صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 18

الموضوع: كتاب الامام الشافعي ومدرسته الفقهية(الحلقة الاولى)

  1. كتاب الامام الشافعي ومدرسته الفقهية(الحلقة الاولى)

    [ALIGN=JUSTIFY]الإمام الشافعي
    و مدرسته الفقهية

    تأليف
    الأستاذ الدكتور / علي جمعة
    أستاذ أصول الفقه - جامعة ‌الزهر
    الحلقة الاولى
    بسمر الله الرحمن الرحيم
    تمهيد
    الإمام الشافعي و مدرسته الفقهية
    هذه كلمات كاشفة تترجم للإمام الشافعي و تعرف بمدرسته الفقهية وكيف وصلت إلينا ، تلقى الضوء على مجتهد من المجتهدين العظام ،ؤ الذين كان لهم أكبر الأثر في مسيرة‌ الفقه الإسلامي بعامة ، و الفكر القانوني بخاصة ، حتى أصبح الإمام الشافعي و مدرسته علامة فارقة في تاريخ الفكر و تاريخ العمل معاً ، كان رضى الله عنه آية من آيات الله في كونه ليس على الله بمستغرب أن يجمع العالم في واحد ، فرضى الله عن الإمام و جعله نبراساً يحتذي ، و إماماً يقتدي به و مثالاً صالحاً لطلبة العلم في سعيهم لتحصيله لنفع الناس و إقامة و توضيح الحجة ، و عسى الله أن ينفع بهذه الورقات كثيراً من خلقه .
    ولقد قسمت الكتاب إلى بابين ، الأول في ترجمة الثاني في مدرسته كما سنرى .
    و الحمد لله رب العالمين .
    أ.د . علي جمعة
    أستاذ أصول الفقه جامعة الأزهر
    الباب الأول
    الإمام الشافعي
    1- اسمه و نسبه و أسرته :
    هو : أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف .
    فهو هاشمي مطلبي ، ابن عم رسول الله ( ص ) ، و أما أمه فالمشهور أنها كانت من قبيلة الأزد ،و كنيتها : أم حبيبة .
    و قيل : أمه هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن الحسن به على ابن أبي طالب .
    وقد تزوج الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بالسيدة : حميدة‌ بنت نافع بن عيينة‌ بن عمرو بن عثمان بن عفان ، و ذلك بعد وفاة الإمام مالك سنة 1479ه و عمر الشافعي آنذاك تسع و عشرون سنة ، كما أنه كانت له سرية‌ من الإماء‌. ورزق من امرأته العثمانية : أبو عثمان محمد ، و هو الأكبر ،و كان قاضياً بمدينة‌ حلب . و ابنتان :‌قاطمة و زينب . كما زرق من سريته بابن آخر يقال له الحسن ، مات و هو طفل .
    2- ميلاده و نشأته :
    2-1- مولده :
    ولد - رحمه الله - سنة ‌خمسين و مائة ،و هي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة‌- رحمه الله تعالى - . وقد ولد - رحمه الله - بعسقلان و هي من قرى غزة ، فنشأ في إحدى قبائل اليمن المقيمة بفلسطين ، ثم سافرت به أمه إلى مكة . و كان منزله بمكة بقرب ( شعب الخيف ) .
    2-2-دور والدته :
    يحكى الإمام الشافعي أن والدته8 خافت عليه في اليمن أن يخمل ذكره ، و يضيع نسبه ، و لا ينشأ على ما ينشأ عليه ضرباؤه من قبيلته قريش ، فقالت له : الحق بأهلك فتكون مثلهم فإني أخاف أن تغلب على نسبك . فقدم مكة وعنده قريباً من عشر سنين أ . هـ . وقد نشأ يتيماً فقيراً في حجر والدته ، حتى أنها لم يكن معها ما تعطى المعلم .
    3- عصر الشافعي :
    3-1-الحالة السياسية و الاجتماعية :
    ولد الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في أواخر عهد أبى جعفر المنصور العباسي ، و توفي في أوائل عهد المأمون ،م وقد شهد العصر الذي عاشه الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - استقراراً سياسياً .
    و الجدير بالذكر أن العباسيين هم سلالة العباس بن عبد المطلب عم النبي ( ص ) و قد اشتهرت الدولة ‌العباسية من بين الدول التي عرفها التاريخ الإسلامي بأنها أطول عمراً ، حيث استمرت من ـ 132هـ / 750م ) إلى ( 656هـ / 1258م ) .
    و يعد أبو جعفر المنصور هو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية نظراً للجهود الضخمة التي بذلها لاستقرار الدولة‌،و قد تولى الخلافة سنة ( 136هـ/754م ) بعد أخيه أبى العباس السفاح و الذي يعتبر أول خليفة عباسي . وقد قام المنصور بتأسيس مدينة بغداد و التي أصبحت العاصمة السياسية للدولة ، كما أصبحت أحد المراكز العلمية الرئيسية في البلاد الإسلامية .
    وقد اتجهت الخلافة العباسية منذ قيامها نحنو الشرق ، و أخذت الكثير من الحضارات الشرقية ، و خاصة الفرس ، فأصبحت الدولة العباسية تدار مؤسساتها بنفس الطريقة التي كانت تدار بها المؤسسات الفارسية . و كانت الأحوال الداخلية ‌في هذا العصر تنعم بالاستقرار ،كما كانت للدولة الإسلامية في هذا الوقت من القوة ما جعلها مهابة الجانب . لا تتعرض للغزو أو الاعتداء الخارجي .
    ومن أهم المنجزات التي قام بها الخلفاء العباسيون خاصة إبان قوة الدولة العباسية ،و التي امتدت إلى سنة ( 232هـ / 847م ) :
    1- تأكيد شرعية الخلافة العباسية ، و القضاء على المحاولات التي استهدفت النيل من تلك الخلافة ،مما أدى الاستقرار السياسي والاجتماعي و الاقتصادي .
    2- إقامة حكم إسلامي توافرت فيه المساواة ‌بين جميع شعوب الدولة ‌الإسلامية‌ بخلاف الدولة ‌الأموية التي كانت تميز العرب على غير هم من الشعوب .
    3- رعاية الدولة العباسية للحضارة الإسلامية العربية رعاية واسعة ،و إتاحة كافة الفرص أمام النمو الحضاري .
    أما بالنسبة للسياسة الخارجية في هذا العصر فمن الملاحظ تقلص الفتوحات ،‌و إن كان تأمين حدود الدولة ‌الإسلامية ‌ضد الدولة ‌البيزنطية قد حاز اهتمام الخلفاء العباسيين،, حيث قاموا بتأمين الثغور ، و إنشاء القلاع ،و سلاسل من الحصون المتصلة .وقد أخذت سياسة الدولة العباسية ضد البيزنطيين شكلاً قوياً و منظماً في عهد الخليفة‌ الرشيد ، حيث كانت الغارات الإسلامية ‌ضدهم تخرج بانتظام وفي أوقات معينة صيفاً و شتاءً ، حتى هدد المسلمون العاصمة القسطنطينية‌،وقد اشتهرت تلك الغارات العباسية باسم ( الصوائف و الشواتى ) .
    و تمتع هذا العصر بالازدهار الاقتصادي و العلمي و الثقافي . و كانت الحركة ‌العلمية في أوج نشاطها ،وقد اتسم هذا العصر بأنه عصر نشأة العلوم الإسلامية ، و بداية‌ التصنيف و التأليف فيها ،م و مثل هذه الفترات تمتاز بالحركة و النشاط الواسع ، و حركات النقد المختلفة ، وانتشار المناظرات العلمية ، و المجالس المختلفة ، و الحوار بين شتى المدارس و الاتجاهات .
    3-2-الحالة العلمية :
    ساعد الاستقرار السياسي و الازدهار الاقتصادي على نشاط الحركة العلمية ، كما كان الخلفاء و تشجيعهم للعلماء وحبهم للثقافة وراء مزيد من النشاط العلمي و الثقافي . ومن الملاحظ أن الخلفاء العباسيين - و خاصة الأوائل منهم - قد امتازوا بالمستوى الثقافي و العلمي الرفيع ، فالمنصور و الرشيد والمأمون كانوا في مصاف العلماء .
    و من أهم مميزات الحركة العلمية في هذا العصر تيسير سبل المعرفة‌ و الثقافة أمام الجميع ، و رعاية طلبة العلم على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ، و أدى هذا إلى ظهور جمهور من العلماء و الأدباء من أبناء العامة و الشعوب التي أسلمت حديثاً .
    ومن مظاهر الحياة العلمية في العصر العباسي : رواج حركة الترجمة من الحضارات القديمة ، وقد كانت الحضارة الإسلامية في هذا العصر من القوة التي استطاعت معها أن تهضم و تنقح وتعيد صياغة كل ما نقل إليها و صبغه بصبغتها الخاصة ، مما ساعد في مزيد من القوة و النضوج للحضارة الإسلامية . وقد أسهمت عروبة الخلفاء العباسيين في جعل اللغة العربية هي لغة الحضارة الناشئة وسياجها الحامي لها.
    وقد كان هذا العصر - نتيجة لما تمتع به من قوة ‌سياسية واستقرار شامل وحرية فكرية - يموج بشتى الأفكار والفرق ، فنجد فرق المعتزلة و الشيعة ‌و الزنادقة و الخوارج . وقد كان لحركات الزنادقة نشاط واسع أدى إلى آثار سلبية كثيرة ‌على المجتمع .
    وكانت هناك كثير من المراكز العلمية التي كانت تزخر بالحركة العلمية النشطة : منها مكة المكرمة ، و المدينة‌ المنورة ، و بغداد ؤ، و الكوفة‌، و البصرة‌، ومصر . ودمشق ، وبلاد ما وراء النهر ، و التي دخلت في الإسلام حديثاً .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  2. [ALIGN=JUSTIFY]وفي هذا العصر ظهرت مدرستان أساسيتان في الفقه الإسلامي : مدرسة الرأي ، و مدرسة الحديث .
    أما مدرسة الرأي فأبرز من يمثلها في الكوفة‌: حماد بن أبى سليمان ، و أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، و تلامذته محمد بن الحسن الشيباني ، و أبو يوسف القاضي ، وزفر بن الهذيل البصري ، و الحسن بن زياد اللؤلؤي ، وفي المدينة ربيعة الرأي ابن عبد الرحمن. و تعد مدرسة الرأي امتداداً لمدرسة عبد الله به مسعود - رضى الله عنه - الذي أقام بالعراق ، وحمل عنه أصحابه العلم و قاموا بنشره حتى قال الحنفية : المذهب قول ابن مسعود . وكان عبد الله بن مسعود شديد التأثر بمنهج عمر بن الخطاب في الأخذ بالرأي و البحث عن علل الأحكام حيث لا نص . كما كان لأصحاب على بن أبي طالب - رضى الله عنه - دور كبير في مدرسة الرأي .
    ومن أشهر أصحاب ابن مسعود علقمة بن قيس النخعى ، و الأسود بن يزيد النخعى ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ، وعبيدة بن عمرو السلماني ، وشريح بن الحارث القاضي ، و الحارث الأعور ، وهم جميعاً من فقهاء القرن الأول ، وماتوا رحمهم الله بين سنتي ( 63-83هـ ) . ثم تزعم مدرسة‌الرأي الإمام إبراهيم بن يزيد النخعى ، ثم أتى بعده الإمام أبو حنيفة فتبلورت على يديه هو و أصحابه طريقة مدرسة الرأي و استقر أمرها .
    وكانت مدرسة الرأي مزدهرة في العراق و مراكزه العلمية ، كما كان لها وجود قليل في المدينة ‌حيث كان يقيم الإمام ربيعة بن عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي .
    وترى مدرسة الرأي أن شريعة‌ الإسلام معقولة ‌المعنى ، مبنية‌ على أصول محكمة ، وعلل ضابطة للأحكام ، ودور الفقيه أن يكشف عن هذه العلل ليستطيع الحكم فيما استجد من الأمور .
    وقد كان لشيوع الفرق المختلفة بالعراق ، و انتشار البدع فيه ، وكثرة الكذب والوضع على النبي ( ص ) والصحابة‌ أثر بالغ في تقلل أئمة الرأي من رواية الحديث والاعتماد على الاستنباط مما صح عندهم ، خاصة و أنه التصنيف في السنة النبوية كان مازال في أطواره الأولى ، ولم يصنف أئمة الحديث المعتبرين بعد كتبهم المختارة المنتقاة التي يمكن الاعتماد عليها .
    أما مدرسة الحديث فكان يمثلها العديد من الأئمة منهم : سعيد بن المسيب ، وعروة‌ بن الزبير ، و القاسم بن محمد و عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد ، وسليمان بن يسار ، وسالم بن عبد الله بن عمر ،و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وعمرو بن حزم ،و محمد بن سيرين ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعطاء ابن أبى رباح ، و عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، و عبد الرحمن بن أبى ليلى ، و وكيع بن الجراح ، ومالك بن أنس ، والليث بن سعد ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، و الإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، و إسحاق بن راهوية ، و غيرهم كثيرون من أئمة مدرسة الحديث .
    وتعد مدرسة‌ الحديث امتداداً لمدرسة عبد الله بن عباس ، وعبد الله ابن عمر ، وعائشة‌- رضى الله عنهم - وغيرهم من فقهاء الصحابة الذين أقاموا بمكة و المدينة واشتهر أصحابهم بها . و لما كانت مدرسة الحديث منتشرة بمكة و المدينة ، كان لها وجودها القوى أيضاً بالعراق حيث كان يمثلها عامر الشعبي وسفيان الثوري ، كما كان لها وجودها القوى بالشام حيث مثلها الإمام الأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، ومحمد بن جرير الطبري .
    وقد كان الخلفاء العباسيون يعلمون بمذهب جدهم عبد الله بن عباس ، وقد جمع فتياه حفيد للمأمون ، واسمه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب .
    و تمتاز مدرسة الحديث بالوقوف عند النص من الكتاب أو السنة فإن لم يجدوا نظروا في آثار الصحابة ، وكان لكثرة بضاعتهم من الحديث وحفظهم له ، وقلة ما يعرض لهم من مستجدات الحوادث في الحجاز - معقل مدرسة الحديث - أثر كبير في عدم الحاجة إلى التوسع في الاستنباط بخلاف ما كان عليه الحال في العراق .
    ومن الممكن القول بأن التشريع الإسلامي في هذا العصر كان في دوره الرابع , باعتبار أن الدور الأول كان في عصر النبي ( ص ) ، والدور الثاني هو دور الصحابة ويمتد حتى نهاية عصر الراشدين سنة 41هـ ، والدور الثالث و الذي يمتد من سنة 41هـ وحتى سقوط الدولة الأموية .
    وقد امتاز الدور الثالث بأربعة أمور : اتساع دائرة الفقه / شيوع رواية الحديث / بداية ظهور مدرستي أهل الحديث و أهل الرأي / ارتباط كل بلد بما تلقوه من العلم عن فقهائهم الذين أخذوا عمن استقر عندهم من الصحابة .
    ثم يأتي بعد ذلك الدور الرابع و الذي يبدأ من أوائل القرن الثاني و يمتد إلى منصف القرن الرابع ، وقد نما الفقه في هذا الدور نمواً عظيماً ، وزود الدولة ‌الإسلامية بكل ما تحتاجه لتنظيم أمورها في شتى المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية . وفي هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء ، وفيه كان المجتهدون العظام الموجودة ، كما دون في هذا الدور علم الفقه بصورة متكاملة ، وضبطت قواعده ، وقعدت أصوله ، وجمعت أشتاته . كما دونت السنة تدويناً كاملاً مما ساعد البحث الفقهي أتم المساعدة .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  3. [ALIGN=JUSTIFY]الحلقة الثانية
    وفي هذا العصر ظهرت مدرستان أساسيتان في الفقه الإسلامي : مدرسة الرأي ، و مدرسة الحديث .
    أما مدرسة الرأي فأبرز من يمثلها في الكوفة‌: حماد بن أبى سليمان ، و أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، و تلامذته محمد بن الحسن الشيباني ، و أبو يوسف القاضي ، وزفر بن الهذيل البصري ، و الحسن بن زياد اللؤلؤي ، وفي المدينة ربيعة الرأي ابن عبد الرحمن. و تعد مدرسة الرأي امتداداً لمدرسة عبد الله به مسعود - رضى الله عنه - الذي أقام بالعراق ، وحمل عنه أصحابه العلم و قاموا بنشره حتى قال الحنفية : المذهب قول ابن مسعود . وكان عبد الله بن مسعود شديد التأثر بمنهج عمر بن الخطاب في الأخذ بالرأي و البحث عن علل الأحكام حيث لا نص . كما كان لأصحاب على بن أبي طالب - رضى الله عنه - دور كبير في مدرسة الرأي .
    ومن أشهر أصحاب ابن مسعود علقمة بن قيس النخعى ، و الأسود بن يزيد النخعى ، ومسروق بن الأجدع الهمداني ، وعبيدة بن عمرو السلماني ، وشريح بن الحارث القاضي ، و الحارث الأعور ، وهم جميعاً من فقهاء القرن الأول ، وماتوا رحمهم الله بين سنتي ( 63-83هـ ) . ثم تزعم مدرسة‌الرأي الإمام إبراهيم بن يزيد النخعى ، ثم أتى بعده الإمام أبو حنيفة فتبلورت على يديه هو و أصحابه طريقة مدرسة الرأي و استقر أمرها .
    وكانت مدرسة الرأي مزدهرة في العراق و مراكزه العلمية ، كما كان لها وجود قليل في المدينة ‌حيث كان يقيم الإمام ربيعة بن عبد الرحمن المشهور بربيعة الرأي .
    وترى مدرسة الرأي أن شريعة‌ الإسلام معقولة ‌المعنى ، مبنية‌ على أصول محكمة ، وعلل ضابطة للأحكام ، ودور الفقيه أن يكشف عن هذه العلل ليستطيع الحكم فيما استجد من الأمور .
    وقد كان لشيوع الفرق المختلفة بالعراق ، و انتشار البدع فيه ، وكثرة الكذب والوضع على النبي ( ص ) والصحابة‌ أثر بالغ في تقلل أئمة الرأي من رواية الحديث والاعتماد على الاستنباط مما صح عندهم ، خاصة و أنه التصنيف في السنة النبوية كان مازال في أطواره الأولى ، ولم يصنف أئمة الحديث المعتبرين بعد كتبهم المختارة المنتقاة التي يمكن الاعتماد عليها .
    أما مدرسة الحديث فكان يمثلها العديد من الأئمة منهم : سعيد بن المسيب ، وعروة‌ بن الزبير ، و القاسم بن محمد و عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وخارجة بن زيد ، وسليمان بن يسار ، وسالم بن عبد الله بن عمر ،و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وعمرو بن حزم ،و محمد بن سيرين ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وعطاء ابن أبى رباح ، و عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، و عبد الرحمن بن أبى ليلى ، و وكيع بن الجراح ، ومالك بن أنس ، والليث بن سعد ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، و الإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، و إسحاق بن راهوية ، و غيرهم كثيرون من أئمة مدرسة الحديث .
    وتعد مدرسة‌ الحديث امتداداً لمدرسة عبد الله بن عباس ، وعبد الله ابن عمر ، وعائشة‌- رضى الله عنهم - وغيرهم من فقهاء الصحابة الذين أقاموا بمكة و المدينة واشتهر أصحابهم بها . و لما كانت مدرسة الحديث منتشرة بمكة و المدينة ، كان لها وجودها القوى أيضاً بالعراق حيث كان يمثلها عامر الشعبي وسفيان الثوري ، كما كان لها وجودها القوى بالشام حيث مثلها الإمام الأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، ومحمد بن جرير الطبري .
    وقد كان الخلفاء العباسيون يعلمون بمذهب جدهم عبد الله بن عباس ، وقد جمع فتياه حفيد للمأمون ، واسمه أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب .
    و تمتاز مدرسة الحديث بالوقوف عند النص من الكتاب أو السنة فإن لم يجدوا نظروا في آثار الصحابة ، وكان لكثرة بضاعتهم من الحديث وحفظهم له ، وقلة ما يعرض لهم من مستجدات الحوادث في الحجاز - معقل مدرسة الحديث - أثر كبير في عدم الحاجة إلى التوسع في الاستنباط بخلاف ما كان عليه الحال في العراق .
    ومن الممكن القول بأن التشريع الإسلامي في هذا العصر كان في دوره الرابع , باعتبار أن الدور الأول كان في عصر النبي ( ص ) ، والدور الثاني هو دور الصحابة ويمتد حتى نهاية عصر الراشدين سنة 41هـ ، والدور الثالث و الذي يمتد من سنة 41هـ وحتى سقوط الدولة الأموية .
    وقد امتاز الدور الثالث بأربعة أمور : اتساع دائرة الفقه / شيوع رواية الحديث / بداية ظهور مدرستي أهل الحديث و أهل الرأي / ارتباط كل بلد بما تلقوه من العلم عن فقهائهم الذين أخذوا عمن استقر عندهم من الصحابة .
    ثم يأتي بعد ذلك الدور الرابع و الذي يبدأ من أوائل القرن الثاني و يمتد إلى منصف القرن الرابع ، وقد نما الفقه في هذا الدور نمواً عظيماً ، وزود الدولة ‌الإسلامية بكل ما تحتاجه لتنظيم أمورها في شتى المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية . وفي هذا الدور ظهر نوابغ الفقهاء ، وفيه كان المجتهدون العظام الموجودة ، كما دون في هذا الدور علم الفقه بصورة متكاملة ، وضبطت قواعده ، وقعدت أصوله ، وجمعت أشتاته . كما دونت السنة تدويناً كاملاً مما ساعد البحث الفقهي أتم المساعدة .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  4. [ALIGN=JUSTIFY]مميزات العصر العلمية :
    نستطيع أن نجمل مميزات العصر على وجه الإجمال فيما يلي :
    1- اشتداد الخلاف بين مدرستي الرأي و الحديث ، ثم استقرار الأمر على اعتبار الرأي مدرسة فقهية صحيحة متى كانت قائمة على أصول محددة بعيدة عن الهوى .
    2- نهوض الفقه واتساع آفاقه ، وظهور العديد من القضايا المستجدة .
    3- اتجاه الدولة إلى الأخذ ببعض المذاهب المحددة في القضاء و الحكم .
    4- ازدهار التدوين في كثير من العلوم .
    5- ظهور الفقه التقديري الفرضي ، بعد أن كان الفقه واقعياً ، لا يبحث عن حكم ما يقع من الحوادث ، أما في هذا العصر فقد تجاوز الفقهاء الواقع إلى فرض وقائع وتقدير نوازل لم تحدث بعد ثم بحث حكمها .
    6- كثرة الآراء في المسألة الواحدة ، نظراً لتعدد مناهج البحث ، وأصول المذاهب .
    4- طلبه للعلوم ورحلته :
    4-1-البداية :
    حفظ الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - القرآن ،ولم يتجاوز سبع سنين ، وكان يقرأ على إسماعيل بن قسطنطين ، وكان شيخ أهل مكة في زمانه ، ثم بدأ طلبه للعلم مبكراً ، وعمره نحو عشر سنين ، وحبب إليه العلم جداً ، فكان يجالس العلماء بمكة ، ويحفظ الحديث و المسائل ، فيحكى عن نفسه فيقول : جعلت لذتي في هذا العلم وطلبه حتى رزقني الله منه ما رزق .
    4-2-فقر الإمام الشافعي و أثره في طلبه العلم :
    وقد كان الشافعي أول أمره فقيراً لا يجد ما يعطى المعلم ، فرضى منه المعلم أن يخلفه في مجلسه إذا قام ليضبط له الكتاب حتى يعود . فلما ختم القرآن بدأ في مجالسة العلماء في المسجد الحرام وتلقى العلم عنهم ، وكان لفقره لا يجد ثمن الورق ليكتب فيه . فكان يجمع العظام العريضة ليكتب فيها ، ثم يحفظها في جرة قديمة كانت لديهم .
    وقد حال الفقر بين الشافعي - رحمه الله تعالى - وبين الرحلة إلى الإمام الليث بن سعد بمصر ، فكان شديد الحزن على ما فاته من لقاء الليث بن سعد إمام مصر في ذلك العهد ، و أحد الأئمة المجتهدين .
    ومع هذا فقد كان الشافعي يرى في الفقر أكبر دافع لتعلم العلم ، ويرى أن الغنى من موانع النشاط في تعلم العلم ، ويقول : لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس ، فقيل : ولا الغنى المكفى ؟ فقال : ولا الغنى المكفى .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  5. [ALIGN=JUSTIFY]اذا كان احد يتابع الحلقات فليفيدني اذا كان الموضوع قد نشر قبل ذلك في المنتدى ام لا؟ حفظكم الله .[/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  6. [ALIGN=JUSTIFY]4-3-رحلته إلى المدينة :
    ثم رحل - رحمه الله - إلى المدينة للأخذ عن علمائها ، فقد كان حفظ موطأ الإمام مالك‌ ، و أراد أن يتلقاه عن الإمام مالك نفسه ، وقد استصغر الإمام مالك سنه في أول الأمر ، وطلب من الشافعي أن يحضر معه من يقرأ له ، فلما سمع قراءة الشافعي أعجب مالك بها جداً ، لفصاحة الشافعي وجودة قراءته .
    وقد حفظ الشافعي الموطأ و قرأه على الإمام مالك وعمره ثلاث عشرة سنة تقريباً ، أي كان ذلك سنة 1693هـ ولازمه حتى وفاته سنة 179هـ ، أي أنه لازم الإمام مالك ست عشرة سنة .
    يقول الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: قدمت المدينة و أنا ابن ثلاث عشرة سنة ؛ لأقرأ على مالك الموطأ ، فقال لي : أطلب من يقرأ لك . فقلت : أنا أقرأ لنفسي ، فقرأت عليه ، فكان ربما يقول لي في حديث من الأحاديث أعده ، فأعيده حفظاً .
    4-4- رحلته الأولى إلى العراق :
    يقول الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: لما مات مالك كنت فقيراً ، فاتفق أن والى اليمن قدم المدينة فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه ، فذهبت معه ، واستعملني في أعمال كثيرة ، وحمدت فيها ، و الناس أثنوا على .
    ولم يكن عند أمي ما تعطيني ما أتحمل به فرهنت داراً ، فتحملت معه .
    يقول الشافعي : ووليت نجران ، وبها بنو الحارث بن عبد المدان ، وموال من ثقيف ، وكان الوالي إذا أتاهم فأردوني على نحو ذلك فلم يجدوا عندي .
    وقد سار الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - فيهم بالعدل ، فوشوا به للخليفة فحمل إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية سنة 1484هـ ، و أدخل على هارون الرشيد الذي عرف للشافعي قدره ومكانته فأطلقه ، وأجازه بخمسين ألفاً . يقول الشافعي : فما وصلت إلى الباب حتى فرقت الخمسين ألفاً على حجاب أمير المؤمنين و بوابيه .
    ثم أخذ الشافعي يتصل بالحياة العلمية ببغداد ، وكان ذلك أول أخذه لعلم عن علماء بغداد وخاصة الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة صاحب المذهب المشهور . وقد أكثر الشافعي من الأخذ على محمد بن الحسن ، وتلقى جميع مصنفاته ، ودرس مذهب الحنفية دراسة واسعة حتى كان يقوم ، ويناظر تلاميذ محمد بن الحسن في مجلسه .
    وقد أقام الشافعي مدة في بغداد ، سافر بعدها عائداً‌ إلى بلده مكة ، ليعقد بها أول مجالسه في الحرم المكي .
    4-5-الرحلة الثانية و الثالثة إلى بغداد :
    ثم عاد الشافعي بعد ذلك من مكة‌ إلى بغداد ، وذلك سنة 195هـ ، وقد بلغ من العمر خمساً‌ و أربعين سنة ، وقد استوى عالماً له منهجه المتكامل ، ومذهبه الخاص به .
    وقد كان للشافعي في هذه الرحلة الثانية أثر واضح على الحياة العلمية في بغداد .
    يقول الإمام إبراهيم الحربي ( وهو أحد المجتهدين من مدرسة الحديث ) : قدم الشافعي بغداد ، في الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي ، فلما كان في الجمعة لم منها إلا ثلاث حلق أو أربع .
    وقد مكث الشافعي في بغداد في هذه القدمة سنتين ، نشر بها مذهبه القديم ، وصنف كتابه المسمى بـ « الحجة » ، وتخرج به جماعة ‌من الفقهاء . ولازمه فيها أربعة من كبار أصحابه : أحمد بن حنبل ، و أبو ثور ، والزعفراني ، و الكرابيسى .
    ثم رجع الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - إلى مكة ليعود إلى بغداد مرة ثالثة و أخيرة في سنة 198هـ ، إلا أنه لم يمكث في هذه المرة الخيرة غير بضعة أشهر عزم فيها على الرحيل إلى مصر . [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  7. [ALIGN=JUSTIFY]-6-الرحلة إلى مصر :
    غادر الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بغداد بعد أن نشر بها مذهبه ، وترك بها عدداً كبيراً من أصحابه تولوا بعده نشر المذهب ، والتصنيف فيه حتى أصبحت لهم مدرسة متميزة خاصة بهم داخل المذهب الشافعي عرفت بمدرسة العراقيين .
    وكان الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يعرف جيداً أحوال مصر قبل قدومه ، فقد سأل الربيع عن أهل مصر قبل أن يرحل إليهم فقال الربيع : هم فرقتان ، فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عنه ، وفرقة مالت إلى قول أبى حنيفة وناضلت عنه .
    فقال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - : أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله ، فآتيهم بشي ء أشغلهم به عن القولين جميعاً‌ . فكان كما قال رحمه الله تعالى .
    وكان قد نبغ بمصر عدد من أئمة المالكية ، فأول من أدخل مذهب مالك الإمام عبد الله بن وهب ، وتبعه كثيرون ، كعبد الرحمن بن القاسم ، و أشهب بن عبد العزيز ، وانتهت إليهما رئاسة المذهب المالكي بمصر ، كما كان من أئمة المالكية عبد الله بن الحكم ، وابنه محمد ، و الذي صحب الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى لما قدم مصر .
    وكان بالإضافة إلى المالكية و الحنفية يوجد أصحاب الإمام الليث ابن سعد، والذي قال الإمام الشافعي - فيه : الليث أفقه من مالك ، إلا أن أصحابه لم يقوموا به . وكان الشافعي يتأسف كثيراً على فوات الليث ، وقد توفى الليث سنة 175هـ ، وكان الشافعي فقيراً لا يملك نفقة السفر إلى مصر للقائه .
    وقد قدم الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - مصر سنة 199هـ ، صاحباً‌ معه من تلاميذه الربيع بن سليمان المرادي ، وعبد الله بن الزبير الحميدي ، و اللذين كانا ملازمين له في رحلاته ، وابتدأ في إلقاء دروسه بجامع عمرو بن العاص ، ومال إليه كثير من المصريين لعربيته و قرشيته، وتحول كثير مهن أتباع مالك وأبى حنيفة إلى مذهبه ، كالإمام البويطى والمزني .
    5- نبوغ الشافعي :
    5-1- إجازة الشافعي المبكرة بالإفتاء و التدريس ونحوه :
    ظهر نبوغ الإمام الشافعي مبكراً ، حتى أذن له شيوخه بالإفتاء هو ابن خمس عشرة سنة‌، فلم يكن لطالب العلم حسب النظام العلمي المتبع آنذاك أن يتصدر للتدريس و الإفتاء و التصنيف إلا بعد أن يأذن له شيوخه بذلك حين يرونه آهلاً وجديراً بهذا ، ولا يتقيدون في ذلك بسن ، بل من رأ‌وه أهلاً أجازوه و أذنوا له .
    قال له شيخه الإمام مسلم بن خالد الزنجي شيخ مكة‌ المكرمة في عصره : افت يا ‹أبا عبد الله ، فقد - والله - آن لك أن تفتى . والشافعي ابن خمس عشرة سنة .
    وهذا هو شيخه محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة يعرض على الشافعي أحد كتبه ، ويحب أن ينظر فيها .
    يقول له محمد بن الحسن : وضعت كتاباً على أهل المدينة تنظر فيه ؟ فينظر فيه الشافعي : أوله خطأ ، على من وضعت هذا الكتاب ؟ قال محمد : على أهل المدينة . قال الشافعي : من أهل المدينة ؟ قال محمد : مالك بن أنس . قال الشافعي : فمالك رجل واحد ، وقد كان بالمدينة فقهاء غير مالك : ابن أبى ذئب و المجاشون ، وفلان و فلان . وقال رسول الله ( ص ) : المدينة لا يدخلها الدجال ، و المدينة لا يدخلها الطاعون ، و المدينة على كل بيت منها ملك شاهر سيفه .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  8. [ALIGN=JUSTIFY]-2- نبوغ الشافعي :
    لقد جاوز نبوغ الشافعي ما كان معاصروه أن يروه في أحد من العلماء حتى قال أيوب بن سو يد الرملي لما رأي الشافعي : ما ظننت أنى أعيش حتى أري مثل هذا الرجل قط .
    وكان يحيى القطان - وهو أحد علماء السنة النبوية البارزين - يقول : « إني لأدعو الله عز وجل للشافعي في كل صلاة » . يعنى لما فتح الله عز وجل عليه من العلم ، ووفقه للسداد فيه .
    وقال إسحاق بن راهوية - وهو أحد علماء السنة النبوية البارزين و أحد فقهاء مدرسة الحديث : « كنا بمكة و الشافعي ، وأحمد بن حنبل - أصحاب المذهب المشهور - بها فقال لي أحمد بن حنبل : يا أبا يعقوب جالس هذا الرجل - يعنى الشافعي - . قلت : ما أصنع به ، وسنه قريب من سننا ؟ أترك ابن عيينة و المقبرى ( وهما من أهم حفاظ الحديث النبوي ورواته في هذا العصر ) . فقال أحمد بن حنبل : ويحك إن ذاك يفوت ، وذا لا يفوت فجالسته ) . يريد الإمام أحمد أنه إذا لم يجالس الشافعي للتعلم يفوته ما عنده ، ولا يجد أحداً عنده مثله ، بخلاف إذا فاته سماع الحديث من ابن عيينة و المقبرى فإنه يستطيع أن يسمعه من تلاميذهم .
    و‌ إنما قال إسحاق بن راهوية‌: « ما أصنع به وسنة‌ قريب من سننا » ؛ لأنه من عادة ‌أهل الحديث أهن يقصدوا سماع الحديث ممن كبرت سنة وعلت ، حتى يكون رجال الإسناد بينهم و بين رسول الله ( ص ) أقل ما يمكن من حيث العدد ، وهو ما يسمونه بعلو الإسناد . وعلى سبيل المثال فإن ابن عيينة من شيوخ الشافعي الذين أكثر الشافعي من الأخذ عنهم ، فإذا تواجد الاثنان في بلدة واحدة كما في القصة السابقة ، كان من الأفضل من حيث الإسناد أن تذهب لابن عيينة للسماع منه فتكون قد ساويت الشافعي في شيوخه ، بينما إذا ذهبت إلى الشافعي تكون قد زدت على نفسك رجلاً في الإسناد ، و أصبح إسنادك نازلاً كما يسميه علماء الحديث ، لكن لما كان عند الشافعي من الفقه و العلم ما ليس عند ابن عيينة حبذ الإمام أحمد الأخذ عن الشافعي ، و إن كان الإسناد سيصبح نازلاً .
    نستطيع في ضوء هذا أن نقرأ الواقعة التالية : سافر الإمام أحمد للحج ، فما كان بمكة خرج يوماً باكراً ، فطلبه أحد أصحابه في مجلس ابن عيينة‌ و عنده ابن الزهري و عمرو بن دينار و زياد بن علاقة ‌و التابعين ما الله به عليم ( يعني عنده من حديثهم الذي يروونه عن الصحابة عن النبي ص ) . فقال لي أحمد : اسكت ، فإن فاتك حديث بعلوه تجده بنزول ؛ لا يضرك في دينك ، ولا في عقلك ،وإن فاتك أمر هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة ، ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي . قلت من هذا ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعي .
    وقد كان الإمام أحمد لا يدع أحداً من أصحابه إلا ودله على الإمام الشافعي ، فها ه يدل عليه الإمام إسحاق بن راهوية‌، و كذلك يدل الإمام الحميدي . يحكى الحميدي - وهو أيضاً من أئمة الحديث وكان مكياً - فيقول « كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم : ههنا رجل من قريش له بيان و معرفة . فقلت له : فمن هو ؟ قال : محمد بن إدريس الشافعي . وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق ،فلم يزل بي حتى أجتذبنى إليه » .
    فلما ذهب الحميدي إلى الشافعي أعجب به جداً‌ ، و أصبح من كبار أصحابه ، و أخذ يدعو الناس إلى مجالسته و‌ الأخذ عنه حتى أصبح مجلس الشافعي يقرب من مجلس سفيان بن عيينة ، فقد كان الشافعي أول الأمر يجلس جانباً بالحرم المكي ، بينما يجلس ابن عيينة بصدر الحرم . يحكى لنا الحميدي ذلك فيقول : وكان كلامه وقع في قلبي ، فجالسته . فغلبتهم عليه ( يعنى أصبحت أقرب إليه من أصحابه القدامى ) ، فلما نزل تقدم مجلس الشافعي ، حتى كان يقرب مجلس سفيان بن عيينة .
    ولكن هذا هو شيخ الشافعي : الإمام سفيان بن عيينة‌ نفسه يرجع إلى تلميذه النجيب الشافعي يسأله عن فقه حديث رواه يقول إبراهيم بن محمد : كنا في مجلس ابن عيينة - و الشافعي حاضر - فحدث ابن عيينة أن النبي ( ص ) مر به رجل في بعض الليل ، وهو مع امرأته صفية ، فقال ( ص ) : تعال ، هذه امرأتي سفية . فقال : سبحان الله ! يا رسول الله . قال ( ص ) : إن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم . فقال ابن عيينة للشافعي : ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله . قال : إن كان القوم اتهموا النبي ( ص ) : كانوا بتهمتهم إياه كفاراً ، لكن النبي ( ص ) أدب من بعده فقال : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا ، حتى لا يظن بكم ظن السوء ؛ لأن النبي ( ص ) يتهم ؛ وهو أمين الله عز وجل في أرضه ، فقال ابن عيينة‌: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه .
    ولم يكن سفيان بن عيينة قليل القدر في الفقه و العلم ولكنه أدب العلماء الرذي جعله يعطى كل ذي حق حقه ، وكان من أدب سفيان ابن عيينة أنه كان لا يجب الفتيا ،حتى إن الشافعي كان يقول : ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة‌ ، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه ، وما رأيت أحداً‌ أحسن لتفسير الحديث منه .
    ويقول الإمام أحمد بن حنبل : كانت أقفيتنا أصحاب الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة‌ ما تنزع ( [1] ) ، حتى رأينا الشافعي ، وكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسول الله ( ص ) . [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  9. [ALIGN=JUSTIFY]6- شيوخه و تلاميذه :
    6-1- شيوخه :
    أخذ العلم عن شيوخ مكة منهم : سفيان بن عيينة إمام أهل الحديث ، وملم بن خالد الزنجي فقيه مكة ، وسعيد بن سالم القداح ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، و عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى داود . كما لازم الإمام مالك بالمدينة سنين حتى توفى سنة 179هـ .
    و أخذ بالمدينة أيضاً عن إبراهيم بن سعد الأنصاري ، و عبد العزيز ابن محمد بن الدراوردي ، و إبراهيم بن أبى يحي الأسلمي ، ومحمد بن سعيد بن أبى فديك ، وعبد الله بن نافع الصائغ صاحب ابن أبى ذئب .
    ولما سافر لبغداد في المرة الأولى أخذ عن :محمد بن الحسن الفقيه صاحب أبى حنيفة ، ووكيع بن الجراح ، و عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، و أبو أسامة حماد بن أسامة الكوفي ، و إسماعيل بن علية ، و هؤلاء الأربعة من حفاظ الحديث النبوي .
    6-2-أصحابه و تلاميذه :
    من أصحاب الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - الإمام أحمد بن حنبل ،وقد رأينا فيما سبق كيف كان حب الإمام أحمد للشافعي ، و حرصه على حضور مجالسه ، و حث أصحابه على حضورها .
    وكان الإمام أحمد يجب المكث مع الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - ،فيقول للحسن بن محمد الصباح‌: إذا رأيت أبا عبد الله الشافعي قد خلا فأعلمني ، قال : وكان يجيئه إذا ارتفع النهار فيبقى معه .
    وقد كان الحب بينهما متبادلاً ، وكان الإمام الشافعي بعد أن استقر بمصر يتمنى قدوم الإمام أحمد ويقول و عدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر .
    ولكن يبدو أن خفة ذات يد الإمام أحمد و فقره منعته من الوفاء بوعده للإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - .
    و من أصحابه : أبو بكر الحميدي ،و الذي كان من حفاظ الحديث ، فكان لأهل مكة ،كأحمد بن حنبل لأهل العراق .
    ومن أصحابه : أبو الوليد المكي موسى بن أبى الجارود ، راوي كتاب الأمالي عن الشافعي .
    ومن أصحابه : الإمام الجليل أبو يعقوب البويطى ، و هو أكبر أصحاب الشافعي المصريين .
    ومن أصحابه : الإمام الجليل أبو إبراهيم المزني ، ناصر مذهب الشافعي ، وصاحب المختصر المشهور بمختصر المزني .
    ومن أصحابه : الإمام الجليل الربيع بن سليمان المرادي ، راوية كتب الإمام الشافعي .
    ومن أصحابه : الإمام الجليل أبو ثور إبراهيم بن خالد البغدادي ، وكان من العلماء المجتهدين .
    6-3- علاقته بتلاميذه :
    كان للشافعي طريقته المتميزة في تربية تلاميذه ، و كان حريصاً أشد الحرص على تنمية روح الاجتهاد و الاستقلال في نفوسهم .
    وكان يقول لهم : كل ما قلت لكم فلم تشهد عليه عقولكم و تقبله و تره حقاً فلا تقبلوه ؛ فإن العقل مضطر إلى قبول الحق .
    و كان الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - ينهى تلاميذه أشد النهى عن التقليد سواء له أو لغيره .
    يقول الإمام المزني في مقدمة المختصر المشهور في الفقه : أختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه اله ومن معنى قوله ، لقربه على من أراده ، مع إعلامية‌ نهيه عن تقليده ، و تقليد غيره لينظر فيه لدينه ،و يحتاط فيه لنفسه ،و بالله التوفيق .
    و لهذا فإن الراصد لطبقات علماء الشافعية يجدهم قد فاقوا سائر المذاهب الأخرى في عدد من وصل منهم لرتبة الاجتهاد ، حتى إنه لا تكاد تخلو طبقة منهم من مجتهد أو أكثر،مما يعنى أن سلاسل المذهب وأسانيده متصلة بالمجتهدين في طبقاتها جميعاً ، و هذه منقبة عظيمة ( [2] ) .
    و يكلم الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يشجع تلاميذه على التفكير و يحثهم عليه8 بشتى الوسائل و يجعل لهم الجوائز المالية ‌لمن أصاب منهم ، يقول الحميدي : كان الشافعي ربما ألقى على و على ابنه أبى عثمان المسألة فيقول : أيكما أصاب فله دينار .
    وكان شديد الحب لأصحابه واسع الجود معهم ، يقضى لهم حوائجهم و يساعدهم في أمورهم ، وقد ذكرنا في باب صفات الشافعي تحت صفة الجواد الكثير من المواقف .
    وقد بلغ حب الشافعي من نفوس أصحابه مبلغاً‌ كبيراً ، فكانوا لا يتوانون عن نشر مذهبه و قراءة كتبه من بعده حرصاً منهم على نشر علم الشافعي بين الناس لينتفعوا به .
    يقول الربيع بن سليمان المرادي : كتب إلى أبى يعقوب البويطى و هو في السجن ( وكان البويطى قد أخلفه الشافعي في مجلسه بعده ، فلما سجن البويطي جلس مكانه الربيع بن سليمان المرادي راوية كتب الشافعي ) : يسألني أن أصبر نفسي للغرباء ممن يسمع كتب الشافعي و يسألني أن أحسن خلقي لأصحابنا الذين في الحلقة ، و الاحتمال منهم ، و يقول لم أزل أسمع الشافعي كثيراً يردد هذا البيت :
    أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها
    7-مذهبه الفقهي :
    7-1- أهمية ‌مذهب الشافعي :
    لمذهب الشافعي أهمية ‌كبيرة ‌و انتشار واسع من عصر الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - ،و إلى يومنا هذا .
    و لعلماء المذهب الشافعي أثر بالغ في تاريخ العلوم الإسلامية قاطبة ، و المؤلفون في شتى العلوم بين علماء هذا المذهب في غاية الكثرة ، ( ذَلِكَ فَضُل الَلهِ يؤتِيهِ مَن يَشَآء ) ( [3] ) ، بل لو أراد طالب علم منتسب إلى مذهب الشافعي ألا يتعلم العلوم الإسلامية إلا من خلال مؤلفات وضعها علماء شافعية لتيسر له ذلك تماماً ، ودون أدنى مشقة .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  10. [ALIGN=JUSTIFY]ولآراء الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - قيمتها الخاصة منذ كانت ؛ يقول حميد بن أحمد البصرى : كنت عند أحمد بن حنبل ، نتذاكر في مسألة ، فقال رجل لأحمد : يا أبا عبد الله ، لا يصح فيه حديث .
    فقال : إن لم يصح فيه حديث ، ففيه قول الشافعي ، وحجته أثبت شئ فيه . ثم قلت للشافعي : ما تقول في مسألة كذا و كذا ؟ فأجاب فيها قلت : من أين قلت ؟ هل فيه حديث أو كتاب ( يعني قرآن ) . قال الشافعي : بلي ، فنزع في ذلك حديثاً للنبي ( ص ) ، وهو حديث نص في المسألة .
    و هكذا نجد في هذا الموقف أن الشافعي أكثر استحضاراً لنصوص الكتاب و السنة ، و أكثر قدرة في الاستدلال بها من كبار حفاظ الحديث .
    و مذهب الشافعي أقل خطأ و أكثر اتباعاً للكتاب و السنة ، هكذا كان يراه معاصروه ، من كبار أئمة ذلك الوقت ، والذين اتصلوا بكافة المذاهب الموجودة في ذلك الوقت .
    و يقول الإمام إسحاق بن راهوية ( قرين الإمام أحمد بن حنبل و أحد المجتهدين ) : ما تكلم أحد بالرأي - وأكر الثوري ، و الأوزاعي ، و مالكاً ، و أبا حنيفة ، إلا و الشافعي أكثر اتباعاً‌ ، وأقل خطأ منه .
    7-2- مذهب الشافعي و اتباعه للسنة النبوية :
    لعل هذه الخصيصة من أهم خصائص مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - .
    يقول الإمام أحمد : ما من أحد وضع الكتب منذ ظهرت ( يعني في الإسلام ) أتبع للسنة من الشافعي .
    يقول الإمام أحمد هذا ، وقد سبق الإمام الشافعي إلى التأليف أمثال الزهري ، و مالك ، و أبى حنيفة ، و الأوزاعي ، و غيره من مصنفي العلماء .
    يقول الإمام أحمد : كان الشافعي إذا ثبت عنده الخبر قلده .
    و يحكى الإمام الربيع بن سليمان المرادي أن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى روى حديثاً ذات يوم ، فقال له رجل : تأخذ بهذا يا أبا عبد الله . فقال الشافعي : سبحان الله ! أروى عن رسول الله ( ص ) شيئاً لا آخذ به ، متى عرفت لرسول الله ( ص ) حديثاً‌ ، ولم آخذ به : - فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب .
    ومن المشهور حرص الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - على اتباع السنة النبوية ، و تنبيهه على أصحابه ألا يتبعوه في أي مسألة خالف فيها حديثاً النبي ( ص ) أولى ، و لا تقلدوني .
    وكان الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يقول : كل حديث عن النبي ( ص ) فهو قولي ، و إن لم تسمعوه مني .
    و من جهة أخرى فأن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - قد بلغ الغاية‌ في إتقان رواية الحديث ، وكان من أجل حفاظه حتى عد علماء الحديث أشرف الأسانيد في الدنيا ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ( ص ) .
    7-3- مذهب الشافعي بين مدرسة الرأي و أهل الحديث :
    انقسم الفقهاء في عصر الشافعي و ما قبله إلى مدرستين : فقهاء مدرسة الرأي ، و على رأسها الإمام أبو حنيفة و أصحابه ، و مدرسة الحديث ، و على رأسها الإمام مالك و أصحابه ، و كان كل منهما يمثل مدرسة مستقلة لها علماؤها و رموزها ،و منهجها الخاص في استنباط الأحكام الشرعية .
    و كان الجدال قد بلغ أشده بين هاتين المدرستين ، خاصة و العلوم الشرعية كانت مازالت في طور النشوء ، ولما تستقر مناهجها بعد .
    وقد أخذ الشافعي العلم من أئمة ‌المدرستين معاً‌، و أحسن تلقيهما و فهمهما ، فأخذ عن رموز مدرسة الحديث ، كالإمام مالك ، و مسلم ابن خالد الزنجي .
    و أخذ عن رموز مدرسة ‌الرأي ، كربيعة الرأي بن عبد الرحمن ، كما تلقى الشافعي مذهب الحنفية - كما تقدم - عن محمد بن الحسن صاحب الإمام أبى حنيفة ، و أنفق الشافعي - على فقره - مبالغ كبيرة في تحصيل نسخ من مؤلفات الإمام محمد بن الحسن ، فملا حصلها أخذ في تدبرها ، يقول الشافعي : « فوضعت إلى جنب كل مسألة حديثاً » ، يعني من المسائل التي يرى الشافعي أنها مخالفة للسنة النبوية .
    وقد كان للشافعي دور بالغ الأهمية في حسم الجدل الفقهي الذي كان دائراً بين هاتين المدرستين الفقهيتين السائدتين في هذا الوقف ، حيث يسر له الجمع بين المدرستين من القيام بدور كبير في حسم الجدل الدائر ، وترجيح القواعد و الأصول الفقهية .
    و لكن لم ينشئ الشافعي مدرسة ‌مستقلة ، بل هو معدود من أئمة مدرسة الحديث ، ومنه الممكن القول بأن دوره تمثل في التخلص من المآخذ التي كانت تؤخذ عليهم ، وفي نفس الوقت الذي استطاع فيه تحصيل نقاط القوة ‌التي كان يمتاز بها أئمة مدرسة‌ الرأي مع مجانبة ‌المآخذ التي تؤخذ عليهم أيضاً .
    وكان الشافعي لا ينى في الدفاع عن مدرسته الحديثية ، يقول الشافعي : قال لي محمد بن الحسن : أيهما أعلم صاحبنا أو صاحبكم ؟ يعني مالكاً و أبا حنيفة .
    قلت : على الإنصاف ؟ قال : نعم . قلت : فأنشدك بالله . من أعلم بالقرآن : صاحبنا أم صاحبكم ؟ قال :
    صاحبكم .
    قلت : فمن أعلم بالسنة ، صاحبنا أم صاحبكم ؟ قال : اللهم صاحبكم .
    قلت : فأنشدك الله : من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ( ص ) و المتقدمين : صاحبنا أم صاحبكم ؟ قال : صاحبكم .
    قال الشافعي : فلم يبق إلا القياس ، و القياس لا يكون إلا على هذه الأشياء ، فمن لم يعرف الأصول على أي شئ يقيس .
    وقد كان أئمة مدرسة الحديث بحاجة شديدة إلى من يقوم بهذا الدور الذي قام به الشافعي .
    يقول الحميدي - وهو أحد أئمة الحديث النبوي المبرزين - : كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي ، فلم نحسن كيف نرد عليهم ؛ حتى جاء الشافعي ففتح لنا .
    و ذلك لما كان عليه شيوخ أهل الحديث في هذه الفترة ‌من الضعف الفقهي ، حتى كان أصحاب الرأي يسخرون من ضعف أهل الحديث في الفقه ، و عدم قدرتهم على استنباط الأحكام مما يرونه .
    يقول أبو ثور : لما ورد الشافعي العراق جاءني حسين الكرابيسي - وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي - فقال :
    ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه ، فقم بنا نسخر به . فقمت ، وذهبنا حتى دخلنا عليه فسأله الحسين عن مسألة : فلم يزل الشافعي يقول : قال الله ، وقال رسول الله ( ص ) ؛ حتى أظلم علينا البيت ، فتركنا بدعتنا ، و اتبعناه .
    و الإمامان أبو ثور و حسين الكرابيسي معدودان في كبار أصحاب الشافعي الذين نقلوا عنه المذهب .
    وكما رأينا فقد كان للشافعي أثر كبير في توجه كثير من الأئمة إلى مذهب أهل الحديث ، بعد أن كانوا من أئمة‌ مدرسة الرأي .
    يقول أبو ثور أيضاً : كنت أنا و إسحاق بن راهوية ، و حسين الكرابيسي - وذكر جماعة من العراقيين - ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي .
    7-4- أطوار المذهب الشافعي :
    مر المذهب الشافعي بعدة أطوار :
    أ - طور الإعداد و التكوين : ابتدأ هذا الطور بعد وفاة الإمام مالك سنة 179هـ ، و استمر فترة‌ طويلة حيث استغرق حوالي ستة عشر عاماً إلى أن قدم الشافعي إلى بغداد للمرة الثانية 195هـ .
    ب - طور الظهور للمذهب القديم : احتلت هذه المرحلة الفترة ، الزمنية من وقت قدوم الشافعي بغداد المرة‌ الثانية سنة 195هـ إلى رحيله إلى مصر سنة 199هـ .
    ج - طور النضج و الاكتمال لمذهبه الجديد : و بدأ بقدومه إلى مصر سنة 199هـ ، و حتى وفاته رحمه الله تعالى سنة 204 هـ .
    د- طور التخريج و التذييل : ابتدأ هذا الطور من بعد وفاة الإمام الشافعي ، و شغل فترة طويلة امتدت حتى منتصف القرن الخامس الهجري ، و ربما وصل به بعض الباحثين إلى القرن السابع الهجري .
    وفي هذا الطور نشط الأصحاب و المجتهدون في المذهب إلى استخراج المسائل من أصوله ، و توجيه أقواله ، و تخريج المسائل على قواعده .
    هـ - طور الاستقرار : حيث استقرت مدارس المذهب ، وقام العديد من العلماء بوضع الكتب الفقهية الواسعة التي تجمع بين مدارس و مناهج الشافعية المختلفة ، و الترجيح بينها، ثم وضع الكتب المختصرة‌ في المذهب التي تشمل على الراجح في المذهب ، وشرح هذه المختصرات بطريقة مدرسية .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  11. [ALIGN=JUSTIFY]-5- بين القديم و الجديد :
    اشتهر أن الشافعي رجع عن مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد لما قدم إلى مصر بسبب ما رآه بها من اختلاف العادات .
    ورغم اشتهار هذا الرأي بين عموم المثقفين ، وكثير من المتخصصين إلا أنه بعيد عن الواقع بالفعل .
    ولو كان الأمر كذلك لبقي أصحاب الشافعي بالعراق على مذهبه القديم لكونه أنسب لبلدهم .
    و المتتبع للمسائل التي خالف فيها القديم الجديد : يجد أن البحث فيها متعلق بالترجيح من حيث الدليل .
    كما أن المسائل التي رأي فيها فقهاء الشافعية أن القديم أرجح فيها من الجديد : إنما رأوا ذلك لرجحان دليل القديم ، لا لكونهم عراقيين .
    سئل الإمام أحمد : ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين ، أحب إليك أو التي بمصر ؟ قال : عليك بالكتب التي وضعها بمصر ؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ، ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر ، فأحكم تلك .
    و يقول عمرو بن سواد السرحى : قال لي الشافعي : ما لك لا تكتب كتبي . فسكت . فقال له رجل : إنه يزعم أنك كتبت ، ثم غيرت . ثم كتبت ، ثم غيرت . فقال الشافعي : الآن حمى الوطيس .
    يريد الشافعي : قد تعين شرح جلية الأمر ، و تحتم الكشف عن حقيقة السر ، و ذلك أن المجتهد إذا ما صح الدليل لديه وجب عليه العمل بموجبه ، فإذا تبين له بعد ذلك دليل أقوى منه يدل على خلاف حكمه الأول وجب عليه الرجوع عن الحكم الأول إلى الحكم الثاني ، فالتغيير لم ينشأ عن شك و اضطراب ، بل عن بحث واجتهاد وتحر للصواب .
    7-6- المذهب الجديد :
    عن بحر بن نصر الخولانى المصري قال : قدم الشافعي من الحجاز ، فبقي بمصر أربع سنين ، ووضع هذه الكتب في أربع سنين ثم مات .
    7-7- أسس المذهب :
    1-اتباع الكتب و السنة‌ :
    تقدم بيان اتباع الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - للسنة النبوية الشريفة حتى أنه قال : كل حديث عن النبي ( ص ) فهو قولي ، وإن لم تسمعوه مني .
    2- اتباع الحق و الدليل :
    وهذه من أهم مميزات مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - فما كان يحول بينه و بين اتباع للدليل حائل من متابعة عمل أهل بلده ، أو تقليد أحد من الأئمة السابقين عليه ، فنجد مثلاً الإمام مالك يرى عمل أهل المدينة حجة يأخذ بها ولا يدعه لمرويات أحد من أهل البلاد الأخرى ، ويرى أن عمل أهل المدينة هو آخر الأمر من رسول الله ( ص ) . بينما كان الإمام أبو حنيفة ‌يأخذ بما كان عليه أهل عليه بلده بالعراق ، ولا يخالفهم .
    يقول الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - للإمام أحمد بن حنبل : أنتم أعلم بالحديث و الرجال مني ، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني : كوفياً كان أو بصرياً‌ أو شامياً ؛ حتى أذهب إليه إن كان صحيحاً .
    3-الاهتمام بأقوال الصحابة :
    حيث كان الشافعي يرى أن أقوال الصحابة فيما اتفقوا عليه حجة أما إذا اختلف الصحابة ‌في مسألة فيحتاج الأمر إلى‌ الترجيح بينهم بدليل آخر .
    ويرى الشافعي أنه إذا انفرد الصحابي بقول ولم يوجد في المسألة نص من الكتاب أو السنة فإن هذا القول أولى من القياس .
    و إذا كان قول الصحابي في الأمور التي فيها مجال للاجتهاد ، فقد رأي الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن قول الصحابي ليس بحجة على غيره من المجتهدين .
    4- الأخذ بالقياس :
    وقف الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في القياس موقفاً وسطاً ، فلم يتشدد فيه تشدد الإمام مالك ، ولم يتوسع فيه توسع الإمام أبى حنيفة . ومع هذا فكان الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يرى للقياس أهمية كبيرة في العلمية الفقهية ، حتى جعله هو و الاجتهاد بمعنى واحد وكان رحمه الله تعالى يقول : الاجتهاد القياس .
    5- اعتبار الأصل في الأشياء :
    من الأسس التي بني عليها الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - مذهبه فيما لم يرد فيه نص أن الأصل في المنافع الإباحة ، و الأصل في المضار التحريم .
    6- الاستصحاب :
    وهو عبارة عن ثبوت أمر في الزمان الثاني بما على ثبوته في الزمان الأول . فإذا عرفنا حكماً من الأحكام في الزمن الماضي ، ولم يظهر لنا ما يدل على عدمه ، حكمنا الآن في الزمان الثاني بأنه لازال باقياً على ما كان عليه ؛ لأنه لم يظن عدمه ، وكل كذلك فهو مظنون البقاء .
    ومن ذلك مثلاً أن الأصل براءة ذمة الإنسان حتى يقوم الدليل على شغلها بواجب أو حق عليه ، فنستصحب هذه البراءة فيما لو اتهم إنسان بدين أو حق يتعلق بذمته ، ولا بينة عليه ، فنستصحب الأصل في براءة ذمته .
    7- الاستقرار :
    وهو عبارة عن تتبع أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات ، حيث يستدل بإثبات الحكم للجزئيات بعد تتبع حالها على ثبوت الحكم الكلي لتلك الجزئيات ، وبواسطة ثبوته للكلى يثبت للصورة المتنازع في حكمها .
    ومثاله الاستدلال على أن الوتر مندوب و ليس بواجب بأن الوتر يؤدي على الدابة في السفر ، وقد ثبت بتتبع أحوال النبي ( ص) أنه ما كان يصلى الفرائض على الدابة ، و إنما كان يصلى النوافل فقط ، فلما صلي الوتر على الدابة ‌علمنا أنه مندوب ، وحملنا ما روى مما يوهم ظاهرة وجوب الوتر على تأكيد الاستحباب .
    8- الأخذ بأقل ما قيل :
    حيث يرى الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أن نأخذ بأقل ما قيل في المسألة ، إذا كان الأقل جزءاً من الأكثر ، ولم يجد دليلاً غيره .
    فهذا الأصل عند الإمام الشافعي يستعمله عن عدم وجود دليل آخر في المسألة ، فيعمل به ، لأنه قد حصل الإجماع الضمني على الأقل .
    ومثاله دية الذمي . فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة الأقوال .
    فقيل : إنها ثلث دية المسلم .
    وقيل : إنها نصف دية المسلم ، و هو مذهب المالكية .
    وقيل : إنها كدية‌ المسلم ، وهو مذهب الحنفية .
    فأخذ الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بالثلث ، بناء على أن الثلث أقل ما قيل في المسألة ، وهو مجمع عليه ، لأنه مندرج ضمن قول من أوجب النصف ، أو الكل ، و الأصل براءة الذمة بالنسبة لمن سيدفع الدية ، فلا يجب عليه شئ إلا بدليل يوجب الزيادة على الثلث ، وإنما أوجبنا عليه الثلث للإجماع .
    فهذه هي الأدلة التي بني عليها الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -، بالإضافة إلى ما قرره من قواعد في استثمار الأحكام من ألفاظ النصوص الشرعية ، كقواعد العام و الخاص ، و المجمل و المبين ، و المطلق و المقيد .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  12. [ALIGN=JUSTIFY]وعلى الجانب الآخر فقد رفض الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - بعض الأدلة التي قام بها غيره من الأئمة ، حيث رأي الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أنها ضعيفة ، لا يصح الاستدلال بها .
    1- فمما رده من الأدلة : المصالح المرسلة :
    فقد قبل الإمام مالك المصلحة المرسلة التي لم يرد عن الشارع اعتبارها أو إلغاؤها . فمن ذلك أنه يجوز عند الإمام مالك ضرب المتهم بالسرقة حتى يقر .
    ولكن رد الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - هذا الدليل ، ولم ير الأخذ به ، وتابعه على ذلك جمهور العلماء .
    2- ومما رده الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - من الأدلة : الاستحسان :
    فقد رأي الحنفية العمل بالاستحسان ، وهو ترجيح القياس الخفي على القياس الجلي في بعض المسائل ( [4] ) .
    ومن ذلك تصحيح الحنفية بيع المعاطاة ( بأن يأخذ المشترى بضاعته من البائع ويعطيه الثمن دون التعاقد باللفظ على ذلك ) لا طراد عرف الناس وعاداتهم على التعامل ، فالاعصار لا تنفك عنها ، و يغلب على الظن جريانها في عهد النبي ( ص ) ، فجاز العمل بها استحساناً .
    ورد الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - المعاطاة لمخالفتها لعموم الأدلة و القياس التي توجب التعاقد في عملية البيع ، و تشترط الإيجاب و القبول .
    وليس المراد بالاستحسان : التشريع تبعاً‌ للهوى و استحساناً له دون دليل شرعي ، فهذا أمر اتفق الأئمة جميعاً على إبطاله ورده .
    3- ومما رده الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - : القول بعمل أهل المدينة :
    فقد ذهب الإمام مالك إلى أن عمل أهل المدينة فيما أجمعوا عليه حجة ؛ لأنه الآخر من عمل النبي ( ص ) .
    ورد الشافعي هذا الدليل : لأن الصحابة قد انتشروا في البلدان مع الفتوح ، وحمل كل منهم عن النبي ( ص ) العلم الكثير و نشره في البلاد ، فليس العلم بما كان أمر النبي ( ص ) مقتصراً على أهل المدينة .
    4- ومن الأدلة المردودة في مذهب الشافعي : شرع من قبلنا :
    فقد ذهب بعض العلماء إلى أننا متعبدون بما صح من شرائع من قبلنا ، بطريق الوحي دلى النبي ( ص ) بما في شرعهم ، لا بطرق كتبهم المبدلة .
    ولكن رد الشافعية هذا القول ، لأن الإسلام قد نسخ كل الشرائع التي قبله ، فلم يبق فيها حجة .
    9- الشافعي وعلم الأصول :
    من المشهور أن الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - هو واضع علم الأصول .
    يقول الإمام حسين الكرابيسي ( أحد الفقهاء الكبار ) وقد سئل عن الشافعي ، فقال : ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه للناس : الكتاب و السنة و الاتفاق ( يعني أول من أطلق هذه العبارة ) ، ما كنا ندرى ما الكتاب و السنة - نحن ولا الأولون - حتى سمعنا من الشافعي الكتاب و السنة و الإجماع .
    9-مصنفات الشافعي :
    9-1- أهميتها :
    لمؤلفات الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - أهميتها البالغة لا بالنسبة إلينا كجزء من تراثنا الفقهي ، بل لها أهميتها الراسخة منذ وضعت .
    يسافر ابن وارة إلى مصر ثم يرجع إلى بغداد فيسأله أحمد: أكتبت كتب الشافعي ؟ قال : لا . فقال : فرطت ، ما علمنا المجمل من المفصل ، ولا ناسخ حديث رسول الله ( ص ) من منسوخه حتى جالسنا الشافعي . قال : ما ترى من الكتب أن أنظر فيه ليفتح لي الآثار : رأي مالك أو الثوري أو الأوزاعي . فقال أحمد : عليك بالشافعي فإنه أكثرهم صواباً . قال : فما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين ، أحب إليك أو التي بمصر ؟ قال : عليك بالكتب التي وضعها بمصر ؛ فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ، ولم يحكمها ، ثم رجع إلى مصر ، فأحكم تلك . قال ابن وارة : فلما سمعت ذلك من أحمد عزمت على الرجوع إلى مصر .
    بل كان اعتماد الإمام أحمد في الفقه عليها ، حتى قال : لم أنظر في كتاب أحد ممن وضع كتب الفقه غير الشافعي .
    وبلغ من أهمية كتب الشافعي أن الإمام إسحاق بن راهوية تزوج امرأة أرمل مدينة مرو ، لم يتزوجها إلا لأن روجها الأول كان عنده كتب الشافعي . وقد أثرت مصنفات الشافعي في المؤلفين من عصره و إلى يومنا هذا ، فهذا الإمام إسحاق بن راهوية يضع جامعة الكبير على كتاب الشافعي ، ويتبع أثر الشافعي فيه .
    فمما ألفه الإمام الشافعي أو جمعه أصحابه له :
    1- الأم ( مطبوع ) .
    2- جامع المزني الكبير .
    3- جامع المزني ( مطبوع ) .
    4- مختصر المزني ( مطبوع ) .
    5- مختصر الربيع .
    6- مختصر البويطي .
    7- كتاب حرملة .
    8- كتاب الحجة وهو المذهب القديم .
    9- الرسالة الجديدة ( مطبوع ) .
    10- الرسالة القديمة .
    11- الأمالي .
    12- الإملاء .
    13- أحكام القرآن ( مطبوع ) .
    14- مسند الشافعي ( مطبوع ) .
    15- السنن للشافعي ( مطبوع ) .
    16- كتاب ما اختلف فيه أبو حنيفة وابن أ‹بى ليلي أو كتاب اختلاف العراقيين ( مطبوع ) .
    17- كتاب اختلاف على وابن مسعود ( مطبوع ) .
    18-كتاب اختلاف مالك و الشافعي .
    19-كتاب جماع العلم ( مطبوع ) .
    20- كتاب صفه نهي رسول الله ( مطبوع ) .
    21-كتاب إبطال الاستحسان ( مطبوع ) .
    22- كتاب الرد على محمد بن الحسن ( مطبوع ) .
    23- كتاب القرعة ( مطبوع ) .
    24- كتاب اختلاف الحديث ( مطبوع ) .
    كما جمعت أشعار الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - في ديوان مستقل مطبوع عدة طبعات .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  13. [ALIGN=JUSTIFY]-2- طريقة تصنيفه :
    عن بحر بن نصر الخولاني المصري قال : وكان الشافعي أقدم معه من الحجاز : كتب ابن عيينة ، وخرج إلى يحيى بن حسان ( وهو صاحب الإمام الليث بن سعد ) فكتب عنه ، و أخذ كتباً من أشهب بت عبد العزيز ( صاحب الإمام مالك ) ، وكلام من كلام أشهب . وكان يضع الكتب بين يديه ويصنف الكتب ، فإذا ارتفع له كتاب ( أي فرغ من تصنيفه ): جاءه صديق له يقال له ابن هرم ، فيكتب ، ويقرأ عليه البويطي في كتاب ابن هرم ، وجميع من يحضر يسمع ، ثم ينسخونه بعد ، فربما غاب في حاجة فيعلم له الشافعي ، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته .
    9-3- دقتها العلمية :
    حرص الشافعي في تصانيفه أن لا يذكر الكلام مرسلاً بل مؤيداً بالدليل ، و الحجة .
    وكان - رحمه الله تعالى -يحط من شأن من لا يسألون عن الحجة ، أو يكتبون العلم دون فهم و يحدثون عن كل أحد دون تحرى الصادق من الرواة ، ويقول : هذا مثل حاطب ليل يوشك أن يقطع حزمة الحطب ، فيحملها ، ولعل فيه أفعى تلدغه ، وهو لا يدرى .
    10- النشاط العلمي للإمام الشافعي :
    قال الشافعي : طلب العلم أفضل من صلاة نافلة :
    10-1- مجالسة العلمية :
    كان للإمام مجلس علمي بالحرم المكي ، وقد عقد هذا المجلس مبكراً في حياة شيوخه ، وفي الوقت الذي كان أقرانه ومن قاربه في السن مازالوا في دور طلب العلم . وقد تقدم في قصة الإمام أحمد و الإمام الحميدي من الشافعي رحمه الله على الجميع ، ما يوضح لنا هذه القضية .
    أما مجالسه في مصر فيحكى لنا عنها صاحبه الربيع بن سليمان فيقول : كان الشافعي - رحمه الله تعالى - يجلس في حلقته إذا صلى الصبح ، فيجيئه أهل القرآن ، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه في تفسيره ومعانيه ، فإذا ارتفعت الشمس قاموا ، فاستوت الحلقة للمذاكرة و النظر ، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا ، وجاء أهل العربية و العروض و النحو و الشعر ، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار ، ثم ينصرف - رحمه الله تعالى - .
    10-2- حبه للتصنيف :
    كان للإمام الشافعي تعلق فكري عجيب في مسائله ، فلا يزال ذهنه متفكراً في المسائل ، حتى ربما يعرض له المعنى اللطيف ليلاً فيأمر بالمصباح فيوقد ليسارع بكتابة ما ظهر له خشية أن ينساه .
    يقول الحميدي : خرجت من الشافعي إلى مصر ، وكان هو سكانناً في العلو ، و نحن في الأوساط ، فربما خرجت في بعض الليل ، فأصيح بالغلام - يعني الخادم - فيسمع الشافعي صوتي فيقول : بحقي عليك أرق ، فأرقى ، فإذا قرطاس و دواة ؛ مه ؛ يا أبا عبد الله . فيقول : فتفكرت في معنى حديث - أو في مسألة - فخفت أن يذهب على ، فأمرت بالمصباح و كتبته .
    وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقسم ليله ثلاثة أثلاث ، في الأول يكتب ، و في الثاني ينام ، وفي الثالث يصلى .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  14. [ALIGN=JUSTIFY]10-3- مناظراته :
    للشافعي مناظرات ممتعة ، تظهر فيها قدرات الشافعي العقلية ، و العلمية ، كما تظهر حبه للإنصاف .
    يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ، ولا ينسب إلى .
    ويحلف الشافعي يوماً ويقول : ما ناظرت أحداً إلا على النصيحة .
    ولكن كان الشافعي مدركاً لمنزلته العلمية تمام الإدراك ، لا يظلم نفسه ، ولا يضعها في غير منزلتها ، فما كان يقبل مناظرة أي أحد ، ويشترط أن يكون مناظرة قريباً منه في الدرجة العلمية .
    قال له الفضل بن الربيع حاجت هارون الرشيد : أحب أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللؤلؤى .
    قال الشافعي : ليس اللؤلؤي في هذا الحد ، ولكن أحضر بعض أصحابي ، حتى يكلمه بحضرتك .
    فقال : أو ذاك .
    فحضر الشافعي ، و أحضر معه رجلاً من أصحابه كوفياً كان ينتحل قول أبى حنيفة وصار من أصحابه . فلما دخل اللؤلؤي أقبل عليه ، و الشافعي حاضر بحضرة‌ الفضل بن الربيع ، فقال له : إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم ، و أريد أن أسأل عن مسألة من ذلك .
    فقال اللؤلؤي : سل .
    فقال له : ما تقول في رجل قذف محصنة ، وهو في الصلاة ؟
    قال : اللؤلؤي : صلاته فاسدة .
    فقال له : فما حال طهارته ؟
    فقال اللؤلؤي : طهارته بحالها ، ولا ينقض قذف طهارته .
    فقال له : فما تقول إن ضحك في صلاته ؟
    قال اللؤلؤي : يعيد الطهارة و الصلاة .
    فقال له : فقذف المحصنة في الصلاة أيسر من الضحك فيها ؟
    فقال اللؤلؤي : وقفنا في هذا ، ثم وثب فمضى . فاستضحك الفضل بن الربيع . فقال له الشافعي : ألم أقل إنه ليس في هذا الحد.
    11- صفاته :
    11-1- تكوينه النفسي :
    1- قرشيته :لعل من أول المؤثرات في تكوين شخصية الإمام الشافعي كونه من قريش ، وقد رأينا كيف أن قرشيته هي التي دفعت بوالدته كي ترحل به مبكراً إلى مكة كي ينشأ في وسط أقرانه من قريش على ذات الصفات و الأخلاق و الوسط الاجتماعي و الثقافي و السياسي و الاقتصادي قبل الإسلام ، ثم تعضد هذا الوضع و امتداده بعد الإسلام بخروج النبي ( ص ) من قريش ، ثم توالى الخلفاء الراشدون ثم الدولة الأموية ، ثم الدولة العباسية و جميعهم ينتسبون إلى أرقى بيوتات قريش و أقواها .
    ولا ريب أن من كان هذا نسبه فإنه يؤثر في تكوينه تأثيراً لا ينكر .
    ومن الطبيعي أن القريشيين كانوا محل حسد وغيرة بسبب مكانتهم الاجتماعية المتميزة .
    يحكى لنا الحميدي عن نفسه ما يوضح لنا ذلك ، في قصة طريفة عن أول مجلس حضره للإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يقول الحميدي : جلسنا إلى الشافعي ، ودارت مسائل ، فما قمنا قال لي أحمد ابن حنبل : كيف رأيت فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه ، وكان ذلك منى بالقرشية ( يعني من الحسد ) . فقال لي أحمد بن حنبل : فأنت لا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان ، وتمر مائة مسألة يخطئ خمساً أو عشراً ؛ اترك ما أخطأ ، وخذ ما أصاب .
    يقول الربيع بن سليمان : كان الشافعي عربي النفس عربي اللسان .
    وكانت قرشية الشافعي أحد دعائم تكوينه النفسي ، ناظر ذات يوم محمد بن
    الحسن فغلبه ، بحضور هرثمة بن أعين أحد خواص قواد هارون الرشيد ، فكتب هرثمة الخبر ، ودخل به على هارون الرشيد ، فقال : أكان يأمن محمد بن الحسن أن يقطعه رجل من بني عبد مناف ؟ فاخرج إلى الشافعي و أقرئه سلامي ، وقل له :إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسة آلاف دينار ، وعجلها لك من بيت مال الحضرة ك قال الشافعي : فخرج هرثمة ، و أقرأني سلامه ، وقال : إن أمير المؤمنين قد أمر بخمسة آلاف دينار . وقال هرثمة : لولا أن أمير المؤمنين لا يساوي ؛ لأمرت لك بمثلها ، ولكن الق غلامي فاقبض منه أربعة آلاف دينار . فقال الشافعي : جزاك الله خيراً ، لولا أني لا أقبل جائزة إلا ممن هو فوقى لقبلت جائزتك ، ولكن عجل لي ما أمر به أمير المؤمنين .
    فانظر كيف امتنع الشافعي - رحمه الله تعالى - من قبول جائزة هرثمة بسبب قرشيته ، وحيث لم يكن هرثمة من قريش ، وقبلها من هارون الرشيد لكونه أعلى نسباً منه .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

  15. [ALIGN=JUSTIFY]2- الجماعة العلمية : للجماعة العلمية أثر كبير في تكوين المنتسب إليها ، ولا يقتصر الأثر على الجانب العلمي وحده ، بل يمتد ليشمل كافة الجوانب الأخرى وخاصة الأخلاقية التي تمتاز بها الجماعة . وإذا نظرنا إلى الجماعة العلمية في عصر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فسنجد الكثير من الصفات والمميزات العامة التي تركت أثرها الكبير في شخصية الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، ولا شك أن هناك الكثير من المواقف الحياتية التي عبرت من خلالها تلك الجماعة عن شخصيتها .
    ولقد حكى لنا الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - نفسه العديد من تلك المواقف ، وحكايته لها دليل على تأثيرها فيه ، حتى أنه اعتنى بحكايتها وروايتها لتلاميذه .
    فمن ذلك ما رواه الشافعي قال : حدثني عمى محمد بن علي قال : إلي لحاضر مجلس أمير المؤمنين أبى جعفر المنصور ، وفيه ابن أبى ذئب ( وهو أحد حفاظ الحديث البارزين ) ، و الحسن بن زيد والي المدينة ، فأتى الغفاريون ( قبيلة‌ من العرب منها أبو ذر الغفاري رضى الله عنه ) فشكوا إليه شيئاً من أمر الحسن . فقال : يا أمير المؤمنين ، سل فيهم ابن أبى ذئب ؛ فسأله ؛ فقال : أشهد أنهم أهل تحكم في أعراض المسلمين ، كثيرو الأذى لهم . فقال أبو جعفر : قد سمعتم . فاقلوا : سله عن الحسن . فقال : ما تقول فيه ؟ فقال : أشهد أنه : يحكم بغير الحق ، و يتبع هواه . قال محمد : فجمعت ثيابي ، و السياف قائم على رأس أبى جعفر مخافة أن يأمر به فيقتل ، فيصيب دمه ثوبي . فقال : أبو جعفر : قد سمعت يا حسن ما قاله . فقال : سله عن نفسك . فقال أبو جعفر لا بن أبى ذئب : فما تقول في ؟ قال : أو يعفيني أمير المؤمنين . فقال : و الله لتخبرني . فقال :, أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه ، وجعلته في غير أهله . فجاء أبو جعفر من موضعه ؛ حتى وضع يده في قفاه .قال محمد : فجمعت ثيابي مخافة أن يأمر به ، فيصيب دمه ثوبي . ثم قال أبو جعفر : أما والله لولا أنا لأخذت أبناء فارس و الروم و الترك والديلم بهذا المكان منك . فقال : قد ولي أبو بكر وعمر : فأخذا بالحق ، وقسما بالسوية ، وأخذا بأقفاء فارس والروم ، وأصغرا آنا فهم . فخلى أبو جعفر قفاه ، و أطلق سبيله ، وقال : والله لولا أعلم أنك صادق لقتلتك .و فقال ابن أبى ذئب لأبى جعفر : أنا والله أنصح لك أنصح لك من المهدي ( يعني ابنه ) .
    ويروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : أن محمد بن عجلان ( أحد كبار رواة الحديث ) كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . قال : فخطب والي المدينة يوماً فأطال الخطبة ، فلما نزل وصلي : صاح به ابن عجلان فقال : يا هذا اتق الله : تطيل بيانك وكلامك على منبر رسول الله ( ص ) . فأمر به فحبس فأخبر ابن أبى ذئب ، فدخل على الوالي ، وقال : حبست ابن عجلان ! ؟ فقال : ما يكفيه أنه يأمرنا فيما بيننا و بينه ، فنصير إلى ما يأمرنا ؛ حتى يصيح بنا على رؤوس الناس ؛ فنستضعف . فقال ابن أبى ذئب : ابن عجلان أحمق أحمق ؛ هو يراك تأكل الحرام و تلبس الحرام ( يعني ولا ينهاك عن ذلك ) ، ويقول : لا تطل بيانك وكلامك على منبر رسول الله ( ص ) . فقال الوالي : أخرجوا ابن عجلان ما عليه من سبيل .
    و يحكى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن سفيان الثوري أنه دخل على أمير المؤمنين ، فجعل يتجان عليهم ، و يمسح البساط ، ويقول : ما أحسنه ، ما أحسنه ، بكم أخذتم هذا . ثم قال : البول البول ، حتى أخرج .
    فالإمام الثوري كان لا يحب الدخول على السلطان ، فأراد أن يحتال بما فعل ليعتقدوا فيه الجنون ، فيزهدوا فيه ، ويتباعد عنهم .
    ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : سمعت مالك بن أنس يقول : سمعت ابن عجلان يقول : إذا أغفل العالم ( لا أدرى ) : أصيب مقاتله .
    و يحكى الشافعي موقفاً من مواقف الجود الذي كان من أخص صفاته ، فيقول : عاتب رجاء بن حيوة الزهري في الإنفاق والدين ( وكان الزهري يستدين لينفق على أصحابه ، و ينفق في وجوه البر ) فقال : لا تأمن من أن يمسك عنك هؤلاء القوم ؛ فتكون قد حملت على أمانتك ، فوعده أن يقصر . فمر به رجاء ابن حيوة يومأ وقد وضع الطعام ، ونصب موائد العسل . فقال ه رجاء : هذا الذي افترقنا عليه ؟ فقال له الزهري :أنزل ؛ فإن السخي لا تؤدبه التجارب .
    [/ALIGN]
    [الاسرى يمتشقون عبق الحرية..

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •