صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 17

الموضوع: علم الكلام وأثره في مناهج العلوم

  1. #1

    علم الكلام وأثره في مناهج العلوم

    [ALIGN=JUSTIFY]الإخوة الكرام

    هذه محاضرة بالعنوان الذي ترونه ألقيتها في السنة الماضية في المعهد العالمي للفكر الإسلامي
    أحببت أن تطلعوا عليها لعلكم ترون فيها فائدة. وإن كان لأحد منكم تعليق عليها، فسوف أكون شاكرا له.[/ALIGN]


    [ALIGN=CENTER]علم الكلام وأثره المنهجي في الفكر الإسلامي[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياءوالمرسلين.

    أولا :تعريف العلم
    عرف العلم بتعريفات عديدة وكل تعريف منها ينبني على نظرة خاصة أو جهة معينة، ولا نريد استقصاء ذكر التعريفات هنا، ولكن نورد بعضها مما يفيدنا في هذا المقام.
    قال شريف الجرجاني في التعريفات:
    العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.
    وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل.
    والأول أخص من الثاني.
    وقيل العلم هو إدراك الشيء على ما هو به.
    وقيل: هو مستغن عن التعريف.
    وقيل العلم صفة راسخة يدرك بها الكليات والجزئيات.
    وقيل العلم وصول النفس إلى معنى الشيء.
    وقيل العلم عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول.
    وقال الملا عبدالله في شرحه على تهذيب المنطق للسعد التفتازاني:"العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل."
    وعلق عليه الميرزا محمد علي:وعرفه بعضهم بقبول النفس تلك الصورة. وبعضهم بحصول صورة الشيء عند العقل"
    ثم علق قائلا:"فعلى الأول من مقولة الكيف، وعلى الثاني من مقولة الانفعال، وعلى الثالث من مقولة الإضافة."
    وقال الأستاذ الشيخ محمد الكرمي:"أنا لم أجد تعريفا للعم أطرى وأحسن وألصق بالنفس من قول العلامة الشيخ عبدالهادي شليلة:
    حقيقة العلم انكشاف الواقع له من المعلوم حكم التابع
    فإن العلم الصادق ليس هو إلا انكشاف الأشياء على ما هي عليه، وكم تعتور النفس صور للأشياء تخال أنها صور واقعية وشعاع ذوات الأشياء بأنفسها، وهي في الواقع خداع وكذب."اهـ

    ويمكن لنا بعد شيء من النظر أن ندرك أن أغلب التعريفات ترجع في حقيقتها الإطلاقات التالية:
    الأول: أن يطلق العلم على المعلوم؛ أي ما نعلمه.
    الثاني: أن يطلق العلم على ما به نعلم وهو النفس أو صفتها.
    الثالث: أن يطلق العلم على الملكة الراسخة الحاصلة بعد العلم بمعلومات عديدة، فلا شك أن هناك صفة راسخة تميز الراسخ في العلوم عمن يبتدئ بطلبها.

    ونحن هنا عندما نتكلم على علم الكلام، فإننا نطلق اسم العلم على المسائل المبحوثة في ذلك العلم، وعلى الملكة الراسخة التي يتصف بها العالم بتلك المسائل، بحيث يستحق بعد ذلك اسم المتكلم. وهذا هو الشأن في سائر العلوم الأخرى.
    ما به تتميز العلوم:
    ما هو الأساس الذي يمكننا بناء عليه أن نعدد العلوم، وأن نصنف المسائل وننسب كل مسألة منها إلى علم معين دون غيره. فنقول مثلا هذه المسألة من علم الفقه، وهذه المسألة من علم الكلام، وهذه المسألة من علم التفسير، وهذه المسألة من علم الحديث، وهذه المسألة من علم الرياضيات، أو الطبيعيات، وهكذا...
    إن علماء الأصول والكلام والمنطق قدموا ثلاث نظريات رئيسية يفسرون بها تمايز العلوم. ولا مانع من أن نشير ههنا إلى أننا نقصد بالعلم :"مجموعة من المسائل تجتمع مع بعضها البعض على نحو من الأنحاء."
    النظرية الأولى: يرجع تمايز العلوم إلى الموضوع، فكل علم يتألف من قضايا ومسائل تكون محمولاتها من الأعراض الذاتية لموضوع العلم، فموضوع العلم هو في الحقيقة موضوع مسائل ذلك العلم. وبالتالي فاجتماع مجموعة من المسائل والقضايا تحت عنوان واحد، ليس راجعا إلى حالة اختيارية أو تعاقدية، وإنما يرجع هذا الاجتماع إلى علاقة تكوينية طبيعية بين محمولات القضايا(المسائل) وبين موضوعاتها، وبالتالي بين محمولات القضايا وموضوع العلم.
    النظرية الثانية: العلوم تتمايز بناء على تمايز أغراضها وغاياتها(أهدافها)، وفي هذه الحالة يكون كل علم عبارة عن مجموعة من المسائل والقضايا ذات الغرض الواحد، واختلاف العلوم باختلاف أغراضها.
    فعلم الأصول مثلا يتكون من مسائل وبحوث تنفع في استنباط الأحكام من مداركها الشرعية.
    النظرية الثالثة: تقوم على أساس مفهوم "المركب الاعتباري"، والمركب الاعتباري هو الذي لا تكون وحدة عناصره المكونة له وحدة حقيقية، وإنما هي وحدة عرضية مجازية. فوحدة الجنس والنوع وحدة حقيقية، وأما وحدة الطلاب في الصف فهي وحدة مجازية تابعة لوحدة اللحاظ أو النظر أو العرضأو ما إلى ذلك من الظروف الطارئة.
    وكل علم حسب هذه النظرية هو في الواقع مركب اعتباري، فالذي يجعل المسائل مجموعة واحدة هو الهدف والغرض الواحد المترتب عليها، ومع هذا فالعلوم تتمايز بهذه المركبات الاعتبارية وليس بأغراضها.
    وكل مركب اعتباري يتمايز عن المركب الاعتباري الآخر بشكل طبيعي، ولو كان المركب الاعتباري لعلم واحد مؤلفا من غرضين، فلا يستلزم ذلك أن يكون هذا العلم علمين اثنين متمايزين، بل يكون علما واحدا، وقد ساعد هذا المركب الاعتباري في اجتماع هذه المسائل على هذا النحو.
    وقد أشار إلى هذه النظريات العلامة الشريف الجرجاني في شرح المواقف، حيث شرح في عبارة رشيقة كيفية نشوء العلوم وتقسيماتها، ويظهر من كلامه أن الأصل في تمايز العلوم إنما هو بالموضوع، ولكنه ذكر تحقيقا في غاية الإفادة، فقال:"وهو أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من أن تعد كل مسألة علما برأسه، وتفرد بالتعليم، ولا من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد سواء كانت متناسبة من وجه آخر أو لا علما واحدا، وتفرد بالتدوين.
    واعلم أن الامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنما هو للمعلومات بالأصالة وللعلوم بالتبع، والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم، وأما إن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع في التعريف كما في تعريف الكلام إن جعل تعريفا لمعلومه."اهـ

    ثانياً: التعريف بالدين:
    لقد صاغ العلماء للدين تعريفات عديدة، ولكن أحسن التعريفات التي رأيتها ما اشتهر عند علماء الكلام، وقد ذكره العديد منهم في كتبهم، واعتمدوه، كالإمام ابن الهمام، والشريف الجرجاني، وأكثر المتأخرين ممن هم في طبقة العلامة البيجوري والسنوسي، وكذلك من سبقهم كالكلنبوي والدواني والخواجة زاده، وغيرهم.
    الدين لغة يطلق على العادة والجزاء والمكافآت والقضاء والطاعة.
    وأما اصطلاحا وهو المقصود هنا، فهو كما ذكره صاحب دستور العلماء:"قانون سماوي سائق لذوي العقول إلى الخيرات بالذات."اهـ
    ومثَّل لهذه القوانين بالأحكام الشرعية النازلة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    ووضع بعض العلماء المحققين كلمة مساوق بدل كلمة سائق لتدل على أن انسياق العقلاء واستجابتهم للدين إنما هي تابعة لإرادتهم وتعقلهم لأصل الوجود وما يقتضيه نظرهم الصحيح.
    وعرفه الشريف الجرجاني في تعريفاته:"الدين وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول صلى الله عليه وسلم."اهـ
    وحاصل هذا التعريف متوافق مع ما قبله.
    ولا شك أن من بديهيات الدين الإسلامي أن الخير ات التي يدل الناسَ عليها لا تتعلق بالآخرة وحدها، بل تتعلق بالدنيا، بل نستطيع أن نقول بكل صراحة أن الدين من حيث هو أوامر ونواهي، وتقييدات وتوجيهات لأفعال الإنسان، إنما يتعلق بالإنسان في حياته الدنيا، لأنه في الآخرة لا يوجد تكاليف شرعية بالوجه الذي نقصده.
    نعم إن غاية الدين في النهاية دلالة الإنسان على خيره في حياته الآخروية. ولكن المقصود أصالة إنما هو دلالته إلى خيره في حياته مطلقا، وحياة الإنسان ليست محدودة كما هو معلوم عندنا في الحياة الدنيوية، ولا بحياته الأخروية، بل إنها تشمل هاتين المرحلتين مع ما يتوسطهما.
    فالخير الذي نزل الدين لدلالة الإنسان عليه يشمل الخير الدنيوي والخير الأخروي.
    والمقصود بالخير بقول كليٍّ: كل ما هو موصل إلى السعادة. وترتبط السعادة بكمال الوجود أو تكميل الوجود، وذلك بأن يكتسب الإنسان كل ما يرفع قدره في رتبة الوجود.
    ولذلك فنحن نعتقد أن العبادات لها آثار حقيقية في الآخرة، وهذه الآثار ليست ذاته لها، بل هي بإرادة الله تعالى، بناء على نفي التحسين والتقبيح العقليين، وهو القول الذي ارتضاه أهل السنة الأشاعرة وغيرهم ممن وافقهم. ونحن وإن لم نعرف بعض العلل والفوائد التي نجتنيها من بعض العبادات، فذلك لا يستلزم عدم وجود فوائد حقيقية لها، تترتب عليها بحسب ما اختاره الله تعالى في خلقه لهذا العالم.

    ثالثاً: تعريف علم الكلام
    علينا أن نعرف بعلم الكلام لأنه الموضوع الأساسي لهذه المحاضرة، وذلك لما لتصور التعريف وما يلزم عنه من فائدة في بيان تأثير علم الكلام في الفكر الإسلامي.
    توجد عدة تعريفات لعلم الكلام، تختلف في ظاهرها في المفهوم المأخوذ منها، ولكنها في حقيقتها ترجع إلى حقيقة واحدة.
    قال العلامة السمرقندي في الصحائف ص59:"فإن العلوم وإن تنوع أقسامها لكن أشرفها مرتبة وأعلاها منزلة هو العلم الإلهي الباحث بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة عن أحوال الألوهية وأسرار الربوبية التي هي المطالب العليا والمقاصد القصوى من العلوم الحقيقية، والمعارف اليقينية إذ بها يتوصل إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وتصور صنعه ومصنوعاته ، وهو مع ذلك مشتمل على أبحاث شريفة ونكات لطيفة بها تستعد النفس لتحقيق الحقائق، وتستبد بتدقيق الدقائق."اهـ
    وقد أكثر العلماء من وصف جليل منزلة هذا العلم الشريف حتى جعلوه في أعلى من مرتبة من العلوم الإسلامية، وحق لهم ذلك.
    ومن هذه التعريفات
    ما قاله العلامة السمرقندي في الصحائف ص65:"لما كان علم الكلام نفسه يبحث عن ذات الله تعالى وصفاته وأسمائه، وعن أحوال الممكنات والأنبياء والأولياء والأئمة والمطيعين والعاصين، وغيرهم في الدنيا والأخرى، ويمتاز عن العلم الإلهي المشارك له في هذه الأبحاث بكونه على طريقة هذه الشريعة، فحده: إنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام.
    وعلم من ذلك: أن بحثنا فيه إنما يقع عن أعراض ذاتية لذات الله تعالى من حيث هي، وأعراض ذاتية لذات الممكنات من حيث هي محتاجة إلى الله تعالى.
    فيكون موضوعه: ذات الله تعالى من حيث هي، وذات الممكنات من حيث إنها في ربقة الحاجة. لما علم أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، أي التي يكون منشؤها الذات."اهـ

    ومن أحسن النصوص التي تبين فائدة وحقيقة علم الكلام ما قرره الإمام التفتازاني في شرح العقائد النسفية، قال:" اعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية، ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية .
    والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام، لما أنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند الإطلاق إلا إليها .
    وبالثانية: علم التوحيد والصفات، لما أن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده .
    وقد كان الأوائل من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي عليه السلام وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلافات، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات، مستغنين عن تدوين العلمين وترتيبهما أبواباً وفصولاً، وتقرير مباحثهما فروعاً وأصولاً .
    إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين، وغلب البغي على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت الفتاوى والواقعات والرجوع إلى العلماء في المهمات، فاشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات .
    وسموا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية بالفقه .
    ومعرفة أحوال الأدلة إجمالاً في إفادتها الأحكام بأصول الفقه .
    ومعرفة العقائد عن أدلتها بالكلام، لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا .
    ولأن مسألة الكلام كان أشهر مباحثه وأكثرها نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن .
    ولأنه يورث القدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة .
    ولأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تعلم وتتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص به، ولم يطلق على غيره تمييزاً .
    ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب .
    ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم .
    ولأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام .
    ولأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح، وهذا هو كلام القدماء .
    ومعظم خلافياته مع الفرق الإسلامية خصوصاً المعتزلة، لأنهم أول فرقة أسسوا قواعد الخلاف لما ورد به ظاهر السنة وجرى عليه جماعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في باب العقائد .
    وذلك أن رئيسهم واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري رحمه الله يقرر ××× أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ويثبت المنزلة بين المنزلتين، فقال الحسن: قد اعتزل عنا، فسموا المعتزلة، وهم سموا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي على الله ونفي الصفات القديمة عنه .
    ثم إنهم توغلوا في علم الكلام وتشبثوا بأذيال الفلاسفة في كثير من الأصول، وشاع مذهبهم فيما بين الناس إلى أن قال الشيخ أبو الحسن الأشعري لأستاذه أبي علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة أخوة، مات أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً والثالث صغيراً ؟
    فقال: إن الأول يثاب بالجنة، والثاني يعاقب بالنار، والثالث لا يثاب ولا يعاقب .
    قال الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب أمتني صغيراً وما أبقيتني إلى أن أكبر فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة !! ماذا يقول الرب تعالى .
    فقال: يقول الرب: إني كنت أعلم أنك لو كبرت لعصيت فدخلت النار، فكان الأصلح لك أن تموت صغيراً .
    قال الأشعري: فإن قال الثاني: يا رب لم لم تمتني صغيراً لئلا أعصي فلا أدخل النار ؟! فماذا يقول الرب ؟
    فبهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه واشتغل هو ومن تبعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما ورد به السنة ومضى عليه الجماعة، فسموا أهل السنة والجماعة .
    ثم لما نقلت الفلسفة إلى العربية وخاض فيها الإسلاميون حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها، فيتمكنوا من إبطالها، وهلم جرا، إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين .
    وبالجملة هو أشرف العلوم، لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية، وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية .
    وما نقل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين .
    وإلا فكيف يتصور المنع عما هو من أصل الواجبات وأساس المشروعات ."اهـ

    ومنها ما أورده الإمام التفتازاني في تهذيب الكلام: فقال:"الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية".اهـ
    وقال العلامة العضد في المواقف مع شرحه للشريف الجرجاني:"(والكلام علم)بأمور (يقتدر معه)أي يحصل مع ذلك العلم حصولا دائميا عاديا قدرة تامة(على إثبات العقائد الدينية) على الغير وإلزامه إياها(بإيراد الحجج)عليها(ودفع الشبه) عنها، فالأول إشارة إلى إثبات المقتضي، والثاني إلى انتفاء المانع."اهـ

    تعليقات على تعريف علم الكلام:
    يؤخذ من تعريف العلماء لعلم الكلام أمور
    أولا: أن هذا العلم يبحث في أصول الدين وفروعه، ولكن من ناحية كلية، فيبحث في أصول الدين من حيث بيانها وإثباتها، ويبحث في فروع الدين من حيث تمييزها عن الأصول، ويمهد بإثبات القواعد التي لا يمكن تقرير الفروع إلا عليها.
    ثانيا: إذا صح ما قلناه، فإن لهذا العلم موقعا عظيما عاليا في العلوم الدينية، ويلزم عن ذلك أن يكون له تأثير بالغ في سائر العلوم، وذلك لأننا نعتقد أن الدين له مدخلية في أكثر العلوم البشرية، إما مباشرة أو بالعرض. وسوف يتضح ذلك زيادة وضوح فيما يأتي.
    ثالثا:

    رابعا: الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين:

    الفلاسفة
    لا يخفى على أحد أن كل علم من العلوم لا بد له من مبادئ، يقيم عليها قوانينه، وهذه المبادئ قد تكون مسلمات ومصادرات، وقد تكون بديهيات، وقد تكون مبرهنات.
    وكل فيلسوف لا يمكنه أن يبني فلسفته إلا على نحو هذه المبادئ. ولا يستطيع فيلسوف أن يدعي أن كل ما أقام عليه فلسفته إنما هو بديهيات، أو مبرهنات قطعية لا يحتمل النزاع فيها. بل لا بد أن تكون الفلسفة مستملة على شيء من المسلمات أو المصادرات، أو بعض المقدمات التي يظن ذاك الفيلسوف أنها مبرهنة قطعية، والواقع في نفس الأمر أنها ليست كذلك.
    وعلى كل الأحوال، فالفيلسوف يدعي أنه لا يستمد مقدماته إلا من العقل المحض، ومن الحس. ولو كان ذلك صحيحا، لما وجدنا كل ذلك التفاوت بين الفلاسفة في مقدماتهم التصورية، والتصديقية. حتى ابتعدت المذاهب الفلسفية في أنواعها ما بين الفلسفات المادية المحضة إلى المثالية المطلقة، واختلفت الفلسفات المادية ما بين الكالسيكية إلى الجدلية المادية والتاريخية، وهي الفلسفة الماركسية.
    إذن لا بد أن تكون بعض المقدمات التي يقيم عليها بعض الفلاسفة غير مبرهن عليها. ونحن هنا لا نريد المبالغة في تحليل ذلك، والبرهنة عليه، ولذلك فإننا نتبع في بيان هذه الفكرة نحو هذا الأسلوب الإجمالي.
    إذن يشترك الفلاسفة في معنى واحد، وهو أنهم يدعون أن شيئا من مقدماتهم غير مأخوذ من الدين، وأنهم لا يقيمون فلسفاتهم على المفاهيم الدينية.
    ونحن نعرف أن بعض الفلاسفة أخذوا من بعض الأديان مقدماتهم، ككثير من فلاسفة الغرب، ولكنهم كانوا يدعون أن هذه المقدمات التي أخذوها، إما بديهية أو مبرهن عليها، ومع أخذهم لها من الدين إلا إنهم أطلقوا على أفكارهم التي استنبطوها والمفاهيم التي اخترعوها، اسم الفلسفة.
    وكل همهم في ذلك إنما هو محاولة تفسير هذا الوجود بحيث يستطيعون بناء فلسفة عملية على نظراتهم الفكرية المجردة. فكل فلسفة فإنها تطمح إلى بناء أعمال نظرية وأعمال عملية. ولذلك ترى الفلاسفة الكبار ينظرون في جميع المسائل وجوانب الحياة، حتى تراهم يقيمون نظما شاملة للعالم المادي، وللعالم الإنساني، ويقترحون طرقا لبناء الحياة عليها في الإجتماع والسياسة والاقتصاد، وكل ما يتفرع عن ذلك من أمور دقيقة، حتى إنهم يتكلمون في كيفية العلاقة التي يجب أن تكون بين الرجل والمرأة ، وبين الأب وابنه، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الشعوب المختلفة... وهكذا.

    المتكلمون
    أما المتكلمون، فلا يفترق عملهم عن الفلاسفة في كثير مما وصفناه، إلا في عبارة واحدة يتجلى بها حقيقة الحال، وهي ما ذكره العلامة السمرقندي في ما نقلناه عنه.
    قال:" ويمتاز عن العلم الإلهي المشارك له في هذه الأبحاث بكونه على طريقة هذه الشريعة"اهـ
    وقال:" إنه علم يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات في المبدأ والمعاد على قانون الإسلام."اهـ
    وقال الشريف الجرجاني في شرح المواقف مع عبارة العضد:"(ويمتاز )الكلام (عن الإلهي)المشارك له في أن موضوعه أيضا هو الموجود مطلقا (باعتبارٍ وهو أن البحث ههنا )أي في الكلام(على قانون الإسلام)بخلاف البحث في الإلهي فإنه على قانون عقولهم وافق الإسلام أو خالفه."اهـ
    إذن هذا هو الفرق الأساس بين علم الكلام والفلسفة. ويمكننا شرح مرادهم بكونه على قانون الإسلام، أي أنه يستمد بعض مبادئه من النقل، ولا يكتفي بمجرد العقل، ويبني نظامه بعد ذلك على مقدمات وقضايا مستمدة من العقل والنقل. ولذلك فإنه يوجد فرق بين الفلسفة التي تبني نظامها على مجرد القضايا التي تؤخذ من العقل، وبين القضايا التي تؤخذ من النقل والعقل.
    ولا يعني كون القضية مأخوذة من النقل أنها غير مبرهن عليها، فإن النقل أصلا مبرهن عليه في أصل ثبوته، وفي كثير من جزئياته.
    وغاية الأمر، أن الإنسان يستعمل القضايا التي يأخذها من النقل في بناء نظام متكامل، ولا يتوقف في بنائه إلى أن يتمكن من معرفة البرهان على كل القضايا بالعقل فقط. ومثل من يفعل ذلك كالتلميذ الذي يدرس عند أستاذه، فإن فرضنا أن أستاذه هذا موثوق بعلمه، ومشهود له، فلا يحسن بالطالب أن يتوقف في قبول كل القضايا التي يخبره بها أستاذه، إلى أن يستطيع هو البرهنة عليها بعقله. لأنه لو فعل ذلك، لطال به الزمان، ولما ضمن أن يستطيع البرهنة على كل ما يعرفه أستاذه، إذ فوق كل ذي علم عليم. ولكن لو بنى على تلك المقدمات المستمدة من المصدر الموثوق به على سبيل العموم، فإن نفس بنائه المنظومي يمكن بعد ذلك أن يكون مؤشرا له على صحة تلك القضايا تفصيلا. [/ALIGN]


    يتبع....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    [ALIGN=JUSTIFY]تكون العلوم وظهورها: [/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]غالبا ما يظهر من العلم أولا تطبيقاته العملية، ثم بعد ذلك إذا ازدادت تطبيقات ذلك العلم، احتيج فيه إلى معرفة القانون العام الذي يربط بين تلك التطبيقات والقضايا الجزئية في قانون عام كلي.
    فأولا ظهر من الفقه مسائل متناثرة، ثم كثرت هذه المسائل، حتى لاحظ بعض الحذاق من الفقهاء والعلماء ضرورة اكتشاف القوانين العامة التي تظهر بناءً عليها تلك الجزئيات الفقهية، فظهر علم أصول الفقه بعد ظهور الفقه.
    ولا ريب أن مسائل أصول الفقه ثابت في نفس الأمر، في نفس مرتبة مسائل الفقه، وأن مسائل قبل مسائل الفقه في الرتبة، لأن ثبوت الأصل يجب أن يكون قبل ثبوت الفرع.
    وكذلك نقول: ظهرت تطبيقات علم الحديث في الحكم على الأحاديث والرجال، ثم لما كثرت وانتشرت جزئياتها، اشتدت الحاجة لسبر وتحديد القوانين العامة والكلية التي بناء عليها يمكن إظهار تلك المسائل الجزئية، فظهر علم المصطلح.
    ونفس الأمر يقال في ما يتعلق بالنحو وتطبيقات النحو، واللغة وأصول اللغة.
    بل يمكن أن نقول إن هذا قانون عام في كل العلوم حتى الطبيعية منها.
    وكذلك يقال في علم الكلام، فإذا ظهرت الحاجة إلى أصول الفقه بعد ظهور الفقه ومسائله، وظهرت الحاجةإلى قوانين علم النحو، بعد انتشار التطبيقات النحوية، وهكذا، فإننا نقول إن الحاجة اشتدت إلى استظهار القوانين الكلية لعلم الكلام بالمعنى والتعريف الذي ذكرناه بعد ظهور وقرب كمال جميع العلوم الإسلامية وكثير من العلوم الأخرى التي يتوقف عليها. وظهور مسائله متأخرة عن غيره من العلوم، لا يستلزم أنه أقل منزلة من سائر تلك العلوم، بل إن هذا هو عينه الدليل على أولوية بل أولية علم الكلام على غيره من العلوم. لأن قواعده الكلية لها مسائل، وهذه المسائل هي قواعد لتلك العلوم الأخرى. فأصول جميع العلوم الأخرى موجودة في علم الكلام. ولذلك يقول العلماء إن علم الكلام أشرف العلوم، فإنه وإن كان من آخر العلوم ظهورا إلا إنه من أولها ثبوتا.

    وسوف نبين فيما يلي بعض جهات اعتماد العلوم والفكر الإسلامي على علم الكلام:
    لا نتردد حين نقول إن العلاقة التي نحاول توضيحها وبيان أركانها بين علم الكلام وسائر العلوم الإسلامية، لم يسلم بها بعض المسلمين، ونحن لم ندع لها البداهة حتى تسلم من المعارضة والخلاف.
    ولذلك ظهرت بعض الأقوال التي تحذر من علم الكلام.
    ومن هذه الأقوال: فرَّ من الكلام كما تفر من الأسد.
    من طلب الدين بالكلام فقد تزندق.
    وما نقل من كقول الشافعي:حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ بالكلام.
    وغير هذه من الأقوال.
    وكان لذلك أسباب في نظرنا، نحاول أن نجملها فيما يلي:
    أولا: إن علم الكلام لم يكن قد ظهر بصورته كعلم مؤسس متكامل، بل كان قد ظهر بعض مسائله، ولا ريب أن أول المسائل ظهورا عادة هي المسائل الخلافية التي يكثر فيها الصراع، ومن أمثلة هذه المسائل التي كانت سببا في تلك الأحكام على علم الكلام : مسألة كلام الله تعالى وهل القرآن مخلوق أو لا، ومسألة فاعل الكبيرة، ومسألة الخروج على الحاكم هل يجوز أو لا، والتجسيم والتشبيه.
    وأنا لا أشك لحظة أن الإمام الشافعي كان ملاحظا آراء الفرق المخالفة كالمعتزلة والخوارج وغيرهم عندما قال تلك المقولة التي نسبت إليه. وإلا فلا يمكن أن نتصور بحال من الأحوال أنه كان يقصد ذم علم الكلام من حيث هو بحث في أمور تتعلق بعقائد الإسلام وتنزيه الله تعالى، والدفاع عن الدين ومسلماته والمقطوع فيه، كما صار إليه علم الكلام لاحقا.
    ثانيا: استند كثير من الذين يذمون علم الكلام على أقوال صدرت من بعض المحدثين، الذين لم يروا في علم الكلام إلا تشغيبا ولم يعلموا من المتكلمة إلا أهل الفرق المخالفة كالمعتزلة والخوارج والشيعة وغيرهم. فكان حكمهم على علم الكلام تعميما لموقفهم على هذه الفرق، ظانين أنهم بذلك يصونون بيضة الدين ويحافظون على عقائده سليمة.
    ثالثا: كان كثير من الذين عارضوا علم الكلام من بعض فرق المجسمة والمشبهة الذين كان من الطبيعي أن يعارضوا هذا العلم، لأن الناظر في هذا العلم والعارف بقضاياه لا يمكن أن يرضى ولا أن يقبل المقولات والأحكام التي يطلقونها في حق الله تعالى، فكان موقف هؤلاء دفاعا عن مذهبهم لا غير، ومحاولة منهم لسد الباب الذي يأتي منه الرد عليهم. وذلك نحو ما ورد عن الهروي صاحب ذم الكلام وغيره.
    رابعا: لا ريب أن فحولة الفرق الإسلامية كالأشاعرة والمعتزلة وغيرهم من الفرق الأخرى كالشيعة والإباضية والزيدية، لم يعارضوا الكلام كعلم، بل كانت معارضاتهم فيما بينهم في المقولات والأحكام التي يتبناها كل واحد منهم حسب نظرته ومذهبه. ولذلك فإننا لا يجوز أن نغفل عن أن الأسماء الكبيرة اللامعة في تاريخنا الفكري الإسلامي في مختلف العلوم والمعارف الدينية كانوا من المتكلمين، كالقاضي الباقلاني والجويني والغزالي، والإمام الرازي والأرموي والإمام الآمدي، والسعد التفتازاني والعضد والكاتبي والكلنبوي، وكالقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري، وغيرهم كثيرون لا يتسع المقام لتعداد أسمائهم.
    خامسا: إن الحركة التاريخية لعلم الكلام لم تزل في تصاعد مستمر، حتى صار بعد فترة وجيزة من المسلمات بين العلماء، أقصد جماهير العلماء، أن علم الكلام يحل بين العلوم الإسلامية في أعلى محل وأشرف مكان. ولم تزل هذه النظرة موجودة ومعتبرة بين العلماء حتى بدايات القرن الماضي، حيث صارت الأنظار تنصرف عنه نتيجة مؤثرات عديدة من أهمها في نظري تأثر كثير من المفكرين بالفكر الغربي وانجرافهم نحوه، وفقدانهم الثقة في العلوم الإسلامية، ولم يكن هذا إلا نتيجة قلة تعمقهم في هذه العلوم. ولذلك صرنا نرى كثيرا من الكتاب يستعيرون أحكاما وقضايا من الفلسفات الغربية، ويحاولون بناء الفكر الإسلامي عليها.

    علاقة علم الكلام بغيره من العلوم

    سوف نذكر هنا أمثلة نحاول بها تبيين كيفية اعتماد بعض العلوم والمعارف الإسلامية على علم الكلام.

    أولا : أصول الفقه
    لقد نصَّ العديد من العلماء على أن علم الكلام من مبادئ أصول الفقه، وأن كثيرا من القواعد التي يبني عليها أصول الفقه أحكامه وقضاياه مستمد أصلا من علم الكلام.
    وسنذكر هنا بعض الجهات التي يظهر بها تأثير علم الكلام في أصول الفقه.
    1- لا شك أن إثبات الأحكام الفرعية فرع ثبوت الباري ، وإثبات الله تعالى من أهم مسائل علم الكلام.
    2- الأحكام الفرعية لا يمكن أن نعتقد بصحتها ما لم نثبت إمكانية إرسال الرسل، بل ووقوع الرسالة، لأنه مع عدم الإيمان بالرسالة كيف نؤمن بالأحكام الفقهية.
    3- هناك بعض الأصول الكلامية التي ينبني عليها العديد من القواعد الأصولية، ومن أمثلة ذلك، وتتفرع عليها المذاهب الأصولية أيضا
    أ‌- قاعدة التحسين والتقبيح العقليين: وحاصل هذه القاعدة، أن الأحكام هل لها ثبوت في نفس الأمر، فيكون العقل والشرع مظهرين ومبينين فقط للأحكام، أم إن ثبوت الأحكام إنما هو بإثبات الله تعالى لها، وبناءً على ذلك يكون الحاكم هو الله تعالى وحده، ويكون الشرع مهرا لحكم الله تعالى، وأما العقل فلا دور له في الإثبات أصلا، وإنما هو مظهر لهذه الأحكام بالاعتماد على مسلمات شرعية هي المعبرة عن كلام الله تعالى. فلا ثبوت للأحكام قبل فرض إرادة الفاعل المختار. قال بالمذهب الأول المعتزلة وقال بالثاني أهل السنة. وكثير من مباحث الاجتهاد تعتمد على هذا المبحث المهم.
    ب‌- إفادة القطع عن طريق العادة، المعتمدة أصلا على نوع من الاستقراء، التي اشتهر القول بها عند الأشاعرة، وإن قال بها غيرهم من المعتزلة، ولكن الاعتناء التام بها لم يتجلَّ إلا عند الأشاعرة. وقد أقام بعض المعاصرين بحوثا دقيقة مبنية على هذا المفهوم،كما فعل العلامة محمد باقر الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء، واستنبط نظرية خاصة للمعرفة، وأسماه المذهب الذاتي للمعرفة. وقد أقام الأصوليون على هذه القاعدة أدلة كبيرة، مثل إفادة التواتر للعلم، وكون الإجماع حجة، وإمكان لإفادة خبر الآحاد للعلم.
    ت‌- العادة ليست حاكما، بل هي ظرف لتعلق الحكم، فلو كانت العادة الحاكم لصار إنشاء الحكم منها، وهذا يتعارض مع ما قلناه من أن الحاكم إنما هو الله تعالى. فالعادة بعبارة أخرى إنما هي أحد المصاديق المحتملة ولكن الشائعة للمفهوم من الحكم الشرعي، فتعليق الحكم الشرعي بما اعتاده الناس، لا يقتضي تقييد الحكم بها، وقصره عليها.
    ث‌- ولقوة مدخلية علم الكلام في أصول الفقه صار هناك اتجاهان رئيسيان للتأليف في علم الأصول، الاتجاه الأول يسمى بطريقة المتكلمين، وهو الاتجاه الذي ساد في أكثر العصور الإسلامية التي كانت نشطة ومنتجة في هذا العلم الجليل، والاتجاه الثاني سماه البعض بطريقة الفقهاء، وإن كان عندي ملاحظات على أصل هذه التسمية وتلك وحقيقة الفرق بين الطريقتين.

    ثانيا: [ALIGN=JUSTIFY]المنطق ونظرية المعرفة[/ALIGN]
    لقد ربط المتكلمون بين المنطق وباقي العلوم، واستقر الرأي عندهم على أنه من العلوم المحمودة، والمفيدة، ولذلك وضعه الإمام الغزالي في مقدمة كتابه في الأصول المسمى بالمستصفى. ثم سار على هذا النمط كثير من الأصوليين. وكثير ممن لم يضع المنطق مقدمة للأصول بل لسائر العلوم، لم ينكر ذلك، ولكنه اكتفى بالكتب المؤلفة في علم المنطق. فعدم وضعهم مقدمة في المنطق لعلم الأصول لا يستلزم إنكارهم لفائدته.
    ونحن لا يمكننا إنكار مدى العلاقة الحاصلة بين علم المنطق وعلم الكلام، حتى لقد اعتبر الإمام التفتازاني المنطث جزءا من الكلام، وإن خالفه في ذلك الشريف الجرجاني، واعتبره مقدمة له لا جزءا.
    ولا نهمل أن نذكر أن قدماء المتكلمين كانوا يوردون كثيرا من أحكام المنطق وقواعد المعرفة البشرية في باب خاص سموه بباب النظر ، أو المعارف. وكانوا يوردون في هذا الباب أسباب المعرفة كالحس والعقل، والأخبار. ويتكلمون في العلاقة بين العلوم وكيفية اكتسابها وتنميتها.
    ونورد ههنا بعض الجهات التي توضح كيفية تأثير الكلام على هذه المباحث
    1- أقام المتكلمون نظرية العقل على أساس الوجود، فجعلوا العقل عاكسا لحقيقة الوجود، واعتبروه معبرا عن أحكام الوجود، ولذلك قالوا إن أحكام العقل إما بديهية أو نظرية، وكل منهما يكون صادقا بمطابقته لما في نفس الأمر، ويكون كاذبا بمخالفته له. فجعلوا المرجع في الصدق والكذب لما في نفس الأمر ولما في الخارج. فالمعيار عندهم في الحكم العقلي راجع في نهاية الأمر لا إلى الإرادة الإنسانية، كما قال بذلك كثير من الفلاسفة الغربيين، وبنوا على ذلك فلسفات عديدة. بل إلى ما هو سابق على الإرادة الإنسانية وأصل لها.
    2- لقد درس المتكلمون بعض القضايا الدقيقة في طرق التفكير، وتوصلوا بمهارة إلى اكتشاف ما أسموه بالمفاهيم الاعتبارية، وهي عبارة عن مفاهيم يخترعها العقل اختراعا لتكون ممهدة لسيره في عملة التفكير، فهي تشابه العوامل المساعد في الكيمياء، أو الافتراضات الرمزية التي نخترعها عندما نحل مسألة رياضية، ولا يكون لها أثر إلا في تسهيل عمل العقل، ووصوله إلى نتائج قوية.
    3- لقد أقام المتكلمون الربط بين المقدمات والنتائج على أصول مأخوذة من علم الكلام، بحسب مذاهبهم، فبعضهم قال إن الربط بين المقدمة والنتيجة عادي، وبعضهم قال إن الربط عقلي، وبعضهم قال إنه راجع إلى العلية، أي إنه واجب لا انفكاك عنه. ولا ريب أن هذه الآراء مبناها أصول كلامه، ومرجعها إلى القول بحقيقة العلاقات الكائنة في هذا العالم هل هي علاقات ضرورية قائمة على العلية والمعلولية، أم هي راجعة إلى إرادة الفاعل المختار، ومن قال برجوعها إلى الفاعل المختار، يقول أيضا إن الحكم والتناسق المرئي هو أيضا تابع لإرادة الله تعالى، ولا يقول إن إرادة الله تعالى تابعة للحكمة، وسوف نشير إلى هذه المسألة لاحقا إن شاء الله تعالى.
    4- لقد أضاف المتكلمون العديد من الأحكام والقضايا في مباحث متعلقة بالمنطق، أقصد بها مواد القضايا، والمقولات. فأضافوا مثلا إلى مواد القضايا اليقينية الأخبارَ المتواترة، وذلك بعد أن أثبتوا بما سبق لنا الإشارة إليه أن التواتر يفيد القطع. وهذا يعتبر إنجازا عظيما لم يأخذ ما يستحقه من نظر المناطقة والكتاب المعاصرين. وكذلك فإننا نجد للمتكلمين نظرات جديدة دقيقة في مباحث المقولات، حيث نظروا في الأعراض النسبية والكيفيات النفسية والخارجية، وتأملوا في حقيقة الألوان والأكوان، وأثبت المحققون منهم أن الألوان مثلا هي نتيجة انفعال الحاسة بما في الخارج، وليس اللون موجودا في الخارج كما نراه ونشعر به في حسِّنا. وهذا الرأي يؤيده كثير من العلماء في هذا الزمان.
    5- ونذكر هنا مسألة مهمة جدا تابعة لنظرية المعرفة، وهي أن المعرفة الإنسانية هل يشترط لها كي تكون صادقة أن تكون صورة مرآتية للواقع الخارجي، أم يشترط لها أن تكون صادقة عليه، فمطابقتها المذكورة في الصدق هل هي بمعنى أن تكون مرآة للخارج، أم يكفي صدقها على ما في الخارج كأحكام وإن لم تشكل صورة ماهوية له. وبناء على هذا اختلفت نظريات المناطقة المستمدة أصلا من علم الكلام بين قائل بالعالم ذهني ونافٍ له، فالقائل بالعالم الذهني قال بأن الماهية موجودة بنفسها في الخارج وهي هي الموجودة في الذهن والعقل. وأما الآخرون النافون لذلك فقالوا ما دامت الصورة العلمية في ذهننا صادقة في أحكامها على ما في الخارج، فهذا هو الشرط الكافي لتسميتها علما. وبناءَ على هذه المسألة الدقيقة، نفهم تماما كيف أنه يمكن البحث والنظر في الأحكام المتعلقة بالذات الإلهية والصفات، دون أن يتوقف ذلك على وجود تصور كامل لها، بل إنما يتوقف على علمنا بأحكام صادقة عليها، وبذلك تكون علومنا التي نستنبطها بالعقل في هذا الباب أحكاما لنسب وليست تصورات لماهيات أو حقائق. ولا يلزمنا التشبيه ولا استحالة النظر في هذه المباحث كما ذهب إليه إيمانويل كانت ومن قبل فرقة السمنية، وكما يدعيه كثير من المفكرين المعاصرين المتأثرين ببعض الفلسفات الغربية.

    [ALIGN=JUSTIFY]علوم اللغة: [/ALIGN]
    وتشمل علوم اللغة النحو والبلاغة وغيرها من أصول اللغات
    ويمكننا ذكر بعض وجوه اعتماد هذه العلوم على مباحث من علم الكلام
    أولا: البحث في أصول اللغات، هل هي كلها وضعية من عند الله تعالى أو اصطلاحية من عند البشر، بالاعتماد على ما يقرره علم التوحيد فإن الله تعالى هو الخالق للبشر، وهو الذي علم سيدنا آدم الأسماء كلها، فلذلك مال كثير من الأصوليين والعلماء والمفسرين إلى أن أصل اللغات (إما لغة واحدة أو أكثر) إنما هي بوضع الله تعالى، ثم لم يحيلوا ولم يمنعوا أن تنشأ بعض اللغات وتتفرع عن تلك اللغة التي علمها الله تعالى لسيدنا آدم.
    ثانيا: العلاقة بين اللفظ والمعنى. قال جمهور علماء الكلام بأن العلاقة بين اللفظ والمعنى إنما هي وضعية، وليس اللفظ هو الذي يولد المعنى توليدا، بل لا بد أن يسبقه نوع من الاصطلاح على وضع هذا اللفظ لذلك المعنى، ثم بحثوا في ماهية العلاقة بين اللفظ والمعنى، واختلفت أقوالهم على أكثر من خمس نظريات، منها النظرية الإرسالية الوضعية.
    ثالثا: العلاقة بين اللغة والفكر، لا ريب أن الإنسان من حيث ما هو إنسان، فهو ناطق، ولكن هل النطق يقصد به الكلام باللغة، بحيث لا يكون الواحد إنسانا إلا إذا تعلم لغة أن إلا إذا تلفظ بلغة.
    لا ريب أن هناك علاقة وطيدة بين اللغة والفكر، ولكن القول بأنه لا فكر إلا بلغة، لم يحظ بالقبول التام بين علماء الكلام، ولا بين علماء أصول الفقه، بل إن الفكر يسبق اللغة والتعقل لا يتوقف على اللغة، ثم لم ينكروا مدى إفادة اللغة للفكر بعد ذلك، ولكنهم قالوا إن ذلك ليس راجعا إلى نفس العلاقة بين الفكر واللغة، ولكنه راجع إلى قصور ذهن الإنسان عن استحضار المعاني العديدة جملة واحدة ودفعة واحدة إلا بتوسط توهما في المتخيلة أو الواهمة، ثم يتم ملاحظتهة من قبل العقل، فكلما لاحظ صورة لفظية استحضر المعنى الذي وضع له. فيكون اجتماع الصور اللفظية في الوهم بديلا أو مقرِّبا لاستحضار المعاني دفعة واحدة، وهذا الاستحضار هو الشرط الضروري للفكر.
    بل إن علماء الأشاعرة أثبتوا أمرا وراء ذلك، فقالوا بأن الكلام لا يكون فقط باللغات والحروف والأصوات ، بل يوجد كلام نفسي وراء الحروف والأصوات، وهذا الكلام ليس هو عين العلم ولا هو عين الصور اللفظية المحفوظة في الوهم والحافظة. وهذا مبحث لا بد من دراسته والاعتناء به في نظري في هذا الزمان.
    رابعا: الفرق بين المفهوم والمصداق: والفرق بينهما أن المصداق هو الموجود الخارجي الذي يمكن إطلاق اللفظ من حيث معناه عليه، وأما المفهوم فهو المعنى المفهوم من اللفظ عند إطلاقه. وتعدد المصاديق لا يستلزم كما هو واضح تعددَ المفهوم، وكثير من اللغويين الكتاب يظنون وهما منهما وضع بعض الألفاظ لأكثر من معنى ويستدلون على ذلك بإطلاقه على مصاديق مختلفة، ظانين أن كل مصداق يشكل معنى مستقلا للفظ. وغفلوا عن أن الأصل في الوضع أن يكون لكل لفظ معنى واحد، وأن الأصل عدم تكثر المعاني للفظ الواحد لأن هذا إذا كثر يعارض ما جعلت اللغة من أجله، وهو البيان والتوصيل والتوضيح. فيحل محل ذلك الإجمال والاشتباه.
    وهذه المسألة راجعة عند النظر إلى أن الوضع هل هو أصلا للمعنى أو للمصداق الخارجي. وهذا لا شك مبحث في غاية الإفادة تتفرع عليه كثير من المسائل في علم اللغة ومعاني الألفاظ وفي التفسير. وقد انتبه إلى ذلك أكثر من عالم محقق ونحوي متقن ومنهم صاحب معجم المقاييس اللغوية أحمد بن فارس. ومشى على هذا النمط كثير من المفسرين واللغويين.
    خامسا: لا شك أن حذاق العلماء الذين أبدعوا في علوم البلاغة وأسسوا لأصولها كانوا من المتكلمين، فمنهم الجاحظ والخطابي، والإمام عبدالقاهر الجرجاني، وكثير من الباحثين المعاصرين يلاحظون في الجرجاني أنه كان نحويا كبيرا، ولم يلاحظوا فيه أن معظم بنائه لأصول نظرية النظم كان معتمدا فيها على مفاهيم كلامية، بل إن كثيرا من مصطلحاته التي استعملها في كتبه هي أصلا كلامية. ولذلك فإننا نرى أن الذين اهتموا أصلا بنظرية الإعجاز التي من أجلها قال بالنظم، كانوا من المتكلمين الذين يعتقدون أن إعجاز القرآن إنما كان في بلاغته، وونظمه.
    ولا نهمل أيضا أن نقول إن النظريات الأخرى للإعجاز كنظرية الإعجاز الصرفة التي قال بها النظام كما نقل عنه، وقال بها الإمام الجويني كما في كتابه النظامية وإن كانت بنحو مغاير لما قال به النظام من بعض الجهات، أصلها معتمد على أصول كلامية واضحة.

    سادسا: أما علم النحو فلا ينكر واحد أن تأثره بعلم الكلام وطريقة البحث الكلامي متقدمة جدا، فظهر كثير من النحاة يبحثون في علم النحو على طريقة المتكلمين، وأكثر النحاة البصريين كانوا على هذا النمط، ونظرية العوامل واحدة من أهم الشواهد على هذا الأثر الجليل.

    سابعا: لقد حرص النحاة على المقاربة بين طريقة تأليف الكلام وترتيبه وبين العالم الخارجي، فأرجعوا الأقسام الثلاثة للكلام إلى اسم وفعل وحرف، إلى نظرتهم في رؤية العالم، وأنه متألف من جواهر متصفة بصفات، تصدر عنها أفعال معينة أو تقوم بها أفعال معينة، ونسب تربط بين هذه الجواهر مع بعضها البعض، ونسب أخرى تربط بين الجواهر والأعراض القائمة بها، وبين الأعراض بعضها ببعض.
    وهذا هو الأصل الكلام للأسماء الدالة على الذوات، وبعضها مشتقة من ملاحظة الذات حال اتصافه بصفات، أو قيام أعراض بها، ومن أفعال لا يمكن أن تحدث إلا من فاعل، وهذا هو الأصل الذي من أجله يقدر النحويون لكل فعل فاعلا، لاستحالة فعل بلا فاعل، ومن الحروف وهي الروابط بين ما تقدم.
    ومن هذا نشأ ما يسمى بنظرية الوجود الحرفي في مقابل الوجود الحقيقي الخارجي، التي استعان بها لتوضيح بعض النظريات الكلامية أو الفلسفية مثل نظرية وحدة الوجود أو المثالية الموضوعية المطلقة.


    ولن يتسع المقام لتوضيح جميع جوانب تعلق واعتماد سائر العلوم الأخرى على علم الكلام وأخذها منها، واستفادتها.

    ونجمل الكلام إجمالا في بيان أثر علم الكلام في علوم ومعارف أخرى فنقول: يعد تفسير القرآن الكريم وجانب من علم الحديث خصوصا ما يتعلق بتحليل الأحاديث وشرحها جزءا من علم الكلام، فكما يعتمد الكلام على القرآن يفيد في تفسيره، وهكذا هي العلاقة التبادلية بين علم الكلام وبين سائر العلوم الأخرىكعلم الأخلاق، فعلم الكلام هو السعي الممنهج لتفسير القضايا المطروحة في النصوص الدينية. ولا شك أن النصوص الدينية هي القرآن والسنة.
    وأما الأخلاق والفقه، فهما من هما علمان يهتمان بما يجب وما لا يجب فعله باطنيا وظاهريا من وجهة نظر الدين، فيمكن القول إن علم الكلام يحتاجهما وهما يحتاجان إلى علم الكلام، ولا شك أن الفقه في العلوم الإسلامية هو البديل عن الكثير من العلوم المعروفة عند غيرنا من الأمم الأخرى بأساء أخرى، كالأخلاق، والسياسة، وتدبير المنزل، والعلاقات الدولية، فكل هذه المباحث وغيرها هي أجزاء أو مباحث لعلم الفقه بالتعريف الإسلامي. وقد عرفنا العلاقة بين الفقه والكلام. [/ALIGN]


    يتبع ....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    بعض المسائل [ALIGN=JUSTIFY]المبحوثة في علم الكلام ولا تبحث في غيره من العلوم

    بالإضافة إلى المسائل السابقة التي أشرنا إليها مما يبحثها علم الكلام وتستفيد منها العلوم الأخرى، فإن هناك مسائل لا تبحث في علم غير علم الكلام، ولا يشك عاقل في أهمية هذه لمباحث في ذاتها.
    ومن ذلك
    أولا: وجود الله تعالى وتوحيده، ومعرفة صفاته وما يترتب على ذلك من نتائج عملية عديدة لا تخفى.
    ثانيا: مناقشة الأفكار والفلسفات الأخرى المخالفلة للدين الإسلامي، وهذه تنقسم إلى قسمين، معرفة مجادلة الأديان السماوية الأخرى، وتسميتها بالسماوية إنما هو باعتبار أصلها ومصدرها، لا باعتبار ما هي عليه الآن. والقسم الثاني معرفة مناقشة الأفكار والفلسفات الأخرى المستنبطة والمخترعة من قبل الإنسان. كالفلسفات العلمانية والمادية والوضعية بأنواعها المختلفة. فلا يوجد علم يليق أن تبحث فيه مثل هذه المباحث إلا علم الكلام.
    وههنا تظهر خطورة البحث في التقريب بين الأديان، فإذا كان التقريب مشروطا باعتبار الدين الإسلامي في نفس المنزلة بالنسبة للأديان الأخرى، فهناك محظور، وإلا فمع اعتبار أولوية الإسلام وأحقيته، فلا مانع من بناء التعاون والتقريب على النهج الذي نذكره لاحقا. وهذا الأمر لا بد من ملاحظته والتشديد عليه عند الكلام على مسألة التقريب بين الأديان.
    ثالثا: ولا ريب أن علم الكلام هو العلم اللائق ببحث النزاعات بين الفرق الإسلامية ومحاولة معرفة المصيب منها من المخطئ، أو الأكثر صوابا من غيره. والجدال بين المسلمين في أمور الدين مطلوب شرعا، خلافا لما يعتقده البعض من كونه محرما، وذلك أن الخلاف لا ريب واقع، وإزالة الخلاف واجبة بقدر الطاقة البشرية، ولا يمكن إزالة الخلاف أو محاولة ذلك إلا بالكلام والجدال بالتي هي أحسن. فالكلام في أمور الدين الأصلية، التي تسمى في عرفنا عقائدية، لا شك مطلوب.
    وإهمال الخلافات أو محاولة تناسيها والتغافل عنها لا يمكن أن يكون بديلا عن محاول الوصول إلى الأقرب إلى الحق أو إلى الصواب منها. فعدم إمكانية الوصول إلى الاتفاق الشامل بين جميع المسلمين، لا يجوز أن يستلزم التغافل عن وجود الخلاف.
    والأصول الكلامية تدل على أن الخلاف لا ريب حاصل، وقد تقرر في الدين الحنيف أن التعاون بين المسلمين لا بد واجب. فهاتان مقدمتان بديهيتان
    الأولى وجود الخلاف واستمراره.
    والثانية وجوب التعاون والتكامل بين المسلمين.
    فإذا قلنا بأن التعاون لا يمكن حصوله إلا بالاتفاق التام بين سائر المسلمين على كل شيء في العقائد أصليها وفرعيها، فهذا يستلزم استحالة وجود التعاون. وهو باطل.
    وإذا قلنا بما أن التعاون واجب، وهو مشروط بالاتفاق، فيجب علينا تناسي الخلاف ومحاولة التغافل عنه. فهذا لا ريب غير صحيح، لأن فيه إهمال الموجود وإغفال ما لا يمكن التغافل عنه، فكل فرقة تزعم أنها مالصيبة المحقة، فكيف يطلب منها التغافل عما تدعي أنها أصابت فيه.
    فهذه هي الإشكالية في ضمن هذا الوجه من النظر.
    والتحقيق الكلام المبني على الأصول الكلامية ، يقتضي الجميع بنوع من النظر يجمع بين هاتين المقدمتين، فواحدة منهما مأخوذة من الحس والمشاهدة ، وهي من وسائل المعرفة، والأخرى مأخوذة من القطعيات الدينية. فإهمال واحدة منهما أو التغافل عنها، لا يصح.
    فيترتب على ذلك وجوب العمل على التعاون في حال ملاحظة الخلاف، ووجوب بناء كلام عملي للتعاون يلاحظة فيه هذان الوجهان والحقيقتان. فيجب بناء التعاون مع ملاحظة الخلاف.
    فإما أن يبنى على المختلف فيه، أو على المتفق عليه، ولا شك أن البناء لا يكون إلا على المتفق فيه. وبالتالي ينبني العمل الواجب تحصيله على القدر الذي حصل عليه الاتافق بين المسلمين مع عدم إهمال خصوصية واحدة من الفرق الإسلامية واستمرار الجدال بينهم بالتي هي أحس.

    رابعا: قد ينظر البعض إلى وجود الخلافات بين المسلمين على أنها خطر داهم، ويجب نفي الخلافات مطلقا، وأنها ضرر يؤدي بالأمة إلى مهلكتها. ولكننا نقول من جهة أخرى، إن وجود الخلافات المعتبرة بين الفرق الكبرى، مع كونه من جهة يترتب عليه بعض المفاسد إلا إنه يترتب عليه كثير من المصالح الأخرى، أهما دوام النظر وإدامة التحقيق والبحث في تلك الأصول. ويترتب عليها وجود التنافس في الرد على الخصوم الخارجين على الدين كل من وجهة نظر، فكما قال الإمام الغزالي عندما ناقش الفلاسفة، إنني لا أخاطبكم بلسان الأشاعرة فقط، بل بلسان سائر الفرق الإسلامية، فكلها تجتمع عليكم.
    الحاجة إلى التجديد في علم الكلام:
    لقد تكلم العديد من العلماء في هذا الزمان في ضرورة التجديد في علم الكلام على نحوين
    الأول: التجديد في مناهجه، وإضافة ما يمكن إضافته، وإن كان هذا المجال في نظري محدودا بملاحظة ما قدمه إلينا علماؤنا الأوائل.
    الثاني: التجديد بإضافة مسائل جديدة فيه تشتد الحاجة إلى معالجتها وتقديم الحلول المناسبة لها، ولا يوجد علم لائق بمناقشتها أكثر من علم الكلام بملاحظة تعريفه السابق.
    ومن هذه المسائل:
    مسألة الحرية والإسلام. على مستوى الأفعال وعلى مستوى التفكير.
    مسألة الإسلام والعدال، والبحث في مفهو مالعدالة.
    مسألة حقوق الإنسان والعلاقة بين الدين والحقوق الطبيعية للإنسان، ومن أين يعتبر الشيء حقا للإنسان وبأي مفهوم يعتبر حقا له.
    القضايا المتعلقة بالمرأة وهل المطلوب المساواة أو العدالة، وعلى أي شيء تبنى العدالة.
    مناقشة كثير من المباحث الفلسفية والعلمية المعاصرة التي تثير إشكالات لا بد من معرفتها: كنظرية النسبية والزمان والمكان، وهل الماضي موجود الآن، وهل الزمان أزلي والمكان لا حدود له، أم إن الزمان والمكان أمران محدودان.
    ويجب مناقشة مسائل أخرى أيضا نحو علاقة أجزاء العالم بعضها ببعض هل هي علاقة العلية والمعلولية أم هي على نمط آخر يتناسق مع العقيدة وأصول التوحيد.

    ولا يظنن ظانٌّ أن إدخال نحو هذه المسائل غريب عن علم الكلام،أو أنه تحريف وإضافة لم يكن القدماء متنبهين إليها، لأننا نقول إن هذا من نفس منهج علم الكلام، ولذلك فقد أدخل علماؤنا المتقدمون مسائل كالمسح على الخفين والإمامة مع أنهما من المسائل الفرعية، ملاحظين في ذلك جانبها الاعتقادي.
    وقد جرت عدة خطوات في هذا العصر للتجديد في علم الكلام نذكر منها ما كتبه محمد إقبال، ووحيد الدين خان، في كتابه الإسلام يتحدى، والشيخ العلامة مصطفى صبري، الذي أعتبر كتابه (موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين) من أعظم ما ألف في هذا العصر، ومن الكتب المغبونة التي لم تأخذ حقا من الدراسة والبحث. وكذلك ما قدمه العلامة محمد باقر الصدر من بحوث لطيفة ودقيقة. ومنها ما ألفه العلامة الطباطبائي، وهما من الشيعة. [/ALIGN]


    [ALIGN=CENTER]كتبت هذا البحث في ثلاث ساعات أو يزيد قليلا
    والحمد لله رب العالمين
    سعيد فودة[/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4
    سعدنا بعودتك شيخنا المحترم سعيد وقد تدخلت في وقتك ..

    مارأيك يا شيخ في ما يدّعيه من يسمي نفسه أمير المعتزله يقول هذا المدّعي ما نصّه :
    (( الأشاعرة ـ كجماعة ـ يعتبرون من أهل علم الكلام ، من حيث بدايتهم ، وهو العلم الذي أخذوه عن المعتزلة تأكيدا ، فالحذار من الظن بأنهم أصلاء في علم الكلام ، فالمعتزلة هم منشئو علم الكلام إجماعا ، وكل من اشتغل به من غير المعتزلة : ـ كالأشعرية والماتريدية والشيعة الإمامية ـ إنما كانوا عالة على المعتزلة في علم الكلام ، وأذ فقدوا المنبع بعد أن أخرج المعتزلة من الحياة الثقافية للأمة الإسلامية ، أدخل الأشاعرة الفلسفة على الفكر الإسلامي . ليكون في أخراهم وضع الأساطير والخرافات كما مر ، والمشكلة أن اصحاب الأغراض من السلفية والأشعرية شددوا اللوم والنكير وزعموا أن المعتزلة هي التي فتحت الباب واسعا لثقافة يونان ؛ لتدخل في بنية الفكر الإسلامي ، وهذا قول باطل اثبت ذلك البحث العلمي . ...)) إنتهى تخريف المعتزلي

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
    ما تعليقك سيدي ...؟؟؟
    اللهم صلّ على سيّدنا محمد عدد ماذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون

  5. #5
    [ALIGN=JUSTIFY]أمين نايف ذياب؟
    ليس معتزليا....! خاصة بعد أن قال بنفي علم الله تعالى بأفعال العباد إلا حال وجودها.....وإن كنت أنفي عنه أنه معتزلي منذ أكثر من خمسة عشر عاما.
    خلطه بين الفلاسفة والمتكلمين وعدم قدرته على التمييز بين المذاهب، ولا بين الآراء التي ينتج من الافتراق عليها مذاهب، وغيرها.... عبارة عن حالة وجودية لا بد من الاعتراف بها... وإن كان لا يزال يقاوم ذلك الاعتراف لعناده...
    أكثر ما يميزه هو حماسته في الدفاع عما يقوله، لا عما يفهمه ويعلمه. واستمراره في محاولة إقناع الآخرين بما يؤمن به، ولو كان مجرد ادعاءات وتوهمات محضة.
    أما ما سوى ذلك فهذه الصورة التي ترونها من التمزق هنا وهناك في المسائل، ومن عدم فهم ما يقال له، ومن عدم القدرة على الاستمرار في تحقيق مسألة واحدة بحسب قواعد البحث، ومن الادعاءات الضخمة التي لا يقدر أن يدعيها القاضي عبدالجبار لو كان موجودا، ... الى آخر ذلك مما تقرؤون، هذه هي صورة أمين نايف ذياب التي لن يستطيع الارتقاء قيد أنملة عنها، فهو اختار هذه الحالة الوجودية الخاصة به، وهو أقنع نفسه بأنها هي وحدها الوحيدة على إنهاض الأمة، نعم هو يعتقد أنه بهذه الأفكار والأساليب التي يتخذها ينهض الأمة كلها.... وأقول له: هيهات. ... وهذه الصورة لأمين نايف ذياب صاحبته في كل أطواره التي سأبينها.
    أما ادعاءاته، فكانت منذ عدة سنوات خاصة بعد أن تخلى عن أفكار حزب التحرير في ، وكان يعرف بنفسه في الندوات بأنه المعتزلي أصولا التحريري فروعا، وأنه أمير المعتزلة في الأردن!!!
    ثم ترقى به الحال بعد ذلك ببضع سنوات ولم يعد يلتفت إلى أفكار حزب التحرير لا الأصول منها ولا الفروع.
    ثم تطور كصاحبه -الذي كان يدعي أنه أشعري، ثم صار يقول بمذهب ملفق من الشيعة والإباضية والمعتزلة وشيئا من عند نفسه-، أقول ثم تطور أمين نايف ذياب إلى أن أصبح يقول ببعض أقوال القدرية المنسوبة إلى معبد الجهني كنفي علم الله تعالى بأفعال العباد قبل وجودها، مدعيا أن هذا هو السبيل الوحيد لكون الإنسان حرا، وخالقا على زعمه، ومدعيا بكل جرأة!!! أن هذا هو السبيل الوحيد للنهضة بالأمة.
    نعم هذا هو الطور الأخير الذي وصل إليه أمين نايف ذياب الذي يزعم أنه أمير المعتزلة، وهو بقوله هذا خرج أن أصل كلام المعتزلة، ولا أعرف إلى أي طور بعد ذلك سيصير......
    صار نفي كون الله تعالى عالما بأفعال العباد عند أمين نايف هو الشرط في رفعة الأمة.......؟؟؟!!! أنا أعلم أن هذا القول يعد مهزلة عند العقلاء، ولكن بعض الناس يقولون به.
    وقد عرفت أن أمين نايف ذياب سيقول بهذا القول قبل أن يصرح به بعدة سنوات، وذكرت هذا في كتابي في الرد عليه الذي ألفته قبل حوالي خمسة عشر عاما، وهو المسمى بالانتصار. وقد اعترض عليَّ بعض الإخوة حينذاك قائلين: كيف تنسب إليه قولا بهذه البشاعة-نفي علم الله تعالى بأفعال العباد إلا حال وجودها- وهو لم يصرح به. فقلت لهم أنذاك: إن كان لم يصرح به الآن فسوف يصرح به قريبا، ونسبة الأقوال لا تتوقف على التصريح بها، بل على اللزوم البين، وهذا اللزوم بين عندي وإن لم يكن بينا عندكم. ثم عادوا بعد أن رأوا مقالته بعدة سنوات التي يصرح بها بما نسبته إليه، واعترفوا أنني كنت مصيبا في موقفي، وقالوا لي: نعم نحن كنا قد دافعنا عنه آنذاك، ولكنه الآن فضَحَنا......
    والمهم الآن أن أمين نايف ذياب لم يعد يستطيع أن يتجاهل أهمية الأشاعرة، حتى أجبر تحت ضغط الأمر الواقع على الإتيان إليهم إلى منتداهم بعد أن أفحموه وأظهروا جهله وعدم قدرته على إثبات قوله، وذلك بعد عدة مناظرات أجريت في بيته من قبل بعض إخوتنا الذين درسوا عندنا وهم في العمر كأحفاد أمين نايف ذياب، وهم أساتذة الآن يعلمون في بعض الجامعات.

    ترى هل يحاول الآن أمين نايف أن يسترد بعض وهمه الذي كان له حيث كان يظن نفسه مُنَظِّرًا عالميا، ولا يظن أحدا قادرا على إفحامه، نعم إفحامه، حتى اعترف بلسانه أنه غير قادر على إكمال المناظرة، وذلك في رمضان المبارك.....؟!
    على كل حال فأنا الآن لا أرى مما يقوله ما يستحق أن يجرد له القلم. وسوف أتركه إلى حين حتى يأخذ وقته في طرح المسائل التي يراها مهمة، وبعد ذلك قد يكون لنا معه كلام.
    وقد نترك بعض الإخوة من أصحابنا أن يفعل ذلك.
    لا بأس أيها الإخوة أن تقرأوا كلامه، فإن هذا سيكون تمرينا عمليا لكم لإظهار تهافته من أقواله.
    والأشاعرة موجودون ولا يزالون، وآثارهم ونتاجهم الفكري في مختلف القرون حتى الآن لم ينقطع كالمعتزلة، وهذا وحده دالٌّ على بطلان ما يدعيه.[/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,542

    .

    بورك فيك يا سيدي ، ولا أرى ضرورة لكلامكم ومنقاشتكم له ولو بعد حين ، فما زرعته في طلابكم تحصدونه ، ونحن نفي بالغرض عنكم ، ولا أظنه للآن صمد أمام أحد تلاميذكم ، ولن .
    ودمتم بخير وصحة وعافية .
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  7. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة
    [ALIGN=JUSTIFY]تكون العلوم وظهورها: [/ALIGN]
    [COLOR=blue][SIZE=5][ALIGN=JUSTIFY]لقد نصَّ العديد من العلماء على أن علم الكلام من مبادئ أصول الفقه، وأن كثيرا من القواعد التي يبني عليها أصول الفقه أحكامه وقضاياه مستمد أصلا من علم الكلام.
    وسنذكر هنا بعض الجهات التي يظهر بها تأثير علم الكلام في أصول الفقه.
    1- لا شك أن إثبات الأحكام الفرعية فرع ثبوت الباري ، وإثبات الله تعالى من أهم مسائل علم الكلام.
    2- الأحكام الفرعية لا يمكن أن نعتقد بصحتها ما لم نثبت إمكانية إرسال الرسل، بل ووقوع الرسالة، لأنه مع عدم الإيمان بالرسالة كيف نؤمن بالأحكام الفقهية.
    3- هناك بعض الأصول الكلامية التي ينبني عليها العديد من القواعد الأصولية، ومن أمثلة ذلك، وتتفرع عليها المذاهب الأصولية أيضا
    أ‌- قاعدة التحسين والتقبيح العقليين: وحاصل هذه القاعدة، أن الأحكام هل لها ثبوت في نفس الأمر، فيكون العقل والشرع مظهرين ومبينين فقط للأحكام، أم إن ثبوت الأحكام إنما هو بإثبات الله تعالى لها، وبناءً على ذلك يكون الحاكم هو الله تعالى وحده، ويكون الشرع مهرا لحكم الله تعالى، وأما العقل فلا دور له في الإثبات أصلا، وإنما هو مظهر لهذه الأحكام بالاعتماد على مسلمات شرعية هي المعبرة عن كلام الله تعالى. فلا ثبوت للأحكام قبل فرض إرادة الفاعل المختار. قال بالمذهب الأول المعتزلة وقال بالثاني أهل السنة. وكثير من مباحث الاجتهاد تعتمد على هذا المبحث المهم.
    ب‌- إفادة القطع عن طريق العادة، المعتمدة أصلا على نوع من الاستقراء، التي اشتهر القول بها عند الأشاعرة، وإن قال بها غيرهم من المعتزلة، ولكن الاعتناء التام بها لم يتجلَّ إلا عند الأشاعرة. وقد أقام بعض المعاصرين بحوثا دقيقة مبنية على هذا المفهوم،كما فعل العلامة محمد باقر الصدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء، واستنبط نظرية خاصة للمعرفة، وأسماه المذهب الذاتي للمعرفة. وقد أقام الأصوليون على هذه القاعدة أدلة كبيرة، مثل إفادة التواتر للعلم، وكون الإجماع حجة، وإمكان لإفادة خبر الآحاد للعلم.
    ت‌- العادة ليست حاكما، بل هي ظرف لتعلق الحكم، فلو كانت العادة الحاكم لصار إنشاء الحكم منها، وهذا يتعارض مع ما قلناه من أن الحاكم إنما هو الله تعالى. فالعادة بعبارة أخرى إنما هي أحد المصاديق المحتملة ولكن الشائعة للمفهوم من الحكم الشرعي، فتعليق الحكم الشرعي بما اعتاده الناس، لا يقتضي تقييد الحكم بها، وقصره عليها.
    ث‌- ولقوة مدخلية علم الكلام في أصول الفقه صار هناك اتجاهان رئيسيان للتأليف في علم الأصول، الاتجاه الأول يسمى بطريقة المتكلمين، وهو الاتجاه الذي ساد في أكثر العصور الإسلامية التي كانت نشطة ومنتجة في هذا العلم الجليل، والاتجاه الثاني سماه البعض بطريقة الفقهاء، وإن كان عندي ملاحظات على أصل هذه التسمية وتلك وحقيقة الفرق بين الطريقتين.


    يتبع ....

    الأخ الأستاذ سعيد فوده وفقه الله

    هل يمكن أن تستغني عن علم الكلام في اصول الفقه اي هل يمكن ان ندرس هذا العلم بعيدا عن علم الكلام .

    مع اني لاحظت من خلال كلامك و النقاط الكثيرة أن علم الكلام يدخل في تقرير الحقائق الإعتقادية أي هو يدخل في تقرير العقائد اكثر من دخوله في علم اصول الفقه أرجوا أن اسمع رايك في هذه المسأله موضحا لي الأمر .

    السؤال الثاني : اخي الشيخ سعيد المعتزله استخدمت علم كلام و كذلك علمائنا الأشاعرة و كذلك الماتردية و لكن السؤال إذا كان علم الكلام هو لتقيلار الحقائق و اثبات العقيدة و الدفاع عنها بالحجج العقلية لماذا حصل خلاف بين هذه الفرق مع أن آلة التفكير هي واحده بينهم و هي علم الكلام أرجوا أن توضح لي هذه النقطه و بارك الله فيكم و بجدهكم .
    اخوكم الصغير

  8. وإن كان عندي ملاحظات على أصل هذه التسمية وتلك وحقيقة الفرق بين الطريقتين.

    هل وضعت لنا رأيك اخي سعيد في الموضوع و ما هي أبرز ملاحظاتك أخي

  9. جازاك الله خيرا اخي على الموضوع. وجعله في ميزان حسناتك .

  10. نفعنا الله بكم سيدي سعيد ؟؟
    كنت البارحة في قسم الفلسفة في الجامعة
    واقتحت على النادي العلمي بالجامعة
    أن يدعوكم في ملتقى دولي حول العلمانية
    وقد أبدو قبولا وأيدو ا الفكرة
    نرجو ان يتحقق ذلك العام القادم إن شاء الله ؟؟؟؟؟؟

  11. بسم الله واصلي واسلم على رسول الله الحق اني لي حاجة الى معلومات قبل الشروع بكتابة رسالتي لنيل الماجستير والتي وضعت عنوانها -الفكرالكلامي في القرنين الثاني عشر والثالث عشرالهجرى دراسة مقاصدية- وانا الان بصددحصرابرزعلماءالمسلمين في هذين القرنين في هذا العلم الشريف على اختلاف جنسياتهم لاسيما اولئك الذين فتح الله عليهم واثروا الساحة الاسلامية بفكرهم .افيدونا افادكم الله وفتح عليكم في الدنيا والاخرة ,

  12. الحمد لله

    جزاك الله خير الجزاء في سعيكم لتنمية فكر الاسلامي فى عالم المعاصرة
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سعيد فودة مشاهدة المشاركة
    بعض المسائل [ALIGN=JUSTIFY]المبحوثة في علم الكلام ولا تبحث في غيره من العلوم


    بالإضافة إلى المسائل السابقة التي أشرنا إليها مما يبحثها علم الكلام وتستفيد منها العلوم الأخرى، فإن هناك مسائل لا تبحث في علم غير علم الكلام، ولا يشك عاقل في أهمية هذه لمباحث في ذاتها.
    ومن ذلك
    أولا: وجود الله تعالى وتوحيده، ومعرفة صفاته وما يترتب على ذلك من نتائج عملية عديدة لا تخفى.
    ثانيا: مناقشة الأفكار والفلسفات الأخرى المخالفلة للدين الإسلامي، وهذه تنقسم إلى قسمين، معرفة مجادلة الأديان السماوية الأخرى، وتسميتها بالسماوية إنما هو باعتبار أصلها ومصدرها، لا باعتبار ما هي عليه الآن. والقسم الثاني معرفة مناقشة الأفكار والفلسفات الأخرى المستنبطة والمخترعة من قبل الإنسان. كالفلسفات العلمانية والمادية والوضعية بأنواعها المختلفة. فلا يوجد علم يليق أن تبحث فيه مثل هذه المباحث إلا علم الكلام.
    وههنا تظهر خطورة البحث في التقريب بين الأديان، فإذا كان التقريب مشروطا باعتبار الدين الإسلامي في نفس المنزلة بالنسبة للأديان الأخرى، فهناك محظور، وإلا فمع اعتبار أولوية الإسلام وأحقيته، فلا مانع من بناء التعاون والتقريب على النهج الذي نذكره لاحقا. وهذا الأمر لا بد من ملاحظته والتشديد عليه عند الكلام على مسألة التقريب بين الأديان.
    ثالثا: ولا ريب أن علم الكلام هو العلم اللائق ببحث النزاعات بين الفرق الإسلامية ومحاولة معرفة المصيب منها من المخطئ، أو الأكثر صوابا من غيره. والجدال بين المسلمين في أمور الدين مطلوب شرعا، خلافا لما يعتقده البعض من كونه محرما، وذلك أن الخلاف لا ريب واقع، وإزالة الخلاف واجبة بقدر الطاقة البشرية، ولا يمكن إزالة الخلاف أو محاولة ذلك إلا بالكلام والجدال بالتي هي أحسن. فالكلام في أمور الدين الأصلية، التي تسمى في عرفنا عقائدية، لا شك مطلوب.
    وإهمال الخلافات أو محاولة تناسيها والتغافل عنها لا يمكن أن يكون بديلا عن محاول الوصول إلى الأقرب إلى الحق أو إلى الصواب منها. فعدم إمكانية الوصول إلى الاتفاق الشامل بين جميع المسلمين، لا يجوز أن يستلزم التغافل عن وجود الخلاف.
    والأصول الكلامية تدل على أن الخلاف لا ريب حاصل، وقد تقرر في الدين الحنيف أن التعاون بين المسلمين لا بد واجب. فهاتان مقدمتان بديهيتان
    الأولى وجود الخلاف واستمراره.
    والثانية وجوب التعاون والتكامل بين المسلمين.
    فإذا قلنا بأن التعاون لا يمكن حصوله إلا بالاتفاق التام بين سائر المسلمين على كل شيء في العقائد أصليها وفرعيها، فهذا يستلزم استحالة وجود التعاون. وهو باطل.
    وإذا قلنا بما أن التعاون واجب، وهو مشروط بالاتفاق، فيجب علينا تناسي الخلاف ومحاولة التغافل عنه. فهذا لا ريب غير صحيح، لأن فيه إهمال الموجود وإغفال ما لا يمكن التغافل عنه، فكل فرقة تزعم أنها مالصيبة المحقة، فكيف يطلب منها التغافل عما تدعي أنها أصابت فيه.
    فهذه هي الإشكالية في ضمن هذا الوجه من النظر.
    والتحقيق الكلام المبني على الأصول الكلامية ، يقتضي الجميع بنوع من النظر يجمع بين هاتين المقدمتين، فواحدة منهما مأخوذة من الحس والمشاهدة ، وهي من وسائل المعرفة، والأخرى مأخوذة من القطعيات الدينية. فإهمال واحدة منهما أو التغافل عنها، لا يصح.
    فيترتب على ذلك وجوب العمل على التعاون في حال ملاحظة الخلاف، ووجوب بناء كلام عملي للتعاون يلاحظة فيه هذان الوجهان والحقيقتان. فيجب بناء التعاون مع ملاحظة الخلاف.
    فإما أن يبنى على المختلف فيه، أو على المتفق عليه، ولا شك أن البناء لا يكون إلا على المتفق فيه. وبالتالي ينبني العمل الواجب تحصيله على القدر الذي حصل عليه الاتافق بين المسلمين مع عدم إهمال خصوصية واحدة من الفرق الإسلامية واستمرار الجدال بينهم بالتي هي أحس.

    رابعا: قد ينظر البعض إلى وجود الخلافات بين المسلمين على أنها خطر داهم، ويجب نفي الخلافات مطلقا، وأنها ضرر يؤدي بالأمة إلى مهلكتها. ولكننا نقول من جهة أخرى، إن وجود الخلافات المعتبرة بين الفرق الكبرى، مع كونه من جهة يترتب عليه بعض المفاسد إلا إنه يترتب عليه كثير من المصالح الأخرى، أهما دوام النظر وإدامة التحقيق والبحث في تلك الأصول. ويترتب عليها وجود التنافس في الرد على الخصوم الخارجين على الدين كل من وجهة نظر، فكما قال الإمام الغزالي عندما ناقش الفلاسفة، إنني لا أخاطبكم بلسان الأشاعرة فقط، بل بلسان سائر الفرق الإسلامية، فكلها تجتمع عليكم.
    الحاجة إلى التجديد في علم الكلام:
    لقد تكلم العديد من العلماء في هذا الزمان في ضرورة التجديد في علم الكلام على نحوين
    الأول: التجديد في مناهجه، وإضافة ما يمكن إضافته، وإن كان هذا المجال في نظري محدودا بملاحظة ما قدمه إلينا علماؤنا الأوائل.
    الثاني: التجديد بإضافة مسائل جديدة فيه تشتد الحاجة إلى معالجتها وتقديم الحلول المناسبة لها، ولا يوجد علم لائق بمناقشتها أكثر من علم الكلام بملاحظة تعريفه السابق.
    ومن هذه المسائل:
    مسألة الحرية والإسلام. على مستوى الأفعال وعلى مستوى التفكير.
    مسألة الإسلام والعدال، والبحث في مفهو مالعدالة.
    مسألة حقوق الإنسان والعلاقة بين الدين والحقوق الطبيعية للإنسان، ومن أين يعتبر الشيء حقا للإنسان وبأي مفهوم يعتبر حقا له.
    القضايا المتعلقة بالمرأة وهل المطلوب المساواة أو العدالة، وعلى أي شيء تبنى العدالة.
    مناقشة كثير من المباحث الفلسفية والعلمية المعاصرة التي تثير إشكالات لا بد من معرفتها: كنظرية النسبية والزمان والمكان، وهل الماضي موجود الآن، وهل الزمان أزلي والمكان لا حدود له، أم إن الزمان والمكان أمران محدودان.
    ويجب مناقشة مسائل أخرى أيضا نحو علاقة أجزاء العالم بعضها ببعض هل هي علاقة العلية والمعلولية أم هي على نمط آخر يتناسق مع العقيدة وأصول التوحيد.

    ولا يظنن ظانٌّ أن إدخال نحو هذه المسائل غريب عن علم الكلام،أو أنه تحريف وإضافة لم يكن القدماء متنبهين إليها، لأننا نقول إن هذا من نفس منهج علم الكلام، ولذلك فقد أدخل علماؤنا المتقدمون مسائل كالمسح على الخفين والإمامة مع أنهما من المسائل الفرعية، ملاحظين في ذلك جانبها الاعتقادي.
    وقد جرت عدة خطوات في هذا العصر للتجديد في علم الكلام نذكر منها ما كتبه محمد إقبال، ووحيد الدين خان، في كتابه الإسلام يتحدى، والشيخ العلامة مصطفى صبري، الذي أعتبر كتابه (موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين) من أعظم ما ألف في هذا العصر، ومن الكتب المغبونة التي لم تأخذ حقا من الدراسة والبحث. وكذلك ما قدمه العلامة محمد باقر الصدر من بحوث لطيفة ودقيقة. ومنها ما ألفه العلامة الطباطبائي، وهما من الشيعة. [/ALIGN]


    [ALIGN=CENTER]كتبت هذا البحث في ثلاث ساعات أو يزيد قليلا
    والحمد لله رب العالمين
    سعيد فودة[/ALIGN]

  13. #13
    جزاك الله خيرا مولانا الجليل

  14. #14
    جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل على ما بينت و أوضحت
    و أعلم أن للشيخ الفاضل محاضرات تدور حول أهمية علم الكلام
    سؤالي هل للشيخ كتاب مطبوع يحمل المضامين العلمية نفسها، و اذا كانت الاجابة بنعم ، ما اسمه؟ و أين طبع؟
    مع احترامي للجميع
    طلبُ الجنـة بلا عمـل ذنـب من الذنـوب، و انتـظار الشـفاعة بـلا سـبب نـوع من الغرور، و رجـاءُ رحمـة من لا يطـاع حـمق و غرور

  15. #15
    بارك الله فيك

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •