هذا تخريج حديث القلتين نقلته من كتاب البدر المنير لابن الملقن الشافعي رحمه الله.

تخريج حديث القلتين:
انه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا"
هذا الحديث صحيح ثابت من رواية عبد الله بن عبدالله بن عمر ابن الخطاب عن أبيه رضي الله عنهما " أن رسول الله سُئل عن الماء يكون بأرض الفرة، وما ينوبه من السباع والدواب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم يجمل الخبث"
أخرجه الأئمة الأعلام الشافعي وأحمد والدارمي في مسانيدهم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم أبو عبدالله في المستدرك على الصحيحين والبيهقي في كتبه الثلاثة والمعرفة والخلافيات
قال يحيى بن معين: إسناد جيد.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، فقد احتجا جميعا بجميع رواته ولم يخرجاه وأظنهما والله أعلم لم يخرجاه لخلاف على أبي أسامة على الوليد بن كثير حيث رواه تارة: عن محمد بن جعفر بن الزبير وتارة: عن محمد بن عباد بن جعفر.
قال: وهذا خلاف لا يُوهن الحديث فقد احتج الشيخان جميعا بالوليد بن كثير ومحمد بن عباد بن جعفر وأنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر، ثم حدّث به مرة عن هذا ومرة عن ذاك.
ثم رواه الحاكم بإسناده إلى أبي أسامه نا الولد بن كثير، عن محمد بن جعفر بن الزبير محمد ابن اسحاق.
وقال الحافظ أبو عبدا لله بن منده: إسناد هذا الحديث على شرط مسلم في عبيد الله بن عبد الله، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، والوليد بن كثير.
قال: وقد روى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عاصم ابن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ورواه إسماعيل بن عليه عن عاصم بن المنذر عن رجل عن ابن عمر.
فهذا محمد ابن اسحاق وافق عيسى بن يونس عن الوليد بن كثير في ذكر محمد بن جعفر بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عمر. وروايتهما توافق وراية حماد بن سلمة وغيره عن عاصم بن المنذر في ذكر عبيد الله بن عبد الله.
فثبت هذا الحديث باتفاق أهل المدينة والكوفة والبصرة على حديث عبيد الله بن عبد الله وباتفاق محمد بن إسحاق والوليد بن كثير على روايتهما عن محمد بن جعفر بن الزبير.
فعبيد الله، وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر مقبولان بإجماع من الجماعة في كتبهم. وكذلك محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر والوليد ابن كثير في كتاب مسلم بن الحجاج، وأبي داود والنسائي وعاصم بن المنذر يُعتبر بحديثه. وابن إسحاق أخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي.
وعاصم بن المنذر استشهد به البخاري في مواضع وقال شعبة بن الحجاج: محمد ابن اسحاق أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: هو ثقة ثقة ثقة هذا آخر كلام الحافظ ابن منده.
وأعل قوم الحديث بوجهين.
أحدهما: الاضطراب، وذلك من وجهين أحدهما في الإسناد، والثاني في المتن.
أما الأول: فحيث رواه الوليد بن كثير تارة عن محمد بن عباد ابن جعفر، وتارة عن محمد بن جعفر بن الزبير. وحيث رُوي تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
والجواب عن هذا أن هذا ليس اضطرابا، بل رواه محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، وهما ثقتان معروفان.
ورواه أيضا عبيد الله وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وأرضاهم وهما أيضا ثقتان وليس هذا من الاضطراب.
وقد جمع البيهقي طرقه، وبين رواية المُحمّدين وعبد الله وعبيد الله وذكر طرق ذلك كلها وبيّنها أحسن بيان، ثم قال: والحديث محفوظ عن عبد الله وعبيد الله.
قال: وكذا كان يخنا أبو عبد الله الحافظ الحاكم يقول: الحديث محفوظ عنهما وكلاهما رواه عن أبيه قال: وإلى هذا ذهب كثير من أهل الرواية، وكان إسحاق بن راهويه يقول: غلط أبو أسامة في عبد الله ابن عبد الله، إنما هو عبيد الله بن عبد الله بالتصغير.
وأطنب البيهقي في تصحيح الحديث بدلائله، فحصل أنه غير مضطرب. وقد قدّمنا قبل هذا كلام الحاكم أبي عبد الله في ذلك.
وقال الدارقطني في سننه وعلله: رواه الوليد بن كثير عن المُحمّديْن فصح القولان عن أبي أسامه وصح أن الوليد بن كثير رواه عن هذا مرة وعن الآخر أخرى.
وكذلك قال الإمام الرافعي في شرح المسند الظاهر عند الأكثرين صحة الروايتين.
وقال في التذنيب: الأكثرون صححوا الروايتين جميعا، وقالوا إن عبد الله، وعبيد الله روياه عن أبيهما.
وقال ابن الأثير في شرح المسند: لآجل هذا الاختلاف تركه البخاري ومسلم، لأنه على خلاف شرطهما، لا لطعن في متن الحديث، فإنه في نفسه حديث مشهور معمول به ورجاله ثقات معدّلوه وليس هذا الاختلاف مما يوهنه. ثم ذكر مقالة الحاكم المتقدمة.
وقال الخطابي يكفي شاهدا على صحة هذا الحديث: أن نجوم أهل الحديث صحّحوه وقالوا به واعتمدوه في تحديد الماء، وهم القدوة وعليهم المعوّل في هذا الباب.
فممن ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن خزيمة، وغيرهم.
وقال عبد الحق: حديث صحيح وقال النووي في كلامه على سنن أبي داود هذا الحديث حسّنه الحفاظ وصحّحوه ولا تُقبل دعوى من ادّعى اضطرابه.
وأما الوجه الثاني فهو أنه قد رُوي فيه" إذا كان الماء قدر فلّتين أو ثلاث لم ينجسّه شيء" رواه الإمام أحمد.
وقي رواية للدارقطني : " إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء"
وفي رواية لابن عدي والعقيلي والدارقطني إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث"
والجواب عن ذلك إما الروايتين الأوليتين فهما شاذتان غير ثابتتين فوجودهما كعدمهما قاله النووي في شرح المهذب.
وقال ابن الجوزي في تحقيقه رواهما حماد واختُلف عليه فروى عنه إبراهيم بن الحجاج وهدبة وكامل بن طلحة قفالوا:" قلتين أو ثلاثا"
وروى عنه عفان، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر ابن السري والعلاء بن عبد الجبار وموسى بن إسماعيل وعبيد الله ابن موسى العيشي: " إذا كان الماء قلتين" ولم يقولوا: " أو ثلاثا".
واختلفوا عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن الصبّاح بالشك وأبو مسعود بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك.
وأما الرواية الأخيرة فليست من حديث القلتين في شيء، ذاك من طريق ابن المنكدر عن جابر مرفوعا، تفرد به القاسم العمري عن ابن المنكدر وهي مردودة بالقاسم.
قال البيهقي: غلط فيه وكان ضعيفا في الحديث جرّحه أحمد ويحيى والبخاري وغيرهم من الحفاظ.
قال الدارقطني كان ضعيفا كثر الخطأ، ووهم في إسناده وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري معمر فرووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفا. ورواه أيوب السختياني عن محمد بن المنكدر من قوله لم يجاوزه.
وقد رواه عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال : إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل خبثا.
وخالفه غير واحد، فرووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا، ومنهم من قال: أربعين دلوا.
قال البيهقي: وقول من يوافق قوله من الصحابة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في القلتين أولى أن يتبع.
قلت: لا جرم أن ابن الجوزي ذكر في موضوعاته هذه الرواية الثالثة وقال : أنها لا تصح، وأن المتهم بالتخليط فيها القاسم بن عبد الله العمري قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عنه فقال: أف أف ليس بشيء وسمعته مرة يقول كان يكذب وفي رواية يضع الحديث.
الوجه الثاني مما أُعل به هذا الحديث، وهو أنه روي موقوفا على عبد الله بن عمر كذلك رواه ابن عُليّه.
والجواب أنه قد سبق روايته مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الثقات، فلا يضر تفرد واحد لم يحفظ بوقفه.
وقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن يحيى بن معين إمام أهل هذا الشأن أنه سُئل عن هذا فقال جيد الاسناد قيل له: فابن عُليه لم يرفعه؟ قال يحيى: وأن لم يحفظ ابن عُليّه فالحديث جيد الاسناد .
وأنا أتعجب من قول أبي عمر بن عبد البر في تمهيده:
ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الأثر لأنه حديث تكلّم فيه جماعة من أهل العلم، ولآن القلتين لم يُوقف على حقيقة مبلغهما في أُثر ثابت، ولا إجماع.
وقوله في استذكاره: حديث معلول رده إسماعيل القاضي وتكلم فيه.