بسم الله الرحمن الرحيم


المبحث الأول: المصالح المرسلة وعلاقتها بمقاصد الشريعة
المصالح المرسلة عند اطلاقها تفيد معنى المصالح ذاتها لابناء الأحكام عليها. أما تقييدها (بدليل المصالح المرسلة) فيفيذ بناء الأحكام الجديدة على مقتضاها المعتبر شرعا وهو الاستصلاح باصطلاح الإمام الغزالي، وهناك من عبر عنها بالمناسب المرسل وبعضهم بالاستدلال وهذه الإطلاقات وإن كانت تظهر مترادفة إلا أن كل واحد منها عبر عن الموضوع من جهة معينه ذلك أن كل حكم يقوم على أساس المصلحة يمكن أن ينظر إليه من ثلاث جوانب.
أحدها: جانب المصلحة المترتبة عليه.
وثانيها: جانب الوصف المناسب الذي يتوجب ترتيب الحكم عليه تحقيق تلك المصلحة.
وثالثها: بناء الحكم على الوصف المناسب أو المصلحة.
فمن نظر إلى الجانب الأول عبر بالمصالح المرسلة وهو الإصطلاح المشهور ومن نظر إلى الثاني عبر بالاستصلاح أو بالمناسب المرسل ومن نظر إلى الجانب الثالث عبر بالاستصلاح والاستدلال.
وعن استعمال المالكية لمصطلح المصالح المرسلة يذهب صاحب المدخل الفقهي العام إلى أن الإمام مالك استعمل لفظ الاستحسان تعبيرا عن طريق الرأي "ثم استحدث فقهاء المذهب المالكي كلمة "المصالح المرسلة" عندما ظهرت الحاجة إلى الدلالة على ما ليس في موضوعه قياس مخالف من الأمور والقضايا الجديدة التي لا نص فيها ولا فيما يشابهها بعد أن كان لفظ الاستحسان هو المستعمل في هذا النوع".
إذن فقد استقر الاستعمال الاصطلاحي على المصالح المرسلة بحيث أصبحت تدل عند اطلاقها على المصالح ذاتها وأيضا على بناء الأحكام عليها باعتبارها دليلا مستقلا من أدلة الشريعة وطريقا من طرق الرأي المستند إلى الشرع.
فما هو مفهوم المصلحة؟ وما معنى كونها مرسلة؟ وما هو وجه علاقتها بمقاصد الشريعة؟ تتحدد الإجابة عن هذه الأسئلة في المطالب الآتية.
المطلب الأول: مفهوم المصلحة والإرسال لغة واصطلاحا:
المصلحة لغة: كالمنفعة وزنا ومعنى فهي إما مصدر بمعنى الصلاح كالمنفعة بمعنى النفع وإما إسم للواحدة من المصالح يقال أصلح أي أتى بالصلاح وهو الخير والصواب وفي الأمر مصلحة أي خير وهي ضد المفسدة والمنفعة هي اللذة أو ما كان وسيلة إليها ودفع الألم أو ما كان وسيلة إليه.
والإرسال لغة هو مجرد الإطلاق فتقول أرسلت الناقة إذا أطلقتها.
أما المصلحة في الإصطلاح فقد عرفها الإمام الشاطبي بقوله "وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعما على الإطلاق".
وقد هذب الطاهر بن عاشور تعريف الشاطبي للمصلحة إلى الصيغة الآتية وهي "أنها ما يؤثر صلاحا أومنفعة للناس عمومية أو خصوصية وملائمة قارة في النفوس في قيام الحياة" وعقب عليه بكونه غير منضبط.
أما تعريفه هو فقد عرفها بأنها "وصف للفعل يحصل به الصلاح أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو للآحاد".
فنبه في تعريفه هذا إلى ضرورة التأكد من تحقق نتائج المصلحة لإعتبارها كما أشار إلى تقسيم المصلحة إلى عامة وخاصة.
وقد عرفها الدكتور البوطي بأنها "المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها". وهو لا يخرج عما ذكره الإمام الغزالي في تعريفه للمصلحة.
والمرسل في الإصطلاح سمي بذلك "لإرساله أي إهماله عما يدل على اعتباره أو إلغائه" فكون المصلحة مرسلة هو "أن الشريعة أرسلتها فلم تنط بها حكما معينا ولا يلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس عليه فهي إذن كالفرس المرسل غير المقيد".
- المطلب الثاني : مفهوم المصالح المرسلة:
المصلحة المرسلة هي "اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصل معين فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص ولاكونه قياسا بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول" .
ذلك أن المناسب ينقسم إلى ما اعتبره الشرع وإلى ما ألغاه وإلى ما جهل حاله.
يقول الإمام القراقي "والذي جهل أمره هو المصلحة المرسلة التي نحن نقول بها وعند التحقيق هي عامة في المذاهب".
والقول بالمصالح المرسلة ليس محل اتفاق بل اختلف فيه أهل الأصول وعامتهم يتفقون على اسناد القول بها إلى الإمام مالك والحقيقة أنه عند التحقيق كما ذكر الإمام القرافي وافتقاد المذاهب نجد أصحابها إذا قاسوا وجمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدا بالإعتبار لذلك المعنى الذي جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة فهي حينئذ في جميع المذاهب".
ورغم كون المصالح المرسلة في جميع المذاهب كما قرره الإمام القرافي إلا أن المالكية كانوا أكثر اعتمادا عليها في استباط الأحكام وتنزيلها على وقائع الناس المتجددة وهو منهج إمامهم مالك رحمه الله إذ اتفقت كلمة أهل العلم على أن فقهه كان فقها مصلحيا يربط الأصول الشرعية بمصالح الناس ويبني الأحكام عليها على الإطلاق وذلك في قسم العادات دون العبادات ففي هذه الأخيرة التزم عدم الألتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادي الرأي أما قسم العادات "الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول، فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية نعم مع مراعاة قصد الشارع أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله".
إذن فاسترسال الإمام مالك في العمل بالمصلحة المرسلة لم يكن اعتباطيا وإنما كان مقيدا بقيود تمنع من تقدير المصلحة تبعا للأهواء والشهوات.
فقد أورد الشاطبي في الإعتصام عشرة أمثلة استحسانية واستصلاحية. من فقه الصحابة والتابعين واستنتج منها ثلاثة قيود يعتبرها المالكية شرائط. للمصلحة التي يعمل بها وتلك القيود هي:
1- التلاؤم بين المصلحة ومقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله. 2- أن يكون تقدير المصلحة في الأمور ذات المناسبات المعنوية المؤسسة شرعا على رعاية المصالح فلا مدخل للتعبدات وما جرى مجراه في الأمورالشرعية.
3- أن يكون حاصل المصلحة المرسلة إنما يرجع إلى حفظ أمر ضروري شرعا أو رفع حرج في الدين فتكون من باب "ما لا يتم الواجب إلا به" .
فهذه القيود الموضوعة للحد من الاسترسال في المصالح على وجه التشهي تمنع من أن يكون الإمام مالك رحمه الله وأتباعه قد خلعوا الربقة أو سيروا أمور الناس على مقتضى الشهوات والأهواء فهو رحمه الله في العمل بالمصالح المرسلة "لم يخالف نصا مقطوعا به إلا للضرورة الملجئة فإن حالة الإضطرار تجيز إسقاط بعض الواجبات اللازمة في حال الإختيار وذلك ثابث بالنصوص القاطعة".
ويظهر من هذه القيود مدى ارتباط المصالح المرسلة بمقاصد الشريعة فإنه لما كانت مقاصد الشريعة معاني عامة مستفادة من استقراء مجموع نصوص الشارع بحيث أفاذ ذلك قواعد كلية في مراتب متفاوتة من الضروريات والحاجيات والتحسينات فإن المصالح المرسلة جزئية من جزئيات هذه القواعد الكلية ولإبراز وجه هذه العلاقة خصص المطلب الأخير من هذا المبحث.
المطلب الثالث : علاقة المصالح المرسلة بمقاصد الشريعة.
أ- التلاؤم بين المصلحة ومقاصد الشارع
يمكن اعتبار القيود الموضوعة للعمل بالمصالح المرسلة من أهم ما يبرز هذه العلاقة فملاءمتها واندراجها في مقاصد الشارع هو ما يكسبها حجية العمل بها إذ أن بناءا الأحكام على المصلحة لا يتم إلا إذا كانت مندرجة تحت قصد الشارع إذ أن من ضوابط المصلحة المرسلة أن تكون مندرجة في مقاصد الشارع.
كما أن تخصيص العموم بالمصالح هو في حقيقة الأمرليس تخصيصا بالمصلحة المجردة"وإنما هو بما استندت إليه من أصل كلي وما تفرع عنه من قواعد كلية فهو ليس تخصيصا بالتشهي المجرء .... والتخصيص بالمصلحة المرسلة هو تعطيل مؤقت لفرد من أفراد العموم للحاجة والمصلحة فإذا زالت الحاجة والمانع رجع ذلك الفرد المستثنى إلى حكمة الأصلي".
ب- مراعاة المصالح مقصد عام للشريعة وخاص عند كل حكم من أحكامها: وفي ذلك يقول الشاطبي. "فإن الشريعة قد تبث أنها تستمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في الجملة أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا وقولا وعملا فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتي يرتاض بلجام الشرع" .
إذ لا يخالف أحد في أن أحكامه سبحانه متكفلة بمصالح العباد في الدارين وأن جلب المصالح عبارة حاوية لرعاية مقاصد الشريعة من جانب الوجود وأن درء المفاسد مراعاة لها من جانب العدم.
ج- جلب المصالح ودرء المفاسد قاعدة لمرونة الشريعة وخلودها: ذلك أن جلب المصالح الحقيقية الموافقة لروح الشريعة يمثل جانبا مهما في إبراز محاسن الشريعة وجمالها وسر خلودها وترغيب الناس فيها وفي المقابل فإن اهمال المصالح الحقيقية المضبوطة بضابط الشرع فيه هدر لهذه المقاصد وخرم لها ومناقضة لمطلوب الشارع ومراده مما قد يجلب العنث والمشقة ويظهر الشريعة بمظهر تبدو فيه غير ملائمة وملبية لحاجات المكلفين ومصالحهم.
د- ابتناء المقاصد على المصلحة
إن أساس المصلحة هو قوام نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي تقعيدا وعند من سبقه تنظيرا، ذلك أن فقهاء الإسلام أقروا على اختلاف أزمنتهم على أن الشريعة مصلحة والمصلحة شريعة ويظهر هذا المعنى فيما أصلوه من أصول تشريعية من استصلاح ومصالح مرسلة واستحسان. وفيما قعدوه من قواعد فقهية كقاعدة (جلب المصالح ودرء المفاسد) وقواعد مقاصدية كقاعدة (المصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها بالمفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد).
هذه بعض أوجه العلاقة بين المصالح المرسلة ومقاصد الشريعة لم أتوخ استقصاءها إذ الإلمام بجميع الوجوه يتطلب معرفة متينة بأصول الفقه ومقاصد الشريعة، فبقدر التعمق في فهمهما تلوح مظاهر العلاقة بينهما.


وبقية المباحث في فرصة مقبلة ان شاء الله.