صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 51

الموضوع: لماذا لا تؤول صفتا السمع والبصر إلى صفة العلم كغيرها من الصفات غير العشرين؟

  1. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    سيدي الأزهري
    جزاكم الله خير الجزاء على توجيهكم الكريم لي
    أحب سيدي أن أضيف أنني ولله الحمد والمنة قد كنت توسلت إلى الله تعالى ببركة سيدي الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رضي الله عنه وقدس روحه لكي يدلني الله تعالى على كلام للعلماء مناسب للغة وخطاب هذا العصر يحل الاشكال المتعلق بهذا الموضوع بما يبعدنا عن التعقيدات الكلامية ويردنا إلى بداهة الايمان وبساطته ووضوحه واشراقه ولقد أكرمني الله تعالى بعثوري على كلام رائق شاف واف لسماحة الشيخ سعيد فودة حفظه الله
    وهذه ولله الحمد بركة توسلي إلى الله تعالى بالشيخ الأكبر رضي الله عنه فلله الحمد والمنة وحده لا شريك له
    لقد كنت توصلت ولله الحمد والمنة أن القولين المختلفين في الظاهر : أي كون السمع والبصر نوعين خاصين من العلم في قول وكونهما زائدين على العلم في قول آخر هما قولان متفقان في الجوهر و أن مبعث الاختلاف هو في الحقيقة التباين في فهم معنى العلم فإذا اقتصرنا بالعلم وكما هو دارج على مفهوم العلم الكلي أي العلم بالكليات وبالجزئيات على نحو كلي فلا ريب هنا وبالبداهة أن السمع والبصر زائدان على العلم
    و إن فهمنا العلم بمعنى الكشف مطلقاً بقطع النظر عن حيثيته فإن مفهومه يتسع ليشمل ضمناً مفهومي السمع والبصر أي أن علم الله تعالى حقيقة يتضمن معنى السمع والبصرفهو موصوف حقيقة بأنه عليم وهو موصوف حقيقة بأنه سميع بصير وذلك لكمال علمه تعالى ( وإذا عدنا لكلام الغزالي قدس الله سره نجده يصرح باعتبار السمع والبصر كمالاً للعلم )
    وبهذا يلتئم القولان ويصيران قولاً واحداً ولله الحمد وهذا غير ما ذهب إليه المعتزلة

    أما النص الملفت للانتباه لسماحة الشيخ فودة حفظه الله فهو التالي من شرحه لعقيدة ابن الحاجب رحمه الله تعالى :


    الكلام في السمع والبصر
    وتنـزيه الله تعالى عن صفات المحدثات
    ويجب على المكلف أن يؤمن أن الله تعالى متصف بأنه [سميعٌ بَصيرٌ]، وأنه تعالى يسمع ويبصر [بِصِفَتَيْنِ] قائمتين بالذات لا بجارحة ولا بحدقة [زائِدَتَيْنِ على العِلْمِ] أي غير العلم.
    والحقُّ أن هذا الأمر -أي كونهما زائدتين على العلم- ليس من الأمور التي هي من العقائد القطعية، بل فيها خلاف بين العلماء، لأن أدلتها لم ترتق إلى مستوى القطع، ومعلوم أنه لا يدخل في العقائد التي يكفر من يخالفها إلا ما كان من الأمور القطعية.
    ولذلك أشار المصنف العلامة إلى ما ذكرناه هنا فقال: إن كونهما صفتين زائدتين على العلم إنما هو بناءاً [على] القول [الأَصَحِّ] عنده وعند جمهور العلماء، والأصل السير على القول الأصح والمشهور حتى يتبين أن دليله ليس راجحاً كما في هذه المسألة.

    الإشارة إلى اختلاف أهل السنة
    في معنى السمع والبصر
    واعلم أن المشهور أن جمهور الأشاعرة على القول بأن سمعه تعالى وبصره هما صفتان غير العلم، وأن ما ينكشف بهما غير ما ينكشف بالعلم، وأن كلاً منهما يتعلق بالموجودات لا بالمسموعات والمبصرات فقط، تعلقاً يترتب عليه انكشاف متمايز لكل منهما، وهذا كلُّه مبنيٌ على القول أن للعلم تعلقاً واحداً فقط هو تعلق تنجيزي قديم، وأما على ما حققه بعض الأفاضل من قول الإمام الأشعري فإن للعلم تعلقين: أحدهما تنجيزي قديم والآخر تنجيزي حادث عند حدوث المسموعات والمبصرات، وهذا التعلق الحادث هو المعبر عنه بالسمع والبصر، فيرجعان عنده إلى العلم وهو اللائق بمذهبه حيث إنه يقول: إن الحس راجع إلى العلم بالمحسوس. وأما السادة الماتريدية الأحناف فقالوا: إن السمع والبصر راجعتان إلى العلم، وهما وإن رجعا إلى صفة العلم بمعنى الإدراك، فإثبات صفة العلم إجمالاً لا يغني في العقيدة عن إثباتهما تفصيلاً بلفظيهما الواردين في الكتاب والسنة، لأنا متعبدون بما ورد فيهما.
    التعليق على هذه المسألة
    وهذه المسألة من المسائل التي علم بين العلماء أنها لا تؤول إلى إنكار أمر معلوم من الدين بالضرورة أو إنكار ما علم أن السلف أجمعوا عليه، بل هي من المسائل المحتملة للخلاف؛ ولذا لم يُشَنِّعْ بعضُهُمْ على بعضٍ.
    واعلم أن الحجة في إثبات السمع والبصر على أنهما غير العلم ليست عقلية بل هي سمعية، وأن دلالتها على إثباتهما غيراً ليست قطعية، فتدبر.


    صفات الإدراك
    [و] كذا وصفه البعض [بصفةِ] إدراك [الشَمِّ وَ] إدراك [الذَّوْقِ وَ] إدراك [الَّلمْسِ] من دون مماسته منه تعالى لخلقه.
    وهذا الكلام صحيح [على رأيِ] السادة الماتريدية ومن وافقهم من الأشاعرة كالإمام الباقلاني والإمام الجويني القائلين بأن الله تعالى يتصف بصفة أسموها الإدراك، بها يدرك الله تعالى المعلومات وما من شأنه أن يدرك كما مر.
    واعلم أن المحققين أرجعوا هذه الأمور كلها إلى العلم، كما قال السادة الماتريدية في صفة السمع والبصر.
    وهذا الكلام لا يعني على كل الأحوال أن يوصف الله تعالى بأنه يمس الأجسام بذاته كما يقوله المجسمة، أو أنه يجوز عليه ذلك.
    وقد أشاع بعض المجسمة المبغضين لأهل السنة أن الأشاعرة من أهل السنة يقولون أن الله تعالى يمس مخلوقاته، معتمدين على أن هؤلاء ومعهم الماتريدية أثبتوا لله تعالى صفة الإدراك التي تتعلق بالمسموعات، وأوهموا عامة الناس أن أهل السنة يوافقونهم في هذا كله، وهذا في غاية القبح. فتنبه.

    انتهى كلام فضيلة الشيخ سعيد فودة حفظه الله من شرحه الماتع النافع على عقيدة ابن الحاجب
    ومنه يتبين أن محققي الأشاعرة ردوا السمع والبصر إلى العلم على معنى الزيادة في مفهوم العلم لا على معنى سلب معنيي السمع والبصر كما فعل المعتزلة
    فثمة تعلق تنجيزي قديم للعلم الالهي بكل الموجودات و المعدومات وتعلقات تنجيزية حادثة للعلم الالهي بالموجودات الجزئية العينية الحادثة وهذا معنى اثبات السمع والبصر لله تعالى وهو معنى زائد على المعنى الذي قرره الفلاسفة والمعتزلة للعلم
    هذا ولربما كان في القرآن الكريم مايشهد لهذا الفهم بالصحة فقد استعمل البيان الالهي أحياناً التعبير عن الذات المقدسة بالعلم في مواضع الرؤية فهل هذا فرع من صحة فهم الرؤية على أنها نوع علم ؟
    المهم أخيراً هو القطع بثبوت صفتي السمع والبصر لله تعالى حقيقةً ومغايرتهما للعلم حقيقةً ( سواء بمعنى الخصوصية أو بمعنى الزيادة)

    هذا وان كان ما فهمته صواباً فمن الله تعالى و إن كان خطأً فمني ومن الشيطان
    غفر الله لي و لكم ولسائر المسلمين
    والصلاة والسلام على رسول الله ولله الحمد لا شريك له
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

  2. لم أفهم كيف يكون تعلق العلم تنجيزياً حادثاً عند حدوث السموعات والمبصرات عند من يقول بذلك ؟

    هل من توضيح ؟؟
    ومبلغ العلم فيه أنه بشر ** وأنه خير خلق الله كلهم

  3. اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماهر محمد بركات
    لم أفهم كيف يكون تعلق العلم تنجيزياً حادثاً عند حدوث السموعات والمبصرات عند من يقول بذلك ؟

    هل من توضيح ؟؟
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    سيدي ماهر بركات
    المشكلة تأتي هنا من فهم السمع والبصر بنفس معنى العلم الذي هو بدونهما فهنا ينشأ الاشكال الخطير الذي وقع فيه القدرية الخالصة الذين قالوا : لا قدر والأمر أنف
    في حين أن ما نقوله : هو أننا لا نفعل أكثر من نقل تعلقات السمع والبصر إلى العلم زيادة على التعلق القديم ( الكلي إن جاز التعبير )
    وعندها لا نقص بل محض كمال
    أي أن الله تعالى يعلم في الأزل بكل ما سيخلقه ( ولا وجود لشيء سواه إلا بخلقه تعالى له ) ويعلم كل شيء
    وعندما يحدث الشيء المرئي فإن العلم يتعلق به تعلقاً حادثاً (من حيث هو مرئي ) هو الذي نسميه رؤية
    وهذا أمر لا نكارة فيه
    أي أننا في هذه الحالة لم نزد على مثبتي السمع و البصر ( ونحن منهم ) إلا فقط بتسمية السمع والبصر علماً مع بقاء نفس المعنى بيننا و بينهم
    وهذه التسمية لم أرها مشكلة عند أهل السنة وقد رأينا ذلك من إمام أهل السنة أعني الامام الأشعري رضي الله عنه فهو الذي اعتبر في قول له السمع والبصر من العلوم المخصوصة بالموجودات
    وهذه التسمية مبعثها ملاحظة أن السمع والبصر هما في الحصيلة كشف أو صفتان كاشفتان
    ولكن ما الحادي لنا على عدهما علماً ؟
    بالنسبة لي : إن لذلك ميزة تتمثل في التخلص كلياً من اشكال البحث في باقي الادراكات إذ إذا نظرنا إليهما أي السمع والبصر كعلمين مخصوصين بالموجودات
    فبوسعنا أن نقول عندئذ أن علمه تعالى الخاص بالموجودات شامل لكل الموجودات وبكل معانيه و لكننا لا نصفه إلا بالالفاظ الواردة في الشرع
    فقد ورد وصفه بالسمع والبصر إذاً نصفه بهما
    ولم يرد وصفه بباقي الادراكات فنتمتنع عن وصفه بها مع يقيننا بشمول علمه
    مرة أخرى أخي لتقريب المسألة :
    ما تثبته سمعاً وبصراً زائدين على العلم نحن نثبته معك
    نعم لكننا نرد السمع والبصر مع العلم (الذي تثبت زيادة السمع والبصر عليه ونثبتها معك )إلى المعنى المطلق للعلم أي الكشف مطلقاً بقطع النظر عن حيثيته
    سيدي لذا لا خلاف بيننا
    و أنت على صواب وحق مئة في المئة في اثباتك للسمع والبصر لله تعالى زائدين على العلم
    لأن العلم الذي تفهم زيادة السمع والبصر عليه ليس ما أقصده بالعلم الذي يصح إدراج معنى السمع والبصر ضمن مفهومه
    بل إن العلم الذي تقصده هو نفسه يندرج مع السمع والبصر الزائدين عليه ضمن مفهوم أوسع للعلم
    لذلك فأنت على حق وصواب بكل تأكيد
    وعلى فكرة هذه اجابة مؤقتة من هذا العبد الضئيل ريثما يتفضل سماحة الشيخ سعيد فودة حفظه الله و أعلى مقداره و حفه ببركات الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما كان واتجه بالاجابة
    و إلا فإنني لم أجب على سؤالك بل فقط ساهمت بالتفكير معك لا أكثر
    والجواب أجده واياكم إن شاء الله عند أهل الاختصاص أعني سماحة الشيخ سعيد حفظه الله

    والصلاة والسلام على رسول الله
    ولله الحمد
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

  4. في الحقيقة إن للعلم تعلقا واحدا تنجيزيا قديما فقط على القول الصحيح، ولا أريد أن أقول الأصح. هذا هو المشهور عند المتقدمين والمتأخرين.
    ولكن حصل أن نسب بعض العلماء من المتأخرين القول بالتعلق التنجيزي الحادث للعلم إلى الإمام الأشعري، وهو ما أشرت إليه في شرحي القديم لعقائد ابن الحاجب، وأذكر أني نقلته عن الشيخ المطيعي في حاشيته على شرح الخريدة آنذاك(وتبين لي أن الشيخ المطيعي وإن كان له باع في الأصول، إلا أن له بعض الآراء الخاصة في علم التوحيد، وقد عزوت ذلك في ردي عليه في مسألة التسلسل إلى تأثره بجمال الدين الأفغاني)، ولما كان القول بذلك غريبا ، بلا فرق بين أن ينسب إلى الأشعري أو إلى غيره، حاولت تفسيره على الصورة التي ذكرتها في الشرح المذكور، وحملت قولهم بالتعلق التنجيزي الحادث على الوصف الإضافي لنفس التعلق القديم للعلم، ولكنه بملاحظة وجود متعلقه يسمى تنجيزيا حادثا، بهذا المعنى، لا أنه لم يكن ثم كان، ويمكن حمله على أن المراد به التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر مثلا، من حيث إنهما راجعان إلى العلم على قول للأشعري، وغيره من علماء أهل السنة، ويمكن أن يحمل على أنه نفس التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر ولو بلا إرجاعهما إلى العلم، ولكن على كونهما من صفات الإدراك فيطلق عليه آنذاك أنه تعلق تنجيزي للعلم تجوزا، بملاحظة اندراج العلم والسمع والبصر تحت معنى أعم ولو كان لازما عنها وهو الإدراك أو التمييز.
    وبغير هذه المحامل لا يكون للقول بهذا التعلق التنجيزي وجه. والله تعالى أعلم.
    أما القول بأن التعلق القديم للعلم يتعلق بالكليات والتنجيزي الحادث يتعلق بالجزئيات الحادثة آنا بعد آن، فهو قول باطل كما لا يخفى عند أدنى نظر.
    ثم إنني راجعت القول بالتعلق التنجيزي ونسبته إلى بعض علماء الأشاعرة، إطلاقا، فبعضهم نسبه إلى الإمام التفتازاني وعزوا إلى حاشيته على الكشاف، وهي ما زالت مخطوطة، عندي نسختان منها، فراجعت ذلك الموضع، فلم أجد عزوهم صحيحا. وممن عزاه إلى الإمام السعد التفتازاني ، ابن عاشور في تفسيره، وأشار إلى أن المحقق عبد الحكيم ذكر هذا القول ب(قيل)، وذلك في رسالة له، وغلب على ظن ابن عاشور أنه يقصد الإمام التفتازاني في حاشيته على الكشاف. وكذلك فإن الإمام التفتازاني لم يقل بهذا التعلق التنجيزي في أي من كتبه المشهورة المعلومة في العقائد كشرح المقاصد وشرح التهذيب في الكلام وشرح النسفية. فبطلت نسبة هذا القول إليه.
    وأما الإمام السنوسي وأتباع مدرسته وغيرهم من المتأخرين، فكلهم على أن للعلم تعلقا واحدا تنجيزيا قديما لا حادثا.
    وأنا في صدد نشر رسالة خاصة عن التعلقات للصفات الإلهية لأحد المتأخرين من العلماء، بعد أن كتبت في هذا الموضوع رسالة خاصة.
    هذا ما خطر على بالي الآن، فإن لزم زيادة تفصيل، فليتفضل الإخوة بالسؤال.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    سيدي سماحة الشيخ سعيد فودة حياكم الله وبياكم على هذا الشرح الوافي الشافي
    لكن هنا أحب أن أؤكد سيدي الفاضل أنني عندما قلت أنه في حال ارجاع السمع والبصر إلى العلم فليس بمعنى العلم بالكليات
    والعلم بالجزئيات على نحو كلي بل بمعنى هو وراء العلم بالجزئيات على نحو كلي
    أي أنني لا أشك إطلاقاً ببطلان تفسير االتعلق القديم للعلم بأنه قاصر على الكليات وتعلقه التنجيزي الحادث هو المختص بالجزئيات الحادثة
    ولا أظن أحداً على حد علمي يقول بهذين القولين معاً
    فالفلاسفة أو جمهرة كبيرة منهم لم يعترفوا إلا بالعلم بالكليات فحسب كصفة لله تعالى
    في حين أن القدرية الخالصة أي نفاة العلم السابق لم يعترفون بالعلم بالكليات ولا العلم الذي يتعلق بالجزئيات على وجه كلي في حق الله تبارك وتعالى
    ولكن هل هناك علم بالجزئيات وراء العلم بها على نحو كلي ؟
    هناك من الفلاسفة الشيعة من يقول بذلك وللتأكد من ذلك يمكن مراجعة كتاب قواعد العقائد للطوسي بتحقيق الكلباكياني في موقع الشيخ السبحاني
    ففي تعليقات المحقق ينقل عن أحد فلاسفة الشيعة اثبات علم بالجزئيات على نحو كلي ومن ورائه علم للجزئيات بجزئياتها
    وهو يرد معنى السمع والبصر إلى اثبات هذا القسم من العلم
    هذا أمر يطول الحديث فيه
    ولكن هنا بالمناسبة أتوجه إلى سيدي الشيخ سعيد فودة متسائلاً عن رأيه في تقسيم الشيعة للعلم إلى حضوري وحصولي وتقسيم الحصولي إلى كلي وجزئي حتى أنهم فتحوا الباب مؤخراً للقول برؤية الله تعالى في الآخرة بمعنى تحقق العلم الحضوري به تعالى وهم يسمونها رؤية قلبية


    أخيراً
    فإن ما فهمته من ادراجح السمع والبصر في معنى العلم على القول بأن له تعلقاً تنجيزياً حادثاً (زائداً على تعلقه القديم بالجزئيات والكليات ) هو كما تقضلتم سيدي الفاضل بشرحه على النحو التالي عندما شرحتم وجه اثبات هذا التعلق الحادث :

    ويمكن حمله على أن المراد به التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر مثلا، من حيث إنهما راجعان إلى العلم على قول للأشعري، وغيره من علماء أهل السنة، ويمكن أن يحمل على أنه نفس التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر ولو بلا إرجاعهما إلى العلم، ولكن على كونهما من صفات الإدراك فيطلق عليه آنذاك أنه تعلق تنجيزي للعلم تجوزا، بملاحظة اندراج العلم والسمع والبصر تحت معنى أعم ولو كان لازما عنها وهو الإدراك أو التمييز


    جزاكم الله خيراً سيدي الشيخ سعيد وحفكم الله تعالى بأنوار وبركات الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
    والحمد لله
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

  6. هو هذا الكلام الذي قاله الشيخ سعيد بالنسبة لتأويل كلام من قال بالتعلق التنجيزي الحادث أمر متحتم ولا يقبل إلا بذلك التأويل وجزاه الله خيرا.
    لا إله إلا الله محمد رسول الله

  7. الحضوري عند الشيعة هو ضور نفس المعلوم عند العالم أو فيه، وهذا المعنى غير مستقيم على أصولنا كما لا يخفى، وعلم الله تعالى لا يقال عليه إنه حصولي، ولا يقال عليه إنه كلي ول اجزئي، بل الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات، فهذه معلومات له، لا أنها صفة علمه.
    وأنا أعلم أن بعض الشيعة وبعض الصوفيه القائلين بوحدة الوجود -وليس كل الصوفية قائلين بوحدة الوجود، بل أغلب الصوفية من أهل السنة غير قائلين بها-يجعلون المشاهدة الراجعة إلى البصر أصلا للعلم، فهم قد عكسوا ما قال به بعض المتكلمين، كما ترى، وذلك بناء على أصولهم، كمالا يخفى. وهذا أيضا مما لا نرتضيه ولا نراه صحيحا.
    وإذا أطلق بعض علماء أهل السنة وصف الحضورى على علم الله تعالى فإنما يريدون بذلك مجرد عدم السهو والغفلة، ولا يريدون المعنى السابق الذي أشرنا إليه.
    فتأمل.
    وأكثر المتأخرين من الشيعة هم أتباع الملا صدرا وهذا قد مزج في فلسفته بين المشائين والإشراقيين، آخذا ذلك كله في حوزة وحدة الوجود كما تلقاها من ابن عربي ومن قال بها من تلامذة ابن عربي، مع بعض التعديلات في مفهوم الوجود إذ قال إنه مقول على التشاكك لا التواطؤ، وبناء عليه فقد جعل الكثرة ليس فقط في الاعتبارات العلمية كما عند ابن عربي في أغلب كلامه، بل في الوجود نفسه، وبعض الإضافات الأخرى ليس هذا مجال شرحها، ومن هؤلاء محمد باقر الصدر والطباطبائي صاحب التفسير والمطهري ، ومن أواخرهم جعفر السبحاني، كل هؤلاء يمشون على أصول واحدة تقريبا، يختلف إظهارهم لها وتأييدهم لها، بحسب تمكنهم من الأصول الفلسفية والذوقية النظرية. وسوف يكون لنا جولة قريبا معهم، بإذن الله تعالى.
    والله الموفق.
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 28-04-2006 الساعة 10:06
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. القول المحرر في تعلقات العلم والسمع والبصر

    القول المحرر في تعلقات العلم والسمع والبصر

    الحمد لله الذي أمر بمعرفة صفات كماله، وجعل كمال الإنسان مترقيا بزيادة إدراك نعوت جلاله، والصلاة والسلام على أعرف المخلوقات بربه، المترقي بلا نهاية في معارج حضرة قدسه.
    أما بعد، فيسعدني أن أشارك فرسان المنتدى في هذه المباحث الشريفة، مبرزا بعض آراء نظّار هذه الملة الحنيفة، فقد وصلوا الغاية في تحقيق العلوم الإلهية، ولم يلحدوا في أسماء وصفات ربهم العلية، والقصد من رواء ذلك إيقاظ الهمم لاستخراج الأفكار العلية، وعدم الوقوف مع ظواهر نقول العلماء الوفية.
    وسأبدأ بتصحيح قول أورده الشيخ سعيد أسعده الله، وهو أن الإمام التفتازاني لم يقل بهذا التعلق التنجيزي الحادث للعلم في أي من كتبه المشهورة إلخ، فهو غير دقيق، فقد قال في شرح المقاصد في المبحث الخامس في أنه سميع بصير ما نصه: فإن قيل: لو كان السمع والبصر قديمين لزم قدم المسموع والمبصر كذلك؛ لامتناع السمع بدون المسموع والإبصار بدون المبصر. قلنا: ممنوع؛ لجواز أن يكون كل منهما صفة قديمة لها تعلقات حادثة كالعلم والقدرة. (شرح المقاصد مج4/ص140. تحقيق د. عبد الرحمن عميرة. عالم الكتب، ط2، 1998) فهذا تصريح منه في غضون دفع الاعتراض بأن للعلم تعلقا حادثا قياسا على القدرة. وسيأتي إبطال جوابه وأنه ليس بشيء.
    ولما كان أساس الحوار حول صفتي السمع والبصر، أقول: مذهب جمهور الأشعرية أن السمع والبصر معنيان ثابتان متميزان عن العلم وإن شاركاه في الإحاطة بالشيء على ما هو به؛ قال الإمام الفخر الرازي في المحصل: "اتفق المسلمون على أنه سميع بصير، لكنهم اختلفوا في معناه، فقالت الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري: ذلك عبارة عن علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات، وقال الجمهور منا ومن المعتزلة والكرامية: إنهما صفتان زائدتان على العلم". (ص123. المطبعة الحسينية المصرية، 1323هـ) ، وقال السعد التفتازاني في شرحه على المقاصد:" المشهور من مذهب الأشاعرة أن كلاّ من السمع والبصر صفة مغايرة للعلم". (مج4/ص140، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، ط2، 1998)
    وهذا ثابت بالأدلة السمعية التي لا موجب لتأويلها وإرجاعهما إلى العلم، والآيات المثبتة للسمع والبصر والأحاديث لا تحصى كثرة. ومن المعلوم من مذهب الشيخ الأشعري رحمه الله المحافظة على ظواهر الكتاب والسنة مهما أمكن ذلك، وقد دلت على أن السمع والبصر مغايران للعلم، وقد أخرج البخاري في باب  وكان الله سميعا بصيرا  عن عائشة رضي الله عنها قالت: « الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات » . وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرحه: وقال البيهقي في الأسماء والصفات: السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته. وقد أفادت الآية وأحاديث الباب الردّ على من زعم أنه سميع بصير بمعنى عليم.
    وقد قال الإمام الفخر الرازي في المعالم: الدلائل السمعية دالة على كونه تعالى سميعا بصيرا، والعقل أيضا يقوي ذلك لما أن هذين النوعين من الإدراك من صفات الكمال، ويجب وصف الله تعالى بكل الكمالات، فوجب علينا إثبات هذه الصفات، إلا أن يذكر الخصم دليلا عقليا يمنع من إجراء هذه الآيات والأخبار على ظواهرها، ولكن ذلك معارضة، فمن ادعاها فعليه البيان. انتهى (معالم أصول الدين، للفخر الرازي، ص 46، 47، المطبعة الحسينية المصرية، 1323هـ)
    ولا خفاء كذلك عند كل ناظر منصف في دلالة الأخبار على مغايرة السمع والبصر للعلم، ولا ضرورة إلى العدول عنها، إذ الاحتياج إلى الآلات الجسمانية إنما هو في حقنا عادة، والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، فهو يدرك المسموعات والمبصرات من غير توقف على آلة جسمانية. فإن سمعه وبصره قديمان ومتعلقان بالفعل بمتعلقهما أزلا لثبوت المسموعات والمبصرات في علم الله الأزلي، على ما نبينه، ووجودهما العلمي كاف للتعلق، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
    وهذه النقول كافية في رد كلام من يحاول إرجاع السمع والبصر إلى نوع العلم ونسبة ذلك إلى بعض الأشاعرة. ولم يبق إلا أن الاختلاف بالتحقيق إنما هو في التعلقات، فبعد الاتفاق على أن سمعه تعالى وبصره يتعلقان تنجيزا أزلا بذاته تعالى وصفاته، اختلف في تعلقهما بالذوات والأعراض الحادثة هل هو تعلق تنجيزي قديم لا غير كتعلق العلم بالمعلومات على ما نبينه، أو هو تنجيزي حادث قياسا على القدرة، بمعنى أنهما صفتان أزليتان مستعدتان للتعلق بالحوادث عند وجودها، كما أن القدرة مستعدة أزلا لإيجاد أو إعدام الحوادث بها فيما لا يزال على وفق تعلق الإرادة بذلك.
    فالسمع عند أصحاب الرأي الأول والذي نذهب لترجيحه: هو صفة متعلقة أزلا بكل ما يصح أن يكون مسموعا من الكلمات النفسية واللفظية للخالق والمخلوق وإن لم يكن المخلوق موجودا في الخارج أزلا، والبصر صفة محيطة بمجموع المعلومات والمبصرات سواء كانت موجودة في الخارج أو في علم الحق تعالى أو في ذهن الخلق، فمصحح تعلق السمع والبصر بالشيء عندهم هو الوجود والثبوت مطلقا العلمي والخارجي والذهني؛ قال الحق جل جلاه: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) [الزخرف:80]. ولما ذهب جمهور الأشاعرة إلى أن كلا من السمع والبصر صفة مغايرة للعلم، فيجب أن تبقى الآية على ظاهرها عندهم، وهي صريحة في أن الله تعالى يسمع السر والنجوى، والسر شامل للكلام النفسي، وقد اعترف صاحب الكشاف بذلك. فقال: السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. فما يحدّث به الرجل نفسه هو أحد قسمي السر المسموع بالنص، وليس ما يحدث به الرجل نفسه عدم محض، بل هو كلام نفسي وألفاظ متخيلة لها ثبوت ذهني بحيث إذا تلفظ بها كانت كلمات لفظية مرتبة ترتيبا خارجيا مسموعا عادة.
    فالآية دليل على أن الوجود الذهني كاف لتعلق السمع، وكل ما يصح أن يكون مسموعا صح أن يكون مرئيا عن الإمام الأشعري، فمصحح تعلق السمع والبصر على هذا هو مطلق الوجود، ذهنيا كان أو خارجيا، لا الوجود الخارجي فحسب كما اشتهر عن أتباعه رحمهم الله تعالى، وعند التحقيق فهم لا يأبون القول بذلك ولا ينفون الوجود الذهني، قال الشيخ البكي الكومي في شرحه على عقيدة ابن الحاجب: للشيء أربع وجودات: وجود في العيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البَنان. انتهى. وقال كذلك: اتفق أهل السنة على أنّ السمع يتعلَّقُ بجميع المسموعات، وهو الكلام وما يتركب منه، نفسانياً أو لِسانِياً، والهواجس والخواطر التي يتحدَّث بها الضمير، وأمّا البصر فيتعلَّقُ بجميع المُبْصَرات، وهي الألوان، والأضواء، والظُّلَم، والجواهر، والأشكال، والمقادير، والأكوان الأربعة وهي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.
    وقال الإمام حجة الإسلام رحمه الله في كتاب ذم الجاه والرياء من كتاب الإحياء: الحمد لله علام الغيوب، المطلع على سرائر القلوب، المتجاوز عن كبائر الذنوب، والعالم بما تخفيه الضمائر من خفايا العيوب، والبصير بسرائر النيات وخفايا الطويات.
    والشاهد من كلامه رحمه الله أن رؤية الله تبارك وتعالى متعلقة بالموجودات الذهنية، فكل موجود يصح أن يرى، خارجيا أو ذهنيا، فمصحح تعلق الرؤية بالشيء هو الوجود مطلقا.

    وبما أن للحوادث وجود أزلي في علم الله تعالى كما سنبينه عند الكلام على صفة العلم، صح تعلق السمع والبصر تنجيزا أزلا بها على نحو تعلق العلم، وخلاف ذلك يؤدي إلى النقص، والنقص على ذلك التقدير قديم فلا يرتفع، وإذا ارتفع فرضا حلت صفات حادثة بذات الباري تعالى عن ذلك.

    وأما على القول الآخر، فالسمع والبصر صفتان أزليتان مستعدتان لإدراك المسموع والمبصر الحادث عند وجودهما، والتجدد على رأيهم إنما هو في المسموع والمبصر عند وجودهما لا في صفتي السمع والبصر القائمتين أزلا بذات الله تعالى، وتعلقهما بالحوادث إنما هو تنجيزي حادث لا غير، وذلك حذرا من التزام قدم المسموعات والمبصرات.
    وقد أورد التفتازاني في شرح المقاصد شبهة علقت بأذهان أصحاب هذا القول أدت إلى التزامهم بها، وهي أن الحق سبحانه وتعالى لو كان سميعا بصيرا، فإما أن يكون السمع والبصر قديمين فيلزم قدم المسموع والمبصر، أو حادثين فيلزم كونه تعالى محلا للحوادث. (شرح المقاصد مج1/ص140). ودفعها يكون باختيار الشق الأول من الترديد، وقول المعترض: فيلزم قدم المسموع والمبصر، جوابه أنه إن أراد قدمها باعتبار الوجود الخارجي فهو غير لازم، إذ الوجود الخارجي ليس شرطا للسمع والبصر، بل يكفي الوجود العلمي والذهني، وإن أراد قدمها في الجملة فهو مسلم وغير مضرّ لأن الحوادث كلها لها وجود علمي قديم؛ قال الأستاذ الجلال الدواني رحمه الله في شرحه للعقائد العضدية: "للحوادث وجود أزلي في علم الله تعالى؛ إذ تعلق العلم باللاشيء المحض محال بديهة، وما يقوله الظاهريون من المتكلمين أن العلم قديم والتعلق حادث لا يسمن ولا يغني من جوع؛ إذ العلم ما لم يتعلق بالشيء لا يصير ذلك الشيء معلوما، فهو يفضي إلى نفي كونه تعالى عالما بالحوادث في الأزل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". (شرح العقائد العضدية ص131، لمحمد بن أسعد الصديقي الشهير بالجلال الدواني. المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ) وسيأتي مزيد تقرير لذلك عند الكلام على العلم.
    فنعود ونقول: إن الحادث للمسموعات والمبصرات وجودها الخارجي، ولا يلزم من تجدد تعلق السمع والبصر بهما إثر وجودهما الخارجي حلول الحوادث بذاته تعالى لأن التجدّد في المسموع والمبصَر عند وجودهما خارجا لا في الصفتين، فلا يحدث له تعالى السمع بحدوث المسموعات، بل كانت مسموعة له في الأزل، ولا تحدث له تعالى الرؤية عند حدوث المبصر، بل كل ما يصير موجودا فيما لا يزال فهو ثابت في علمه تعالى أزلا فهو مسموع ومرئي له بالفعل أزلا ولم يزل، كما أنه معلوم بالفعل أزلا ولم يزل.
    وبهذا يسقط ما قاله السعد من جواز أن يكون كل من السمع والبصر صفة قديمة لها تعلقات حادثة كالعلم والقدرة. (شرح المقاصد مج4/ص140. تحقيق د. عبد الرحمن عميرة. عالم الكتب، ط2، 1998) فهو كلام لا يسمن ولا يغني من جوع لأنه يفضي إلى نفي الاتصاف بها بالفعل أزلا، والقياس على القدرة فاسد لأن القدرة عبارة عن كون الشيء بحيث يصح صدور الفعل عنه وعدم صدوره بالقصد، فهي صفة تؤثر على وفق الإرادة، فإذا لم تتعلق بالمقدور أزلا كان ذلك راجعا إلى الإرادة لا إلى القدرة، وعدم تعلق الإرادة بإيجاد العالم أزلا كمال عندنا معشر القائلين بحدوث العالم؛ لما في الإيجاب من النقص، فلا يلزم من عدم تعلق القدرة بالفعل أزلا ـ لعدم تعلق الإرادة ـ نقص، لا في الاتصاف بالقدرة ولا في الاتصاف بالإرادة، وذلك بخلاف عدم تعلق العلم والسمع والبصر بالمعلوم والمسموع والمبصر أزلا، فإن انتفاءه أزلا يفضي إلى نفي العلم والسمع والبصر أزلا، أو خروج بعض المعلومات والمسموعات والمبصرات عنها، ولا شك أنه ليس بكمال، بل عين النقص، فظهر أن قياس هذه الصفات على القدرة قياس مع الفارق، فلا يفيد.
    والبحث في العلم الإلهي وتعلقه يزيد ما تقدم وضوحا، فأقول: ثبت أن علم الله تعالى كشافا لكل ما يصح أن يذكر ويخبر عنه، معدوما كان أو موجودا، ممكنا أو ممتنعا أو واجبا، كليا أو جزئيا، هذا ما نعتقده ونقيم عليه الأدلة وندحض الشبهات عنه بإذن الله تعالى، وقد وافق جل العقلاء على ذلك، إلا مسألة تعلق العلم بالجزئيات على الوجه التفصيلي، فقد وقع فيه نزاع بين المتكلمين والحكماء، والقول المعتبر من بين الأقوال المذكورة في المسألة هو كون علمه تعالى محيط بجميع المعلومات أزلا حتى الجزئيات، أي متعلق تعلقا تنجيزيا قديما لا غير بجميع المعلومات.
    ومفتاح الإذعان لما نذهب إليه هو الإقرار بأن الأشياء لها نوع تحقق وثبوت ووجود في نفس الأمر الذي هو علم الله، إذ لو لم يكن للأشياء في علم الحق سبحانه نوع تحقق وثبوت وجود غير الوجود الخارجي لكانت أعداما محضة صرفة، وإذا كانت كذلك امتنع تعلق العلم بها بالضرورة لأن العلم على قولنا صفة حقيقية ذات إضافة، فلا بد من نسبة مخصوصة بين الذات التي قام بها العلم وبين المعلوم، يكون باعتبارها العالم عالما بذلك المعلوم والمعلوم معلوما لذلك العالم، وتلك النسبة هي المعبر عنها بالتعلق، والتعلق يقتضي طرفين متمايزين، وما لا ثبوت له بوجه ما لا يكون متميزا، فيكون عدما محضا، والعدم المحض لا يلاحظ في علم ما ولا بوجه ما لكونه عدما محضا لا ثبوت له أصلا، فلا يصح أن يكون العدم المحض أحد طرفي النسبة التي هي التعلق، فلا يصح أن يكون معلوما، فلو كانت الأشياء أعداما محضة في الأزل لا ثبوت لها بوجه ما لم يصح أن تكون معلومة لله تعالى أزلا أصلا، لكن علم الحق تبارك وتعالى محيط أزلا بجميع المعلومات قطعا؛ لما دل عليه فعله الاختياري المسبوق بالقصد، المستلزم للعلم التفصيلي بالمقصود إليه، لأن إبرازه للوجود الخارجي متوقف على تمييزه على غيره، وقد برز، ولما يلزم من نقيض ذلك النقص المحال عقلا ونقلا على الله تعالى، فللمعلومات تمايز ونوع تحقق وثبوت في العلم أزلا، وهو المطلوب.
    وهنا يمكن أن يتبادر سؤال إلى البعض، وهو أن شريك الله تعالى معدوم منفي، فكيف تعلق علم الله تعالى به من حيث أخبر على بطلانه الكلام النفسي القديم، وقد قلت أن العلم لا يتعلق بالعدم المحض؟
    والجواب أن علم الباري تعالى قد تعلق به من حيث وجوده في علم المخلوق الذي اخترعه بوهمه، وللمخلوق نوع تحقق في علم الباري تعالى، فالمعلومات التي يستحيل أن يكون لها وجودا خارجيا كالشريك يتعلق بها العلم الأزلي من حيث تعلقها بعقل المخلوق ووهمه ولوازمهما من اختراع ما لا وجود له أصلا، كشريك الباري الذي يخترعه الثنوي القائل بأن في الوجود إلهين واجبي الوجود المعبر عنهما بالنور والظلمة بعقله المشوب بالوهم، فتعلق العلم الأزلي بالشريك كان من حيث إن له نوع ثبوت في ذهن المخترع له ، فما في ذهن المخترع معلوم لله تعالى أزلا؛ لما أن للمخترع نوع ثبوت في العلم أزلا.
    وأما منشأ القول بالتعلق الحادث للعلم، فهو رفض القول بأن للأشياء وجود علمي أزلي، ورفض وجود خارجي أزلي لها بطريق الأولى، ورفض تعلق العلم بالمعدوم دون تمييز بين المعدوم الذي له نوع ثبوت وبين المعدوم المحض، وهذا القول يفضي إلى كونه تعالى غير عالم بجميع الممكنات أزلا، وإلى أن علمه يصلح لأن يتعلق ببعض المعلومات، وما أفسدها من عبارة، وإلى كونه تعالى غير مختار في شيء منها؛ لما أن الاختيار لا يكون إلا بعد التعلق، والتعلق لا يكون إلا بعد الحدوث على حد زعم القائل، وفي ذلك فوت الكمال، وتنح عن منصب ذي الجلال. (انظر حاشية محمد عبده على شرح العقائد ص 131، المطبعة الخيرية، ط1، 1322هـ)

    ومنشأ القول بأن الله تعالى يعلم بعلمه البسيط جميع الأشياء بصورة واحدة إجمالية ليس فيها تفاصيل صور الأشياء، وذلك العلم البسيط مبدأ كاف في وجود التفاصيل الخارجية، وعلى ذلك العلم الإجمالي البسيط مبنى الاختيار في الإيجاد، قياسا على علمنا الإجمالي بجواب سؤال سائل قبل تفصيله، فإن ذلك العلم الإجمالي فينا مبدأ لحصول التفاصيل فينا عند الجواب، فهذا القول الفاسد منشأه قبول إلزام أورده بعض الفلاسفة على من يقول بتعلق العلم تعلقا أزليا بالجزئيات اللامتناهية. وبيان الملازمة أن صدور الممكنات عن الله تعالى بالاختيار يستلزم مسبوقية العلم بها ليصح القصد لإيجادها، وقد تقرر أن العلم أزلي، فهي معلومة أزلا، فقد تحقق وجودها العلمي أزلا، وإذا تقرر هذا، فكل حادث جزئي فهو معلوم بعلم جزئي، فلكل حادث وجودا علميا ممتازا عن وجود الحادث الآخر، وهذا باطل على حد زعم المعترض لأنه لما كان العلم متعلق بالجزئيات أزلا، كان لكل معلوم صورة يمتاز بها عما سواه، فجميع المعلومات متمايزة، وهي غير متناهية، فأجرى فيها المعترض برهان التطبيق، وقال إما أن تتناهى معلومات الله تعالى، أو ينتقض برهان التطبيق، وكلاهما غير صحيح على حد زعمه.
    وأقول: لهذه الشبهة التزم إمام الحرمين في البرهان القول باسترسال العلم على الجزئيات التي لا تخرج للوجود الخارجي.
    ونحن نقبل الشق الثاني من الترديد، وهو انتقاض برهان التطبيق، وهو إنما استعمله المتكلمون على وجه الإلزام لبعض الفلاسفة القائلين بحوادث لا أول لها، فليس حجة برهانية، والمعتمد عند المحققين من المتكلمين في استحالة حوادث لها هو ما يلزم على ذلك من فراغ أعداد لا نهاية لها، وهو جمع بين نقيضين، وهو مستحيل.
    ثم إن استعمال برهان التطبيق وفرضه في الحوادث ممكن؛ لأنها لما كانت حادثة جاز قطعها من طرف وفرض عدم دخولها في الوجود، ثم التطبيق بين السلسلتين كما يعلم من الدليل، وهذا الفرض محال في علم الله تعالى، فلا يتم برهان التطبيق بين علم الله تعالى والجزئيات المعلومة إلا بفرض خروج بعض المعلومات عن علمه، ثم يطبق بين سلسلة المعلومات المتناهية من الطرف المقطوع، وبين العلم، ومحال أن يتساويا، فينقطع العلم، فلا يتعلق بما لا يتناهى.
    وهذا الفرض محال عندنا كما نبه على ذلك الإمام المحقق شرف الدين ابن التلمساني؛ لأن تعلق علمه تعالى بالجزئيات واجب كما دل عليه وجود الحوادث بالاختيار المتوقف على العلم التفصيلي ، وفرض قطع أو نفي الواجب محال، والخصم لم يبرهن على خلاف ذلك. وقرر رحمه الله تعالى أن المعلوم إجمالا مجهول تفصيلا، فلو لم يعلمه تعالى تفصيلا لزم اتصافه بضده، وهو نقص تعالى الله عن ذلك، ولمّا تقرر اتفاقا أن الله تعالى لا يتصف بحادث، وأن كمالاته سبحانه أزلية، كان ذلك النقص اللازم عن عدم تعلق العلم ببعض المعلومات نقصا قديما، والقديم يمتنع زواله، فلا يصح أن يتحقق العلم التفصيلي، فتحقق الجهل به. وأي نقص أشنع من ذلك، تعالى الله عن وصف القاصرين علوا كبيرا.
    وكذلك نقول في السمع والبصر، فالسمع والبصر والعلم في موصوفية الحق تعالى بها أزلا متساوية في أن تعلقها بمتعلقاتها أزلا إن لم يكن بالفعل أفضى ذلك إلى نفي كونه متصفا بها أزلا، لكنها صفات أزلية كما دل على ذلك صريح النص وصحيح العقل، فهي متعلقة بمتعلقاتها بالفعل أزلا.

    ومما يدل على أن بصر الحق محيط بجميع المعلومات أزلا وسمعه بجميع المسموعات أزلا، أن كلا منهما صفة أزلية ولا موجود من الحوادث في الخارج أزلا، وإنما لها الثبوت العلمي، فلو لم يكن ذلك الثبوت للمبصرات كافيا لرؤية الحق لها أزلا، وللمسموعات كافيا لسمع الحق إياها أزلا، بل كان تعلق السمع والبصر بمتعلقيهما متوقفا على حدوث المسموعات والمبصرات لزم أن لا يكون الحق متصفا بهما بالفعل أزلا، بل يكون ذلك في ما لا يزال، لكنهما أزليتان بالفعل، فلا يحدث له تعالى السمع بحدوث المسموعات، بل كانت مسموعة له في الأزل ولم يزل، ولا تحدث له تعالى رؤية المبصرات، بل كل ما يصير موجودا في ما لا يزال فهو ثابت في علمه تعالى أزلا فهو مرئي له بالفعل أزلا ولم يزل، كما أنه معلوم بالفعل أزلا ولم يزل.
    خلاصة القول أن السمع والبصر كالعلم في تعلقهما بمتعلقيهما أزلا، فالسمع والبصر متعلقان بالفعل بالمسموعات والمبصرات التي ستحدث في الخارج في ما لا يزال أزلا، كما أن العلم متعلق بالمعلومات الحادث وجودها أزلا، فإنه كما لا يكون تعالى عالما بالفعل إلا إذا تعلق علمه بالمعلوم بالفعل، كذلك لا يكون سميعا بصيرا بالفعل إلا إذا تعلقا بالمسموع والمبصر بالفعل.
    ولسائل أن يسأل: ما الفرق حينئذ بين العلم والبصر والعلم والسمع؟ والجواب هو أن العلم له الحكم في المعلوم بكونه واجبا أو ممكنا مثلا، والبصر ليس له إلا رؤية المبصر لا الحكم عليه، وكذلك الفرق بين السمع والعلم إذا قلنا بعموم تعلقه بجميع الموجودات العلمية والخارجية، بأن السمع لا حكم له في المسموع، وإنما له السماع، والعلم له الحكم بأن هذا مفرد وهذا مركب إلى غير ذلك من الأحكام.
    قال الشيخ البكي الكومي في شرحه على عقيدة ابن الحاجب: اعلم أنّ تعلُّقَ الصفات بمُتَعَلَّقاتِها واجب؛ إذ ذاك من صفاتها النفسية أو لوازمها العقلية. وإذا كان كذلك، وقد ثبت بالبرهان ودليلِ السمعِ كونُه جلّ وعلا له سمع وبصر، فلا بدّ أن يحصل تعلُّقُهُما بمُتَعلَّقِهما.
    ولا يقال: ما تعلَّقَ به السمعُ والبصرُ تعلَّقَ به العلم، وإذا تعلَّقَ به العلمُ فأيّ شيءٍ حَصَّل السمعُ والبصر؟ مع أنّه لا تفاوت في علمه، بمعنى أنّ القدر الحاصل من الإدراك والكَشْف العلمي هو القدر الحاصل من الإدراك والكشف البصري!؟
    لأنا نقول: إذا كان واجب الوجود له الكمال الحقيقي، وثبت أنّ الإدراك والكشف العلمي كمال، والإدراك والكشف البصري كمال، فيجب حصول ذلك لمن له الكمال المطلق حتى يحصل جميع الكمال، وإن كان ما قد حَصَل من الكشف بالبصر فهو حاصل بالعلم، فإنّ الكمال على ذلك التقدير إنّما هو بحصول الكشفَين وإن لم يكن تفاوُتٌ بينهما، فاعلم ذلك! انتهى
    فهذا ما قصدت من هذه الرسالة، فأرجو من نظار المنتدى النظر فيها بعين ناقدة ورحابة صدر، والقصد الأول والآخر تنزيه الحق تعالى قدر الطاقة البشرية، ودفع النقائص عنه والصفات الدنية.







    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  9. بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

    سماحة الشيخ سعيد فودة جزاك الله خيراً على توضيحك المتلق بالموقف من نظرية العلم عند إخوتنا الشيعة
    ونحن بغنى عنها ولله الحمد
    فجزاكم الله خير الجزاء
    و أنضم إليكم فيما قلتموه سابقاً من عدم جواز رد السمع والبصر إلى العلم إلا تجوزاً
    وهو القول الصحيح المحفوف ببركة الاجماع الذي لا يتطرق إليه الخطأ لا من قريب ولا من بعيد
    فلله المنة والحمد
    أما أخي نزار بن علي جزاك الله خيراً على سعيك للاجتهاد في تفهم العقيدة الصحيحة لكن يا أخي أحبك في الله ولذلك أحب تنبيهك لمسألة هامة جداً فأرجو أن تتقبلها برحابة صدر من خويدمك الضئيل العاشق لحضرة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رضي الله عنه
    وما أخبرتك بعشقي له إلا لأنني اشتممت من كلامك رائحة صوفية عطرة طيبة
    أخي لي ملاحظة اجمالية :
    نعم أوافقك في قولك بأن السمع والبصر على التحقيق الصحيح هما مغايران للعلم على وجه الزيادة وليس الخصوصية الاعتبارية المحضة
    وإذا كنا اليوم نؤكد على أن هذا هو القول الصحيح المعتمد للسادة الأشاعرة رضي الله عنهم فإنه جدير بمن يتحمس للدفاع عن هذه المغايرة متسلحاً بقول الجمهور وبالجماعة فعليه أيضاً أيها الأخ الحبيب الغالي أن يتخذ نفس المرجعية لدى فهم تعلقات هاتين الصفتين وفقد أوضحتم سيدي الكريم أن مذهب جمهور الأشاعرة هو القول بأن تعلقات الصفتين بالحوادث هي حادثة ( هنا أؤكد على أن لكل منهما تعلقاً قديماً بالموجود القديم جل وعلا على القول بأن الله كان ولم يزل رائياً لذاته سامعاً لكلام نفسه وهو القول الصحيح المعتمد )
    نعم أخي كما لم نستهن بعقل الجماعة في الاثبات جدير بنا ألا نتخطاه في التفسير والفهم

    أخي الكريم الوجود الذهني للأشياء في المخلوق شيء لا يمكن قياس الذات الأقدس عليه وهو قول يفتح الباب لمنزلقات خطيرة لا داعي لها
    فخذها من عاشق للصوفية وللتصوف وللشيخ الأكبر رضي الله عنه وان كان حبي الأول هو للسادة الرفاعية الكرام رضوان ربي عليهم
    ولعمرك يا سيدي الكريم إن قول المعتزلة على ضلاله هو أهون من المنزلقات التي قد يفضي إليها الزعم بقدم تعلق السمع والبصر بمتعلقاتهما
    يا أخي حقق علماء هذا المذهب القول في القضية ولم ينبن يا أخي الكريم أي محذور على القول بما تفهمه عقول الناس من كون تعلق السمع والبصر بالحوادث من متعلقاتهما حادثاً فلماذا يا أخي نرغم عقولنا على الخوض في تلك المتاهات
    لكن يا سيدي مع ذلك اسمح لي أن أحييك على انتباهك لمعنى الفرق بين العلم والبصر بصورة جلية
    فقد فهمت من كلامك بأن العلم متعلق بالكشف عن الشيء من حيث ما يصح عليه من الحكم ( وعلى فكرة سيدي إذا انطلقنا من مفهوم أن العلم يكشف عن الشيء لا بنفسه بل بالدلالة عليه فسيتحصل لدينا بوضوح مفهوم الكلام النفسي فتأمل يا سيدي وهو ما يجعلك بغنى يا سيدي عن القول بالوجود العلمي الأزلي للحوادث والذي قد ينتهي بنا إلى نظرية المثل الأفلاطونية الخطيرة والمظلمة )
    تأمل أخي
    الآن بواسطة الاستدلالات تتوصل إلى وجود شخص
    لكن عندما تراه ما الذي يزيد ( عدا عن قضية التفاصيل التي يزيد العلم بها ) ؟
    الذي يزيد أنه أصبح منكشفاً بنفسه
    تأمل يا أخي
    و الآن نفس المنطق يمكن اتباعه لفهم الفرق بين السمع والبصر ولنسر مع القول السطحي بأنه مجرد ادراك الأصوات !
    فنقول مالذي ندركه من الصوت ؟
    ان اعتبرنا الصوت جسماً فنحن لا نرى صورة هذا الجسم ولا شكله عند سماعه
    وان اعتبرناه عرضاً فالأعراض لا يمكن رؤيتها منفصلة عمن تقوم به ولكن كما ترى أنت تسمع نفس الصوت بقطع النظر عما يقوم به
    هنا يبدأ الطريق لفهم الفرق بين الرؤية والسمع
    تأمل في الرؤية وبعد التحقيق الأشعري المعروف يتبين لنا أن الرؤية إنما تتعلق من الموجود بتعينه
    مثلاً أنت ترى الحائط الذي أمامك مدهوناً باللون الابيض
    لا يصح أن يقال أنك ترى اللون الأبيض إلا بمعنى رؤيتك له قائماً أو حالاً فيما يتلون به
    أخي
    إذاً لا بد في الرؤية من ادراك ما هو قائم بنفسه ولا يصح ادراك ما ليس له قيام بنفسه إلا من حيث يدرك قائماً بالشيء القائم بنفسه
    أما في السمع فثمة امكان لادراك ما ليس يقوم بنفسه مع قطع النظر عن الذات أو الجوهر الذي هو حال أو قائم به
    من هنا صح عقلاً القول بأن السمع والبصر يتصور تعلقهما بجميع الموجودات إنما من حيثيتين مختلفتين
    فيجوز أن يتصور عقلاً تعلق السمع بالذوات بمعنى ادراك لما هو قائم بها في نفسه
    كما يتصور تعلق البصر بالصفات والأعراض انما ليس في نفسها بل من حيث هي قائمة بالذوات والجواهر

    (هنا أحب أن أنبه إلى قضية وهي : أنه يكاد لا يوجد خلاف جدي بين أهل السنة في تعلق الرؤية الالهية بجميع الموجودات انما الخلاف الذي يستحق الاشارة إليه هو في تعلق السمع بكل الموجودات أو بصنف منها )

    إذاً إذا أردنا أن نفرق بين الصفات الثلاث المتغايرة فنقول :
    العلم يكشف عن الأمور كلها من حيث يكشف عن حكمها المناسب لها الصادق عليها
    السمع والبصر : ينكشف بهما الشيء في نفسه ومن هنا نفهم لماذا ليس من المعقول أن يتعلق السمع والبصر في الأزل
    بالبصر ما ينكشف من الشيء بالدرجة الأولى ذاته
    نعم وتنكشف صفاته وأعراضه لكن لا في نفسها بل من حيث قيامها بالذات أو الجوهر ( فلا ترى منفصلة )
    أما السمع فالمنكشف به في نفسه ليس الذات ولا الجوهر وهو واضح
    هذا و إنني لأرى الآن بيقين أن لا صحة مطلقاً للقول برجوع السمع والبصر إلى العلم إلا كما قال الشيخ فودة على سبيل التجوز أي إطلاق العلم تجوزاً على كل ما به يحصل الكشف بقطع النظر عن الحيثية
    هذا أمر
    أما الثاني
    فإن فهم صفة الكلام النفسي ( على الوجه السليم ) يصبح أسهل ما يكون بفهم الفرق بين الصفات الكاشفة الثلاثة
    هذا ما يحضرني الآن
    و إني الطالب المتطفل على موائد علومكم يا سادة فسامحوني لجهلي وعلموني ولا تبخلوا علي بعلومكم
    وما كان في كلامي من خير فإنني أهب ثوابه لسيدي الامام السيد أحمد الرفاعي الحسيني الكبير ولسيدي الرفاعي الثاني السيد الرواس الحسيني قدس الله روحيهما وما فيه من خطأ وضلال فأستغفر الله تعالى منه بجاه سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
    والحمد لله على كل حال
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون



  10. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا تعليق على مداخلة الأخ الكريم عبد الكريم، وأرجو أن يكون حوارنا ونقاشنا تدافع نحو الحق كما دأب على ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى

    قولك أخي نور الدين: نعم أخي كما لم نستهن بعقل الجماعة في الاثبات جدير بنا ألا نتخطاه في التفسير والفهم.

    أقول: الإثبات غير التفسير والفهم يا أخ نور الدين، ألا ترى أن المجسمة والمشبهة والمعتزلة والفلاسفة الإسلاميين مثبتون للصفات لفظا على نحو إثبات الأشاعرة والماتردية، إلا أن التفسير والفهم يتباين تباين المشرق بالمغرب؟ ثم نصيحتك هذه تعطل العقول عن البحث وتدعو إلى التقليد في الفهم، والإجماع قائم على عدم الاكتفاء به على الأقل في حق من له فضل للنظر، وأحسبك منهم.

    قولك: أخي الكريم الوجود الذهني للأشياء في المخلوق شيء لا يمكن قياس الذات الأقدس عليه وهو قول يفتح الباب لمنزلقات خطيرة لا داعي لها.

    أقول: كيف تبادر لك هذا القياس، لا بد من إفادة ما فهمت لكي أجيبك، ثم ما هي المنزلقات الخطيرة التي ادعيتها، لا بد كذلك من تصويرها لنحكم عليها، فالدعاوى يا أخ نور الدين لا تطلق جزافا، بل يجب أن تكون مصحوبة بالأدلة.

    قولك: فخذها من عاشق للصوفية وللتصوف وللشيخ الأكبر رضي الله عنه وان كان حبي الأول هو للسادة الرفاعية الكرام رضوان ربي عليهم.

    أقول: نصيحتي لك يا أخي الفاضل أن توجه حبك الأول والأخير لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن تتوسل إلى الله تعالى بمنزلته الشريفة ومقامه المحمود، فإن من ذكرتهم ليسوا بأعرف من الله منه صلى الله عليه وسلم، وليست أقوالهم وخواطرهم وسرائرهم بمعصومة كما هو الحال عند المصطفى، ثم إن العلوم التي نتكلم فيها ونريد تحقيق أقوال العلماء فيها إنما هي علوم نظرية يمكننا اكتباسها بالنظر الصحيح، وليس بالحب وما تسميه العشق، وما سكت عن تفاصيلها المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا لإمكانية توصلنا إليها بالنظر الصحيح، وقد كلفنا الشرع بإدراكها على قدر طاقتنا من فضل الله علينا، ومدى إمكانية الطاقة البشرية للوصول إلى ذلك مجهول، فالأجدر بنا مواصلة البحث والنظر، والوقوف عند ما يجب الوقوف عنده، والاجتهاد في ما يمكن الاجتهاد فيه وإن كان بإعادة فهم كلام العلماء والتوفيق بينهم، كما فعل كثير من المحققين مثلا في الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية. وما نبهت عليه في الرسالة هو أن الشيخ الأشعري وأتباعه رحمهم الله يقولون بأن المصحح لتعلق السمع والبصر ـ بعد الاتفاق على زيادتهما على العلم وقدمهما ـ إنما هو الوجود، وأنا قلت أن عبارة الوجود يجب أن تحمل على الوجود مطلقا، العلمي والذهني والخارجي، فإن تخصيصها بالوجود الخارجي يستلزم حلول إدراكات بذات الله، ولا أظنك إذا فهمت دليل نفيه تقول به.
    وأزيدك من كلام الآمدي ما تعتصم به في فهم النظرية، فقد قال في الإبكار رادّا على من يحاول نفي كون السمع والبصر إدراكان قديمان زائدان على العلم بشبهة نصها: " لا يخلو (أي الإدراك المسمى بالسمع والإدراك المسمى بالبصر) إما أن يكون قديما أو حادثا، لا جائز أن يقال بكونه حادثا؛ وإلا كان الرب تعالى محلا للحوادث، وهو محال، ولا جائز أن يكون قديما؛ وإلا للزم أن يكون له مسموعات ومبصرات في القدم؛ إذ السمع والبصر من غير مسموع ولا مبصر محال، وذلك يجرّ إلى القول بقدم العالم، أو يكون المعدوم مدركا، وهو محال. (أبكار الأفكار، ليسف الدين الآمدي، ص 324، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية ط1، 2003) ثم أجاب رحمه الله تعالى عن هذه الشبهة في الصفحة 335 من نفس الكتاب والطبعة بقوله: قولهم: لا يخلو إما أن يكون قديما أو حادثا (أي الإدراك المسمى بالسمع والآخر المسمى بالبصر)، قلنا: بل قديم! قولهم: ذلك يفضي إلى قدم المسموعات والمبصرات، قلنا: ليس كذلك؛ فإن تعلق الإدراك بالمدركات على نحو تعلق العلم بالمعلومات، ولم يلزم من قدم العلم قدم المعلوم (يقصد القدم الخارجي)، فكذلك في الإدراك. انتهى. فانظر بماذا أجاب الآمدي، وبماذا أجاب السعد في شرح المقاصد كما ذكرت في الرسالة وما علقت عليه، وافهم أن القدم العلمي لا محذور فيه، بخلاف القدم الخارجي. وبالله التوفيق.

    قولك: ولعمرك يا سيدي الكريم إن قول المعتزلة على ضلاله هو أهون من المنزلقات التي قد يفضي إليها الزعم بقدم تعلق السمع والبصر بمتعلقاتهما؟

    أقول: إن كنت تقصد إلحاد المعتزلة في صفتي السمع والبصر بنفيهما بإرجاعهما إلى العلم، فكيف تجعله هينا؟ وإن كنت تقصد بالمنزلقات القدم الخارجي للمسموع والمبصر فهو غير لازم وليس بشرط لإدراك الباري تعالى لها، وإن كنت تقصد منزلقا آخر فرجاء بينه لكي نحكم عليه.

    قولك: يا أخي حقق علماء هذا المذهب القول في القضية ولم ينبن يا أخي الكريم أي محذور على القول بما تفهمه عقول الناس من كون تعلق السمع والبصر بالحوادث من متعلقاتهما حادثاً فلماذا يا أخي نرغم عقولنا على الخوض في تلك المتاهات.

    أقول: سامحك الله، تسمي البحث الفكري والنظر العقلي إرغاما للعقل، وتسمي تلك المباحث الشريفة متاهات!؟ وكيف تقول أنه لا محذور من كون تعلق السمع والبصر بالحوادث حادثا، وقد ألزمك الخصم حلول إدراكات بذات الباري بعد أن لم تكن، وألزمك خروج بعض المتعلقات أزلا، فكيف تجيب عن ذلك؟

    قولك: وعلى فكرة سيدي إذا انطلقنا من مفهوم أن العلم يكشف عن الشيء لا بنفسه بل بالدلالة عليه فسيتحصل لدينا بوضوح مفهوم الكلام النفسي فتأمل يا سيدي.

    أقول: تأملت فوجدت من عبارتك أن العلم لا يكشف عن الشيء بنفسه، بل يفتقر إلى الدلالة عليه، وليس كذلك، بل نقول: إن المصحح للمعلومية المعلوم نفسه، والمقتضي للعالمية الذات الأقدس بملاحظة قيام صفة العلم به، وكل ذلك حاصل، فلا افتقار للعلم إلى الدلالة التي ذكرتها لمزيد الانكشاف. وقد يفهم من عبارتك كذلك إرجاع الكلام النفسي إلى العلم، وهذا ما قاله بعض المعتزلة، فاحذر أخي الكريم.

    قولك: وهو ما يجعلك بغنى يا سيدي عن القول بالوجود العلمي الأزلي للحوادث والذي قد ينتهي بنا إلى نظرية المثل الأفلاطونية الخطيرة والمظلمة.

    أقول:كيف تقول أنك في غنى عن الوجود العلمي للحوادث، وقد بينت لك في الرسالة أن المعلوم إذا لم يكن له نوع ثبوت علمي قديم خرج عن كونه معلوما أزلا، وصار معلوما فيما لا يزال، إلى غير ذلك من الإلزامات التي ذكرتها في الرسالة. ثم ماذا فهمت من المثل الأفلاطونية، وكيف أسقطها على ما نحن فيه، لا بد من الإفصاح عن ذلك لكي نجيب.

    قولك: الآن بواسطة الاستدلالات تتوصل إلى وجود شخص إلخ ، وقولك: هنا يبدأ الطريق لفهم الفرق بين الرؤية والسمع، إلى آخر مداخلتك.

    أقول: أنت تتحدث أخي الكريم عن شروط الإدراك السمعي البصري الحادث، وخلطت بين الشروط العادية والشروط العقلية، ونحن نتحدث عن إدراك الحق الذي ليس كمثله شيء، ونحاول دفع الاعتراضات على نفيه، أو إرجاعه إلى العلم. وبالله التوفيق



    ا
    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  11. الأخ محمد نزار
    لقد أعجبت بهمتك في البحث، ولكن لي ملاحظات عدة على ما ذكرته، أورد هنا بعضها لضيق وقتي:
    أولا: لما قال جمهور الأشاعرة بتعلق السمع والبصر بالموجود، كان مرادهم الوجود الخارجي، وليس الوجود الذهني كما اقترحت. ونصوصهم على ذلك مشهورة.
    ثانيا: قولك بأن هاتين الصفتين تتعلقان بالمسموع والمبصر من حيث ما هو موجود في علم الله تعالى، ليس هو محل النزاع أصلا، بل هو تفسير غير صحيح للمتعلقات.
    ثالثا: قولك بالتعلق التنجيزي القديم للصفتين المذكورتين، خلاف المعتمد في المذهب، بل جزم العديد من العلماء بأنه غلط.
    رابعا: ثم تفسيرك للتعلق التنجيزي الحادث لهما بعد إثبات التعلق القديم زاد قولك ضعفا. كما قلنا بضعف قول من قال بالتعلق التنجيزي الحادث للعلم بعد قوله بالتعلق التنجيزي القديم.
    خامسا: استشهادك بكلام الآمدي ليس سديدا ، فأرجو أن تعيد النظر فيه.
    سادسا: نسبتك للإمام السعد القول بالتعلق التنجيزي الحادث للعلم، اعتمادا على النص الذي أشرت إليه غير كاف لأنه ليس نصا في ذلك، ثم إنه مخالف لما أورده الإمام السعد في مبحث العلم، ولو كان يقول بالتعلق التنجيزي الحادث لأورده هناك. فهذه ثلاثة أسباب وعندي غيرها لرد هذه النسبة.
    سابعا: اعتراضك على من أرجع السمع والبصر إلى العلم وتسميته إلحادا، غير صحيح، فقد قال به العديد من الماتريدية، وهو أحد قولي الإمام الأشعري نفسه.
    ثامنا: ما لأجله فررت من إثبات التعلق التنجيزي الحادث هو الأمر الذي لأجله أرجع العلماء هاتين الصفتين إلى العلم.
    هذا ما أردت ذكره على سبيل الاختصار، لضيق الوقت، مع حرصي على كونه واضحا. ولي ملاحظات أخرى على كلامك. ربما نذكرها لاحقا.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

    أولاً أوجه شكري الجزيل لسيدي الشيخ سعيد فودة على ايضاحاته لمسألة تعلقات السمع والبصر فجزاه الله خيراً
    ثانياً بالنسبة لأخي و أستاذي نزار جزاك الله خيراً و أشكر لك تحملك لجهالتي
    و إن كنت ما زلت مع القول السائد لدى ساداتنا الأشاعرة بخصوص اقتراحكم واجتهادكم
    و الشيء الذي ألفت انتباهكم إليه أنني لم أقل إطلاقاً أن العلم هو الكلام النفسي كيف و أنا أميز بينهما في التعلق فالعلم كاشف والكلام النفسي دال كما لم أقل أن علم الله تعالى بالاستدلال و إنما أحببت أن أفهم التلازم بين العلم والكلام النفسي
    وهذا الخطأ هو مني فليس الآن مجال لفتح الباب حول هذاالباب أو حول الفرق بين تعلق العلم والكلام بكل الأمور و إن كنت أحب لو يتيسر لي الوقت مستقبلاً للبحث في هذه القضية بما يزيدها وضوحاً

    وهنا فإنني شديد الاهتمام جداً بالكلام التالي لحضرة الشيخ سعيد فودة في بحوثه القيمة في علم الكلام :


    المعنى المقصود "بالكلام" محلِّ الحديث إنّما هو المعنى النّفسيّ القائم في النّفس، ولو لم تقم الأصوات والحركات بالذّات، ومن علامات وصفات هذا المعنى النّفسيّ أنّه يتعلّق بالأمور كلـها تعلّق دلالة وبيان.
    واعلم أنّ المقصود بتعلّق الدّلالة هو أمر أعمّ من أن يكون لدلالة الغير والبيان للغير، بل الدّلالة والبيان تكونانِ أصلا للنّفس، وكيف يستطيع الواحد أن يبيّن الأمور لغيره دون أن يبيّنها لذاته؟!
    ولـهذا قال أهل السّنّة: الكلام النّفسيّ أزليّ غير حادث، لأنّه لو كان حادثا لكان دلالة الذّات على الأمور حادثا، وهو باطل للزوم عدم كون الأمور بيّنة لـها قبل ذلك. فتأمّل. ولـهذا قال أهل السّنة إنّ الكلام النّفسيّ لا يترتّب على الإرادة، أي لا يقال إنّ اللـه متكلّم إذا شاء، أمّا الكلام اللّفظيّ والحادث بأنواعه المختلفة، فلا ضرر فيه من ذلك.

    انتهى كلام شيخنا
    أتمنى لو يأت الوقت المناسب لكي ينفتح هذا الموضوع على نحو يشفي صدور قوم مؤمنين

    والصلاة والسلام على نبينا محمد والحمد لله تعالى
    صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه دائماً أبداً عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون

  13. سيدي الفاضل، أسعد الأفاضل، هذه تعليقات سريعة على ملاحظاتكم المفيدة، أرجو أن يتحرر بها محل النزاع، وأن نتوصل بها لزيادة معرفة صفات من له الخلق والإبداع

    قولك سيدي: أولا: لما قال جمهور الأشاعرة بتعلق السمع والبصر بالموجود، كان مرادهم الوجود الخارجي، وليس الوجود الذهني كما اقترحت. ونصوصهم على ذلك مشهورة.

    أقول: هذه الدعوى ( وأنهم أرادوا بالموجود الوجود الخارجي فقط ) هي محل النزاع، ومعلوم عند الأشاعرة أن الموجود هو الشيء، والشيء هو الموجود، وأنهم في الاصطلاح يخصون الشيء بالموجود الخارجي، والدعوى التي بنيت عليها الرسالة والقول بالتعلق التنجيزي القديم للسمع والبصر، هي أن الموجود ـ المرادف للشيء ـ يعم الموجود خارجا، والموجود في ذهن الإنسان، والممكن المعدوم الثابت في علم الله تعالى، فهذه الأقسام يطلق علها لفظ الشيء لغة، فدليل تسمية الممكن المعدوم شيئا قوله تعالى: ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) [النحل: 40] فإرادة التكوين تختص بالمعدوم الممكن، وهو ظاهر. ودليل تسمية الموجود خارجا شيئا قوله تعالى: (وقد خلقتك من قبل ولم تكن شيئا) [مريم: 9] أي لم تكن موجودا خارجيا؛ وذلك لامتناع أن يراد نفي كونه شيئا ثابتا في علم الله؛ لأن كل مخلوق متعين ثابت في علم الله أزلا؛ لامتناع القصد إلى إيجاد المجهول. ودليل إطلاق الشيء على الموجود الذهني مثلا حديث أم سلمة عند الطبراني أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل فقال: إني أحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجري، فقال صلى الله عليه وسلم: « لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن » فقد أطلق الشيء على الكلمات المخيلة، وهي الموجودة في الذهن.
    ولمّا قال الأشاعرة بأن الشيء هو الموجود، تبين أنه في ضمن إقرارهم بتعلق السمع والبصر بالموجود إقرار بتعلقهما بالشيء، الذي تبين أنه يشمل الموجود الخارجي والموجود الذهني والمعدوم الممكن الثابت في علم الله تعالى، ولما تقرر أن الموجود الخارجي والموجود الذهني هما من أقسام المعدوم الممكن الثابت في علم الله أزلا، وتقرر أن سمعه تعالى وبصره متعلقان أزلا بذاته وصفاته، صح تعلقهما بالمعدوم الممكن من حيث ثبوته في علمه تعالى أزلا ولم يزل؛ أو من حيث تعلقهما بالموجود الذي يصدق عليه الشيء بأقسامه الثلاث؛ قال تعالى: (إن الله بكل شيء عليم) [العنكبوت: 62] ولا ينازع أحد في أن المراد بالشيء هنا المعنى اللغوي الأعم الشامل للواجب والممكن المعدوم والموجود والمستحيل، فقوله تعالى: (إنه بكل شيء بصير) [الملك: 19] مثلا، دليل على تعلق بصره بأقسام الشيء السالف ذكرها، ولا قرينة لتخصيص الشيء بالموجود خارجا إذا تبين أن الوجود الخارجي ليس بشرط لإدراكه عند الباري تعالى، بل يكفي وجودها العلمي، ولما كان كل ما يصح أن يكون مبصرا صح أن يكون مسموعا، تعلق السمع بكل موجود، أي بأقسامه الثلاث، ولما كانت ثابتة أزلا في علمه تعالى صح تعلق السمع والبصر بها على نحو تعلق العلم أزلا. ثم التعلق الحادث إن كان المراد منه مزيد انكشاف فلا خفاء في فساده، وإن كان بمعنى التعلق الاعتباري الإضافي فلا محذور في القول له

    قولك سيدي: ثانيا: قولك بأن هاتين الصفتين تتعلقان بالمسموع والمبصر من حيث ما هو موجود في علم الله تعالى، ليس هو محل النزاع أصلا، بل هو تفسير غير صحيح للمتعلقات.

    إن كنت تقصد سيدي بكونه ليس محل نزاع بمعنى أنه أمر متفق عليه فذلك ما نرومه، وإن كنت تقصد استحالة ذلك فعليكم البيان، زادك شرفا ذو الفضل والإحسان!

    قولك سيدي: ثالثا: قولك بالتعلق التنجيزي القديم للصفتين المذكورتين، خلاف المعتمد في المذهب، بل جزم العديد من العلماء بأنه غلط.

    هذا ما رمنا إعادة البحث فيه وإقامة الدليل على خلافه، أو قل أردنا انتزاع القول بخلافه لمّا بينا أن المراد بالموجود ما يعم الأقسام الثلاث، وحينئذ لا مخالفة، وجزم العلماء بغلط التعلق التنجيزي القديم مبني على تجنب التزام قدم المسموعات والمبصرات قدما بالوجود الخارجي، وقد بينا أنه ليس بشرط للإدراك، وأن القدم العلمي لا محذور فيه.

    قولك سيدي: رابعا: ثم تفسيرك للتعلق التنجيزي الحادث لهما بعد إثبات التعلق القديم زاد قولك ضعفا. كما قلنا بضعف قول من قال بالتعلق التنجيزي الحادث للعلم بعد قوله بالتعلق التنجيزي القديم.

    التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر إن أطلق ليس المعنيُّ به زيادة انكشاف ووضوح مباينان للعلم قد خفيا من قبل، أو تعلق إدراك بالمعدوم الممكن إثر وجوده بعد سبق عدم إدراك له، فالتعلق الحادث المثبت هو مجرد تعلق إضافي، والتغير الإضافي لا يضر كما قرر في محله.
    أما من اثبت التعلق الحادث بالموجود الخارجي فقط، فقوله يفضي إلى نفي الاتصاف بالسمع والبصر بالفعل أزلا بالنسبة إلى العالم الحادث، وحدث تعلقهما بمتعلقيهما على هذا النحو يدل على نفي التعلق الأزلي المستلزم لأن لا يكون الله تعالى سميعا في الأزل للكلام الحادث وبصيرا بالموجود الحادث.

    قولك سيدي: خامسا: استشهادك بكلام الآمدي ليس سديدا ، فأرجو أن تعيد النظر فيه.

    أعدت النظر كما وجهتم، فوجدت في ظاهر عبارة الآمدي قياس لتعلق السمع والبصر على تعلق العلم، وللعلم تعلق فعلي واحد أزلي؛ فإنه قال: فإن تعلق الإدراك بالمدركات (يقصد السمع والبصر) على نحو تعلق العلم بالمعلومات، ولم يلزم من قدم العلم قدم المعلوم (يقصد القدم الخارجي)، فكذلك في الإدراك (أي لا يلزم من قدم تعلق السمع والبصر بمتعلقاتها قدمها قدما خارجيا). هذا ما فهمته من عبارته رحمه الله، فإن كانت تحتمل وجها آخر فبينوه بارك الله فيكم.

    سادسا: نسبتك للإمام السعد القول بالتعلق التنجيزي الحادث للعلم، اعتمادا على النص الذي أشرت إليه غير كاف لأنه ليس نصا في ذلك، ثم إنه مخالف لما أورده الإمام السعد في مبحث العلم، ولو كان يقول بالتعلق التنجيزي الحادث لأورده هناك. فهذه ثلاثة أسباب وعندي غيرها لرد هذه النسبة.

    إن القول بالتعلق الحادث للعلم منتزع من كلام السعد وإن لم يكن كما قلتم نصا في ذلك، وما أردته بجلب كلامه هو تصحيح من نقل ذلك عنه وإن لم يكن صريح مذهبه، وعبارته تدل على ذلك بشكل أو بآخر، وأنت خبير سيدي بأن طريق السعد وغيره في الرد على المخالفين يكون بطريق النقض والإلزام ثم الحل، وما أورده السعد كان نقضا لشبهة الخصم، ولا يبعد أن يثبت التعلق الحادث عند النقض ثم ينفيه في موضع الحل.

    سابعا: اعتراضك على من أرجع السمع والبصر إلى العلم وتسميته إلحادا، غير صحيح، فقد قال به العديد من الماتريدية، وهو أحد قولي الإمام الأشعري نفسه.

    الإلحاد لغة: الميل عن وسط الشي، وقد يمثل الحق والصواب بوسط الشيء، (قاله ابن عاشور في تفسيره) فالمعنى بالإلحاد في رد السمع والبصر إلى العلم هو الميل والعدول عن القول الحق وكونهما معنيان ثابتان مغايران للعلم، فلا يجب أن يفهم من العبارة تجريح للسادة الماتريدية رحمهم الله تعالى.

    ثامنا: ما لأجله فررت من إثبات التعلق التنجيزي الحادث هو الأمر الذي لأجله أرجع العلماء هاتين الصفتين إلى العلم.

    ما فررت لأجله من إثبات التعلق التنجيزي الحادث للسمع والبصر ـ بعد إثبات زيادتهما وقيامهما بذات الباري أزلا ـ هو حلول الحواث وسبق الخفاء والنقص بصفة عامة، لا ينتهض بأي حال سببا لإرجاعهما إلى العلم بعد ما بينته لأن في إرجاعمها إلى العلم عجز عن تقرير زيادتهما عقلا، وفي ذلك تقصير يجر إلى تأويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي لا تحصى كثرة في إثباتهما، ومعلوم أن المحافظة على النصوص وعدم التسرع في تأويلها هو سمة محققي الأشاعرة، ولايخفى أن ذلك يتطلب بحثا دقيقا، وتقريبا بين الأقوال وتوفيقا. وبالله التوفيق.

    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

  14. أشكرك على لطف تأدبك، وحسن تفهمك، ومثلك بهذا حقيق.
    سأتكلم على ما يتعلق بالوجود الذهني الذي جعلته أساسا لكلامك.
    ثم إن انتهينا منه انعطفنا إلى ما سواه إن كان هناك حاجة لذلك.
    فالعلماء لما قالوا بالوجودات الأربعة، نبهوا على أن الوجودين الأخيرين، يطلق عليهما أن الشيء موجود فيهما مجازا، أعني اللفظ والكتابة. وأما الوجود الخارجي وهو الوجود في الأعيان فهو الوجود المقصود أصالة، وغيره بالتبع.
    ويبقى ما يسميه البعض بالوجود الذهني:
    فلا ينبغي أن يغيب عن مثلك أن أعاظم المتكلمين لم يسلموا به، بل هو مذهب الفلاسفة أساسا، فتخريج مذهب المتكلمين عليه في الصفات لاينبغي، لعدم التسليم به أساسا عند جمهورهم. ولو تنزلنا وقلنا إن المقصود به إنما هو العلم بالأشياء، فلو فرضنا بعد ذلك تعلق السمع والبصر بالعلم من حيث هو وجود، فلا إشكال في ذلك وهذا ما أشرت لك إليه أنه لا نزاع فيه، ولكن علم الله تعالى ليس هو عين المعلوم الذي تدعي أنت أن السمع والبصر متعلقان به. يعني سلمنا أن الصفتين تتعلقان بعلم الله تعالى، لكن علم الله تعالى ليس المعلوم، وأيضا فقد قلت أنت إن السمع والبصر يتعلقان بالممكنات المعدومة وهي ثابتة في علم الله تعالى، لكن بملاحظة كونه علما لله تعالى فهو ليس ممكنا أصلا، بل هو واجب، فتعلق الصفتين بالعلم على سبيل الكشف، ليس تعلقا بالممكنات أنفسها، بل بما هو كاشف عن الممكنات، فلا يقال إنهما تتعلقان بالممكنات. وهو دعواك أصلا، فكلامك لا يكفي لإثبات دعواك.أيها الأخ الفاضل.
    وكذلك يقال على المحالات العقلية.
    ثم لا يصح أن يغيب عن ذهنك أن ما هو ثابت في الوجود الذهني، ليس إلا الماهيات، فلو فرضنا تعلق السمع والبصر بما في الوجود الذهني على فرض وجوده كما حده الفلاسفة، فلا تتعلقان إذن إلا بالماهيات، والماهيات ليست هي عينها ما هو موجود في الأعيان، فمن أين يثبت أنها تتعلق بالمعدومات أصلا من حيث هي معدومة، إذ الماهية الثابتة في الذهن، ليست معدومة من حيث هي كذلك. ثم ليست هي عين ما بالخارج، ومرادك إثبات تعلقها بالمعدومات حال عدمها، فكلامك لا يدل عليه.
    فتأمل أيها الأخ الفاضل، وأرجو أن تركز على هذه النقاط أولا، ثم نكمل إن كان هناك حاجة.
    والله الموفق.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب


  15. المنهج السديد في محاورة الشيخ الفاضل سعيد

    الحمد لله المتعلِّق سمعُه وبصره أزلا بكل موجود، ثابت أو متحقق بجميع أنواع الوجود، الذي أثبت لذاته في كتابه وعلى لسان نبيه صفات الكمال والجلال، ومكّن عباده من الاستدلال عليها بدون التزام المحال، والصلاة والسلام على عبده المخصوص بجميع الكمالات الإنسانية، المبجّل والمفضّل بمعالي المقامات السنية.
    وبعد، فلا يخفى على مدقق كالشيخ سعيد المحفوف بالتوفيق، أن أقوال علمائنا على دقتها هي محتاجة إلى مزيد تحقيق، سيما وأنهم في جدالهم مع المعاندين والخصوم، التزموا فهمًا معينا لمصطلاحات كانت شبهات المخالفين عليها تحوم، فأغفلوا عن قصد أو غير قصد الوجوه المحتملة لتلك المعاني، وكانوا قائلين بها صراحة أو ضمنا في تشييد بعض المباني، وقد أورثونا رحمهم الله أبكار أفكارهم ودوّنوا ما انتقش على صحائف أذهانهم، فاللائق بنا استئناف النظر في كلامهم ومرامهم، ثم توجيه ألفاظهم من غير تعسف ولا خروج عن المعقول، لتطابق ما صرح به الكتاب المبين وما جاء به الرسول، فإن أقصى كمالات العقل الإنساني، إثبات صحة ما جاء به النص القرآني، ولا يهم بعد ذلك عدم وقوفه على حقيقة الصفات، فإن ذلك يتحقق غدا إن شاء الله بعد الوفاة.
    قد تقدم نقل الخلاف في صفتي السمع والبصر، وتقدم أيضا نقل إجماع الأشاعرة على ثبوتهما زيادة عن العلم، وتقدم أيضا أن الكتاب والسنة مملوءان بإثباتهما، ولم يبق إلا الاختلاف في وجه التعلقات، والمصرح به عن الأشاعرة أنهما يتعلقان بالموجود، قال السنوسي في أم البراهين: والسمع والبصر يتعلقان بجميع الموجودات. وفي رفضهم لتعلقهما بالمعدوم لم يفصلوا بين المعدوم المحض ـ الذي هو المجهول المطلق أو ما يصدق عليه ذلك فرضا ـ وبين المعدوم الذي له نوع تحقق وثبوت، حذرا من التزام قدم المسموعات والمبصرات، بدون تفصيل بين القدم العيني الخارجي المحال عقلا ونقلا، وبين القدم العلمي المسلّم عندهم في مبحث العلم الإلهي، فجاءت ردودهم على شبهات الخصم في نفي صفتي السمع والبصر وإرجاعهما إلى العلم متفاوتة، بين ردود نقضيّة وإلزامية ليس فيها ما يشفي الغليل، وبين حلول شكلية تحتاج إلى مزيد تحرير وتفصيل، وهذا ما نحاول بيانه بإذن الله تعالى بعد استعراض أقوالهم رحمهم الله تعالى.
    قال الفخر الرازي ذاكرا حجة المنكرين لزيادة صفتي السمع والبصر على العلم: لو كان الله تعالى سميعا بصيرا، لكان سمعه وبصره إما أن يكون قديما أو محدثا، والقسمان باطلان، فبطل كونه سميعا بصيرا، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون قديما؛ لأن العالم كان معدوما في الأزل، ورؤية المعدوم وسمع المعدوم محال، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون سمعه وبصره محدثا؛ لأنه لو كان كذلك لصار محلا للحوادث، وهو محال. (الأربعين، ص 166 تحقيق د. أحمد حجازي السقا، دار الجيل، ط1، 2004).
    وأنت كما ترى سيدي الفاضل لفظ المعدوم في شبهة الخصم مجمل، وقد بينت أقسامه سابقا وسأزيد.
    ثم أجاب الفخر قائلا: إن السمع والبصر صفتان مستعدتان لإدراك المسموعات والمبصرات عند وجودها، فالتغير يقع في المسموع والمبصر، لا في السمع والبصر. (الأربعين في أصول الدين، ص166، نفس الطبعة)
    وقد بينت في رسالة "القول المحرر" أن هذا قياس لصفتي السمع والبصر على القدرة، وهو قياس مع الفارق كما وضحت ذلك، فلا يفيد. ولكي تصدق ذلك انظر هذا الإمام العظيم فخر الأمة والدين كيف وجه على كلامه إلزاما يسقطه، وذلك لكونه نظارا منصفا يبتغي الحق رحمه الله، ولا يتردد في تقرير الاعتراض ولو على كلامه، فقد قال رحمه الله:
    ولقائل أن يقول: أليس كون السمع والبصر مدركين للمسموع والمبصر موقوفٌ على حضور المبصر والمسموع؟ وهذا الإدراك الذي هو موقوفٌ على حضور المسموع والمبصر مغايرٌ لتلك الصفة التي هي غير موقوفة على حضور المسموع والمبصر! فيلزمكم أن يكون كون الله تعالى مدركا للمسموعات والمبصرات صفة متجددة!! (ص 167 من نفس الكتاب والطبعة). أي فيكون محلا للحوادث.
    وقال الإيجي في مواقفه: تنبيه: تقدم أن طائفة يزعمون أن الإدراك نفس العلم، فهؤلاء زعموا أن السمع والبصر نفس العلم بالمسموع والمبصر عند حدوثهما، فيكونان حادثين.
    ثم ذكر حجتهم قائلا: إثباتُ السمع والبصر في الأزل ولا مسموع ولا مبصر فيه خروجٌ عن المعقول.(المواقف، ص293، عالم الكتب، بلا تاريخ)
    وقول الخصم: ولا مسموع ولا مبصر في الأزل، إن كان المراد به الوجود الخارجي فهو مسلم، وليس بشرط لإدراك الباري لها على ما نبينه.
    وأجاب هو والسيد بأن انتفاء التعلق في الأزل لا يستلزم انتفاء الصفة فيه، كما في سمعنا وبصرنا، فإن خلوهما عن الإدراك بالفعل في وقت لا يوجب انتفائهما أصلا في ذلك الوقت. (كتاب المواقف بشرح السيد، 3/128، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت، ط1، 1997).
    وضعف الجواب والقياس ظاهر، لا يحتاج اللبيب للتنبيه عليه، وإن ذهل فليراجع إيراد الرازي.
    وقال السعد، ذاكرا شبهة المعترض على ثبوت السمع والبصر: فإن قيل: لو كان السمع والبصر قديمين، لزم كون المسموع والمبصر كذلك؛ لامتناع السمع بدون المسموع والإبصار بدون المبصر.
    وقررها بشكل آخر قائلا: لو كان فإما أن يكون السمع والبصر قديمين فيلزم قدم المسموع والمبصر، أو حادثين فيلزم كونه محلا للحوادث. (شرح المقاصد له، 4/140، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب بيروت، ط2، 1998)
    ثم قال في دفع الاعتراض: ممنوع لجواز أن يكون كل منهما صفة قديمة لها تعلقات حادثة كالعلم والقدرة. (شرح المقاصد له، 4/140، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب بيروت، ط2، 1998).
    وقد تقدم رد جوابه في "القول المحرر" وأنه ليس بشيء لكونه يفضي إلى نفي الاتصاف بها بالفعل أزلا، وبأن القياس على القدرة لا يفيد، فليراجع ثمّ.
    فتبين من بعض هذه النقول، التي أكتفي بها في هذا المقام لكونها من الأمهات، ضعف بعض الردود على شبهات من يحاول نفي السمع والبصر عن الله تعالى من الفلاسفة وبعض المعتزلة أساسا، وغيرهم ممن علقت بأذهانهم هذه الشبهة فأوّلوا السمع والبصر بالعلم، فردوا الشواهد النقلية المتضافرة في إثبات زيادتهما، وضعف هذه الردود معترف به من بعض جهابذة المذهب كما تقدم، إلا أن ميزة المذهب الأشعري رحمه الله تحرر أتباعه وعلمائه من التقليد، وإليك بعض ما قالوه في الجواب عن شبهة الخصوم فألق السمع وأنت شهيد:
    قال الآمدي مقررا حجة من نفى إدراك السمع والبصر: لو سلم أنه معنى إيجابي وأمر إثباتي، فإنه مما يمتنع ثبوته في حق الباري تعالى من حيث إنه لا يخلو إما أن يكون قديما أو حادثا، لا جائز أن يكون حادثا وإلا كان الباري محلا للحوادث، وهو ممتنع، ولا جائز أن يكون قديما وإلا لزم أن يكون له مسموع ومبصر في العدم، إذ السمع والبصر من غير مسموع ومبصر محال، وذلك يفضي إلى القول بقدم العالم، أو أن يكون ما فيه مسموعا ومبصرا في العدم، وكلا الأمرين محال. (غاية المرام، ص 124، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، نشر المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية، القاهرة، 1971)
    ثم قال رحمه الله مجيبا: أما القول بأن ذلك يفضي إلى قدم المبصرات والمسموعات، فمن عرف كيفية تعلق العلم بها في القدم كما أشرنا إليه، لم يَخْفَ عليه دفعُ الإشكال ههنا، فإن تعلق السمع والبصر بمتعلقاتهما الحادثة لا يتقاصر عن تعلق العلم بمتعلقاته الحادثة، فما به دفع الإشكال ثمَّ به دفعُه هنا. (غاية المرام، ص 129، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، نشر المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية، القاهرة، 1971)
    وهو يشير إلى ما قاله في مبحث العلم وتقريره لتعلقه القديم: العلم بأن سيكون الشيءُ هو نفس العلم بكونه في وقت الكون، من غير تجدد ولا كثرة، وإنما المتجدد هو نفس المتعلَّق والتعلُّق به، وذلك مما لا يوجب تجدد المتعلِّق. (غاية الرام، ص 81، نفس الطبعة). وبيان كلامه يكون بعبارة محررة مدققة للإمام المحقق شرف الدين ابن التلمساني بقوله: لو قدّرنا علمنا بقدوم زيد عند طلوع الشمس من يوم كذا بإنباء صادق، وقدّرنا دوام العلم لنا من غير أن يعرض لنا سهو أو غفلة، لم يُحتج عند قدومه إلى تجدد علم بقدومه، بل وقع ما علمناه، فمتعلّق العلم بما سيكون والكائن هو شيء واحد، وهو قدوم زيد في وقت كذا. انتهى (من تعليق على معالم الفخر الدينية، مخطوط). وإذا تبين هذا، فقياس السمع والبصر الأزليين على العلم الذي له تعلق فعلي أزلي بكل شيء (بالمعنى اللغوي) هو الصواب، والتعلق المتجدد مجرد إضافة اعتبارية لا تستلزم حلول الحوادث كما لا يخفى.
    ثم إليكم ما يزيد هذا التحقيق إعضادا؛
    قال الأرموي في صحائفه: احتج من فسّرهما بالعلم بأنه لو كان سميعا بصيرا لكان محلا للحوادث؛ لأن سمعه وبصره حادث لكون المسموعات والمبصرات حادثة، وسماع المعدوم ورؤيته محال.
    وأجاب رحمه الله بقوله: إن كلاّ منهما صفة ذات إضافة، والحادث إنما هو إضافتها بالمسموعات والمبصرات كما في العلم. (الصحائف الإلهية، لسراج الدين الأرموي، الصحيفة السابعة في حياة الله تعالى وبقائه وسمعه وبصره، مخطوط).
    فهذا هو القياس الصحيح، فقد اعتبر أن الحادث إنما هو الإضافة الاعتبارية، وأما التعلق الفعلي للعلم والسمع والبصر قياسا عليه أزلي.
    فالجواب التحقيقي على شبهة الخصوم أن يقال: نحن نختار أن السمع والبصر قديمان، قولكم: فيلزم قدم المسموع والمبصر، قلنا: إن أردتم قدمهما باعتبار الوجود الخارجي فهو غير لازم لأن الوجود الخارجي ليس شرطا لشيء من السمع والبصر؛
    أما السمع فلقوله تعالى: ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) [[الزخرف:80] فنصَّ قولُه تعالى (بلى) على أن السر ـ الذي هو الكلمات المخيلة العارض حروفها للصوت ـ مسموع. ودليله كذلك قوله تعالى: ( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا) [يوسف: 77] فتكلم سيدنا يوسف بجملة (أنتم شر مكانا) في نفسه من غير أن يظهرها لهم، وقد تعلّق سمعُه تعالى به وهو ليس موجودا خارجا، فثبت أن الوجود الذهني للكلام النفسي كاف لتعلق السمع من غير توقف على وجودها الخارجي الذي هو الصوت، وقد تبين عند من يقول بالتعلق التنجيزي القديم للعلم بالجزئيات أن الأشياء ثابتة أزلا في نفس الأمر، ومن تلك الأشياء المتكلمون وكلامهم النفسي، والثبوت للكلام كاف لتعلق السمع به أزلا.
    وأما البصر، فلقوله تعالى: (إنه بكل شيء بصير)، والشيء كحقيقة لغوية يطلق على مراتب الوجود الثلاث كما تقدم.
    ثم نقول: إن أردتم قدم الحوادث في الجملة فهو مسلم وغير مضر لأن الحوادث لها ثبوت أزلي في علم الله تعالى، فهي قديمة من حيث الثبوت العلمي، وهو ليس بوجود خارجي ولا ذهني خيالي، فلا يلزم قدم وجود المسموع والمبصر قدما قامت الأدلة العقلية والنقلية على بطلانه، والثبوت كاف للتعلق لأن المعدوم الثابت شيء، وإنه تعالى بكل شيء بصير، وبالله التوفيق.
    وهنا أورد الأسئلة التي كان على الأفاضل أن يطرحوها، والتي عليها مدار نفي ما ذهبت إليه أو إثباته، وهي هل المعدومات متمايزة أم لا؟ وهل المعدوم شيء وثابتة أم لا؟ وهي مسألة من أمهات المسائل الكلامية كما صرح صاحب المواقف، وعلل السعد ذلك بكونها مسألة يتفرع عليها أحكام كثيرة، من جملتها هل الماهيات مجعولة أم لا؟ وهل وجود الشيء عين ماهيته أو زائد عليها؟ وهي مباحث صعبة، والدراسات حولها قليلة وسطحية وتكاد تكون مجرد اجترار لآراء المعتزلة الفاسدة فيها.
    وعلى كل، سأشير إلى طرف من المسألة يصحح للناظر ما ذهبنا إليه في تعلق السمع والبصر قياسا على التعلق الفعلي الأزلي للعلم، فنقول: المعدوم المطلق ـ أي ما يصدق عليه هذا المفهوم فرضا ـ لا يصح أن يكون معلومًا بوجه ما؛ وذلك لأن العلم يقتضي إضافة مقتضية لطرفين متمايزين في الجملة، ولا تميز للمعدوم المطلق بالمعنى المذكور، فلا يصح وقوعه طرفا لنسبته، فالمعدوم المطلق بهذا المعنى مساوٍ للمجهول المطلق؛ لأن ما يصدق عليه ذلك ـ فرضا ـ لا وجود له لا في الخارج ولا في الذهن، ولا ثبوت له في نفس الأمر أي في علم الله؛ لأن كل متحقق في إحدى هذه المواطن فقد تعلق به علمه تعالى، فلو كان المعدوم المطلق معلومًا بوجه ما لزم أن يكون المجهول مطلقًا معلوما بوجه ما؛ لما تبين من تساويهما، وذلك باطل لاستلزامه التناقض، فكل ما تعلق به علم ما فله تحقق بوجه ما.
    فالمعدوم الممكن على هذا شيء وثابت متقرر متحقق في نفس الأمر، منفكا عن صفة الوجود الخارجي، والمعدوم الممكن يطلق عليه لفظ الشيء حقيقة لغوية كما يطلق على الموجود حقيقة لغوية، فالمعدوم الثابت في نفس الأمر، والمعدوم الموجود في الذهن، والموجود في الخارج كلها من أفراد الشيء حقيقة لغوية، وإذا تقرر هذا فنقول: علة الرؤية ليست الوجود الخارجي فقط، بل هو الوجود مطلقا، خارجيا كان أو ذهنيا (والمقصود بالوجود الذهني الوجود الظلي الخيالي الحاصل في ذهن من له تخيل) والثبوت في نفس الأمر المتحقق في علم الله ( من غير صورة خيالية)؛ وذلك لأن كل متحقق في هذه المواطن الثلاثة يسمى شيئا حقيقة لغوية، وقد دل الكتاب على أن الله بكل شيء بصير، وقال حجة الإسلام في كتاب ذم الجاه كما نقلت قوله: البصير بسرائر النيات وخفايا الطويات، وهو تصريح منه بأن رؤية الله تعالى متعلقة بالموجودات الذهنية، أي التي ليس لها وجود خارجي ومع ذلك تعلقت رؤية الباري بها، والغزالي من أكابر الأشاعرة. وحتى المحقق الكمال بن همام الحنفي في المسايرة قال: بمرأى منه خفايا الهواجس والأوهام. (المسامرة بشرح المسايرة ، لابن أبي شريف، ص68، مطبعة السعادة مصر، بلا تاريخ) فيؤخذ من عبارته إثبات الوجود الذهني وأنه كاف لتعلق البصر، وابن همام من أكابر الماتريدية.
    فعلة الرؤية والسمع هي الوجود مطلقا، ومواطن تحقق الأشياء ثلاثة: نفس الأمر الذي هو علم الله تعالى، والخارج، والذهن، والأول أعم من الذهن والخارج، وذلك أن الله تعالى بكل شيء عليم أزلا، وقد كان لم يكن شيء غيره في الأزل، فلا وجود لشيء غير الله أزلا، لا في الخارج ولا في ذهن مخلوق؛ إذ لا مخلوق في الأزل، فلو لم تكن الأشياء التي أحاط بها علم الحق تبارك وتعالى ثابتة في نفس الأمر لكانت أعدامًا صرفة لاتنفاء ثبوتها (واستعمالي لفظ الثبوت لكونه أعم من الوجود كما لا يخفى) في المواطن الثلاث، ولو كانت أعداما صرفة لما تعلق بها العلم؛ لأن العلم لا بد فيه من نسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها يكون العالم عالما والمعلوم معلوما، ولا تتصور النسبة إلا بين طرفين متمايزين، ولا تمايز إلا بأن يكون لكل من الطرفين تحقق وثبوت في الجملة لأن ما لا ثبوت له أصلا لا تعيين له في نفسه فلا يصح أن يكون طرفا للنسبة، وكل ما تعلق به علم الحق أزلا فقد صار طرفا للنسبة، فله تحقق وثبوت بوجه ما، ولا بد وحيث لا وجود للأشياء أزلا في الخارج ولا في ذهن مخلوق فذلك التحقق هو الثبوت في نفس الأمر أي في علم الله تعالى. وبالله التوفيق

    بقي هنا أن أعلق على مسألة الوجود الذهني والقول به، فقولكم سيدي الكريم: ويبقى ما يسميه البعض بالوجود الذهني فلا ينبغي أن يغيب عن مثلك أن أعاظم المتكلمين لم يسلموا به، بل هو مذهب الفلاسفة أساسا، فتخريج مذهب المتكلمين عليه في الصفات لا ينبغي، لعدم التسليم به أساسا عند جمهورهم.
    أقول: فعلا لم يغب، لكن مع التدقيق تبين أن الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين النافين للوجود الذهني مثبتون له في ضمن إثباتهم إحاطة علم الله تعالى بالمعلومات، وكونه تابع للمعلوم، فيرجع النزاع بين النافين والمثبتين لفظيا لا حقيقيا.
    بيانه أن الحكماء المثبتين للوجود الذهني احتجوا بأمور، منها أنا نتصور ما لا وجود له في الخارج ونميزه عن غيره مما هو موجود أو معدوم، تميزا لا يتحقق إلا مع نوع من الثبوت؛ لأنا نميزه ونحمك عليه بأحكام ثبوتية واقعة في نفس الأمر، والحكم على الشيء بتلك الأحكام يقتضي ثبوت المحكوم عليه؛ ضرورة أن ثبوت شيء لآخر فرع ثبوته في نفسه، وإن لم يكن ثابتا في الخارج لأنه معدوم فيه، فهو في الذهن، وهو المطلوب.
    واعتراض المتكلمين عليه كان بأنا لا نسلم أنا نتصور ما لا وجود له في الخارج أصلا، بل كل ما نتصوره فله وجود غائب عنا، إما قائم بنفسه أو بغيره.
    وأجيب عنه بما حاصله أن الأمور المتصورة إذا كانت ممتنعة الوجود في الخارج لا يمكن أن يكون لها وجود أصيل، لا قائمة بنفسها ولا بغيرها، فوجب أن يكون لها وجود ظلي في قوة دراكة، سواء كانت هي النفس الناطقة أو غيرها، وهو المسمى بالوجود الذهني، وهو المطلوب؛ إذ الغرض إثبات نوع وجود للمعقولات غير الوجود الخارجي. وإذا تحقق لها وجود ظلي في قوة دراكة فقد ثبت لها ذلك النوع من الوجود، وهو المطلوب.
    ولا يخفى أنه إذا كان الغرض إثبات نوع وجود للمعقولات غير الخارجي، فالدليل تام منقح، وكل ما أورد عليه مندفع.
    وأما ما احتج به النافون، وهم جمهور المتكلمين، فلا يتم شيء من ذلك، وذلك أنهم استدلوا على نفيه بوجهين:
    الوجه الأول: أنه لو اقتضى تصور الشيء حصوله في ذهن العاقل، فمن عقل السواد والبياض وحكم بتضادهما يكون قد حصل في ذهنه السواد والبياض، فيكون الذهن أسود أبيض؛ إذ لا معنى للأسود والأبيض إلا ما حصل فيه ماهية السواد والبياض، لكنه باطل قطعا؛ لأن هذه الصفات متنفية عنه؛ وأيضا يجتمع الضدان في محل واحد وهو سفسطة.
    والجواب عنه أنه إنما يلزم كون الذهن أسود وأبيض لو حصل فيه هوية السواد والبياض، أي ماهيتهما التي هي موجودة بالوجود العيني المسمى بالوجود الخارجي الذي هو مصدر للآثار ومظهر للأحكام، لا ماهياتها الموجودة بالوجودة الظلي المسمى بالوجود الذهني
    الوجه الثاني للمتكلمين: لو كان التعقل بحصول ماهية المعقول في ذهن العاقل لزم من تصور السماء والجبل حصول حقيقتهما مع عظمهما في ذهننا، وهو معلوم الانتفاء بالضرورة.
    والجواب عنه أن الممتنع حصول هوية السماء والجبل في ذهننا، فإن هذه الهوية هي المتصفة بالعظم المانع من الحصول في أذهاننا، لا ماهيتها، إذ ليس فيها ما يمنع من حصولها فيه.
    قال في المواقف بعد الجواب عن هذين الوجهين بما سبق: وهذا الذي ذكره المتكلمون في هاتين الشبهتين غلط واقع من جهة اشتراك اللفظ، فإن الماهية ـ أي لفظها ـ يطلق على الأمر المعقول الذي هو الماهية الموجودة بالوجود الذهني، وعلى ما يطابقه أي ما يطابق ذلك الأمر المعقول، وهو الوجود الخارجي، فظُنّا أمرا واحدا، وبني عليه اشتراكهما في الأحكام كلها، وقد تبين لك فساد ذلك الظن. انتهى. (انظر كتاب المواقف للإيجي، ص 52، 53. عالم الكتب بيروت)
    وإذا علمت هذا سيدي الفاضل، ظهر لك أن الذي نفاه النافون غير الذي أثبته المثبتون، وذلك أن النافين ما نفوا إلا الوجود الذهني بالمعنى الذي ظنوا أنه لو ثبت لاستلزم ترتب الآثار الخارجية، والذي يريده المثبتون إنما هو الوجود الظلي الذي لا يستلزم ذلك، فيرجع النزاع لفظيا في الحقيقة.
    وأما الأشاعرة لما قالوا في مسألة الكلام القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، بأشكال الكتابة، محفوظ في قلوبنا بالألفاظ المخيلة، مقروء بألسنتنا بالحروف الملفوظة المسموعة، مسموع بآذاننا بذلك أيضا، ثم قالوا: وتحقيقه أن للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجدا في العبارة ووجودا في الكتابة. فهو نص صريح منهم في أن للشيء هذه الوجودات الأربعة، التي منها الوجود الذهني، فالذي نفوه في الأمور العامة والممكنات لازم القول به في الإلهيات، ولدفع التناقض نقول أن المنفي هو الوجود الذهني بالمعنى الذي توهموه من استلزامه ترتب الآثار الخارجية المستلزمة للمحالات، لا بالمعنى الذي يقصده المثبتون.
    هذا ما تيسر جمعه في هذه المسائل الشريفة، والقصد وراء إثارتها توجيه الهمم إلى تحقيق كلام الأئمة الأعلام، واستئناف دراسة ما جادوا به في علم الكلام، وما دامت بعض المسائل النظرية الدقيقة محل نزاع، فالبحث فيها سائغ بل هو الكفيل باستئناف الإبداع، وبالله التوفيق.



    وفوق كل ذي علم عليم [يوسف:٧٦]

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •