صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 18

الموضوع: لان ما يتسلسل لا يتحصل

  1. لان ما يتسلسل لا يتحصل

    ذكر امام الحرمين ابو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني في النظامية دليلا على بطلان تسلسل الحوادث في الماضي قائلا: لان ما يتسلسل لا يتحصل.
    وقد اكرم الله الاستاذ عبد الفضيل القوصي بتوضيح هذا الدليل خير ايضاح في هوامشه على النظامية
    هذا بالاضافة الى برهان التطبيق (الذي لا افهم الى الان كيف يثبت بطلان التسلسل)
    فهل عندكم ادلة اخرى خاصة مع ازدياد القائلين بامكان حوادث لا اول لها

    ** اقتراح: حبذا لو تم تجميع مقالات تفصيلية لكل جزئية مما ينتقده الوهابية على عقيدة اهل السنة بدءا من منهجها في معالجة ابواب العقيدة الى اخر فصل من فصول العقيدة.
    دينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ ** نِعْمَ المَطِيَّةُ للفتى أخبارُ

  2. لبطلان التسلسل أدلة كثيرة، وقبل بيانها لا بد من تعريفه، فهذا ما قاله بعض الأئمة في حده:
    الزركشي: التسلسل: هو توقف وجود الشيء على وجود أشياء غير متناهية. اهـ. لقطة العجلان
    [COLOR="Red"]الإيجي: التسلسل محال، وهو أن يستند الممكن إلى علة، وتلك العلة إلى علة، وهلمّ جرا إلى غير النهاية.اهـ. المواقف
    ابن عرفة: التسلسل: توقف وجود أمر، على وجود أمر قبله، متوقفا على ما قبله كذا لا لأوّل.اهـ. المختصر الشامل.
    وحوادث لا أول لها محال لوجوه:
    المقترح: ما مضى من الحوادث قد انقضى وتصرّم الواحد على إثر الواحد، وما لا يتناهى لا يتصرّم ولا ينقضي. اهـ. شرح الإرشاد.
    ابن أبي منديل: وأما بطلان حوادث لا أول لها، فالاعتناء به حتم، فإن إثبات الغرض منه يزعزع جملة مذاهب الملحدة. وبيان بطلان ذلك أن كل واحد من آحاد الحوادث الماضية لو كان وجوده مسبوقا بوجود ما لا نهاية له لاستحال وجوده ما لم تنته النوبة إليه، ولا تنته النوبة إليه ما لم ينته ما قبله، وذلك يؤدي إلى انتهاء ما لا نهاية له، وانتهاء ما لا نهاية له محال، فالقول بحوادث لا أول لها قول بالمحال.اهـ. شرح عقيدة ابن الحاجب
    السنوسي: يلزم على وجود حوادث لا أول لها أن يكون دخل في الوجود وفرغ من حركات الأفلاك وأشخاص الحيوان ونحوها على الترتيب واحدا بعد واحد عددٌ لا نهاية له، والجمع بين الفراغ وعدم النهاية جمع بين متناقضين، فيكون محالا على الضرورة. ويلزم عليه أن يكون وجودنا ووجود سائر الحوادث الآن محالا لتوقفه على المحال، وهو فراغ ما لا نهاية له. مثاله: ملتزم قال: لا أعطي فلانا في اليوم الفلاني درهما حتى أعطيه درهما قبله، ولا أعطيه درهما قبله حتى أعطيه درهما قبله، وهكذا لا إلى الأول. فمن المعلوم ضرورة أن إعطاء الدرهم الموعود به في اليوم الفلاني محال لتوقفه على المحال وهو فراغ ما لا نهاية له بالإعطاء شيئا بعد شيء.اهـ. شرح الكبرى.
    المقترح: قول القائل "حوادث لا أوّل لها"، هذا الكلام صورة متهافتة في نفسها، إذ معنى الحوادث: ما لها أوّل، فالجمع بين ثبوت الأولية ونفيها جمع بين النقيضين، وذلك محال. اهـ. شرح الإرشاد.
    السنوسي: تقريره بوجه آخر؛ لو وجدت حوادث لا أول لها للزم أن يوجد عددان متغايران وليس أحدهما أكثر من الآخر ولا مساويا له. والتالي باطل على الضرورة لما علم من وجوب إحدى النسبتين بين كل عددين، فيكون ملزومه – وهو وجود حوادث لا أول لها – باطلا. وبيان الملازمة أننا لو نظرنا عدد الحوادث من الطوفان مثلا إلى الأزل، مع عددها من الآن مثلا إلى الأزل لكان عددين متغايرين على الضرورة، ويستحيل بينهما المساواة لتحقق الزيادة في أحدهما، والشيء دون زيادة لا يكون مساويا لنفسه بعد زيادة، ويستحيل أيضا أن يكون أحدها أكثر من الآخر لعدم تناهي أفراد كل واحد منهما، فلا يفرغ أحدهما بالعدِّ قبل الآخر، وحقيقة الأقل ما يصير عند العد فانيا قبل الآخر، والأكثر ما يقابله. ونحن لو فرضنا الآن شخصان أحدهما يعدُّ الحوادث من الطوفان إلى الأزل، والآخر يعدها من الآن إلى الأزل، لاستحال – على مذهب من يجوّز وجود حوادث لا أول لها – أن يفنى أحد العددين بالعد قبل الآخر، فيمنع أن يكون أحدها أكثر من الآخر. فقد اتضح لك أنه يلزم على وجود حوادث لا أول لها أن يوجد عددان ليس بينهما مساواة ولا مفاضلة. اهـ شرح الكبرى.
    ابن بزيزة: وقد احتج أصحابنا على بطلان حوادث لا أول لها بوجوه:
    الأول: إن الدورات لو كانت غير متناهية لزم أن لا توجد دورة اليوم إلا بعد انقضاء ما قبلها من الدورات الغير متناهية، وانقضاء ما لا نهاية له محال، فوجود دورة اليوم محال.
    الثاني: إن دورات الفلك إن فرضناها غير متناهية، إما أن تكون شفعا، أو وترا، أو لا شفعا ولا وترا، والأقسام كلها باطلة، فتعين أنها متناهية. وإنما قلنا أنها ليست شفعا لأن كل شفع يجوز أن يصير وترا بواحد، فكيف أعوز ما لا يتناهى واحد؟ وكذلك الحكم إن فرضناها وترا، ومحال أن تعرى عنهما أو تتصف بهما لاستحالة اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما.
    الثالث: أنا نعقل في هذه الدورات الأقل والأكثر، والدليل أنا نعلم بالضرورة أن دورة الفلك من زمان الطوفان إلى الآن أقل من دورته من زمان آدم عليه السلام إلى الآن، وذلك يدل على تناهي الدورات. اهـ. شرح الإرشاد.
    أدلة إثبات استحالة حوادث لا أول لها كثيرة منها أن نقول: إذا كان كل فرد من أفراد الحوادث حادثا في نفسه، فعدم جميعها ثابت في الأزل. ثم لا يخلو إما أن يقارن ذلك العدم فرد من الأفراد الحادثة أو لا، فإن قارنه لزم اجتماع وجود الشيء مع عدمه وهو محال بضرورة العقل، وإن لم يقارن ذلك العدم شيء من تلك الأفراد الحادثة لزم أن لها أولا لخلوّ الأزل على هذا الفرض عن جميعها.
    [COLOR="Red"]الجلال الدواني: برهان التطبيق هو أنه لو تتسلسلت العلل إلى غير النهاية، فيفرض من معلول معين بطريق التصاعد سلسلة غير متناهية، ومن الذي فوقه سلسلة أخرى إلى غير النهاية، ثم نطبق الجملتين من مبدئهما بأن نفرض الأول من الثاني بإزاء الأول من الأول، والثاني بإزاء الثاني وهكذا. فإن كان بإزاء كل من الأولى واحد من الثانية لزم تساوي الجزء والكل وهو محال، وإن لم يكن فقد وجد من الأولى جزء لا يوجد بإزائه جزء من الثانية فتتناهى الناقصة أوّلا، فيلزم منه تناهي الزائد أيضا لأن زيادتها بقدر متناه،– وهو قدر ما بين المبدأين –، والزائد على المتناه بقدر متناه متناه. فيلزم انقطاع السلسلة، وقد فرضناهما غير متناهيتين، هذا خلف. اهـ. الرسالة الجديدة في إثبات واجب الوجود.
    بيانه بوجه آخر أن نقول: التسلسل باطل لأنه يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له، ودليله أنه لو وجدت حوادث لا أول لها لأمكن أن يفرض من المعلول الأخير إلى غير النهاية في جانب الماضي جملة، ومما قبله بواحد مثلا إلى غير النهاية جملة أخرى، ثم تطبق الجملتين بأن تجعل الأول من الجملة الأولى بإزاء الأول من الجملة الثانية، فإن كان بإزاء كل واحد من الأولى واحد من الثانية كان الناقص مساويا للكامل، وهو محال، وإن لم يكن، بأن وُجد في الأول ما لا يوجد بإزائه شيء في الثانية فتنقطع الثانية وتتناهى، ويلزم منه تناهي الأولى لأنها لا تزيد عن الثانية إلا بقدر متناه، والزائد على المتناهي بقدر متناه يكون متناهيا بالضرورة.
    ونقول كذلك: وجود حوادث لا أول لها محال لما يترتب عليه من المحال؛ وذلك لأنه لو وجدت سلسلة من الحوادث لا أول لها بالنسبة إلى الزمن الماضي وآخرها حادث اليوم، ثم فرضنا سلسلة أخرى مقابلة لها على سبيل الفرض والتقدير، أوّلها من قبل اليوم بشهر، فمما لا شك فيه حينئذ أن تكون حلقات السلسة الثانية الفرضية أقل من حلقات السلسة الأولى الحقيقية لأنها تنقص عنها بعدد أيام الشهر. ثم إذا قابلنا بين حلقات السلسلة الفرضية بالسلسلة الحقيقية من اليوم إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، فلا يخلو إما أن لا تتناهى السلسلتان – وحينئذ يلزم مساواة السلسلة الناقصة للكاملة لأن كلا منهما لا نهاية له – ، وإما أن تنقطع الناقصة في النهاية عند العدد الذي نقصته، فتنقطع مثلها الثانية لأنها لا تزيد عنها إلا بقدر معلوم تنتهي عنده، وهو المطلوب.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  3. جزاك الله خيرا أخي نزار.

    أفدت وأجدت .

    نقل جميل مفيد وتقرير بديع وحجة بليغة .
    صل يا قديم الذات عدد الحوادث .. على المصطفى المعصوم سيد كل حادث

  4. #4
    بارك الله تعالى فيكما أيها الإخوة الكرام
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5
    وهذا بعض ما ذكرته على مفهوم التسلسل في حاشيتي على شرح صغرى الصغى للإمام السنوسي رحمه الله تعالى:
    يلزمنا هنا بيان مفهوم المالانهاية، والتسلسل في الماضي، والتسلسل في المستقبل وبيان الفرق بينهما، ثم معرفة هل يجوز الحكم على أحدهما بنفس ما نحكم به على الآخر، ومن المهم توضيح ذلك هنا لأن كثيراً من المجسمة وغيرهم خلطوا بين المفهومين وجعلوا أحدهما مساوياً للآخر وقالوا إذا كان أحدهما جائزاً فالآخر جائز، والفرق بينهما تحكم. هذا ما ادعاه بعض المجسمة كابن تيمية ومَنْ نصَره. وغفل هؤلاء عن وجود فرق حقيقي بين هذين المفهومين بحيث يستحيل التسوية بينهما في الأحكام.
    التسلسل هو أن يكون هناك أمور مقدرة أو موجودة واحد منها بعد آخر أو واحد منها قبل آخر.
    وسميت بالتسلسل لأنها تشبه السلسلة في تكونها من حيث المجموع من أفراد كالحلقات التي تؤلف السلسلة، ومنها أُخذ اسم التسلسل لا إلى نهاية. لأن هذه الحلقات أو أجزاء السلسلة إما أن تنتهي إلى حَدِّ وجزء لا يكون بعده جزء أو إلى جزء لا يكون قبله جزء، فإذا انتهت إلى حدٍ فالسلسلة قد انقطعت، أو يقال انقطع التسلسل، وإلا فالتسلسل إلى ما لانهاية هو المدَّعى.
    ومشيُنا وتقديرنا للأجزاء والحلقات إما أن يكون باعتبار المكان والبعد المكاني، وإما أن يكون باعتبار البعد الزماني. فباعتبار المكان، إذ فرضنا شيئاً موجوداً وله مكان وهو متألف من أجزاء ولو مقدرة لا نهاية لها، فيلزم على ذلك القول بعدم محدودية هذا الذي نفترضه، ويلزم أن يكون لا نهاية له في الامتداد المكاني بالفعل لا بالإمكان والقوة، بمعنى إن بعده المتحقق بالفعل هُوَ لا نِهاية له، وليس أنه محدود بالفعل ولكن يمكن أن يزاد عليه، فهذا المعنى ليس بالفعل بل بالقوة.
    وأما باعتبار الزمان، فإما أن نفرض الامتداد باعتبار الزمان الماضي، فيكون التسلسل في الماضي، وإما أن نفرض الامتداد في المستقبل فيكون التسلسل في المستقبل.
    وما يَهُمّنا الكلام عليه هنا هو التسلسل باعتبار الزمان، لأنه لا أحد من العقلاء بحسب ما نعلم يقول أن التسلسل باعتبار المكان متحقق بالفعل، سواءً في حقِّ العالم المخلوق أم في حق الخالق. فأما بالنسبة للعالم المخلوق، فالجميع اتفق على وجود نهايات وحدود لأبعاده. فالعالم محدود بهذا الاعتبار من حيث المكان.
    وأما بالنسبة للخالق، فأهل الحقِّ يقولون بعدم كونه ممتداً في الأبعاد أصلاً وعدم كونه متحيزاً، وبذلك فهم ينفون عنه المعنى السابق لعدم تحقق شرطه أو جزء مفهومه.
    وأما المجسمة الذين قالوا بأن الله تعالى متميز، فهؤلاء اختلفوا فمنهم مَنْ قال هو غير محدود من جميع الجهات إلا جهة التحت حيث يَحُدُّه العرش الذي يجلس عليه في زعمهم الباطل. وأما ابن تيمية ومن وافقه من المجسمة، فقالوا: إن الله تعالى متميز وله قدْرٌ في ذاته، ولكنه ليس ممتداً في الأبعاد لا إلى نهاية، بل هو محدود من جميع الجهات الستِّ. وقد بيَّنتُ هذه الأقوال في كتاب الكاشف الصغير.
    قلنا: ما يهمنا هنا هو الكلام على التسلسل باعتبار الزمان. والزمان ينقسم إلى ماضٍ ومستقبل. ومن المعلوم أن الزمان الماضي هو إشارة إلى أمرٍ وُجِدَ وانقضى وانتهى وتصرَّم وزال، وأما المستقبل، فهو إشارة إلى أمر يُقَدَّرُ حصوله في الوهم تقديراً والمستقبل ليس بحاصل ولا واقعٍ الآن.
    ولذلك فإذا قلنا: التسلسل في الماضي، فإننا نعني بأن شيئاً قد تسلسل وجوده وانقضاؤه شيئاً بعد شيء في الزمان الماضي، أي نشير بذلك إلى أمر ندعي أنه وجد بالفعل في الخارج وانقضى وانتهى وجوده، ولا نشير إلى أمرٍ مُقَدَّرٍ في ذهننا ووهمنا نفترضه افتراضاً، بحيث لا يوجد له مصداق في الخارج. فإذا قلنا إن هذا التسلسل في الماضي لا نهاية له أو لا بداية له، فمعنى ذلك أننا نقول: بأنه قد تحقق وجود أشياء بالفعل في الخارج شيئاً بعد شيء وشيئاً قبل شيء، وأن هذه الأشياء لا نهاية له في الماضي أي لا يوجد لها بداية لا شيء قبلها، أي مهما قدَّرْنا حلقةً من الحلقات، فإننا يجب علينا القول بأنه يوجد قبل هذه الحلقة حلقة أخرى، وهكذا لا إلى بداية.
    وهذا هو المقصود من قول من قال بالتسلسل في العالم أو التسلسل في المخلوقات أو الموجودات الحادثة، أو التسلسل في الحوادث. فعلى كل هذه التعبيرات يتضمن هذا القول أن أشياء وجودية حقيقية قد تحققت في الخارج شيئاً بعد شيء، وأن هذه لا نهاية لعددها بالفعل لا بمجرد التقدير والافتراض. وأن هذه السلسلة المؤلفة من أشياء وجودية خارجية قد انتهت، أي انتهى تحقق جميع حلقاتها وأجزائها الوجودية حتى وصلنا إلى الزمان المعاصر الحالي.
    فنحن لم نصل في الوجود إلى الزمان الحاضر إلا بعد أن انتهاء وجود وانقضاء عدد لا نهاية له من الموجودات، أي أن الموجودات الحاضرة الآن، قد سبقها بالفعل عدد لا نهاية له بالفعل من الموجودات.
    هذا هو خلاصة مفهوم التسلسل في الماضي، واختصره بعض المحققين من علماء الكلام بقوله: (ما مِن موجود محقق إلا قد سبقه موجود محقق آخر).
    وأما التسلسل في المستقبل، فإذا عرفنا أن المستقبل لم يوجد بعد، بل إننا عندما نتكلم عن المستقبل فإنما نتكلم عنه باعتبار تقدير وجوده في وهمنا وذهننا، أي لا يوجد في الخارج والعالم الحقيقي شيء الآن اسمه المستقبل، لأن المستقبل غير موجود بالفعل الآن.
    إذا عرفنا ذلك، فإن عبارة التسلسل في المستقبل يتضح معناها، بالمقارنة مع مفهوم التسلسل في الماضي، فالتسلسل في الماضي يتألف من أشياء وجدت بالفعل وانقضت وهي لا نهاية لها، فيتضمن هذا وقوع المالانهاية في الخارج، كما قلنا، وأما التسلسل في المستقبل فيعني (أنه لا يوجد موجود محقق إلا ويمكن تقدير موجود متوهم بَعْدَه)، أي إذا قلنا إن زيداًً موجود الآن، فنقول يمكن أن يوجد ابنه في المستقبل، ولكن ابنه الآن غير موجود، وإذا اعتبرنا ابنه الذي قدرنا وجوده بشرط وجود المستقبل فإننا نقول يمكن أن يوجد لهذا الابن ابن أيضاً في المستقبل الثاني الذي ليس موجوداً بالفعل الآن، ولا في المستقبل الأول، وهكذا لا إلى نهاية.
    فنلاحظ أن الحلقات التي يتألف منها التسلسل في المستقبل هي حلقات مُقَدَّرَةٌ متوهمة وليست حلقات موجودة بالفعل، بخلاف التسلسل في الماضي المتألف من حلقات لها وجود في الخارج قد انقضى وانعدم بالفعل وبناءً على ذلك، نعلم أنه باعتبار مفهوم التسلسل في المستقبل لا يلزم مطلقاً وجود المالا نهاية بالفعل خارجاً، بل هي مقدرة ذهناً واعتباراً بخلاف المالانهاية في التسلسل في الماضي فإنها موجودة بالفعل أو وجدت وانقضت بالفعل.
    ومن هذا الشرح نعلم علماً قطعياً اختلاف ماهية وحقيقة التسلسل في الماضي عن حقيقة التسلسل في المستقبل، لأن أجزاء الأدلة وجودية والثاني تقديرية وهمية.
    ومِنْ هذا، إذا قلنا التسلسل في الماضي مستحيل التحقق، لأنه يلزم عنه وقوع المالانهاية في الوجود، وانقضاؤها بالفعل، وهذا محال. فهذا الحكم لا يلزم عنه أن يقال إن التسلسل في المستقبل محالٌ أيضاً، لأننا مهما قدرنا واحداً بعده واحد وبعده واحد في المستقبل، فإنه لا يلزم على ذلك وقوع ما لا نهاية بالفعل خارجاً، لأن جميع ما يقع بالفعل محدود، وإن أمكن الزيادة عليه فسيبقى محدوداً.
    وبناءً على ذلك، نقول: التسلسل في الماضي محالٌ.
    والتسلسل في المستقبل جائزٌ.
    والتحقيق أن إطلاق اسم التسلسل هنا فيه تساهل فالأوضح أن يقال: التسلسل الذي لا نهاية له في الماضي محال، والتسلسل بمعنى حصول شيء بعد شيء في المستقبل جائز، وهذا لا يقال عليه إنه لا نهاية له بالفعل بل بالتقدير والإمكان فهو جائز.
    ويمثلون على التسلسل في المستقبل بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار.
    ولا يوجد مثال صحيح للتسلسل في الماضي لاستحالته، ولكن ابن تيمية من المجسمة القائلين بقدم العالم بالنوع، والقائلين بحدوث صفات حادثة لله تعالى منذ الأزل، يدعون ذلك مثالاً للتسلسل في الماضي، وهو مثال باطل محال.
    وبناءً على هذا التوضيح، يكون قد باتَ أن من قال: إذا جاز التسلسل في المستقبل فيجوز التسلسل في الماضي، فهو غالطٌ قطعاً، لأنه سوَّى في الحكم بين أمرين لا تساوي بينهما. وبناءً على زعمه أجاز القدم النوعي للمخلوقات كابن تيمية والفلاسفة.
    وكذلك يتضح غلط من قال: إذا كان التسلسل في الماضي محالاً، فيستحيل التسلسل في المستقبل، وبناءً عليه حكم بانتهاء حركات أهل الجنة والنار كالجهم وبعض الفرق البائدة.
    وأرجو أن يكون هذا الشرح مما يزيد من توضيح المسألة ويحلُّ كثيراً من الإشكالات والتشكيكات فيها. وبهذا يتضح أن أهل الحق قد أنصفوا حين حكموا على التسلسل في الماضي بالاستحالة، وعلى التسلسل في المستقبل بالمعنى السابق بالجواز لا الوجوب. فيكونوا قد أعطوا كل شيء حقه. والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب


  6. شكرا لك شيخنا على هذا البيان، فإن فلك تجويز حوادث لا أول لها عند ابن تيمية وأتباعه المقلدة يدور حول قياسها على نعيم أهل الجنة وجواز وقوع حوادث لا نهاية لها في المستقبل، وقد بينتم فساد هذا القياس، وأنه ليس من حقيقة الحادث أن يكون لا آخر له، وقد عرفنا من خلال مصنفات المشبهة القادحين في برهان استحالة حوادث لا أول لها أنهم يحاولون ذلك من خلال نقض برهان التطبيق بجواز تسلسل الحوادث في المستقبل وقد بينتم فساده، ويحاولون كذلك نقضه بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، والحرف الوجيز في رد الشبهة الأخيرة أن الأعداد أمر موهوم محض؛ إذ لم يضبطها وجود أصلا، فتنقطع بانقطاع الوهم فلا يجري فيها التطبيق، بخلاف الحوادث، فإنها وإن لم تجتمع في الوجود فقد ضبطها الوجود الخارجي، فليست أمرا موهوما محضا.
    هذا، والمعتمد عند الأشاعرة في إبطال حوادث لا أول لها ليس برهان التطبيق الذي حاول المشبهة نقضه بشبهاتهم البينة الفساد، فقد قرر المحققون أن برهان التطبيق هو حجة إلزامية للفلاسفة الذين يجوزون وجود بُعد لا يتناهى أو جسم لا يتناهى، وإنما الدليل القاطع على استحالة حوادث لا أول لها واستحالة دخول حوادث لا أول لها في الوجود هو ما يقتضيه ذلك من الجمع بين النقيضين، وهو أمر أجمع على استحالته جميع العقلاء، والذي يبين استحالة الدور من الجمع بين تقدم الشيء وتأخره على نفسه، وهو جمع بين نقيضين، هو ما يبين استحالة حوادث لا أول لها، إلا أن استحالة الدور شابهت الأمور البديهية لقرب دليلها، وأما التسلسل في الحوادث لا إلى أول فيحتاج إلى ترتيب نظري أطول قليلا، ولمّا قرر المشبهة لأتباعهم تحريم النظر العقلي صدهم ذلك عن إدراك استحالة حوادث لا أول لها، وأقروا باستحالة الدور، مع أنهما يشتركان في علة الاستحالة وهي الجمع بين النقيضين. فالدور باطل لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه وتأخره عن نفسه، وهما محالان بديهة، والتسلسل باطل لاستلزامه فراغ أعداد لا نهاية لها، ودخول ما لا نهاية له عددا في الوجود، والجمع بينَ الفراغِ وعدمِ النهاية، وهو جمع بين نقيضين كما هو ظاهر؛ وكذلك فإن قولنا "حوادِث" يستلزم أنّ لها أوّلاً؛ إذ لا معنى للحادث إلا ما كان مسبوقًا بعدمٍ وطارئًا وجودُه، وقولنا لا أوّل لها نقْضٌ له، وأقل درجات العقلاء امتناع الجمع بين النقيضين.
    والملاحظ على كتب المشبهة أنهم يبترون أدلة الأشاعرة ولا يذكرونها بتمامها؛ وأمامي الآن كتاب عبد الرحمن بن صالح المحمود المسمى بموقف ابن تيمية من الأشاعرة، يصرح فيه بجواز تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل، وينسب ذلك إلى أهل السنة والحديث وأئمة السلف وجمهور المسلمين (3/998) إلى آخر الشعارات التي تستر حقيقة مذهبهم، ولا يتجرأ على عرض براهين الأشاعرة في بيان استحالة حوادث لا أول لها، كأن يقول مثلا: وزعمت الأشاعرة أن حوادث لا أول لها محال لاستلزامه انتهاء ما لا نهاية له، أو لتوقف دخول حادث اليوم في الوجود على دخول حوادث لا أول لها قبله، أي أن وجود كل واحد منها موقوف على انقضاء ما لانهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال لاستلزامه الجمع بين النقيضين، ثم يحاول إبطال دليلهم، وأنى له ذلك، فوضوحه قاطع، ولذلك لا يذكره، بل يحاول التلبيس بشبهات حول برهان التطبيق الذي اعتمده بعض الأشاعرة في مجادلة الفلاسفة، شبهات يقرؤها العامي فيظن أن من يقلده دينه على درجة عالية من العلم وقوة في إبطال أقوال الخصوم، والمؤسف أن هذا قد ينطلي عليهم، ولا غرابة في ذلك بعد أن عطلوا عقولهم عن النظر والفكر، بل واعتبروه حراما تقليدا لفتاوى أئمتهم، فضيعوا أسمى المعارف الإنسانية، والتزموا المحالات العقلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظ
    يم.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  7. #7
    الأخ نزار،
    أولا بارك الله تعالى فيك على جهدك الملاحظ
    ولكني أسألك:
    من العلماء الذين صرحوا بأن دليل التطبيق ليس معتمدا عند الأشاعرة في إبطال التسلسل؟

    ومن هم الفلاسفة الذين قالوا بوجود جسم لا يتناهى؟ هل هم من المشهورين كابن سينا والفارابي ونحوهم...؟

    والله الموفق
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. أما الجواب عن الثاني، فقد قال الشيخ شرف الدين ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية: "وقد احتج الفخر والحكماء على استحالة جسم لا يتناهى بوجهين، وصار إلى جوازه حكماء الهند، وذهب قوم إلى جواز بعد لا يتناهى مع القول بامتناع جسم لا يتناهى". اهـ
    أما الفلاسفة الإسلاميين والفارابي كابن سينا فقد ساعدوا على إبطال جسم أو بُعد لا يتناهى بدليلين، الأول منهما فرض خطين متوازين أحدهما متناهيا والآخر لا ثم فرض زوال التوازي... إلى آخر الدليل الذي ينتج استحالة حدوث نقطة هي أول نقط المسامتة وحدوث نقطة هي أول نقط المسامتة، وهو جمع بين نقيضين، وقد ضعّف الشيخ شرف الدين هذا الدليل لابتنائه على نفي الجوهر الفرد، وهو مخالف لقواعد أهل السنة، والدليل الثاني هو التطبيق، وبعد أن قرره بين ضعفه قائلا: "واعلم أن هذا البرهان مبني على أن ما لا يتناهى لا يقبل الزيادة والنقص والأقل والأكثر، وهذه القضية صحيحة مسلمة في ما لا يتناهى من جميع الجوانب والأطراف، أما ما يفرض تناهيه من طرف فلا نسلم عدم قبوله للزيادة والنقص، وإذا كان كذلك فلم قلتم: إن المحال إنما نشأ من فرض جسم لا يتناهى، لا من فرض جسم متناهٍ من طرف دون طرف كما فرضته".انتهى
    وقد ضعّف الشيخ شرف الدين برهان القطع والتطبيق أيضا في شرحه على لمع الأدلة قائلا: "واعلم أن هذه الحجة إلزامية لا برهانية، فإنه لا يمكننا الاحتجاج بها على صحة مذهبنا ابتداءً، فإنها تطرد في نعيم الجنان، فإنه يمكن أن يقطع منه عشر دورات مثلا، ثم نطابق ما بين الجملتين ويطرد الدليل إلخ؛ ولأنا نقول: علم الباري سبحانه يتعلق بما لا نهاية له وكذا إرادته وقدرته، ومتعلقات العلم أكثر من متعلقات الإرادة والقدرة، فإن العلم يتعلق بالواجب والممكن والمستحيل، والإرادة والقدرة لا يتعلقان إلا بالممكنات؛ ثم تعلق الإرادة أعم من تعلق القدرة، فإنها تتعلق بالوجود العدم، فإنها كما تختص بالوجود فتختص بالعدم أيضا، والقدرة لا تتعلق إلا بالمتجدد من الممكنات، فقد صارت متعلقات هذه الصفات لا تتناهى مع أن بعضها أقل من بعض. وكذا تضعيف الأعداد، فإن العشرات والمئين والآلاف كل مرتبة منها لا تتناهى، مع تطرق الزيادة والنقصان إليها والأقل والأكثر." انتهى. وإن كان في بعض كلامه نظر! تعقب بعضه في شرح المعالم عند الكلام على تعلقات علم الله تعالى.
    وفي شرحه على معالم الفخر، قرر أدلة المتكلمين المعتمدة في استحالة حوادث لا أول لها قائلا:
    "وقد اعتمد المتكلمون في إبطال التسلسل واستحالة حوادث لا أول لها طرقاً كثيرة:
    وأقربها ما ذكره (أي الفخر) في أبطال حركة أزلية، وتعقبنا عليه ثمّ، وهي هاهنا جارية من غير تعقب، وهو أنا لو فرضنا حوادث لا أول لها، وكل واحد منها مسبوق بعدم لا أوّل له، وتلك العدمات بأسرها مجتمعة في الأزل، فإن حصل معها شيء من الموجودات لزم أن يكون السابق مقارناً للمسبوق، وهو محال، وإن لم يحصل معها شيء من الموجودات كان لكلها أوّل، وقد فرضت لا أوّل لها، هذا خلف.
    الثاني: أن كل فرد منها إذا كان الذي يليه لا يجامع السابق، كاللأعراض المتعاقبة والصور المتتالية، فوجود كل واحدة منها موقوف على انقضاء ما لانهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال" انتهى.
    وبعد ذكره هذين الدليلين السالمين من كل اعتراض، قال: "ومما تمسكوا به طريقة القطع والتطبيق، ولا يخفى تقريرها في كل ما ادعوا عدم النهاية فيه، سواء كان فيه ترتيب طبيعي كالعلل والمعلولات، أو وضعي كجسم لا نهاية له أو لا ترتيب فيه كحركات ونفوس لا نهاية لها." انتهى.
    هذا، والمقدم في الأدلة هو السالم من الاعتراض، وأما برهان التطبيق، فعليه اعتراضات كثيرة، وإن اجتهد المتأخرون في حلها، ينظر مثلا رسالة الجلال الدواني في إثبات واجب الوجود وحاشية منلا حنفي عليه، ولكنها تبقى دائما مشوبة بأصول الفلاسفة، فلا جرم يكون الاستغناء عنها أفضل، والله أعلم.

    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  9. #9
    نعم بعض الفلاسفة فقط هم من قال بأبعاد لا نهاية لها، وهم لا يلتفت إليهم لضعف أدلتهم.

    أما ما ذكرته على التسلسل، فأنا سألت من قال إن التطبيق ليس معتمدا في المذهب، وما جلبته لا يفيد ما ادعيته، لأن ما ذكره ابن التلمساني إنما هو على سبيل البحث، وقد لا يسلم له ضعف الدليل.
    وما عارض به في مسألة علم الله تعالى وتعلقات العلم والقدرة أو الإرادة والقدرة، فكل هذا جوابه معروف في كتب المحققين، فالتطبيق إنما يرد على الموجود ولو في لحظة ما وانعدم بعد ذلك ولا يرد على ما لم يدخل تحت الوجود، وقد بينت ذلك في تعليقي على صغرى الصغرى. فلا يرد ما قاله ابن التلمساني على دليل التطبيق.
    ويبقى سؤالي قائما: من ذكر أن هذا الدليل غير معتمد عند الأشاعرة؟ أي اعتمد قوله العلماء ولم يقل ما قاله على سبيل البحث والنظر، فليس كل نظر من أحد العلماء وإن كان بقدر ابن التلمساني معتمد يسلم له، فإن من هو أكبر منه وأعظم وهو فخر الدين الرازي لم يسلم له كل ما قاله ولا يعتبر كل قوله صدر عنه معتمدا عند الأشاعرة، بل قد لا يعدو أن يكون رأيا لبعض الأشاعرة.
    فتأمل رحمك الله.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. لقد تأملت وقلت: إن أقوال الأشاعرة المعتمدة وغير المعتمدة إنما تعلم باستقراء أقوالهم وتستنبط التزاما من طرق استدلالاتهم، وليس يلزم أن يكون ذلك تصريحا منهم ، ثم كما ذكرت فإن السالم من الاعتراض مقدم على المعترض عليه وإن صح، وعلى هذا، فبرهان التطبيق وروده أقل بكثير من باقي الأدلة المعتمدة في إبطال حوادث لا أول لها، بل لا نجد له ذكرا في كتب المتقدمين كالجويني وغيره، وقد قرروا استحالة حوادث لا أول لها على أتم وجه، ثم إن برهان التطبيق قد تداوله خصوصا الأشاعرة الأعاجم كالرازي والإيجي والبيضاوي وغيرهم ممن خاض في علوم الفلاسفة وبرع فيها وصحح أصول المذهب حتى على مقتضى أصولهم، ولا يخفى ما في بيان استحالة حوادث لا أول لها على طريق القطع والتطبيق من بعض الغموض على عامة الناس وإن صح. ولو استعرضنا تقرير البرهان وحل الاعتراضات الواردة عليه لطال بنا المقام وبعدت بنا الطرق النظرية واختلفنا في بعضها وإن خلصنا إلى تقريره فسنصل إلى استحالة حوادث لا أول لها المقررة بالطرق القريبة التي أشرت إليها. هذا مع أني أذعنت بعد البحث لدلالة القطع والتطبيق على استحالة حوادث لا أول لها، إلا أن الطريق طويل فيها للرجوع إلى استحالة مساواة المتناهي للامتناهي التي تعود إلى استحالة اجتماع النقيضين ولذا أجد نفسي متمسكا بتأخيره على باقي الأدلة لقربها كما أشرت، والله تعالى أعلم
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  11. قولك إنه لم يستعمله القدماء ليس صحيحا، فقد استعمله الإمام الغزالي في الاقتصاد، واستعمله غيره. وعدم استعمال بعضهم في بعض كتبهم ليس دليلا على ما تقول.
    وأما كونه المعتمد أو ليس المعتمد فلا يتوصل إليه بهذه الطريقة.
    ولا مدخلية لكون العالم أعجميا أو غير أعجمي.
    ولا مدخل لكون الحكم بالاعتماد قد صدر من عالم متقدم أو متأخر.
    فالاعتماد أو غيره إنما يكون بحقيقة الدليل وموافقته للأصول، ووظيفة العلماء تحقيق كون الدليل كذلك أو لا.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. وقد نص العضد في المواقف على أنه المعتمد فراجعه
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. حتى لا يلتبس الأمر أذكر أنا متفقون على استحالة دخول حوادث لا أول لها في الوجود، مجمعون على صحة الأدلة في ذلك بما فيها برهان التطبيق، إلا أني أميل إلى تقديم براهين المتكلمين الخلص من الأشعرية الذين لم يعتمدوا براهين الحكماء وأصولهم على براهين أصحابهم الذين فعلوا ذلك، قناعة مني بأن أصول المتكلمين بالمفهوم الذي ذكرت تغني عن الاستناد على أدلة الحكماء والتزام بعض أصولهم، ولا ينبغي أن يفهم من كلامي أني أقلل من شأن العلماء الذين خاضوا في علوم الحكماء وأدرجوا في علم الكلام الفلسفيات والطبيعيات والرياضيات ليتحققوا مقاصدها ويتمكنوا من إيضاح فاسدها ويسهل عليهم تمييز صحيحها من فاسدها كالإمام الرازي وصاحب الطوالع والمواقف والمقاصد، فلا ينكر فضلهم إلا حاجد، كما لا ينبغي حمل وصفهم بصفة مطابقة للواقع كونه قدحا في علمهم، فلا ينكر علمهم إلا قاصر، على أن خوضهم في قواعد الحكماء أثر على بعض آرائهم العقدية، وأدى بهم إلى التزام بعض القواعد الفلسفية، والحيد عن بعض القواعد الكلامية، فنرى الرازي على عظم شأنه يلتزم في بعض مصنفاته أنه تعالى قابلا وفاعلا، ويلتزم إمكان الصفات لذاتها ووجوبها لذات الله تعالى، ونرى مسايرة لهذا الرأي الأخير من طرف الإيجي والبيضاوي، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة لقواعد المتكلمين واسترسالا مع قواعد الحكميين
    وبالجملة، فبرهان القطع لا شك في كونه معتمدا عند حكماء الأشاعرة إن ساغ التعبير، وأما عند جمهور المتكلمين الذين يقدمون دليل الحدوث على الإمكان فلا أرى ذلك.
    وقدح المحقق التلمساني في برهان التطبيق في شرحه على لمع الأدلة إنما يتنزل في هذا الإطار، فقد سار في شرحه كله على اعتماد قواعد المتكلمين الخلص لا غير، ورأى الاكتفاء بها عن سواها، وحتى في شرحه على المعالم الذي تناول فيه فحص أقوال الحكماء تبعا ونقدا للفخر، فقد قدم أدلة المتكلمين في استحالة حوادث لا أول لها ثم صحح برهان القطع فيها، وما ذلك إلا لكونه متكلما بالدرجة الأولى ومصححا لقواعده الكلامية
    ختاما أقول: إن الأشعرية تعد أكبر وأعظم المدارس الفكرية على الإطلاق، وقد ضمت أكابر وأعاظم العلماء في شتى الفنون ومن شتى البقاع والآفاق، والحكم على مستقر آرائهم يحتاج إلى فحص دقيق وتتبع لمناهجهم، وما أحاوله هو مقتضى ما وصل إليه بحثي، ولعل الأمر على خلافه، والله أعلم.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  14. بالطبع أنا أقدر لك همتك عزيمتك، ولكن ما زلت أرى أنك في كلامك مواضع للانتقاد:
    منها أنك ما زلت تزعم أن برهان التطبيق لم يعتمده المتقدمون، بل اعتمده متأخرو الأشاعرة، وهم الذين سميتهم بحكماء الأشاعرة، ومع ما في هذه التسمية من إشكالات وانسياق وراء بعض النظرات التي لا أوافق عليها، إلا أنني أقول لك إن متقدمي الأشاعرة أيضا استعملوا هذا البرهان، وحاصله يقوم على فكرة أن الزيادة على المالانهاية لا يصح، وقد يخفى على البعض أن التطبيق هو عبارة عن صورة من صور تقرير هذا البرهان، ولكن البرهان يقوم على ما ذكرناه. وقد استعمله الإمام الجويني وأشار إلى أن هذا معلوم عند المتقدمين أيضا، ولم يقدح فيه بل اعتمده وعزا إليه في أكثر من موضع من كتبه، وقد اعتمده الإمام الغزالي أيضا. كما قلت لك، وقد نقلت لك أن الإمام العضد صرح بأنه المعتمد.
    وأما نظرتك إلى مخالفات بعض الأشاعرة كالإمام الرازي في بعض المسائل، فذلك أمر معروف وهذا من اجتهادهم الذي لم يوافق عليه أئمة المذهب الأأشعري ولم يعتمده محققوهم. ولا يضير هذا الإمام الرازي قطعا.
    ولا أرى أن ينهج في علم الكلام منهج تقسيم العلماء المتكلمين إلى أعاجم وغير أعاجم، فإن هذه نظرة غير صحيحة.
    وأنا أرى أنك متأثر كثيرا ليس بأفكار الإمام العالم العلامة ابن التلمساني بل بنفسه أيضا في الكلام، وهو عين الأثر الذي ولده هذا الإمام في الإمام السنوسي حتى صدرت منه في حق بعض أكابر العلماء بعض العبارات التي لا تليق.
    وعلى كل حال فغن ابن التلمساني هو الشارح الأكبر لكتب الإمام الرازي في بلاد المغرب، وهو من قدمها إليهم، وقدم إليهم بعض كتب الأئمة المتقدمين كالإمام الجويني. وله جهود لا تنكر في هذا المجال كما هو معلوم، ولكن في بعض أقواله أمور لا يوافق عليها.
    والتنقية للمذهب لا يصح أن تقوم إلا على الدليل والنقد لا على متقدم ومتأخر ولا على أعجمي وعربي، ولا على مغربي ومشرقي، فإن المذهب يعلو على هذه الاعتبارات كلها.
    ما زلت أنتظر منك نقلا لإمام معتبر يقول إن برهان التطبيق غير معتمد يا أخي العزيز.
    بارك الله تعالى فيك.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. جزاكم الله خيرا
    دينُ النبيِّ محمدٍ آثارُ ** نِعْمَ المَطِيَّةُ للفتى أخبارُ

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •