قوله: ( وأنّه فوق عرشه المجيد بذاته )
روي " المجيد " بالرفع، على أنّه خبر مبتدأ. وروي بالخفض، على النعت للعرش.
هذا ممّا انتقد على المصنّف رحمه الله. وإذا فهم معناه فليس بمنتقد.
اعلم أوّلا أن هذا الكلام وهذا الإطلاق ليس من إطلاق المصنّف، وإنما هو إطلاق السلف الصالح والصدر الأول؛ نصّ على ذلك الإمام أبو عبد الله بن مجاهد في رسالته إلى أهل باب من الأبواب، قال فيها ما نصّه: "وممّا أجتمعوا على إطلاقه أنّه تعالى فوق سمواته، على عرشه دون أرضه" يريد إطلاقا شرعا، ولم يرد في الشرع أنه في الأرض، فلهذا قال: دون أرضه. وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى، فليس هذا عندهم مشكلا؛ لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في الاستعارات. ونقل هذا الكلام بعينه الشيخ أبو محمد في مختصره وغيّر لفظه هنا قصدًا للتقريب على المبتدئ.
فإذا تقرر هذا، فالناس عالة على الصدر الأول. وإذا كان إطلاقهم هذا، فيتعيّن تفهمه بالتمثيل والبسط، إذ غلبت العجمة على القلوب حتى ظنّت أنّ هذا الإطلاق يلزم منه ثبوت الجهة في حق المنزّه عنها تعالى وتقدس.
فأما لفظ الفوقية، فمشترك بين الحسِّ والمعنى، والقرينة تخصّص المراد منها، أو يكون من باب الحقيقة والمجاز، فهو حقيقة في الأجرام مجاز في المعاني. وكم من مجاز يترجّح على الحقيقة.
وأما العرش، فهو اسم لكلّ ما علا وارتفع. والمراد به هنا: مخلوق عظيم هو سقف الجنة؛ قال الله تعالى: ( الله لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم ).
وأما المجد: فهو الشرف والرفعة.
فإذا تقرر هذا، فمحمل "فوق" على الحسّ معلوم الاستحالة بالدلائل اليقينية؛ لتقدسه تعالى عن الجواهر والأجسام، ومعلوم ذلك من سياق كلام المصنف، بحيث لا يوهم على قارئه أنّه أراد الحسّ. فهو تعالى فوق العرش فوقية معنىً وجلالٍ وعظمةٍ.
ثمّ الفوقية المعنوية من حيث هي فوقية، إمّا أن تكون واجبة بالذّات، أو مستفادة من حكم الغير لا ترجع لمعنىً في الذات.
وفوقية كلّ من سوى الله تعالى لا ترجع لمعنىً في الذات، وإنما ذلك بحكم الله تعالى وتشريفه، فهو تعالى وصف العرشَ بالمَجد والعظم، وجعله أعظم المخلوقات.
وعلوّ الله ومجده ليس كعلوّ غيره، بل هو مخالف لكل المخلوقات مخالفة مطلقة؛ فمجده تعالى وعظمته وعلياؤه حُكم واجب له بذاته، لا يشارَك فيه.
وسواء قلنا على هذا إنّ العرش نعت بالمجد، أو المجد خبر مبتدأ، فأراد المصنّف أن يبيّن أنّ ذلك العلوّ والمجد والجلال الذاتي ليس إلاّ لله رب العالمين، فكأنه يقول: هو العليّ المجيد بذاته، ليس ذلك مستفادًا من غيره.
وإن قلنا "بذاته" متعلق بـ "فوق"، والمجد نعت للعرش؛ فكأنه يقول: هو فوق أعظم المخلوقات وأرفعها فوقيَّةَ عظمةٍ وجلالٍ بذاته، لا بتشريف مشرّف، ولا بتخصيص مخصّص، بل بذاته العليّة المقدّسة عن الاحتياج. و"فوق" بمعنى "علا" مشهور، وهما لفظان مترادفان يستعمل أحدها في موضع الآخر.
وخصّ العرش بالذكر دون غيره من المخلوقات؛ لأنّه الذي ورد به الإطلاق الشرعي، ولأنّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فأراد أن يوفّق بين ما يجب اعتقاده وبين ما يصحّ إطلاقه.
واعلم أنّ الصيغ التي تطلق في هذا المعنى أربعة أقسام:
ـ فمنها ما يصحّ إطلاقًا واعتقادًا. ومثاله قوله:« في كلّ مكان بعلمه »
ـ ومنها ما يمتنع إطلاقًا واعتقادًا. ومثاله أن تقول: إنّه في كل مكان بذاته.
ـ ومنها ما يصحّ إطلاقًا، ويعتقد منه ما يجب من الكمال، وينفي ما يؤدّي إلى المحال. ومثاله:« وأنّه فوق عرشه ».
ـ ومنها ما يمتنع إطلاقا، ويجوز اعتقادا بالمعنى الذي جوّزناه في قوله:« وأنّه فوق عرشه ». ومثاله أن تقول: إنّه فوق كرسيه.
واعلم أنّه لا نصّ في الشرع في محال؛ فكلّ ما ورد من ذلك فغايته أن يكون ظاهرًا؛ فما ظاهره المحال، فلا خلاف بين أهل السنة في طرح ذلك الظاهر؛ ثمّ ينظر فيما يحتمله ذلك اللفظ بعد الطرح، فإن احتمل واحدا تعيّن الحمل عليه، ولا خلاف بينهم في هذا أيضا، وإن احتمل أكثر من واحد فهنا اختلف السلف والخلف.
فجمهور السلف وقف في ذلك؛ لأنّه صار من قبيل المجمل، ولا سبيل لتعيين أحد المحامل إلاّ من جهة الشرع؛ فصار متشابها فوجب الوقف. وعن هذا قال الإمام مالك رحمه الله لمن سأله عن آية الاستواء:« الاستواء معلوم » أي معلوم محامله في اللّسان. « والكيف غير معقول » أي وما يودي إليه الظاهر من الكيف غير معقول؛ لأنّه مستحيل. « والسؤال عن هذا بدعة » أي والسؤال عن تعيين أحد المحامل في اللفظ المتشابه بدعة، فمشى في ذلك على طريق جمهور السلف.
وأمّا الخلف فقالوا: الوقف في زماننا يؤدّي إلى طعن المبتدعة في الدين، وتوهيمهم على الضعفاء من المسلمين؛ فأوّلوها على الأوجه الصحيحة، وفرّقوا بين الغثّ والسمين، واعتضدوا بذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين » وقال عليه السلام:« وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ». فهذا هو الباعث للخلف على التأويل، والله سبحانه أعلم.
انتهى من كتاب النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة للشيخ محمد بن سلامة الأنصاري التونسي
روي " المجيد " بالرفع، على أنّه خبر مبتدأ. وروي بالخفض، على النعت للعرش.
هذا ممّا انتقد على المصنّف رحمه الله. وإذا فهم معناه فليس بمنتقد.
اعلم أوّلا أن هذا الكلام وهذا الإطلاق ليس من إطلاق المصنّف، وإنما هو إطلاق السلف الصالح والصدر الأول؛ نصّ على ذلك الإمام أبو عبد الله بن مجاهد في رسالته إلى أهل باب من الأبواب، قال فيها ما نصّه: "وممّا أجتمعوا على إطلاقه أنّه تعالى فوق سمواته، على عرشه دون أرضه" يريد إطلاقا شرعا، ولم يرد في الشرع أنه في الأرض، فلهذا قال: دون أرضه. وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى، فليس هذا عندهم مشكلا؛ لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في الاستعارات. ونقل هذا الكلام بعينه الشيخ أبو محمد في مختصره وغيّر لفظه هنا قصدًا للتقريب على المبتدئ.
فإذا تقرر هذا، فالناس عالة على الصدر الأول. وإذا كان إطلاقهم هذا، فيتعيّن تفهمه بالتمثيل والبسط، إذ غلبت العجمة على القلوب حتى ظنّت أنّ هذا الإطلاق يلزم منه ثبوت الجهة في حق المنزّه عنها تعالى وتقدس.
فأما لفظ الفوقية، فمشترك بين الحسِّ والمعنى، والقرينة تخصّص المراد منها، أو يكون من باب الحقيقة والمجاز، فهو حقيقة في الأجرام مجاز في المعاني. وكم من مجاز يترجّح على الحقيقة.
وأما العرش، فهو اسم لكلّ ما علا وارتفع. والمراد به هنا: مخلوق عظيم هو سقف الجنة؛ قال الله تعالى: ( الله لا إله إلاّ هو ربّ العرش العظيم ).
وأما المجد: فهو الشرف والرفعة.
فإذا تقرر هذا، فمحمل "فوق" على الحسّ معلوم الاستحالة بالدلائل اليقينية؛ لتقدسه تعالى عن الجواهر والأجسام، ومعلوم ذلك من سياق كلام المصنف، بحيث لا يوهم على قارئه أنّه أراد الحسّ. فهو تعالى فوق العرش فوقية معنىً وجلالٍ وعظمةٍ.
ثمّ الفوقية المعنوية من حيث هي فوقية، إمّا أن تكون واجبة بالذّات، أو مستفادة من حكم الغير لا ترجع لمعنىً في الذات.
وفوقية كلّ من سوى الله تعالى لا ترجع لمعنىً في الذات، وإنما ذلك بحكم الله تعالى وتشريفه، فهو تعالى وصف العرشَ بالمَجد والعظم، وجعله أعظم المخلوقات.
وعلوّ الله ومجده ليس كعلوّ غيره، بل هو مخالف لكل المخلوقات مخالفة مطلقة؛ فمجده تعالى وعظمته وعلياؤه حُكم واجب له بذاته، لا يشارَك فيه.
وسواء قلنا على هذا إنّ العرش نعت بالمجد، أو المجد خبر مبتدأ، فأراد المصنّف أن يبيّن أنّ ذلك العلوّ والمجد والجلال الذاتي ليس إلاّ لله رب العالمين، فكأنه يقول: هو العليّ المجيد بذاته، ليس ذلك مستفادًا من غيره.
وإن قلنا "بذاته" متعلق بـ "فوق"، والمجد نعت للعرش؛ فكأنه يقول: هو فوق أعظم المخلوقات وأرفعها فوقيَّةَ عظمةٍ وجلالٍ بذاته، لا بتشريف مشرّف، ولا بتخصيص مخصّص، بل بذاته العليّة المقدّسة عن الاحتياج. و"فوق" بمعنى "علا" مشهور، وهما لفظان مترادفان يستعمل أحدها في موضع الآخر.
وخصّ العرش بالذكر دون غيره من المخلوقات؛ لأنّه الذي ورد به الإطلاق الشرعي، ولأنّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، فأراد أن يوفّق بين ما يجب اعتقاده وبين ما يصحّ إطلاقه.
واعلم أنّ الصيغ التي تطلق في هذا المعنى أربعة أقسام:
ـ فمنها ما يصحّ إطلاقًا واعتقادًا. ومثاله قوله:« في كلّ مكان بعلمه »
ـ ومنها ما يمتنع إطلاقًا واعتقادًا. ومثاله أن تقول: إنّه في كل مكان بذاته.
ـ ومنها ما يصحّ إطلاقًا، ويعتقد منه ما يجب من الكمال، وينفي ما يؤدّي إلى المحال. ومثاله:« وأنّه فوق عرشه ».
ـ ومنها ما يمتنع إطلاقا، ويجوز اعتقادا بالمعنى الذي جوّزناه في قوله:« وأنّه فوق عرشه ». ومثاله أن تقول: إنّه فوق كرسيه.
واعلم أنّه لا نصّ في الشرع في محال؛ فكلّ ما ورد من ذلك فغايته أن يكون ظاهرًا؛ فما ظاهره المحال، فلا خلاف بين أهل السنة في طرح ذلك الظاهر؛ ثمّ ينظر فيما يحتمله ذلك اللفظ بعد الطرح، فإن احتمل واحدا تعيّن الحمل عليه، ولا خلاف بينهم في هذا أيضا، وإن احتمل أكثر من واحد فهنا اختلف السلف والخلف.
فجمهور السلف وقف في ذلك؛ لأنّه صار من قبيل المجمل، ولا سبيل لتعيين أحد المحامل إلاّ من جهة الشرع؛ فصار متشابها فوجب الوقف. وعن هذا قال الإمام مالك رحمه الله لمن سأله عن آية الاستواء:« الاستواء معلوم » أي معلوم محامله في اللّسان. « والكيف غير معقول » أي وما يودي إليه الظاهر من الكيف غير معقول؛ لأنّه مستحيل. « والسؤال عن هذا بدعة » أي والسؤال عن تعيين أحد المحامل في اللفظ المتشابه بدعة، فمشى في ذلك على طريق جمهور السلف.
وأمّا الخلف فقالوا: الوقف في زماننا يؤدّي إلى طعن المبتدعة في الدين، وتوهيمهم على الضعفاء من المسلمين؛ فأوّلوها على الأوجه الصحيحة، وفرّقوا بين الغثّ والسمين، واعتضدوا بذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:« يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين » وقال عليه السلام:« وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ». فهذا هو الباعث للخلف على التأويل، والله سبحانه أعلم.
انتهى من كتاب النكت المفيدة في شرح الخطبة والعقيدة للشيخ محمد بن سلامة الأنصاري التونسي
تعليق