عدم جواز الوضوء بنبيذ التمر على الراجح عندنا في المذهب .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا رسول الله ، القائل : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " وعلى آله وصحبه أجمعين .
فقد سألني أحد الإخوة قبل زمن في هذا المنتدى المبارك عن حكم الوضوء بنبيذ التمر ، ووعدته بالإجابة ، ولكن كثرة المشاغل حالت دون وضع الإجابة مباشرة ، وها أنا أضع الإجابة هنا ، وهي رد على من يشنع على مذهبنا من الجهلة والسفهاء بقولهم ذلك ، دون أن يكلف نفسه معرفة الراجح عندنا .
فأقول وبالله التوفيق :
النبيذ الذي اختلف فيه الفقهاء وفسره الإمام محمد رحمه الله في النوادر بقوله : هو أن يلقى تميرات في ماء حتى صار الماء حلواً رقيقاً ولا يكون مشتداً ومسكراً .
لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء الملح ليحلو ، فلو تضأ به إذا أسكر فلا يجوز بالإجماع ، لأنه صار مسكراً حراماً ، وكذلك إذا اشتد أو طبخ فالصحيح أيضاً عدم جواز الوضوء به كما صرح بذلك في البحر الرائق .
قال قاضي خان في شرح الجامع الصغير " مخطوط " : والنبيذ الذي تكلموا فيه أن يلقى في الماء تميرات حتى يأخذ الماء حلاوته ولا يشتد ولا يصير مسكراً ، ولا يجوز التوضي بالمطبوخ حلواً كان أو مشتداً .
ومن أصل أصحابنا أنّ الماء إذا تغير بالطبخ لا يجوز التوضي به كماء الباقلاء وماء الورد ونحوه ، وإذا طبخ بما يقصد به المبالغة كالأشنان والصابون فحينئذ يجوز به التوضي ما دام رقيقاً ، فإن غلب على الماء وصار ثخيناً لا يجوز به التوضي ، فإذا كان هذا حكم الماء المطلق فما ظنك في النبيذ المطبوخ .
وأفصل القول في المسألة بعدما بينّا المقصود من النبيذ ، وأن المختلف فيه هو هو نبيذ التمر الرقيق السيال الحلو غير المطبوخ غير المشتد .
روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أربع روايات في نبيذ التمر :
الأولى : يتوضأ به جزماً ولا تيمم معه ، وهي رواية الجامع الصغير والزيادات ، وهي المشهورة وذكرت في معظم المتون . قال في الهداية : فإن لم يجد إلا نبيذ التمر . قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يتوضأ به ولا يتيمم . لحديث ليلة الجن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به حين لم يجد الماء ، وقال أبو يوسف رحمه الله : يتيمم ولا يتوضأ به ، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
الثانية : يتوضأ به ، ويضيف إليه التيمم استحباباً ، فالجمه بينهما مستحب وهي رواية الأصل في كتاب الصلاة .
الثالثة : يجب الجمع بينه وبين التيمم كسؤر الحمار ، وهو قول محمد ، وذكر الكاساني في البدائع أنها رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وصرح به ابن الهمام في فتح القدير نقلاً عن خزانة الأكمل حيث قال : واعلم أن قول محمد بوجوب الجمع بين الوضوء به والتيمم رواية أيضاً عن أبي حنيفة صرح بذلك في خزانة الأكمل قال : التوضؤ بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد ... الخ .
الرابعة : أنه يتيمم ولا يتوضأ به ، وهو قوله الأخير ، وبه قال أبو يوسف والأئمة الثلاث .
وذكر بعض الفقهاء ثلاث روايات لأبي حنيفة في المسألة مثل ابن عابدين فقد ترك الرواية الأولى المشهورة ، وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن ترك الرواية الثانية ، والبابرتي في العناية ترك الرواية الثالثة . والصحيح أنها أربع روايات كما ذكرنا .
والرواية الرابعة رواها نوح ابن أبي مريم والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف في كتاب الأصل وهو المفتى به في المذهب لموافقته رأي الجمهور ، ولأنه ثبت رجوع الإمام إليه ، واختاره الإمام الطحاوي في مختصره ، وقاضي خان في شرح الجامع الصغير والفتاوى حيث قال في الفتاوى : وعلى قول أبي يوسف رحمه الله يتيمم ولا يتوضأ بنبيذ التمر وهو قول أبي حنيفة الآخر . وقال ابن الهمام في الفتح : وجب تصحيح الرواية الموافقة لقول أبي يوسف .
وعلل الحصكفي كونه المفتى به : بأن المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به . وقال ابن عابدين : وهو المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا ، وقال ابن نجيم في البحر الرائق : وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للأئمة الثلاث .. ، وهو اختيار العيني في عمدة القاري .
انظر : الهداية وشرحها فتح القدير ، حاشية رد المحتار ، فتاوى قاضي خان ، البحر الرائق ، شرح الزيادات لقاضي خان بتحقيق الدكتور قاسم أشرف نور .
والحمد لله رب العالمين .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا رسول الله ، القائل : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " وعلى آله وصحبه أجمعين .
فقد سألني أحد الإخوة قبل زمن في هذا المنتدى المبارك عن حكم الوضوء بنبيذ التمر ، ووعدته بالإجابة ، ولكن كثرة المشاغل حالت دون وضع الإجابة مباشرة ، وها أنا أضع الإجابة هنا ، وهي رد على من يشنع على مذهبنا من الجهلة والسفهاء بقولهم ذلك ، دون أن يكلف نفسه معرفة الراجح عندنا .
فأقول وبالله التوفيق :
النبيذ الذي اختلف فيه الفقهاء وفسره الإمام محمد رحمه الله في النوادر بقوله : هو أن يلقى تميرات في ماء حتى صار الماء حلواً رقيقاً ولا يكون مشتداً ومسكراً .
لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء الملح ليحلو ، فلو تضأ به إذا أسكر فلا يجوز بالإجماع ، لأنه صار مسكراً حراماً ، وكذلك إذا اشتد أو طبخ فالصحيح أيضاً عدم جواز الوضوء به كما صرح بذلك في البحر الرائق .
قال قاضي خان في شرح الجامع الصغير " مخطوط " : والنبيذ الذي تكلموا فيه أن يلقى في الماء تميرات حتى يأخذ الماء حلاوته ولا يشتد ولا يصير مسكراً ، ولا يجوز التوضي بالمطبوخ حلواً كان أو مشتداً .
ومن أصل أصحابنا أنّ الماء إذا تغير بالطبخ لا يجوز التوضي به كماء الباقلاء وماء الورد ونحوه ، وإذا طبخ بما يقصد به المبالغة كالأشنان والصابون فحينئذ يجوز به التوضي ما دام رقيقاً ، فإن غلب على الماء وصار ثخيناً لا يجوز به التوضي ، فإذا كان هذا حكم الماء المطلق فما ظنك في النبيذ المطبوخ .
وأفصل القول في المسألة بعدما بينّا المقصود من النبيذ ، وأن المختلف فيه هو هو نبيذ التمر الرقيق السيال الحلو غير المطبوخ غير المشتد .
روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أربع روايات في نبيذ التمر :
الأولى : يتوضأ به جزماً ولا تيمم معه ، وهي رواية الجامع الصغير والزيادات ، وهي المشهورة وذكرت في معظم المتون . قال في الهداية : فإن لم يجد إلا نبيذ التمر . قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يتوضأ به ولا يتيمم . لحديث ليلة الجن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به حين لم يجد الماء ، وقال أبو يوسف رحمه الله : يتيمم ولا يتوضأ به ، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
الثانية : يتوضأ به ، ويضيف إليه التيمم استحباباً ، فالجمه بينهما مستحب وهي رواية الأصل في كتاب الصلاة .
الثالثة : يجب الجمع بينه وبين التيمم كسؤر الحمار ، وهو قول محمد ، وذكر الكاساني في البدائع أنها رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وصرح به ابن الهمام في فتح القدير نقلاً عن خزانة الأكمل حيث قال : واعلم أن قول محمد بوجوب الجمع بين الوضوء به والتيمم رواية أيضاً عن أبي حنيفة صرح بذلك في خزانة الأكمل قال : التوضؤ بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد ... الخ .
الرابعة : أنه يتيمم ولا يتوضأ به ، وهو قوله الأخير ، وبه قال أبو يوسف والأئمة الثلاث .
وذكر بعض الفقهاء ثلاث روايات لأبي حنيفة في المسألة مثل ابن عابدين فقد ترك الرواية الأولى المشهورة ، وأبو بكر الجصاص في أحكام القرآن ترك الرواية الثانية ، والبابرتي في العناية ترك الرواية الثالثة . والصحيح أنها أربع روايات كما ذكرنا .
والرواية الرابعة رواها نوح ابن أبي مريم والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف في كتاب الأصل وهو المفتى به في المذهب لموافقته رأي الجمهور ، ولأنه ثبت رجوع الإمام إليه ، واختاره الإمام الطحاوي في مختصره ، وقاضي خان في شرح الجامع الصغير والفتاوى حيث قال في الفتاوى : وعلى قول أبي يوسف رحمه الله يتيمم ولا يتوضأ بنبيذ التمر وهو قول أبي حنيفة الآخر . وقال ابن الهمام في الفتح : وجب تصحيح الرواية الموافقة لقول أبي يوسف .
وعلل الحصكفي كونه المفتى به : بأن المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به . وقال ابن عابدين : وهو المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا ، وقال ابن نجيم في البحر الرائق : وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للأئمة الثلاث .. ، وهو اختيار العيني في عمدة القاري .
انظر : الهداية وشرحها فتح القدير ، حاشية رد المحتار ، فتاوى قاضي خان ، البحر الرائق ، شرح الزيادات لقاضي خان بتحقيق الدكتور قاسم أشرف نور .
والحمد لله رب العالمين .
تعليق