صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 42

الموضوع: متون التوحيد

  1. متون التوحيد

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اقترح على الاخوة الأفاضل جمع ما تيسر من متون التوحيد على طريقة علماء أهل السنة المعتبرين في هذا الشأن الجليل، على أن نفردها بتأليف مستقل مع ترجمة لأصحابها وبيان فضلهم على الأمة الاسلامية، فهم العلماء العاملون، والأئمة الخاشعون، والمرابطون المجاهدون، والزهاد العابدون، نسأل الله تعالى التوفيق


    عقيدة ابن الحاجب
    (تـ646هـ)

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


    يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ، وَفِي صِفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَصْدِيقِ رُسُلِهِ، فَيُؤْمِنَ بِأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلاَ قَسِيمَ لَهُ فِي فِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلُهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، وَأَنَّ كُلَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَعَنْهُ صِدْقٌ. وَأَنَّ الإِيمَانَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ التَّابِعُ لِلْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِمَنْ قَالَ هُوَ المَعْرِفَةُ فقط.
    وَلاَ يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ التَّابِعِ لِلْمَعْرِفَةِ عَنْ مُسْتَنَدٍ جُمْلِيٍّ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ وَوُجُودِهِ، وَوُجُوبِ وُجُودِهِ، وَثُبُوتِ قِدَمِهِ، وَعَدَمِ تَرْكِيبِهِ، وَعَدَمِ تَجْزِئَتِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِي المُتَحَيِّزِ، وَعَدَمِ اتِّحَادِهِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمِ حُلُولِهِ فِيهِ، وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ فِي جِهةٍ، وَاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الحَوَادِثِ بِهِ، وَاسْتِحَالَةِ الآلاَمِ وَاللَّذَّاتِ عَلَيْهِ.
    وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ المَقْدُورَاتِ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، عَالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُومَاتِ بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ بِإِرَادَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِصِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ عَلَى العِلْمِ عَلَى الأَصَحِّ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ نَفْسِيٍّ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالخَبَرِ وَالاسْتِخْبَارِ وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ وَالنِّدَاءِ عَلَى الأَصَحِّ، بَاقٍ بِبَقَاءٍ يَقٌومُ بِهِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ، وَبِذَاتِهِ عِنْدَ القَاضِي وَهُوَ الأَصَحُّ. وَلاَ تُعْرَفُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ.
    وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالوَجْهِ وَاليَدَيْنِ وَالاِسْتِوَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةٍ تُوجِبُ الاسْتِغْنَاءَ عَنِ المَكَانِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِصِفَةِ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالقِدَمِ غَيْرِ البَقَاءِ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالعَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ وَالمُرِيدِيَّةِ والحَيِّيَّةِ عِنْدَ مُثْبِتِي الأَحْوَالِ. وَبِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى رَأْيٍ. وَبِالرَّحْمَةِ وَالرِّضَا وَالكَرَمِ غَيْرِ الإِرَادَةِ عَلَى رَأْيٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لاَ إِثْبَاتًا وَلاَ نَفْيًا.
    وَأَنَّهُ وَاحِدٌ بِصِفَاتِهِ. وَأَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّ العَقْلَ لاَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ كَوْنِ الفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُتَعَلَّقَ المُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَحْسِينَ وَلاَ تَقْبِيحَ عَقْلاً. وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً لِغَرَضٍ. وَأَنَّ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
    وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، دَلَّتْ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَصِدْقِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ المُعَارَضَةِ. وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبَائِرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا وَفِي تَبْلِيغِ الوَحْيِ وَالفَتَاوَى، وَمِنَ الصَّغَائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُطْلَقاً خِلاَفاً لِمَنْ جَوَّزَهَا عَلَيْهِمْ سَهْوًا، بِخِلاَفِ مَا قَبْلَهَا فِي السَّهْوِ لاَ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ. وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ المَلاَئِكَةِ عَلَى الأَصَحِّ.
    وَأَنَّ المَعَادَ البَدَنِيَّ حَقٌّ، بِمَعْنَى جَمْعِ الأَجْزَاءِ بَعْدَ تَفْرِيقِهَا، أَوْ بِمَعْنَى إِعَادَتِهَا بَعْدَ إِعْدَامِهَا. وَأَنَّ أَرْوَاحَ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ مُنَعَّمَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَرْوَاحَ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ بَاقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ، وَأَنَّهُ لاَ تَنَاسُخَ فِيهَا.
    وَأَنَّ سَائِرَ السَّمْعِيَّاتِ مِنْ ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى، وَعَذَابِهِ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَوَزْنِ الأَعْمَالِ، وَنُطْقِ الجَوَارِحِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَحْوَالِ الجَنَّةِ وَدَوَامِ نَعِيمِهَا، وَأَحْوَالِ النَّارِ وَدَوَامِ عَذَابِهَا حَقٌّ. وأَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ مُمْكِنَتَانِ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ حَقٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخَبَرِ الصَّادِقِ.
    وَأَنَّ وَعِيدَ أَهْلِ الكَبَائِرِ مُنْقَطِعٌ. وَأَنَّ وَعِيدَ الكَفَرَةِ دَائِمٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَانِدٍ. وَأَنَّ الإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُمْ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ. وَيُقَالُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَأَنَّ الكُفْرَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْكَارِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرُّسُلِ بِهِ عَلَى الأَصَحِّ، فَلاَ يُكَفَّرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ. وَأَنَّ نَصْبَ الإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الخَلْقِ، لاَ عَلَى الخَالِقِ. وَلاَ يَجِبُ القِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ أَهْلِ الضَّلاَلِ إِلاَّ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ فِي النَّظَرِ وفِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ تَمَكُّناً يَقْوَى بِهِ عَلَى دَفْعِهَا، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.


    [CENTER ]العقيدة النوريّة في اعتقاد الأئمة الأشعرية


    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيم
    وصلى الله على سيدنا محمد
    وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
    قال الشيخ الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الولي الصالح
    سيدي أبو الحسن علي النوري (تـ 1118هـ) غفر الله له ونفعنا به آمين:

    الحَمْدُ ِللهِ الذِي دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَتَقَدَّسَتْ عَنِ النَّقْصِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ نَطَقَتْ بِصِدْقِهِ مُعْجِزَاتُهُ، وَعَلَى آلِهَ وَأَصْحَابِهِ نَصَرَةُ الدِّينِ وَحُمَاتُهُ.
    وَبَعْدُ؛ فَأَقْسَامُ الحُكْمِ العَقْلِيِّ ثَلاَثَةٌ: وَاجِبٌ، وَمُسْتَحِيلٌ، وَجَائِزٌ.
    - فَالوَاجِبُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ.
    - وَالمُسْتَحِيلُ: مَا لاَ يُمْكِنُ فِي العَقْلِ ثُبُوتُهُ.
    - وَالجَائِزُ: مَا يَصُحُّ فِي العَقْلِ نَفْيُهُ وَثُبُوتُهُ.
    وَيَجِِبُ ِللهِ جَلَّ وَعَزَّ كُلُّ كَمَالٍ لاَئِقٍ بِهِ. وَيَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَهْوَ عِشْرُونَ صِفَةً وَهْيَ:
    الوُجُودُ.
    وَبُرْهَانُ ثُبَوتِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّ العَالَمَ – وَهُوَ كُلُّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى – حَادِثٌ؛ لِمُلاَزَمَتِهِ مَا شُوهِدَ حُدُوثُهُ كَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
    وَأَيْضًا، فَإِنِّكَ تَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ ثُمَّ وُجِدْتَ، وَكُلُّ حَادِثٍ لاَ بُدَّ لُهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ؛ ِلاسْتِحَالَةِ الانْتِقَالِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ بِلاَ فَاعِلٍ. فَالعَالَمُ إِذًا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مَوْجُودٍ، وَهْوَ اللهُ تَعَالَى.
    وَالقِدَمُ: أَيْ لاَ أَوَّلِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى عَنْهُ القِدَمُ لَثَبَتَ لَهُ الحُدُوثُ، فيَفْتَقِرُ إِلَى مُحدِثٍ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فَيُؤَدِّي إِلَى فَرَاغِ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ، أَوْ الدَّوْرُ فَيُؤَدِّي إِلَى تَقَدُّمِ الشَّيءِ عَلَى نَفْسِهَ. وَكِلاَهُمَا مُسْتَحِيلٌ.
    وَالبَقَاءُ: أَيْ لاَ آخِرِيَّةَ لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ البَقَاءُ لَكَانَ قَابِلاً لِلْوُجُودِ وَالعَدَمِ، فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ وُجُودِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ، فَيَكُونُ حَادِثًا. وَقَدْ سَبَقَ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
    وَالمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ: أَيْ نَفْيُ الجِِرْمِيَّةِ وَالعَرَضِيَّةِ وَلَوَازِمِهِمَا، كَالمَقَادِيرِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالجِهَاتِ وَالقُرْبِ وَالبُعْدِ بِالمَسَافَةِ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ مَاثَلَ الحَوَادِثَ لَكَانَ حَادِثًا، وَقَدْ مَرَّ بُرْهَانُ وُجُوبِ قِدَمِهِ.
    وَالقِيَامُ بِالنَّفْسِ. أَيْ: ذَاتٌ مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَاتِ العَلِيَّةِ، غَنِيّةٌ عَنِ الفَاعِلِ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاتًا لَكَانَ صِفَةً، فَيَسْتَحِيلُ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ المَعَانِي وَالمَعْنَوِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ البُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ اتَّصَافِهِ تَعَالَى بِهِمَا. وَلَوْ احْتَاجَ لِلْفَاعِلِ لَكَانَ حَادِثًا، وَتَقَدَّمَ بُرْهَانُ نَفْيِهِ.
    وَالوَحْدَاِنيَّةُ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ: أَيْ لَيْسَتْ ذَاتُهُ مُرَكَّبَةً؛ وَإِلاَّ لَكَانَ جِسْمًا. وَلاَ تَقْبَلُ صِغَرًا وَلاَ كِبَرًا؛ َلأَنَّهُمَا مِنْ عَوارِضِ الأَجْرَامِ. وَلاَ ذَاتَ كَذَاتِهِ، وَلاَ صِفَةً كَصِفَاتِهِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ البَتَّةَ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهَا لَهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعُهُ ثَانٍ لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ؛ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا عِنْدَ الاتِّفَاقِ، وَأَحْرَى عِنْدَ الاخْتِلاَفِ.
    وَالحَيَاةُ وَهْيَ لاَ تَعَلُّقَ لَهَا.
    وَالعِلْمُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِ كُلُّ وَاجِبٍ وَمُسْتَحِيلٍ وَجَائِزٍ.
    وَالإِرَادَةُ التِّي يُخَصِّصُ تَعَالَى بِهَا المُمْكِنَ بِمَا شَاءَ.
    وَالقُدْرَةُ التِّي يُثْبِتُ تَعَالَى بِهَا أَوْ يُعْدِمُ مَا أَرَادَ مِنْ المَمْكِنَاتِ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهِذِهِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ تُوجَدِ الحَوَادِثُ.
    وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ المُنْكَشِفُ لَهُ تَعَالَى بِهِمَا جَمِيعُ المَوْجُودَاتِ.
    وَالكَلاَمُ المُنَزَّهُ عَنِ الحَرْفِ، وَالصَّوْتِ، وَالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ، وَالسُّكُوتِ؛ لاِسْتِلْزَامِ جَمِيعِ ذَلِكَ الحُدُوثَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِهِ.
    وَدَلِيلُ وُجُوبِ اتِّصَافِهِ تَعَالَى بِهَا: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالإِجْمَاعُ.
    وَكَوْنُهُ تَعَالَى حَيَّا، وَعَالِمًا، وَمُرِيدًا، وَقَادِرًا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيرًا وَمُتَكَلِّمًا.
    وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كُلُّ مَا يُنَافِي صِفَاتِ الجَلاَلِ وَالكَمَالِ. وَذَلِكَ المُنَافِي كَالعَدَمِ، وَالحُدُوثِ، وَالفَنَاءِ، وَالمُمَاثَلَةِ لِلْحَوَادَثِ، وَالافْتِقَارِ لِلذَّاتِ أَوْ الفَاعِلِ، وَالتَّعَدُّدِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، أَوْ وُجُودِ الشَّرِيكِ فِي الأَفْعَالِ، وَالمَوْتِ، وَالجَهْلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَوُقُوعِ مُمْكِنٍ بِدُونِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى، وَالعَجْزِ، وَالصَّمَمِ، وَالعَمَى، وَالْبَكَمِ. وَأَضْدَادُ الصِّفَاتِ المَعْنَوِيِّةِ مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
    وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: الفِعْلُ وَالتَّرْكُ لِكُلِّ مَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِجَوَازِهِ وَإِمْكَانِهِ.
    وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمَا كَانَ فَاعِلاً بِالاخْتِيَارِ.
    وَمِنَ الجَائِزَاتِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
    وَيَجِبُ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الصِّدْقُ.
    وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ ضِدُّهُ، وَهْوَ الكَذِبُ.
    وَبُرْهَانُ وُجُوبِهِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا لَلِزَمَ كَذِبُ مُصَدِّقِهِمْ بِالْمُعْجِزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْكَلاَمِ، وَالْكَذِبُ عَلَى اللهِ مُحَالٌ؛ ِلأَنَّ خَبَرَهُ مُوَافِقٌ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ لاَ يَنْتَقِضُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
    وَالعِصْمَةُ مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ خِلاَفَ الأَوْلَى، أَوْ فِعْلِ المُبَاحِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ. وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ضِدُّهَا، وَهْوَ فِعْلُ المَنْهِيِّ عَنْهُ.
    وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا لَهُمْ: الإِجْمَاعُ.
    وَأَيْضًا لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ َلأُمِرَ أُمَمُهُمْ بِفِعْلِهِ؛ ِلأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ.
    وَتَبْلِيغُ كُلِّ مَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِتَبْلِيغِهِ.
    وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَنْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا؛ أَمَّا عَمْدًا فِلِمَا تَقَدَّمَ فِي دَلِيلِ وُجُوبِ العِصْمَةِ، وَأَمَّا نِسْيَانًا فَللإِجْمَاعِ.
    وَيَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ الأَعْرَاضِ البَشَرِيَّةِ التِي لاَ تُنَافِي عَظِيمَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوَّ قَدْرِهِمْ، كَالجُوعِ وَنَحْوِهِ.
    وَبُرْهَانُ جَوَازِ ذَلِكَ مُشَاهَدَتُهُ فِيهِمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.







    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  2. العقيدة البرهانية والفصول الإيمانية

    تأليف الشيخ أبي عمرو عثمان بن عبد الله بن عيسى القيسي القرشي
    الشهير بالسلالجي ( تـ574هـ)

    الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ المُرْسَلِينَ.
    اعْلَمْ، أَرْشَدَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ، أَنَّ العَالَمَ: عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَى اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ ذَاتِهِ.
    ثُمَّ العَالَمُ عَلَى قِسْمَيْنِ: جَوَاهِرٌ وَأَعْرَاضٌ.
    فَالجَوْهَرُ: هُوَ المُتَحَيِّزُ.
    وَالعَرَض: هُوَ المَعْنَى القَائِمُ بِالجَوْهَرِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الجَوَاهِرِ: تَنَاهِي الأَجْسَامِ فِي انْقِسَامِهَا إِلَى حَدٍّ يَسْتَحِيلُ انْقِسَامُهُ. فَذَلِكَ هُوَ الجَوْهَرُ؛ لِأَنَّ القِسْمَةَ هِيَ الافْتِرَاقُ، وَالشَّيْءُ الوَاحِدُ لاَ يُفَارِقُ نَفْسَهُ، فَكُلُّ مَا تَأَلَّفَ مَعَهُ فَهُوَ عَلَى حُكْمِهِ.
    وَبِهِ تَفْضُلُ الأَجْسَامُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي الكِبَرِ وَالصِّغَرِ، كَالذَّرَّةِ وَالفِيلِ؛ لِأَنَّ مَا لاَ يَتَنَاهَى لاَ يَفْضُلُ مَا لاَ يَتَنَاهَى.
    وَأَيْضًا، فَإِنَّ مَا لاَ يَتَنَاهَى يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ فِي الوُجُودِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الأَعْرَاضِ: تَنَاوُبُ الأَحْكَامِ الجَائِزَةِ الطَّارِئَةِ وَتَعَاقُبِهَا عَلَى الجَوَاهِرِ مَحَالِّهَا؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَهَا لَاسْتَحَالَ تَبَدُّلُهَا عَنْهَا، وَلَتَسَاوَت الجَوَاهِرُ كُلُّهَا فِيهَا، فَاخْتِصَاصُ كُلّ جَوْهَرٍ بِحُكْمٍ يَجُوزُ عَلَى مُمَاثِلِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَعْنىً يُخَصِّصُهُ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ قِيَامُهُ بِهِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمَا كَانَ بِإِيجَابِ الحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهِ لِغَيْرِهِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الأَعْرَاضِ: طَرَيَانُهَا عَلَى مَحَالِّهَا. وَانْتِفَاؤُهَا بَعْدَ وُجُودِهَا دَلِيلٌ عَلَى حُدُوثِهَا؛ إِذْ لَوْ ثَبَتَ قِدَمُهَا لَاسْتَحَالَ عَدَمُهَا.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى حُدُوثِ الجَوَاهِرِ: أَنَّ الجَوَاهِرَ لاَ تَعْرَى عَنِ الاجْتِمَاعِ وَالاِفْتِرَاقِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالاجْتِمَاعُ وَالافْتِرَاقُ وَالحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ حَوَادِثٌ، وَمَا لاَ يَعْرَى عَنِ الحَوَادِثِ لاَ يَسْبِقُهَا، وَمَا لاَ يَسْبِقُهَا كَانَ حَادِثًا مِثْلَهَا.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الصَّانِعِ: أَنَّ العَالَمَ جَائِزٌ وُجُودُهُ وَجَائِزٌ عَدَمُهُ، فَلَيْسَ وُجُودُهُ بِأَوْلَى مِنْ عَدَمِهِ، وَلاَ عَدَمُهُ بِأَوْلَى مِنْ وُجُودِهِ، فَلَمَّا اخْتُصَّ بِالوُجُودِ الجَائِزِ بَدَلاً عَنِ العَدَمِ المُجَوَّزِ افْتَقَرَ إِلَى مُقْتَضٍٍ، وُهُوَ الفَاعِلُ المُخْتَارُ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى قِدَمِ الصَّانِعِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَافْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ، وَكَذِلَكَ القَوْلُ فِي مُحْدِِثِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسَلْسُلِ، وَالتَّسَلْسُلُ يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِنَا، وَنَفْيُنَا مَعَ وُجُودِنَا مُحَالٌ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَالِ كَانَ مُحَالاً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ: وُجُوبُ اتِّصَافِهِ بِأَنَّهُ حَيٌّ، عَالِمٌ، قَادِرٌ، مُرِيدٌ. وَالصِّفَةُ لا تَتَّصِفُ بِالأَحْكَامِ الَّتِي تُوجِبُهَا المَعَانِي، فَلَمَّا وَجَبَ اتِّصَافُهُ تَعَالَى بِهَا حَتْمًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ، هُوَ أَنَّ المِثْلَيْنِ: كُلُّ مَوْجُودَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي جِمِيعِ صِفَاتِ النَّفْسِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى مُقَدَّسٌ عَنْ جَمِيعِ سِمَاتِ الجَوَاهِرِ وَالأَعْرَاضِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لَهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الجَوْهَرَ حَقِيقَتُهُ: المُتَحيِّزُ، وَالمُتَحيِّزُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الاخْتِصَاصُ بِبَعْضِ الجِهَاتِ وَالمُحَاذِيَاتِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
    وَأَيْضًا، فَإِنَّ الجَوْهَرَ هُوَ القَابِلُ لِلأَعْرَاضِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
    وَأَيْضًا، فَإِنَّ الجَوْهَرَ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّأْلِيفُ وَالتَّرْكِيبُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ، وَالمَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
    وَأَمَّا العَرَضُ، فَحَقِيقَتُهُ: مَا يَقُومُ بِالجَوْهَرِ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى افْتِقَارِهِ إِلَى مَحَلٍّ. وَالرَّبُّ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنِ الافْتِقَارِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
    وَالعَرَضُ لاَ يَبْقَى زَمَنَيْنِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى قَدِيمٌ، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ.
    وَالعَرَضُ لاَ يَتَّصِفُ بِالأَحْكَامِ التِّي تُوجِبُهَا المَعَانِي، وَالرَّبُّ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِهَا حَتْمًا. فَتَقَرَّرَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَقَدُّسُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ سِمَاتِ الحَوَادِثِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ قَادِرٌ: اسْتِحَالَةُ صُدُورِ الفِعْلِ الرَّصِينِ، المُحْكَمِ المُتْقَنِ المَتِينِ، مِنْ غَيْرِ عَالِمٍ قَادِرٍ.
    وَثُبُوتُ لَطَائِفِ الصُّنْعِ، وَمَا تَتَّصِفُ بِهِ السَّمَوَاتُ وَالأَرَضُونَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الانْتِظَامِ وَالإِتْقَانِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ قَادِرٌ.
    ثُمَّ اخْتِصَاصُ الأَفْعَالِ بِأَوْقَاتِهَا وَخَصَائِصِ صِفَاتِهَا بَدَلاً مِنْ نَقَائِضِهَا الجَائِزَةِ عَلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مُرِيدٌ.
    وَثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ؛ لاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ المَشْرُوطِ مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ.
    ثُمَّ الحَيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا أَوْ مُؤَفًّا، وَكَذِلِكَ القَوْلُ فِي الكَلاَمِ وَالإدْرَاكِ؛ إِذْ كُلُّ قَابِلٍ لِنَقِيضَيْنِ لاَ وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْرَى عَنْهُمَا، فَلِمَا اسْتَحَالَتِ النَّقَائِصُ عَلَى البَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَطْعًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا مُدْرِكًا.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الأَزَلِيَّةِ: العِلَّةُ وَالحَقِيقَةُ. فَمَهْمَا ثَبَتَ حُكْمٌ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ وَجَبَ طَرْدُهُ شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَلَوْ جَازَ ثُبُوتُهُ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ لِوُجُوبِهِ لَجَازَ ثُبُوتُ العِلَّةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِهَا لِوُجُوبِهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّاهِدِ أَنَّ كَوْن العَالِمِ عَالِمًا مُعَلَّلٌّ بِالعِلْمِ.
    وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الحَقِيقَةِ، فَمَهْمَا تَثْبُتُ حَقِيقَةٌ فِي مُحَقَّقٍ وَجَبَ طَرْدُهَا شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّاهِدِ أَنَّ حَقِيقَةَ العَالِمِ مَنْ قَامَ بِهِ العِلْمُ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَقُمْ بِهِ لَمَا كَانَ بإِيجَابِ الحُكْمِ لَهُ أَوْلَى مِنْ إِيجَابِهِ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الصِّفَاتِ.
    فَثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ البَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ قَدِيمَةٍ، عَالِمٌ بِعِلْمٍ قَدِيمٍ، قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ، مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، سَمِيعٌ بِسَمْعٍ قَدِيمٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ قَدِيمٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلاَمٍ قَدِيمٍ، مُدْرِكٌ بِإِدْرَاكٍ قَدِيمٍ؛ إِذْ المَوْصُوفُ بِالقِدَمِ لاَ يَتَّصِفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا إِلَهَيْنِ، وَقَدَّرْنَا مِنْ أَحَدِهِمَا إِرَادَةَ تَحْرِيكَ جِسْمٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَمِنَ الثَّانِي إِرَادَةَ تَسْكِينَهُ فِي تِلْكَ الحَالَةِ بِعَيْنِهَا، لَمْ يَخْلُ:
    ـ إِمَّا أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا جَمِيعًا.
    ـ أَوْ لاَ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا.
    ـ أَوْ تَنْفَذَ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي.
    مُحَالٌ أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا؛ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ.
    وَمُحَالٌ أَنْ لاَ تَنْفَذَ إِرَادَتُهُمَا؛ لِاسْتِحَالَةِ عُرُوِّ المَحَلِّ عَنِ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ.
    وَمُحَالٌ أَنْ تَنْفَذَ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي؛ إِذْ فِي ذَلِكَ تَعْجِيزُ مَنْ لَمْ تَنْفَذْ إِرَادَتُهُ، وَالعَجْزُ يُنَافِي الإِلَهِيَّةَ؛ لِأَنَّ العَجْزَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَرَضًا، وَقِيَامُ الأَعْرَاضِ بِالقَدِيمِ مُحَالٌ، وَمَا أَفْضَى إِلَى المُحَالِ كَانَ مُحَالاً.
    وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقُهُمَا مَشْرُوطٌ بِجَوَازِ عَدَمِهِمَا، وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ.
    فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الفِعْلَ يُنَافِي الإثْنَيْنِيَّةَ عَلَى وَصْفِ الإِلَهِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (، ) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا ( ، )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحَالَةِ تَنَاهِي المَقْدُورَاتِ: جَوَازُ وُقُوعِ أَمْثَالِ مَا وَقَعَ، وَالجَائِزُ لاَ يَقَعُ بِنَفْسِهِ، وَفِي قَصْرِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ اسْتِحَالَةُ وُقُوعِهِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى جَمْعِ الاسْتِحَالَةِ وَالإِمْكَانِ فِيمَا عُلِمَ فِيهِ الإِمْكَانُ.
    وَكَذِلِكَ القَوْلُ فِي المَعْلُومَاتِ وَالمُرَادَاتِ وَمُتَعلَّقَاتُ الكَلاَمِ.
    فَصْلٌ
    وَالدَّلِيلُ عَلَى تَجْوِيزِ رُؤْيَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: أَنَّ الإِدْرَاكَ شَاهِدًا يَتَعَلَّقُ بِالمُخْتَلِفَاتِ، وَالمُخْتَلِفَاتُ لاَ يُؤُولُ اخْتِلاَفُهَا إِلَى وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا يَؤُولُ اخْتِلاَفُهَا إِلَى أَحْوَالِهَا، وَالإِدْرَاكُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَحْوَالِ؛ إِذْ كُلُّ مَا يُرَى وَيُمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ فِي حُكْمِ الإِدْرَاكِ فَهُوَ ذَاتٌ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَالأَحْوَالُ لَيْسَتْ بِذَوَاتٍ، فَإِذَا رِيءَ مَوْجُودٌ لَزِمَ تَجْوِيزُ رُؤْيَةَ كُلّ مَوْجُودٍ.
    فَصْلٌ
    وَمِنَ الجَائِزَاتِ: خَلْقُ الأَعْمَالِ. فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى فِعْلٌ، وَلاَ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ تَعَالَى ثَوَابٌ. فَالثَّوَابُ مِنْهُ فَضْلٌ، وَالعِقَابُ مِنْهُ عَدْلٌ، يَخُصُّ مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ؛ ) لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسَئَلُونَ(.
    فَصْلٌ
    وَمِنَ الجَائِزَاتِ: انْبِعَاثُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ، وَتَأْيِيدُهُمْ بِالمُعْجِزَاتِ.
    وَلَهَا شَرَائِط: مِنْهَا أَنْ تَكُونَ فِعْلاً لِلَّهِ، خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَأَنْ يَقَعَ التَّحَدِّي بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِلدَّعْوَى، وَأَنْ يَعْجَزَ المُتَحَدُّونَ بِهَا عَنِ المُعَارَضَةِ وَالإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا.
    وَمِنْ أَحْكَامِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ: وُجُوبُ العِصْمَةِ عَمَّا يُنَاقِضُ مَدْلُولَ المُعْجِزَةِ عَقْلاً، وَعَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الكَبَائِرِ إِجْمَاعًا.
    وَقَدْ تَحَدَّى سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضُرُوبٍ مِنَ المُعْجِزَاتِ، مِنْهَا: القُرْآنِ العَظِيمِ، وَانْشِقَاقُ القَمَرِ، وَنُطْقِ العَجْمَاءِ، وَتَكْثِيرِ القَلِيلِ، وَنَبْعِ المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَإِنْبَاؤُهُ عَنِ الغُيُوبِ الَّتِي لاَ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلاَّ بِالْوَحْيِ، فَظَهَرَتْ خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، مُوَافِقَةً لِدَعْوَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَامْتَنَعَتْ المُعَارَضَةُ مِنَ الخَلاَئِقِ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً.
    فَوَجَبَ الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَسُؤَالِ مُنْكرٍ وَنَكِيرٍ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ، وَالحَوْضِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَأَنْبَاءِ الآخِرَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.
    وَأَنَّ جُمْلَةَ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ، وَقَضَايَا التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَقَضَايَا التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ مُتَلَقَّاةٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لاَ مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِيهَا.
    وَأَنَّ أُصُولَ الأَحْكَامِ: الكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ.
    وَأَنَّ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ أَوْ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ فَهُوَ حَقٌّ، لاَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ بِحَالٍ، وَمُشَاقَّتُهُمْ فِسْقٌ وَضَلاَلٌ.
    وَمِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ: وُجُوبُ التَّوْبَةِ عِنْدَ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ. وَهِيَ عَلَى الفَوْرِ، لاَ تَجُوزُ الفُسْحَةُ فِيهَا بِحَالٍ.
    وَحَقِيقَتُهَا: النَّدَمُ لِأَجْلَ مَا فَاتَ مِنْ رِعَايَةِ حُقُوقِ اللهِ.
    فَإِذَا تَوَفَّرَتْ عَلَيْهَا شَرَائِطُهَا، فَقَدْ وَعَدَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِقَبُولِهَا.
    وَمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا، وَقَدْ قَارَفَ كَبِيرَةً وَلَمْ يُوَفَّقْ إِلَى التَّوْبَةِ عَنْهَا، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، أَوْ شَفَّعَ فِيهِ شَفِيعًا، أَوْ عَاقَبَهُ مُدَّةً وَأَدْخَلَهُ الجَّنَةَ.
    وَأَنَّ الإِيمَانَ: هُوَ التَّصْدِيقُ. فَمَنْ صَدَّقَ اللهَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ.
    فَصْلٌ
    وَمِنَ الجَائِزَاتِ: عَقْدُ الإِمَامَةِ.
    وَلَهَا شَرَائِطٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ قُرَشِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُفْتِيًا، وَأَنْ يَكُونَ ذَا كِفَايَةٍ وَنَجْدَةٍ عِنْدَ نُزُولِ الدَّوَاهِي وَالمُلِمَّاتِ.
    وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا؛ إِذْ لاَ مَعْصُومَ إِلاَّ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
    وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَثْبُتَ نَصًّا، بَلْ تَثْبُتُ نَصًّا أَوْ اجْتِهَادًا.
    فَهَذَا مِمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
    فَصْلٌ
    وَأَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلََّمَ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ تَعَارَضَتِ الظُّنُونُ فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ؛ فَهُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَالأَئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ.
    فَهَذِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي سَبِيلِ الإِيجَازِ، وَمَا لاَ يَسَعُ أَحَدٌ تَرْكُهُ مِنَ العُقَلاَءِ إِلاَّ بَعْدَ إِحَاطَةِ العِلْمِ بِهَا، تَلَقَّاهَا الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ.
    وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا، وَالقِيَامِ بِرِعَايَةِ حُقُوقِهَا، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتِمِ النَّبِيِّينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرِينَ الطَيِّبِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,992
    مقالات المدونة
    2

    العقائد العضدية

    متن
    العقائد العَضُدِيَّة
    تصنيف الإمام الحجة المتكلم الأصولي
    عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجي الشيرازي
    (706-756هـ)



    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال النبي صلى الله عليه وسلم "ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل ومن هم؟ قال الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي.
    وهذه عقائد الفرقة الناجية، وهم الأشاعرة.
    أجمع السلف من المحدثين وأئمة المسلمين وأهل السنة والجماعة:
    على أن العالم حادث، كان ذلك بقدرة الله بعد أن لم يكن.
    وعلى أن العالم قابلٌ للفناء، وعلى أن النظر في معرفة الله واجب شرعاً، وبه تحصل المعرفة، ولا حاجة إلى المعلم.
    وعلى أن للعالم صانعاً قديماً لم يزل ولا يزال واجباً وجودة لذاته ولا خالق سواه.
    متصفٌ بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع سمات النقص.
    فهو عالم بجميع المعلومات قادرٌ على جميع الممكنات، مريداً لجميع الكائنات، متكلم حي سميع بصير.
    وهو منزَّهٌ عن جميع صفات النقص فلا شبيه له، ولا ندَّ له ولا مثل له، لا شريك له ولا ظهير له، ولا يحلُّ في غيره ولا يقوم بذاته حادثٌ ولا يتحد بغيره.
    ليس بجوهر ولا عرض ولا جسمٍ ولا في حيز وجِهَةٍ، ولا يشار إليه بهنا ولا هناك، ولا يصح عليه الحركة ولا الانتقال، ولا الجهل ولا الكذب، وهو تعالى مرئيٌّ للمؤمنين يوم القيامة من غير موازاة ومقابلة وجهة.
    كان، وما لم يشأ لم يكن، فالكفر والمعاصي بخلقه وإرادته، ولا يرضاهُ.
    غنيٌّ ولا يحتاج إلى شيء، ولا حاكم عليه ولا يجب عليه شيء كاللطف والأصلح والعوض على الآلام ولا الثواب عليه في الطاعة والعقاب على المعصية، بل إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله.
    ولا قبيح منه ولا ينسب فيما يفعل أو يحكم إلى جور أو ظلم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا غرض لفعله، راعى الحكمةَ فيما خلق وأمرَ تفضلاً ورحمة، ولا حاكم سواه، فليس للعقل حكمٌ في حسن الأشياء وقبحها وكون الفعل سبباً للثواب والعقاب، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. وليس للفعل صفة حقيقية أو اعتبارية باعتبارها حسن أو قبح، ولو عكس لكان الأمر بالعكس.
    وهو غير متبعض ولا متجزئ ولا حدَّ له ولا نهاية له.
    صفاته واحدةٌ بالذات غير متناهية بحسب التعلُّق، فما وجد من مقدوراته قليل من كثير، وله الزيادة والنقصان في مخلوقاته.
    ولله تعالى ملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فمنهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، لكل واحد منهم مقامٌ معلوم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
    والقرآن كلام الله غير مخلوق وهو المكتوب في المصاحف المقروء بالألسن المحفوظ في الصدور؛ والمكتوب غير الكتابة والمقروء غير القراءة والمحفوظ غير الحفظ.
    وأسماء الله تعالى توقيفية.
    والمعاد حقٌ، تحشر الأجساد وتعاد فيها الأرواح، وكذا المجازاة والمحاسبة، والصراط حق، والميزان حق.
    وخلق الجنة والنار، ويخلد أهل الجنة في الجنة، والكافر في النار، ولا يخلد المسلم صاحب الكبيرة في النار بل يخرج آخراً إلى الجنة.
    والعفو عن الصغائر والكبائر بلا توبة جائز.
    والشفاعة حقٌّ لمن أذِن له الرحمن، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، وهو مُشَفَّعٌ فيهم لا يُرَدُّ مطلوبه.
    وعذاب القبر حق، وسؤال منكر ونكير حق.
    وبعثة الرسل بالمعجزات من لَدُنْ آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حق.
    ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ولا نبي بعده.
    والأنبياء عليهم السلام معصومون، وهم أفضل من الملائكة العلوية، وعامة البشر أفضل من عامة الملائكة.
    وأهل بيعة الرضوان وأهل بدر من أهل الجنة.
    وكرامات الأولياء حق، ويكرم الله بها من يشاء ويختص برحمته من يريد.
    والإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثبتت إمامته بالإجماع، ثم عمر الفاروق رضي الله عنه، ثم عثمان ذو النورين رضي الله عنه، ثم علي المرتضى كرم الله وجهه، والأفضلية بهذا الترتيب، ومعنى الأفضلية أنه أكثر ثواباً عند الله تبارك وتعالى، لا أنه أعلم وأشرفُ نسباً، وما أشبه ذلك.
    والكفر عدمُ الإيمان.
    ولا نكفر أحداً منْ أهل القبلة إلا بما فيه نفيُ الصانع القادر المختار العليم، أو شرك، أو إنكار النبوة، أو إنكار ما علم مجيء محمد صلى الله عليه وسلم به ضرورةً، أو إنكار مجمع عليه قطعاً، واستحلال المحرمات، وأما غير ذلك فالقائل به مبتدعٌ وليس بكافر، ومنه التجسيم.
    والتوبة واجبة، وهي مقبولة لطفاً ورحمتاً وإحساناً من الله والأمر بالمعروف تبع لما يؤمر به، فإن كان ما يؤمر به واجباً فواجب، وإن كان مندوباً فمندوب، وشرطه أنْ لا يؤدي إلى الفتنة، وأنْ يظن قبوله.
    ولا يجوز التجسس.
    ثبتك الله على هذه العقائد الصحيحة ورزقك العمل بما يجب ويرضى.
    انتهى والحمد الله ربِّ العالمين.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,992
    مقالات المدونة
    2

    العقيدة الفهرية

    عقيدة الشيخ الإمام العالم
    أبي جعفر أحمد بن يوسف بن علي
    الفهري اللبلي
    (623 - 691 هـ)
    مأخوذة من فتاوى البرزلي (6/631-362)



    رواها الإمام البرزلي، عن شيخه محمد البطرني، عن الشيخ الفقيه الراوية الشريف أبي عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد الحسني عن مؤلفها.


    اعلموا وفقنا الله وإياكم لتوحيده، وأعاننا على لزوم تمجيده، أنه يجب على كل عاقل بالغ أن يعلم:
    أن لا إله إلا الله سبحانه وتعالى.

    وأنه واحد لا شريك له، قديم لا أول له، دائم لا آخر له، ليس له ضد ولا نظير، ولا معين ولا وزير، لا تماثله الموجودات ولا يماثلها، ولا تحويه الأزمان والجهات، ولا يحل فيها فلا يحتاج إلى مكان، ولا يفتقر إلى زمان.

    هو الله سبحانه [لم يزل] من التنزيه والتحميد والتقديس والتعظيم، على ما كان موصوفاً بصفاته العلية، ونعوته الجليلة الأبدية.

    فهو سبحانه حي عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، مريد لجميع الكائنات، سميع لجميع المسموعات، مبصر لجميع المرئيات، مدرك لجميع المدركات، متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحروف ولا أصوات، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يتكون موجود إلا بمشيئته وقدرته، فلا يقع في ملكه إلا ما أراد، ولا يجري في خلقه إلا ما قدَّر، لا يشذ عن قدرته مقدور، ولا تغرب عن علمه خفيات الأمور.

    لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى مراداته ولا معلوماته.

    أنشأ الموجودات كلها، وخلق أفعالهم بأسرها، وقدر أقواتهم وآجالهم بجملتها، فلا تزيد ولا تنقص، ولا يتقدم ولا يتأخر شيء عن شيء منها، فهي جارية على ما وقتها وقدرها في سابق علمه، ووفق إرادته، منزه عن صفات الخلق، مبرأ من سمات الحدوث والنقص، فلا تشبه صفاته العلية صفاتهم، كما لا تشبه ذاته المقدسة ذواتهم، فلا يتجدد عليه علم بمعلوم، ولا تحدث له إرادة لم تكن، وهو لا يعتريه عجز ولا قصور، ولا يأخذه سهو ولا فتور، ولا يغفل سبحانه لحظة، ولا عن أمر من الأمور، لا يفعل بآلة، ولا يستعين بجارحة، فلا يسمع بأذن، ولا يبصر بحدقة وجفن، ولا يبطش بيد، ولا يوصف بكون ولا يعلم بقلب، ولا يدبر بفكر، ولا يتكلم بلسان، ولا هو عرض ولا جوهر ولا جثمان، هو الله سبحانه العظيم الشأن، فله الصفات العلى والأسماء الحسنى.

    أرسل الرسل بالبينات وأيدهم وقواهم بالمعجزات، وجعل آخرهم وخاتمهم خير أهل الأرض والسموات، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الأمي العربي القرشي المكي المدني صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.

    أرسله بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، إلى جميع الخلق كافة، أسودهم وأحمرهم، عربهم وعجمهم، إنسهم وجنهم، فبلَّغ الرسالة وأدى صلى الله عليه وسلم الأمانة، ونصب الأدلة على صدقه، والبراهين الساطعة على صحة قوله، فكل ما أخبر به عن الله تعالى فهو حق، وجميع ما قاله فهو لا محالة صدق.

    فمما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، وأنه يبعثهم وجميع الخلق بعد الموت، ويحشرهم للحساب والثواب والعقاب، وأن الجنة والنار والحوض والميزان والصراط والشفاعة وسؤال الملكين منكر ونكير الميتَ في قبره عن معبوده ونبيه ودينه، كل هذا حق صحيح ثابت جاءت به الآثار، وورد به الصحيح من الأخبار.

    هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة وعلماء الأمة، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة والمقربين عدد معلوماتك يا رب العالمين.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  5. عقيدة الإيمان
    تأليف: الشيخ أبي عبد الله محمد الهذلي نسبا القيرواني بلداً رحمه الله تعالى

    أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ رَبِّنَا، فَنَعْتَقِدُ يَقِيناً وَنُؤْمِنُ جَزْماً عَنْ نَظَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَاحِدٌ أَحَدٌ، قَدِيمٌ، بَاقٍ، لاَ مِثْلَ لَهُ، دَلَّنَا عَلَيْهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ، نُوَحِّدُهُ تَعَالَى وَنُقَدِّسُهُ بِمَا وَحَّدَ وَقَدَّسَ بِهِ تَعَالَى نَفْسَهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الكَمَالِ وَالجَمَالِ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَكُلُّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِنَا مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّنَا فَهُوَ بَاطِلٌ هَالِكٌ، وَاللهُ تَعَالَى بِخَلاَفِ ذَلِكَ. وَكَذَا نُؤْمِنُ بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِمَا جَاؤُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، والحمد لله رب العالمين.




    عقيدة سلطان العلماء
    كتاب عقيدة الشيخ الإمام، والحبر الهمام، العالم العلامة، والحافظ الرحلة الفهامة، شيخ مشائخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، قدس الله تعالى روحه، ونوّر ضريحه آمين، ونفعنا ببركاته والمسلمين.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله أجمعين.

    اعلم أن حقوق الله تعالى على القلوب منقسمة إلى المقاصد والوسائل؛
    أما المقاصد، فكمعرفة ذات الله عز وجل وصفاته.
    وأما الوسائل، فكمعرفة أحكامه، فإنها ليست مقصودة لعينها، وإنما هي مقصودة للعمل بها.
    وكذلك الأحوال قسمان؛
    فالمقاصد: ما قُصد لنفسه كالمهابة الإجلال.
    والوسائل: ما هو وسيلة إلى غيره، كالخوف والرجاء؛ فالخوف وازع عن المخالفات لما رتب عليها من العقوبات، والرجاء حاثّ على تكثير الطاعات لما رتب عليها من المثوبات.
    والحقوق المتعلقة بالقلب أنواع:
    النوع الأول: معرفة ذات الله تعالى وما يجب لها من الأزلية الأبدية والأحدية، وانتفاء الجوهرية والعرضية والجسمية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتوحّد بذلك عن سائر الذوات.
    النوع الثاني: معرفة حياته تعالى بالأزلية والأبدية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتوحّد بذلك عن غيرها من الحياة.
    النوع الثالث: معرفة علمه تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجِب والموجِد، والتعلق بكل واجب وجائز ومستحيل، والتوحّد بذلك عن سائر العلوم.
    النوع الرابع: معرفة إرادته تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بما تتعلق به القدرة، والتوحد بذلك عن سائر الإرادات.
    النوع الخامس: معرفة قدرته تعالى – على الممكنات – بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتوحد بذلك عن سائر القُدَر.
    النوع السادس: معرفة سمعه تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بكل مسموع قديم أو حادث، والتوحد بذلك من بين سائر الأسماع.
    النوع السابع: معرفة بصره تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد، والتعلق بكل موجود قديم أو حادث، والتوحد بذلك عن سائر الأبصار.
    النوع الثامن: معرفة كلام الله تعالى بالأزلية والأبدية والأحدية، والاستغناء عن الموجب والموجد ، والتعلق بجميع ما يتعلق به العلم، والتوحد بذلك عن سائر أنواع الكلام.
    فهذه الصفات كلها ثبوتية قائمة بذات الله سبحانه وتعالى واجبة له.
    النوع التاسع: معرفة ما يجب سَلبُه عن ذاته تعالى من كل عيب ونقص، ومن كل صفة لا كمال فيها ولا نقصان.
    النوع العاشر: معرفة تفرّده تعالى بالإلهية والاختراع.
    النوع الحادي عشر: معرفة صفاته الفعلية الصادرة عن قدرته، الخارجة عن ذاته، وهي منقسمة إلى الجواهر والأعراض.
    والأعراض أنواع: كالخفض والرفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والإغناء والإقناء، والإماتة والإحياء، والإعادة والإفناء.
    النوع الثاني عشر: معرفة ما له أن يفعله وأن لا يفعله؛ كإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والتكليف، والجزاء بالثواب والعقاب.
    النوع الثالث عشر: معرفة حسن أفعاله كلها، خيرها وشرها، نفعها وضرها، قليلها وكثيرها، وأنه لا حق لأحد عليه، ولا ملجأ منه إلا إليه، له حق، وليس عليه حق، ومهما قال فالحسَن الجميل؛ وكذلك لو عذب أهل السماوات والأرض وأقصاهم لكان عادلا في ذلك كله، ولو أثابهم وأدناهم لكان مُنعِمًا مُفْضِلاً بذلك.
    النوع الرابع عشر: اعتقاد جميع ما ذكرنا في حق العامة، وهو قائم مقام العلم في حق الخاصة؛ لما في تعرف ذلك من المشقة الظاهرة للعامة، فإن الله تعالى كلف الخاصة أن يعرفوه بالأزلية والأبدية والتفرد بالإلهية، وأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم صادق في أخباره، وكلف العامة أن يعتقدوا ذلك لعسر وقوفهم على أدلة معرفته، فاجتزأ منهم باعتقاد ذلك.
    النوع الخامس عشر: الحقوق المتعلقة بالقلوب، تصديق القلب بجميع ما ذكرناه من الاعتقادات والعرفان.
    النوع السادس عشر: النظر في تعرف ذلك واعتقاده، وهو واجب وجوب الوسائل.
    والحمد لله رب العالمين.

    وعلى هذه العقيدة شرح مبارك اسمه افهام الافهام في شرح عقيدة شيخ الاسلام وضعه الشيخ ولي الدين الملوي العثماني الشافعي، يسر الله تحقيقه
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  6. عقيدة صغرى صغرى الصغرى
    قال الشيخ الإمام السنوسي
    :
    [COLOR="Black"]اعلم أن مولانا جل وعز واجب الوجود، والقدم، والبقاء، مخالف لخلقه، قائم بنفسه، غني عن المحل والمخصص، واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
    وتجب له القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر والكلام.
    وكونه قادرا، ومريدا، وعالما، وحيا، وسميعا، وبصيرا ومتكلما.
    ويستحيل عليه جل وعز العدم، والحدوث، وطرو العدم، والمماثلة للحوادث، والافتقار إلى المحل والمخصص، والشريك. وكذا يستحيل عليه جل وعز العجز، والكراهة، والجهل، والموت، والصمم، والعمى والبكم.
    ويجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن أو تركه.
    والدليل على وجوده تعالى حدوث العالم.
    ولو لم يكن قديما لكان حادثا.
    ولو لم يكن باقيا لكان فانيا.
    ولو لم يكن مخالفا لخلقه لكان مثلهم.
    ولو لم يكن قائما بنفسه لاحتاج إلى المحل والمخصص.
    ولو افتقر إلى محل لكان صفة.
    ولو احتاج إلى مخصص لكان حادثا.
    ولو لم يكن واحدا لكان مقهورا، وهو القاهر فوق عباده.
    ولو لم تجب له تعالى القدرة والإرادة والعلم والحياة لما كان شيء من خلقه.
    ولو لم يتصف بالسمع والبصر والكلام لكان ناقصا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
    ولو لم يكن فعل الممكنات وتركها جائزا لانقلبت الحقائق، وقلب الحقائق مستحيل.
    وأما الرسل عليهم الصلاة والسلام، فيجب في حقهم الصدق، والأمانة، والتبليغ .
    ويستحيل عليهم الكذب، والخيانة والكتمان.
    ويجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام ما يجوز في حق سائر البشر - لكن مما لا يؤدي إلى النقص في مراتبهم العلية - كالمرض ونحوه.
    والدليل على صدقهم: المعجزات.
    ولو لم يكونوا أمناء لكانوا خائنين.
    ولو لم يبلغوا لكانوا كاتمين.
    وذلك محال.
    ودليل جواز الأعراض عليهم: مشاهدة وقوعها بهم لأهل زمانهم، ونقلت إينا بالتواتر.
    وبالله التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه.
    صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
    والحمد لله رب العالمين.
    كملت بحمد الله، وصلى الله على سيدنا محمد.
    [/COLO
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  7. عقيدة الإمام أبي محمد الجويني

    هذا باب الإيمان من كتاب التبصرة لأبي محمد الجويني رحمه الله تعالى:

    اعلم أن المؤمن إذا اعتقد ما يجب اعتقاده في أصل إيمانه فمن الخذلان أن يستسلم بعد ذلك لوسواس الشيطان فيعطيه زمام قلبه ليتصرف فيه كيف شاء، والشرائط التي إذا اعتقدها كان ما وراءها من الوسوسة أن يعتقد حدث العالم، وقدم محدثه وأنه ليس كمثله شيء من المخلوقات وتحقيقه أنه لا يُتصوّر في الوهم وما دونه يقبل هذه الصفة والنهاية منفية عنه، وليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وانتفت عنه الكيفية والكمية، والأينية واللمّية وأنه حي قادر عالم مريد بصير متكلم له حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر وكلام لم يزل ولا يزال بهذه الصفات لا يشبه شيء منها شيئا من المخلوقات وليست هي هو ولا هو غيره ولا تجاوزه ولا تخالفه ولا توافقه ولا تحلّه بل هي صفات له تقوم به وإن قدرته تعمّ المقدورات وعلمه يعمّ المعلومات، وإرادته تعم الإرادات، لا يكون إلا ما يريد ولا يريد ما لا يكون. ثم الاعتقاد بأنه لا إله إلا هو وأنه شيء واحد وهو معنى الأحد الصمد لا يجوز عليه شيء مما يجوز على المحدثات، ولا يصح عليه العدم، وأنه قائم بنفسه مستغن عن مكان يقلّه وعن جسم يحلّه÷ ليس له تحت فيكون تحته ما يسنده ولا فوق فيكون فوقه ما يمسكه، ولا جانب يعضده أو يزاحمه.
    ثم الاعتقاد بجواز الرؤية مع نفي الأوصاف المحدثة عنه.
    ثم الاعتقاد باستحالة الولد والزوجة والشريك
    ثم الاعتقاد بأنه قادر على إماتة كل حي سواه ويجوز منه إفناء كل شيء غيره وإعادة الأجسام وأمثالها من غير نهاية إن شاء إذا شاء ما شاء.
    ثم الاعتقاد بأنه قادر على كل شيء يُتوهّم حدوثه على الانفراد ومن جملة ذلك القدرة على بعثة الرسل وتنزيل الكتب، وبيان الحجج ونشر الخلق والثواب العقاب، لا اعتراض عليه في فعله ولا حجز عليه في مقدوره ولا يستحق عليه شيء ولا يلزمه فعل.
    وأن أدلة صدق الرسل المعجزات، ولا يجوز إظهارها على الكذابين.
    ثم الاعتقاد بأن لا واجب على الخلق قبل مجيء الرسل ومن فعل شيئا قبله لم يقطع له بثواب ولا عقاب.
    ثم الاعتقاد بأنه بعث الرسل وأنزل الكتب وأمر ونهى ووعد وأوعد وأمر الرسل حق وخبرهم صدق ولا تجوز مخالفتهم.
    ثم الاعتقاد بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول رب العزة معجزته القرآن، ودينه الإسلام وأخبرنا بالحشر والنشر وعذاب القبر وثواب أهل الطاعة وعذاب أهل المعصية وأن من مات على الإيمان عاقبته الجنة.
    ثم الاعتقاد بأن الإجماع حق وأن العبادات الخمس أصول الإسلام: الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج.
    ثم الاعتقاد بأن ما أشكل عليه من أمر دينه لزم الرجوع إلى أعلم من عنده وأورعهم في يفعله إذا بلغ درجة الإجتهاد والعمل بما يفتيه به.
    ثم اٌلإقرار بجميع ذلك نطقا مع الإمكان، ومعنى قولنا الإمكان، أنه ربما يكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فلا يضر ذلك إيمانه شيئا.قال تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}
    فإن استمرت العقيدة على هذه الشرائط واستقرت عليها بحيث لا يتشكك بالتشكك، ولا يرتاب بجدال أهل الإلحاد، فقد سبق إليه الإيمان بحذافيره. فإن اعترض له الشيطان في توسوسه في الصانع فليستعذ بالله منه، وفي مأثور الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يقول للإنسان: هذا ربكم خلق الأشياء فمن خلق الله عز وجل، وربما يتلو آية أو يقرع سمعك خبرا فيستولي على خاطرك عدوك كمثل آيات الصفات والاستواء على العرش واليد والنفس والعين وحديث النزول وما أشبه ذلك فمتى أشكل عليك لفظ شرعي في صفات الذات فاصرف ذلك اللفظ إلى صفات الفعل مثاله قوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم} وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} وقوله { وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} يحتمل والله أعلم من حيث العلم لا من حيث الذات ومن أثبت له مكانا مخصوصا أو جعل العرش له قرارا قيل له: كيف يكون العرش له قرارا من حيث المكان وهو على العرش يعلم ما على الأرض {أينما كنتم} و {أقرب إليكم من حبل الوريد} فإن استعمل بأن يحمل قوله { وهو معكم أينما كنتم} على صفات الفعل فكذلك يلزمه أن يحمل الاستواء والنزول على صفات الفعل. وإن اختيار الإعراض عن تأويل قوله تعالى: {وهو معكم} فليُعرض عن تأويل الاستواء على العرش وحديث النزول ونظائرهما فإن من السلف الصالحين من اختار في هذه الظواهر ترك الكلام عليه مع الإيمان بها وذلك طريقة حسنة قال الله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما اللذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } فمن رأى ترك التأويل وقف على قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } ومن استخار التـاويل أدرج، والوقف أحسن لآن قوله تعالى { والراسخون في العلم } كلام تعقبه خبره وهو قوله { يقولون آمنا به } فإن قيل: إذا كان في القرآن ما لا نفهمه فلا نأمن أن يكون في ضمن ما لم نفهمه حكم عطّلناه أو معنى يُضاد ما اعتقدناه فيما فهمناه، قلنا: أما المضادّة فغير موهومة، لأن ذلك تناقض في خطاب القديم سبحانه وتعالى، وأما تعطيل الحكم فمستحيل أيضا لأن الله تعالى أرسل رسوله وكلّفه أن يبي للناس ما نزّل إليهم فيستيقن أنه ما غادر بيانا نفتقر إلى ذكره صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
    اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك

  8. أخي جلال..
    هل متن العقائد العضدية محقق على نسخة خطية أو مستل من شرح الدواني لها؟
    جزاك الله خيرا...
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,992
    مقالات المدونة
    2
    هي مستلة من شرح الدواني
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  10. عقيدة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عـربي
    نذكر هنا عقيدة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كما وردت في الفتوحات المكيّة واختصرناها هنا:
    لقد صرّح الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي عن عقيدته في بداية كتاب الفتوحات المكية وهي أيضاً رسالة "عقيدة أهل الإسلام"، حتى لا يرميه الجهّال بالإلحاد أو الكفر حين لن يفهموا أكثر ما يسطره من العلوم النفيسة الرفيعة التي لا تنالها العقول الضعيفة والقلوب السقيمة، وكأنه قد تنبّأ بما سيحدث في هذا الشأن فخفّف من وطأته. ولكن الشيخ الأكبر أيضاً قال إن العقيدة عنده لها أربعة مراتب:
    أولاها هي عقيدة العوام من أهل الإسلام، أهل التقليد وأهل النظر، وهي التي سنذكرها أدناه، وهي العقيدة العامة التي يجب على كلّ المسلمين إتّباعها وخلاصتها أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكنه يضيف بعض التفصيل العام لتنزيه الله تعالى عما تصفه به بعض الفِرق مثل المجسّمة والمشبّهة وغيرهم.
    والمرتبة الثانية من العقيدة يسميها الشيخ عقيدة الناشئة الشادية، وهي التي تتضمن مآخذ الأدلة في الفلسفة الإسلامية والتي يحتاج إليها من يناقش العلماء والفلاسفة، وقد ذكرها الشيخ محيي الدين أيضاً في بداية الفتوحات المكية بلفظ مسجوع وعبارة موجزة، وسماها أيضاً "رسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم".
    والمرتبة الثالثة في العقيدة هي عقيدة خواص أهل الله، من أهل طريق الله، من المحققين أهل الكشف والوجود، وقد ذكرها الشيخ الأكبر أيضاً في كتاب سماه "المعرفة".
    وأما المرتبة الرابعة فهي عقيدة الخلاصة الذين هم خلاصة خواص أهل الله تعالى، فما أفردها الشيخ الأكبر على التعيين ولم يصرّح بها، لما فيها من الغموض، ولكن جاء بها مبدّدة في أبواب الفتوحات المكية مستوفاةً مبيّنةً، لكنها كما يقول متفرقة؛ فمن رزقه الله الفهم فيها يعرف أمرها ويميزها من غيرها، فإنها، كما يقول الشيخ الأكبر، العلم الحق والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي، فالأمر كلّه دوري، ونهاية الدائرة متصلة ببدايتها.
    وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المراتب الأربعة من العقيدة ما هي مراتب متباينة ومتناقضة وإنما هي مراتب متوافقة ومتكاملة، ولكن لا يمكن أن نطلب من جميع الناس أن يكونوا فلاسفة متكلمين، كما لا نتوقع من جميع المتكلمين أن يكونوا محققين وذائقين، والذوق له مراتب ومشارب أعلاها وأصفاها مرتبة الأبرار المقربين الذين يشربون من الرحيق المختوم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
    ونحن هنا سنذكر نصّ العقيدة العامة كما وردت في كتاب الفتوحات المكية، رغم طولها، حيث أنها أصلٌ ينفي كلّ ادّعاءٍ ينتقصُ من منزلة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي. ولقد قسم الشيخ رضي الله عنه هذه الشهادة إلى قسمين الأول أن لا إله إلا الله والثاني أنّ محمداً رسول الله، فيقول بعد تقديم عن ضرورة الشهادة:
    "فيا إخوتي ويا أحبائي رضي الله عنكم، أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى الله تعالى في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهدَ الله تعالى وملائكته ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولا وعقدا أنّ:
    1-الله تعالى إله واحد لا ثاني له في ألوهيته، منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد، قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيّز فيُقدّر له المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده، كما أنّ العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول، ولا دلّت عليه العقول، لا يحدّه زمان ولا يُقلّه مكان، بل كان ولا مكان وهو على ما عليه كان، خلق المتمكّن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال أنا الواحد الحيّ، لا يؤوده حفظ المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحلّه الحوادث أو يحلّها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال كان ولا شيء معه، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه، فهو القيّوم الذي لا ينام، والقهّار الذي لا يُرام، ليس كمثله شيء، خلق العرش وجعله حدّ الاستواء، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماوات العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى، وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء، أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلْق وأخلق (أي أبلى) الذي خلق، أنزل الأرواح في الأشباح أمناء، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء، وسخّر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، فلا تتحرك ذرة إلا إليه وعنه، خلق الكل من غير حاجة إليه، ولا موجب أوجب ذلك عليه، لكنّ علمه سبق بأن يخلق ما خلق، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئا هو خلقه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، علم الأشياء منها قبل وجودها، ثم أوجدها على حد ما علمها، فلم يزل عالما بالأشياء، لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء، بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها، وبه حكّم عليها من شاء وحكمها، علم الكليات على الإطلاق، كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق، فهو عالم الغيب والشهادة، فتعالى الله عما يشركون، فعّال لما يريد، فهو المريد الكائنات في عالم الأرض والسموات، لم تتعلق قدرته بشيء حتى أراده، كما أنه لم يُرده حتى علمه، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها، فما في الوجود طاعة ولا عصيان، ولا ربح ولا خسران، ولا عبد ولا حُر، ولا برد ولا حَر، ولا حياة ولا موت، ولا حصول ولا فوت، ولا نهار ولا ليل، ولا اعتدال ولا ميل، ولا برّ ولا بحر، ولا شفع ولا وتر، ولا جوهر ولا عرض، ولا صحة ولا مرض، ولا فرح ولا ترح، ولا روح ولا شبح، ولا ظلام ولا ضياء، ولا أرض ولا سماء، ولا تركيب ولا تحليل، ولا كثير ولا قليل، ولا غداة ولا أصيل، ولا بياض ولا سواد، ولا رقاد ولا سهاد، ولا ظاهر ولا باطن، ولا متحرك ولا ساكن، ولا يابس ولا رطب، ولا قشر ولا لب، ولا شيء من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات إلا وهو مراد للحق تعالى، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده، فكيف يوجد المختار ما لا يريد، لا رادّ لأمره ولا معقّب لحكمه، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يُرد الله تعالى أن يريده ما أرادوه، أو يفعلوا شيئا لم يُرد الله تعالى إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه، ولا استطاعوا ذلك ولا أقدرهم عليه، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمه وإرادته،[1] ولم يزل سبحانه موصوفا بهذه الإرادة أزلاً والعالم معدوم غير موجود، وإن كان ثابتا في العلم في عينه، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر عن جهل أو عدم علم فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل، جلّ وعلا عن ذلك، بل أوجده عن العلم السابق وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان، فلا مُريد في الوجود على الحقيقة سواه، إذ هو القائل سبحانه: وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، وإنه سبحانه كما علم فأحكم وأراد فخصّص وقدّر فأوجد؛ كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس في النفس، وصوت المماسة الخفية عند اللمس، ويرى السواد في الظلماء والماء في الماء، لا يحجبه الامتزاج ولا الظلمات ولا النور، وهو السميع البصير، تكلم سبحانه لا عن صمت متقدم ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته، كلم به موسى عليه السلام، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل، من غير حروف ولا أصوات، ولا نغم ولا لغات، بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان، فسبحانه سبحانه من بعيد دان، عظيم السلطان، عميم الإحسان، جسيم الامتنان، كل ما سواه فهو عن جوده فائض، وفضله وعدله الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه، لا شريك له في ملكه، ولا مدبر معه في ملكه، إن أنعم فنعّم فذلك فضله، وإن أبلى فعذّب فذلك عدله، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه تحت سلطان قهره ومتصرفٌ عن إرادته وأمره، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور، وهو المتجاوز عن سيّئات من شاء والآخذ بها من شاء هنا وفي يوم النشور، لا يحكم عدله في فضله، ولا فضله في عدله، أخرج العالم قبضتين، وأوجد لهم منزلتين فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثَمّ سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضة تحت أسماء بلائه، وقبضة تحت أسماء آلائه، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيداً لكان، أو شقياً لما كان من ذلك في شأن، لكنه سبحانه لم يرد؛ فكان كما أراد، فمنهم الشقي والسعيد، هنا وفي يوم المعاد، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم، وقد قال تعالى في الصلاة: هي خمس وهي خمسون، ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد، لتصرفي في ملكي وإنفاذ مشيئتي في ملكي، وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر، ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر، إلا بوهب إلهي وجود رحماني لمن اعتنى الله به من عباده، وسبق له ذلك بحضرة إشهاده، فعلم حين أُعلم أن الألوهية أعطت هذا التقسيم، وأنه من رقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه ولا موجود لنفسه إلا إياه، والله خلقكم وما تعملون، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، فللّه الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين.
    2-الشهادة الثانية: وكما أشهدت الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده، فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره واجتباه من وجوده؛ ذلك سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلّغ صلّى الله عليه وسلّم ما أنزل من ربه إليه وأدّى أمانته، ونصح أمته، ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكّر، وخوّف وحذّر، وبشّر وأنذر، ووعد وأوعد، وأمطر وأرعد، وما خصّ بذلك التذكير أحدا من أحد، عن إذن الواحد الصمد، ثم قال: ألا هل بلغت؟ فقالوا: بلّغت يا رسول الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم: اللهمّ اشهد، وإني مؤمن بكل ما جاء به صلّى الله عليه وسلّم مما علمت وما لم أعلم، فمما جاء به فقرّر أن الموت عن أجل مسمّى عند الله إذا جاء لا يؤخر، فأنا مؤمن بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك، كما آمنت وأقررت أن سؤال فتّاني القبر حق، وعذاب القبر حق، وبعث الأجساد من القبور حق، والعرض على الله تعالى حق، والحوض حق، والميزان حق، وتطاير الصحف حق، والصراط حق، والجنة حق، والنار حق، وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق، وكرب ذلك اليوم حق، على طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر، وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق، وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق، والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق، والتأبيد لأهل النار في النار حق، وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله عُلم أو جُهل حق.

    فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤديها إذا سئلها حيثما كان، نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان، وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان، وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران، وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالأيمان، وممن انقلب من الحوض وهو ريّان، وثقل له الميزان، وثبتت له على الصراط القدمان، إنه المنعم المحسان، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق."[2]


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] لا يلزم من الرضى بالقدر الرضى بالمقدور، فالكفر مقدور والله لا يرضى لعباده الكفر ولكنه سبحانه قدّر على بعض عباده أن يكفروا.

    [2] مقدمة الفتوحات المكية وكتاب عقيدة أهل الإسلام لابن العربي.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    ISLAM VOICE OF ASHAERA على برنامج الإنسبيك
    المشاركات
    796
    بوركت ، والى المزيد ان شاء الله
    [frame="2 80"]وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
    وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما.

    [/frame]

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,992
    مقالات المدونة
    2

    عقيدة الإمام الدردير

    عقيدة الإمام الدردير
    رحمه الله تعالى




    بسم الله الرحمن الرحيم


    يجبُ على المكلَّف معرفةُ ما يجبُ لله تعالى ولأنبيائه وملائكته الكرام.
    فيجب لله تعالى عشرون صفة، وهي: الوجود، والقدم، والبقاء، والمخالفة للحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية، والحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وكونه تعالى حياً وعليماً ومريداً وقادراً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً.
    فهذه عشرون صفة، الأولى نفسية، والخمسة بعدها سلبية، والسبعة بعدها صفات معان، والتي بعدها معنوية.
    فهو سبحانه وتعالى واجبُ الوجود، قديمٌ، باقٍ، مخالف لجميع الخلق، فليس بجسم ولا عرض ولا يتصف بالمكان ولا بالزمان ولا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام.
    القائمُ بنفسه.
    واحد في ذاته وصفاته وأفعاله.
    حي عليم بكل شيء ما كان وما يكون وما لم يكن.
    مريد لكل شيء جرى أو برز من العوالم، وما لم يكن منهما.
    قادر على كل شيء من الممكنات وإعدامها، لا يشاركه في ذلك مشارك.
    سميع لكل موجود ومبصر، متكلم بكلام أزلي منزه عن الصوت والحرف.
    ويجب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام العصمة، فلا يقع منهم مخالفة لله في أمره ونهيه، وكذلك الملائكة.
    ويجب للرسل عليهم الصلاة والسلام تبليغ ما أمروا بتبليغه للخلق من الأحكام وغيرها، كاليوم الآخر وما فيه من الحساب والعقاب، إما في القبر أو في النار، والصراط والميزان والجنة والنار، والعرش وبالكرسي وبالكتب السماوية والرسل وما وقع لهم مع أممهم، وبالحور العين وبالولدان وبالأولياء وبإسرائه صلى الله عليه وسلم وبالمعراج وبأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وبشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبعلامات الساعة.
    وتجديد التوبة من الذنوب والرضا بالقضاء والقدر.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  13. عقيدة السيد أحمد الرفاعي الكبير
    "بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله المبدئ المعيد) الفعال لما يريد، ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الهادي صفوة العبيد، إلى المنهج الرشيد، والمسلك السديد، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد، بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد، السائق لهم إلى اتباع رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم واقتفاء صحبه الأكرمين بالتأييد والتسديد، المتجلي لهم في ذاته وأفعاله بمحاسن أوصافه التي لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد، المُعَرِّفِ إياهم في ذاته (أنه واحدٌ لا شريك له) فردٌ لا مِثل له، صمدٌ لا ضِدَّ له منفردٌ لا نِدَّ له. وأنه قديمٌ لا أول له أزليٌّ لا بدايةَ له مستمرُ الوجودِ لا آخر له أبديٌّ لا نهايةَ له، قيومٌ لا انقطاع له، دائمٌ لا انصرامَ له، لم يزل ولا يزال موصوفاً بنُعوتِ الجلال لا يُقضى عليه بالانقضاء وتَصَرُّمُ الآمادِ وانقراض الآجال، بل هو الأولُ والآخر والظاهر والباطن. وأنه ليس بجسمٍ مصوَّرٍ ولا جوهرٌ محدودٌ مُقَدَّر. وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام. وأنه ليس بجوهرٍ ولا تحله الجواهر ولا بعَرَضٍ ولا تحله الأعراض بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء ولا هو مثل شيء. وإنه لا يحِدُّهُ المقدار ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات ولا تكنفه السموات. وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده استواءاً مُنَزَّهاً عن المماسَّة والاستقرار والتمكُّنِ والحُلول والانتقال، لا يحملُهُ العرشُ بل العرش وحَمَلَتُهُ محمولون بلطف قُدرته ومقهورون في قبضته وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى فوقيةً لا تزيده قُرباً إلى العرش والسماء بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريبٌ من كل موجود وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد فهو على كل شيء شهيد، إذ لا يماثل قربُهُ قُرب الأجسام كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام. وأنه لا يحِلُّ في شيء ولا يحِلُّ فيه شيء تعالى عن أن يحويه مكان كما تقدَّس عن أن يحِدَّه زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان. وأنه بائنٌ بصفاته عن خَلقه ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته. وأنه مقدسٌ عن التغيُّر والانتقال لا تحلُّهُ الحوادث ولا تعتريه العوارض بل لا يزال في نُعوتِ جلاله مُنَزَهاً عن الزوال وفي صفات كماله مُستغنياً عن زيادةِ الاستكمال وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول مرأى الذات بالأبصار، نعمةً منه ولطفاً بالأبرار في دار القرار وإتماما للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه حيٌّ قادرٌ جبارٌ قاهرٌ لا يعتريه قصورٌ ولا عجزٌ ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم ولا يعارضه فناء ولا موت. وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت له السلطان والقهر والخلق والأمر والسموات مطويات بيمينه والخلائق مقهورون في قبضته. وأنه المتفرد بالخلق والاختراع المتوحد بالإيجاد والإبداع خلق الخلق وأعمالهم وقَدَّر أرزاقَهم وآجالهم لا يشذُّ عنه مقدور ولا يعزب عن علمه تصاريف الأمور، لا تُحصي مقدوراته ولا تتناهى معلوماته. وأنه عالَمٌ بجميع المعلومات، محيطٌ بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ويدرك حركة الذر في جو الهواء ويعلم السِرَّ وأخفى ويطَّلِع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر، بعلمٍ قديمٍ أزليٍ لم يزل موصوفاً به في أزل الآزال لا بعلمٍ مُتجددٍ حاصلٍ في ذاته بالحلولِ والانتقال. وأنه مريدٌ للكائناتِ مُدَبِّرٌ للحادثات فلا يجري في المُلك والملكوت قليلٌ ولا كثير، صغيرٌ أو كبير، خيرٌ أو شر، نفعٌ أو ضُرّ، إيمانٌ أو كفر، عِرفانٌ أو نكر، فوزٌ أو خًُسر، زيادةٌ أو نقصان، طاعةٌ أو عصيان إلا بقضائه وقدره وحُكمه ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر، بل هو المبدئ المعيد الفعّال لما يريد، لا رادَّ لحُكمه ولا معقِّبَ لقضائه ولا مهرب لعبدٍ عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته، لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالَم ذرة أو يسكنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك وأن إرادته قائمةٌ بذاته في جملة صفاته لم يزل كذلك موصوفاً بها مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدَّرها فوُجِدت في أوقاتها كما أراده في أزله من غير تقدم ولا تأخر بل وقعت على وفق عِلمِهِ وإرادته من غير تبدُّلٍ ولا تغيُّر، دبر الأمور لا بترتيب أفكار وتربص زمان، فلذلك لم يشغله شان عن شان. وأنه سميعٌ بصير يسمع ويرى لا يعزب عن سمعه مسموع، وأنه خفيٌّ ولا يغيب عن رؤيته مرأى وإن دقّ، لا يحجب سمعه بُعد، ولا يدفع رؤيته ظلام يرى من غير حدقةٍ وأجفان ويسمع من غير أصمخةٍ وآذان، كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة إذ لا تشبه صفاته صفات الخَلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق. وأنه متكلمٌ آمرٌ ناهٍ واعدٌ متوعدٌ بكلامٍ أزليٍّ قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام ولا بحرف يتقطع بإطباق شِفةٍ أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كُتُبُهُ المُنَزَّلة على رسله وأن القرآن مقروءٌ بالألسنة مكتوبٌ في المصاحف محفوظٌ في القلوب. وأنه مع ذلك قديمٌ قائمٌ بذات الله لا يقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بغير صوتٍ ولا حرف كما يرى الأبرار ذات الله من غير جوهرٍ ولا عَرَض، وإذا كانت له هذه الصفات كان حيّاً عالِماً قادراً مُريداً سميعاً بصيراً مُتكلماً بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام لا بمجرد الذات. وأنه لا موجودٌ سواه إلا هو حادثٌ بفعله وفائضٌ من عدله على أحسن الوجوه وأكملها وأتمها وأعدلها. وأنه حكيمٌ في أفعاله عادلٌ في أقضيته ولا يُقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يُتصوَّرُ منه الظُلم بتصرفه في مُلك غيره ولا يُتصوَّرُ الظُلم من الله، فإنه لا يُصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظُلما، فكل ما سواه من إنسٍ وجن وشيطان ومَلَك وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اختراعه بقدرته بعد العدم اختراعاً وإنشاؤه إنشاءاً بعد أن لم يكن شيئا، إذ كان في الأزل موجوداً وحده ولم يكن معه غيره فأحدث الخَلق بعده إظهارا لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إرادته ولما حقَّ في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته. وأنه متفضلٌ بالخَلق والاختراع والتكليف لا عن وجوب، ومتطوِّلٌ بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان، إذ كان قادراً على أن يصب على عباده أنواع العذاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب، ولو فعل ذلك لكان منه عدلاً ولم يكن قُبحاً ولا ظُلما. وأنه يُثيبُ عباده على الطاعات بحكم الكَرَم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم إذ لا يجب عليه فعل ولا يُتصوَّرُ منه ظلم ولا يجب لأحد عليه حق وأن حقه في الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه لا بمجرد العقل ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلَّغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاؤوا به. وأنه بعث النبي الأمي القرشي محمداً صلى الله عليه وسلم برسالته إلى كافة العرب والعجم والجن والإنس فنسخ بشرعه الشرائع إلا ما قرره وفضَّله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر، ومنع كمال الإيمان بشهادة التوحيد وهي قول (لا إله إلا الله) ما لم تقترن بها شهادة الرسول وهي قول (محمدٌ رسول الله) وألزم الخَلق بتصديقه في جميع ما أخبر عنه من أمر الدنيا والآخرة. وأنه لا يقبل إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر عنه بعد الموت وأوله سؤال منكر ونكير وهما شخصان مهيبان يُقعِدان العبد في قبره سوياً ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان مَن ربك وما دينك ومَن نبيك وهما فتّانا القبر وسؤالهما أول فتنة بعد الموت، وأن يؤمن من بعذاب القبر وأنه حق وحكمة وعدل على الجسم والروح كما يشاء، وأن يؤمن بالميزان ذي الكفتين واللسان وصفته في العظم أنه مثل طباق السموات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة الله وتتضح يومئذ مثاقيل الذرّ والخردل تحقيقاً لتمام العدل وتُطرَح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عنده بفضل الله وتُطرح صحائف السيئات في كفة الظلمة فيخف بها الميزان بعدل الله، وأن يؤمن بأن الصراط حق وهو جسر ممدود على متن جهنم أحدَّ من السيف وأدق من الشعر تزِلُّ عنه أقدام الكافرين بحكم الله فيهوي بهم إلى النار ويثبت عليه أقدام المؤمنين فيُساقون إلى دار القرار، وأن يؤمن بالحوض المورود حوض محمد صلى الله عليه وسلم يشرب منه المؤمنون قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط، مَن شرب منه شُربةً لم يظمأ بعدها أبدا، عرضُهُ مسيرة شهر أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حوله أباريقٌ عددها عدد نجوم السماء فيه ميزابان يصبان من الكوثر، ويؤمن بالحساب وتفاوت الخلق فيه إلى متناقَشٍ في الحساب وإلى مسامَحٍ فيه وإلى مَن يدخل الجنة بغير حساب وهم المقربون، فيسأل مَن يشاء مِن الأنبياء عن تبليغ الرسالة ومَن شاء من الكفار عن تكذيب المرسَلين ويسأل المبتدعة عن السنة ويسأل المسلمين عن الأعمال ويؤمن بإخراج الموحدين من النار بعد الانتقام حتى لا يبقى في جهنم موحِّد بفضل الله تعالى، ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم الأولياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم سائر المؤمنين كلٌّ على حسب جاهه ومنزلته ومن بقي من المؤمنين ولم يكن له شفيع أُخرِج بفضل الله فلا يخلد في النار مؤمن بل يخرج منها مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، وأن يعتقد فضل الصحابة وترتيبهم وأن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم وأن يُحسِنَ الظن بجميع الصحابة ويُثني عليهم كما أثنى الله تعالى ورسوله عليهم أجمعين، فكل ذلك مما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار فمن اعتقد جميع ذلك مُوقِناً به كان من أهل الحق وعصابة السُنة وفارق رهط الضلال وحزب البدعة فنسأل الله تعالى كمال اليقين والثبات في الدين لنا ولكافة المسلمين إنه أرحم الراحمين، انتهى.

  14. عقيدة الإمام المجتهد تقي الدين بن دقيق العيد
    ^http://www.4shared.com/document/N49gDlRU/___.html
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  15. عقيدة الشعراني رحمه الله تعالى :


    اعلم يا أخي أنَّ القوم أجمعوا على أنَّ الله تعالى إله واحد لا ثاني له ، منزه عن الصاحبة والولد ، مالك لا شريك له ، صانع لا مدبر معه ، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود مفتقر إليه في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو تعالى موجود بذاته ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق مستمر ، قائم بنفسه ، ليس بجوهر فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهة والأقطار ، مرئي بالقلوب والأبصار .

    استوى تعالى على عرشيه كما قاله ، وعلى المعنى الذي أراده ، كما أن العرش وما حواه به استوى ، له الآخرة والأولى ، ليس له مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول ، لا يحده زمان ، ولا يقله مكان ، والآن على ما عليه كان ، خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال : " أنا الواحد الحي الذي لا يؤوده حفظ المخلوقات ، ولا يرجع إليه صفة لم يكن عليها من صفة المصنوعات " .

    تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون قبله أو يكون قبلها ، بل يقال : " كان ولا شيء معه " ، لأن القبل والبعد من صنع الزمان الذي أبدعه ، فلا نطلق عليه تعالى ما لم يطلقه على نفسه ، فإنه أطلق على نفسه : " الأول " و " الآخر " ، لا القبل والبعد .

    فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ، { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }

    خلق العرش وجعله حد الاستواء ، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماء ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كتابا في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء .

    أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق ، وأخلق ما خلق .

    أنزل الأرواح في الأشباح أمنا ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفا ، وسخر لها ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، فلا تتحرك ذرة إلا عنه .

    خلق الكل من غير حاجة إليه ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه بذلك سبق فلا بد أن يخلق ما خلق .

    فـ { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير } ، أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، كيف لا يعلم شيئا خلقه { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } علم الأشياء قبل وجودها ، ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء ، لم يتجدد له علم عند تجدد الأشياء بعلمه .

    أتقن الأشياء وأحكمها ، يعلم الكليات والجزئيات على الإطلاق ، فهو عالم الغيب والشهادة ، فتعالى عما يشركون .

    فعال لما يريد ، فهو المريد للكائنات في عالم الأرض والسماوات ، لم تتعلق قدرته تعالى بإيجاد شيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده سبحانه حتى علمه ، إذ يستحيل أن يريد سبحانه وتعالى ما لم يعلم ، أو يفعل المختار المتمكن من ذلك الفعل ما لا يريده ، كما يستحيل أن توجد هذه الحقائق من غير حي ، كما يستحيل أن تقوم هذه الصفات بغير ذات موصوفة بها .

    فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلمة ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا سهاد ولا رقاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شيء من جميع المتضادات والختلفات والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده ، فكيف يوجِد المختارُ ما لا يريد ، لا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ويضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، ما شـاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .

    لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد الله تعالى لهم أن يريدوه ما أرادوه ، أو أن يفعلوا شيئا لم يرد الله إيجاده وأرادوه ما فعلوه ولا استطاعوا ، ولا أقدرهم عليه .

    فالكفر ، والإيمان ، والطاعة ، والعصيان من مشيئته وحكمته وإرادته ، ولم يزل سبحانه وتعالى موصوفا بهذه الإرادة أزلا والعالم معدوم ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر ، بل أوجده عن العلم السابق ، وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية القاضية على العالم بما أوجدته عليه من زمان ومكان وأكوان وألوان ، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه ، إذ هو القائل سبحانه { وما تشاءون إلا أن يشاء الله }

    وأنه تعالى كما علم ما حكم ، وأراد فخص ، وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك وسكن ، أو نطق في الورى ، من العالم الأسفل والأعلى ، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب ، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد .

    يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت المماسة الخفية عند اللمس ، يرى السواد في الظلماء ، والماء في الماء ، ولا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ولا النور ، وهو السميع البصير .

    تكلم سبحانه ، لا عن صمع متقدم ، ولا سكوت متوهم ، بكلام قديم أزلي كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم به موسى عليه الصلاة والسلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل والفرقان ، من غير تشبيه ولا تكييف ، إذ كلامه تعالى من غير لهاة ولا لسان ، كما أن سمعه من غير أضمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير أعين ولا أجفان ، كما أن إرادته من غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تجويف القلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أنَّ ذاته لا تقبل الزيادة ، ولا النقصان .


    فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان ، عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن وجوده فائض ، وفضله وعدله الباسط والقابض ، أكمل صنع العالم وأبدعه حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر معه فيه ، إن أنعم فنَعَّم فذلك فضله ، وإن أبلى فعذَّب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكمٌ فيتصف بالجزع لذلك والخوف ، كل ما سواه فهو تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين للتقوى والفجور * ، فهو المتجاوز عن سيئات من شاء هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ، ولا فضله في عدله ؛ لقدم صفاته كلها ، وتنزهها عن الحدوث .

    أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين
    فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك إذ لا موجود كان ثَمَّ سواه ، فالكل تحت تصريف أسمائه ، فقبضةٌ تحت أسماء بلائه ، وقبضةٌ تحت أسماء آلائه .

    لو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان ، أو شقيا لما كان في ذلك من شان ، لكنه سبحانه لم يرد ذلك ، فكان كما أراد ، فمنهم الشقي والسعيد ، هنا وفي يوم المعاد ، فلا سبيل إلى تبدل ما حكم عليه القديم وقد قال تعالى في حديث فرض الصلاة : (( هي خمس ، وهي خمسون ، { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } )) ؛ لتصرفي في ملكي ، وإنقاذ مشيئتي في ملكي .

    وذلك لحقيقة عميت عنها البصائر ، ولم تعبر عليها الأفكار ولا الضمائر إلا بوهب إلهي ، وجود رحماني ، لمن اعتني اللهُ به من عباده ، وسبق له ذلك في حضرة إشهاده ، فعلم حين أعلم أنَّ الألوهية أعطت هذا التقسيم ، وأنها من دقائق القديم ، فسبحان من لا فاعل سواه ، ولا موجود بذاته إلا إياه { والله خلقكم وما تعملون } { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } { قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين }

    وكما شهدنا لله تعالى بالوحدانية وما يستحقه من الصفات العلية ، كذلك نشهد ليسدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة إلى جميع الناس كافة ، بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم بلغ جميع ما أنزله إليه من ربه ، وأدى أمانته ، ونصح أمته .

    وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف في حجة الوداع على كل من حضره من الأتباع ، فخطب وذكَّر ، وخوَّف وأنذر ، ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ، وما خصَّ بذلك التذكير أحدا دون أحد عن إذن الواحد الصمد
    ثم قال : (( " ألا هل بلغت " ؟
    فقالوا جميعا : " قد بلغت يا رسول الله "
    فقال صلى الله عليه وآله وسلم : " اللهم فاشهد " ))

    ونؤمن بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مما علمنا ومما لم نعلم .

    فمما علمنا وتحققنا مما جاء به وقرر ، أنَّ الموت عن أجل مسمى عند الله إذا جاء لا يؤخر ، فنحن مؤمنون بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك ، كما آمنا وأقررنا وصدَّقنا أنَّ سؤال منكر ونكير في القبر حق ، وأنَّ عذاب القبر حق ، والبعث من القبور حق ، والعرض على الله تعالى حق ، والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة والنار حق ، وفريقا في الجنة وفريقا في السعير حق ، وأنَّ كرب ذلك اليوم على طائفة حق ، وطائفة أخرى { لا يحزنهم الفزع الأكبر } حق ، وأنَّ شفاعة الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين حق ، وشفاعة أرحم الراحمين حق ، فتشفع أسماء الحنان والرحمة ، عند أسماء الجبروت والنقمة .

    وكذلك نؤمن بأنَّ إيمان أهل النار كفرعون وغيره غير مقبول ولا نافع ، وأنَّ جماعة من أهل الكبائر من الموحدين يدخلون جهنم ثم يخرجون بالشفاعة حق ، وأنَّ كل ما جاءت به الكتب والرسل من عند الله تعالى عُلم أو جُهل حق ، وكذلك نؤمن بأنَّ التأبيد للمؤمنين في النعيم المقيم حق ، والتأبيد للكافرين والمنافقين والمشركين والمجرمين حق .

    فهذه عقيدة القوم رضي الله عنهم أجمعين ، وعقيدة عليها حيينا وعلينا نموت كما هو رجاؤنا في الله عز وجل ، فنسأل الله من فضله أن ينفعنا بهذا الإيمان ، ويثبتنا عليه عند الانتقال إلى الدار الحيوان ، ويحلنا دار الكرامة والرضوان ، ويحول بيننا وبين دار سرابيل أهلها قطران ، ويجعلنا من العصابة التي تأخذ كتبها بالأيمان ، وممن ينقلب من الحوض وهو ريان ، ويرجح له الميزان ، ويثبت منه على الصراط القدمان ، إنَّه المنعم المحسان ، آمين اللهم آمين .

    فأمعن يا أخي النظر في هذه العقيدة فإنها عظيمة ، وإن حفظتها عن ظهر قلب كان أولى ، والله يتولى هداك . اهـ


    * أي لتعمل بالتقوى وتجتنب الفجور
    اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •