد من تخريجها على ما يقتضيه صفة الإله ، لا سيما ولها في اللغة معان قويمة وتأويلات مستقيمة تخرجها عن التراجم بالظنون واعتقاد التجسيم، وتطابق قوله تعالى : *ليس كمثله شيء* وعلى الخبير سقطتهم. انتهى


    فأنت ترى الأمر المقتضى للتأويل، وهو في عصرنا آكد، ولا ينبغي أن يفهم من قوله أن السلف كان يومنون بظواهرها ما يحاول الوهابية ورشيد الرضا تقريره للعوام بمفهومهم الفاسد، إذ ذلك بعيد بعد المشرق عن المغرب، وسيأتي بيان المقصود به عند أهل السنة في شرح القاضي البكي ، إذ أهل مكة أدرى بشعابها..

    ويقيني أن كل من قدح في مذهب الأشعرية سواء من المتقدمين كابن حزم مثلا أو ممن جاء بعده إلى يومنا هم على جهل مطبق بأصول هذا المذهب الحق، وليته كان من الجهل البسيط فيعالج... وقدح الرضا في كتب الأشعرية الموضوعة للمبتدئين وسوء عرضه لما احتوته يدل على ذلك.. ووصفه لها بالقاصرة دال على عدم إنصاف لجهود مصنفيها لتقريب هذا العلم الجليل لمبتدئي الطلبة. وليته عمل بنصيحة الشيخ محمد عبده، حيث قال في محاضرة ألقاها بالجمعية الخلدونية بتونس سنة ١٩٠٣ م أثناء كلامه على علم الكلام:
    وقد قال المتقدمون أنه لا ينبغي أن ينظر في علوم الكلام إلا بعد تحصيل مقدماتها والاستعداد لفهم طرق الاستدلال حتى لا يضل الطالب بالنظر فيها وهو على جهل من وسائل فهمها. انتهي.

    ولو درس وفهم السيد رضا مناهج النظر ومسالك العبر لتورع عن ذكر المذهب الأشعري بسوء، ولأدرك اجتهاداته وحقيته..ولكن جف القلم بما هو ملاقيه..

    وقد تغيب على كثيرين أقوال أهل السنة الحقيقيون حول الصفات السمعية وحول ما يوهم التشبيه، وها نحن نقدمه للقارئ المستبصر ليختار ما شاء منها عقيدة لسلامتها من خبط السلفيين، ولبنائها على أنظار سديدة وأقوال وجيهة، وقد لخصها الشيخ الكامل جمال الملة والدين عثمان بن الحاجب، وفك نقابها القاضى البكي رحمهما الله تعالى.
    قال ابن الحاجب في عقيدته: وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالاِسْتِوَاءِ، عَلَى رَأْيٍ.

    أقول: يريد أنّ ممّا يُؤمَن به على رأي بعض أهل السنّة أنّ الصانع جلّ وعلا موصوف بصفةٍ هي الوَجْهُ، وبصفةٍ هي اليَدَانِ، وبصفةٍ هي الاسْتِوَاءُ وكذلك جميع ما ورد به السمعُ ممّا ظاهرُه مُحال أن يتَّصف به كالعَيْن والجَنْبِ والفَوْقِيَّة إلى غير ذلك.
    وبالجملة، فقد اتفق أهل السنّة والجماعة على اتصافه جلّ وعلا بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، واختلفوا في صفاتٍ أُخَر، وتفصيل المسألة أن تقول:
    بعد اتفاقهم على ما ذُكِر اختلفوا أوّلا: هل يجوز اتصاف الصانع بصفات أُخَر أم لا؟ فقال بعض أهل النظر: لا! متمسِّكاً بأنّه لا دليل على صفات أُخَر ، وما لا دليل عليه وَجَب نفيُه. وأنت تعلم أنّه لا يلزم من نفي الدليلِ نفيُ المدلول. مع أنّا لا نسلِّم نَفْيَ الدليل، وكيف والسمعُ طريق مستقِلٌّ فيما لا تتوقَّفُ دلالةُ السمع عليه من الصفات والأسماء!
    وتمسّكوا أيضا بأنّه لو كانت لعُرِفت؛ لوقوع التكليف بكمال المعرفة. وأنت تعلم أنّه لا يلزم من وقوع التكليف بمعرفة الشيء معرفتُه، ولا من وقوع التكليف بكمال المعرفة الممكنة من المكلِّف حصولُ المعرفة بجميع الأوصاف المكلَّفِ بمعرفتها ؛ لجواز أن تكون بعض الأوصاف ممّا لم يمكن للمكلَّف معرفتُه، وشرط المطلوب الإمكان. ولو سلِّم، فقوله: لم تُعرَف ممنوع؛ وكيف والشرعُ جاء بأوصافٍ!
    وقال أكثر أهل السنّة: يجوز أن يكون الباري جلّ وعلا متّصفاً بصفاتٍ أُخَر، ثم من ذلك ما وَرَد به ظاهرُ الشرع وامتنع حَملُه على حقيقته كاليد، والعين، والوجه، والاستواء، والفَوق، والقَدَم، والصورة والإصبع، فهذه وما أشبهها ممّا اختلف أهل السنّة والجماعة بعد صرف المَحْمَل المُحال فيها على أقوال ثلاثة:

    القول الأوّل: قولُ جماعةٍ من السّلف الصالح من أهل الفقه والحديث كمالك والشافعي، وهو أحد قولي الأشعري، أنّها صفات زائدة على الصفات السبع الله أعلم بحقائقها. وقد نصَّ مالك – على ما هو في السماع – أنّ من صفاته الوجه واليدين والعينين. وجعلها ابن رشد خمسة، صرّح بذلك في البيان.
    والحاصل أنّه يعتقد إحالةُ ظواهرها المنافية للدليل العقلي والنصِّ السمعي من قوله تعالىلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ( [الشورى: 11]، ويعتقد أنها صفاتٌ له جلّ وعلا أزلاً وأبداً، ويكلُ العلمَ بحقائقها إلى الله من غير تعرُّضٍ إلى تأويلٍ يَردُّها إلى الصّفات التي ثبتت بالعقل كالحياة، والوجود، والعلم، والقدرة. وإلى هذه يشير ابن حنبل رضي الله عنه بقوله: الآيات المتشابهات خزائن مقفلة ، حلُّها تلاوتُها.

    وما يُنسَب إلى الحنابلة من غير هذا ممّا يقتضي التشبيه والتجسيم والجهة الحسِّية والبينونة الحسِّية، فإنّما ذلك اعتقادٌ من جهَلَتِهم، وليسوا من أهل السّنة في شيء؛ إذ لم يُنقَل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم ، إذ محال ذلك، ولا عن التّابعين لأنّ أهل السنّة والجماعة متّفقون على التنزيه المُطلَق المُحكَمِ سمعاً وعقل
    اً.

    الثاني: أنّ هذه الألفاظ لمّا تعذّرت إرادة الحقيقة منها، فهي كلّها تدلّ بالمجاز على تلك الصفات الثابتة عقلاً وسمعاً. وهذا قول الحذّاق من الأشاعرة وغيرهم.

    الثالث: الوَقْفُ، وهو اختيار صاحب المواقف والمقترح ، إن بقي بعد صَرْفِ المُحال أكثر من مَحمَلٍ واحد.

    ثم اعلم أنّ أهل التأويل اختلفوا في كيفيّته على طريقتين:

    الطريق الأوّل: طريق الأقدمين - كابن فورك - بحملها على مجازاتها الرّاجعة إلى الصفات الثابتة، فقالوا: اليَدُ تُطلَق حقيقةً على الجارحة، ومجازاً على لازمِها:
    – إمّا القدرة؛ بعلاقة أنّ اليدَ في الشاهد محلٌّ لظهور سلطان القدرة.
    – وإمّا النّعمة والعطاء؛ بعلاقة أنّ اليَدَ في الشاهد سببٌ لها ظاهر، وكأنّها عنها تنشأ.
    ولمّا كان الأمر هكذا حَسُنَ إطلاقُ اليَدِ وأريد به القدرة قصداً للمبالغة، إذ المجازُ أبلَغُ كما قُرِّر في صناعة البيان.
    والعين تطلق أيضا على الجارحة حقيقةً، وتطلق مجازاً على لازمها:
    – إمّا الإدراكُ البصري؛ بعلاقة أنّ العين في الشاهد محلٌّ له.
    – أو الحفظ؛ بعلاقة أنّه في الشاهد إنّما يكون تمامُه بالعين.
    فحَسُن كما ذكر إطلاقُ العين في حقّه جلّ وعلا على بصره الكريم، أو على الحفظ بحسب المقام.
    والوجه يطلق أيضا على الجِرْمِ المخصوص الذي به يمتازُ شخصٌ عن شخصٍ، وقد يطلق على ذات الشيء لعلاقة الملاحظة التابعة للتعيّن والتمييز، كما يقال: أعطيتُه لوَجْهِ فلان، يعني ذاتِه. فحَسُن كما ذكر إطلاقُ الوَجه على ذاته جلّ وعلا إشعاراً بما منه تعيّن به.
    وكذا الاستواء، يطلق ويراد به الاستقرار والتّمكُّن، ولازمُه علوُّ المتمكِّن على المتمكَّن عليه؛ ضرورةَ أنّ من استقرَّ على شيءٍ علا عليه. فحَسُن كما ذكر من المبالغة إطلاقُ الاستواء والمراد به الاستعلاء، كما في قوله: )الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى( [طه: 5]. وخصَّ العرش لأنّه أعلى الموجودات حِسًّا، والمراد من ذلك علوُّ المكانة الذي يقتضي العظمة والكبرياء والقهر لجميع العباد. وكذلك يقال في جميع ما جاء من هذا الباب على هذا السبيل فاعرفه.
    الطريق الثاني: طريق المتأخرين الذين اكتحلت أعينُ بصائرهم بعِلمَي المعاني والبيان، وهي التي كانت متقرِّرَة في قلوب الصحابة والتابعين قبل دخول العُجمة على القلوب، وذلك بِرَدِّ هذه المتشابهات إلى التمثيل الذي يُقصَد به تصويرُ المعاني العقليّة بإبرازها في الصُّوَر الحسية قصداً إلى كمال البيان؛ كما يقال في آية اليد مثلاً في قوله تعالى: )لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ( [ص: 75] تمثيلٌ وبيان لكيفيّة خَلْقِ الله لآدم وأنّه مخلوقٌ له جلّ وعلا لا محالة، مع ما يصحب ذلك الخَلقَ من كمال العناية، كقولهم: أخذَ فلانٌ الأمرَ بكِلْتَا يديه، أي: هو فاعِلُه ومُعتَنٍ به على كل وجه، من غير أن يُنظَر إلى تحقّق مفردات هذا التركيب في جانب ما أريد به، فلا يُتكلَّف للفظ اليد معنىً يناسبه، وإنما يُنظَر إلى الخلاصة والمقصود.
    وقد يقال في سرِّ تثنية اليد على هذا الوجه، كما أشار إليه الشيخ سيدي أبو الحسن الحرالّي: إنّ اليدين إشارة إلى ما اجتمع فيه من آثار القدرة الإلهية، وذلك هو ما أُعطى من النور الذي هو أصلُ خَلْقِ الملائكة كما قال عليه السلام: « خَلَق الله الملائكة من نور » كما هو في مسلم، ومن النار على ما يشير إليه قوله تعالى: )مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ( [الرحمن: 14] الذي هو أصلُ خَلْق الجنّ الذين منهم إبليس، فكان إبليس ناقصَ النَّظرِ في اعتقاده خَلْق آدم من طينٍ وحدَه، ولم يَبِن له أنّ آدم مجموع خَلقُه، أُخِذ من النار ألطفها وأشرفها، فكان يحقّ له بذلك أن يتسخَّرَ له ويلتزم عند ذلك بالسجود له كما التزمته الملائكة لمقتضى ما هو عليه من النور الذي من أجله سجدت له الملائكة ولم يزل مستمدا منها خيراً هو وذريته، فكذلك كان يجب بمقتضى الحكمة أن يسجد إبليسُ لما في خَلْق آدم من لطيف النار، حتى كان يجد هو وذريّتُه منه مدداً يناسب أمر النار.
    فهذان المعنيان - اللذان هما النور والنار - المجتمعان في خلق آدم مفهوما البيان من لفظ اليدين، من غير التفاتٍ ولا نظرٍ فيما يرجع لمدلول اليدين في حقِّ الباري. وبهذا تمت الحجة على إبليس في إلزامه السجود، حيث سجدت الملائكة لمقتضى ما فيه، ولم يسجد هو مع وجود المقتضى المناسب.
    وآية العين تمثيل للحفظ والكلاءة على هذا الوجه المذكور، وعلى هذا القياس.
    انتهى
    فراجعوا رحمكم الله هذا التحقيق، وادعوا الله تعالى أن يجعلنا من أهل التدقيق، وبالله التوفيق
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  4. #4
    الأخ الفاضل نزار بن علي،
    كلامك فيه درر وفوائد، وما كنت لأتوقع غير هذا منك.
    وفقك الله تعالى لنصرة مذهب أهل الحق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5

    Lightbulb طلب ملح

    ..يا شيخ جلال ..المرفق لا يعمل و لا يمكن تحميله..
    و نكون سيدي ممتنين لك أشد الامتنان لو وضعت لنا ما وعدت به من شريط الفيديو لتلك المحاضرة القيمة..
    فكم أتمنى أن أرى شيخنا العلامة سعيد حفظه الله تعالى في المحافل و المنتديات العلمية ممثلا لأهل السنة
    و كم أتمنى أن أراه في القنوات الفضائية ليشتهر صوت أهل السنة الأشاعرة بين عامة المسلمين كما اشتهرت كثير من أسماء الوهابيين الذين لا يصلحون أن يكونوا طلابا عند الشيخ سعيد ..و لا أقول هذا مجاملة بل هو الحق الظاهر لكل من يعرف علم الشيخ و عقله و علم أولئك و عقولهم ..

    و الحمد لله على كل حال..و يفعل الله ما يشاء ..و نشرك الأخ نزار على الأمل الذي يبعثه فينا ..بارك الله لنا فيكم جميعا..

  6. #6
    ها هو البحث يا أخ سليم
    وسوف نحاول أن ننشر قريبا نص المحاضرة التي ألقيتها هناك
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,985
    مقالات المدونة
    2
    تم إصلاح المرفق
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  8. بوركت سيدى الكريم

  9. كم نحن بحاجة الى نشر مثل هذه البحوث القيمة الرائعة ، لتسكت الأصوات المعادية .
    [frame="1 80"]
    المكتبة العراقية
    [/frame]

  10. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جلال علي الجهاني
    هذه ورقة الأستاذ سعيد حفظه الله وأيده بالتسديد .. قدمها في مؤتمر (وحدة الأمة وتصفية الفكر الإسلامي)، وقد حصل حولها نقاش طويل بين الحضور.. وبإذن الله تعالى سأضع لكم قريباً شريط الفيديو كاملا ًلهذه المحاضرة بالمناقشات التي تمت حولها، وبردة فعل السلفيين الذين حضروا هذا المؤتمر ..

    =====================================

    الورقة في المرفقات ..
    جزاكم الله خيرا
    نريد هذا الشريط كاملا

  11. السلام عليكم جميعا والله إن ما قدمه ويقدمه مولانا الشيخ سعيد دائما أكثر من رائع بحيث يعجز لسان الضعيف مثلى عن الوصف بارك الله فى الكاتب والناقل والشارح ومن علق حفظكم الله جميعا ونفع بكم

  12. ما شاء الله وفقك الله لمزيد من الخدمة

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة
    الأخ الفاضل نزار بن علي،
    كلامك فيه درر وفوائد، وما كنت لأتوقع غير هذا منك.
    وفقك الله تعالى لنصرة مذهب أهل الحق.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •