صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 43

الموضوع: الرد على حسن السقاف في كتابه إحكام التقييد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117

    الرد على حسن السقاف في كتابه إحكام التقييد

    [ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرّحيم
    مقدمة[/ALIGN]
    الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
    وبعد فإني أكتب الآن وقلبي يعتصر حسرة وألماً على حسن بن عليّ السقّاف الأشعريّ الشافعيّ، ذاك الذي عرفته قبل خمس عشرة سنة، فدخل قلبي من أوسع الأبواب منذ قابلته أول مرّة مملوءاً بالأسى مما بلغته أحوال أهل السنّة، داعياً لنشر العلم، مدافعاً عن الحقّ. ذاك الذي سألت الله تعالى يوماً أن ييسر لي طلب العلم على يديه، فصيّرني إلى أن أردّ عليه. فسبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر، سبحانك اللهمّ علاّم الغيوب. فيا خسارة يا شيخ حسن! يا خسارة الهمم التي كان يستنهضها كلامك في الناس للوقوف في وجه هؤلاء المشبهة المجسّمة وسدّ واجب الكفاية. يا خسارة أين كنت وكم أحببتك لوجه الله تعالى، وإلى أين صرت وستصير إن لم تتقّ الله تعالى في نفسك وفي هذه الأمّة التي حسبت يوماً أنّه يهمّك أمرها. يا لخسارة تلك الحال التي كنت عليها، تلك الحال التي شفعت لك كلّ هذا الوقت وما زالت تشفع لك عند شيخي وعند كلّ من أحبّك وعندي أن نردّ عليك شيئاً من كلّ هذه التهم، وكلّ هذا الحقد، وكلّ هذا الحسد، وكلّ هذه الأساليب الدنيئة في محاربة الشيخ سعيد وأهل السنّة الكرام.

    وإني احتراماً لما كنته ما نشرت حرفاً في الرد عليك إلا قبل نحو سنّة ما حرّكني لذلك غضب لنفسي ولا لشيخي، وإنما غضبي لله تعالى ورسوله وورثته وأوليائه، حين علمت أنك تقول إنّ أهل السنّة يقولون بأنّ صفات الله تعالى ملتصقة بذاته بـ(آغو ألماني)، وأنها أبعاض وقطع غيار لذاته. ألا قبّح الله قالتك وقبحه من تشبيه وقبّح قائله. ما لك أجننت يا رجل! هذا أشبه بكلام زنديق وقح لا يبالي بالدين ولا يخاف الله ربّ العالمين، فكيف ترضى أن تلقى الله تعالى وأنت تقوله؟
    والله لولا الحياء من الله تعالى لقلت فيك كلاماً ما كنت تحلم أن تسمعه من بشر. حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. فكتبت مقالة بقيت مدّة طويلة لأنّ الشيخ سعيد لم يسمح لي بنشرها، ثمّ قال لا تذكر اسمه، قل بعض الناس يقولون كذا وكذا، فأصررت أن أذكرك بالاسم فقال كما تريد ولكن ليكن ردّك علمياً محضاً. فحذفت من الردّ نصفه مما توهّمت أن فيه ما لا يليق أن يخاطب به الشيخ حسن، ونشرت ما بقي في منتدى الأصلين. فهذه هي أخلاق من تسيء إليهم يا حسن، صدّق أو لا تصّدق ههنا في هذه الدنيا الجيفة التي تركض خلفها فليس مهمّاً، فكلّي ثقة بالله تعالى الذي سيحكم بيننا يوم القيامة.

    ولتعلم إن كنت لا تعلم بما حجبك هواك أنّك في هذا الكتاب لا تريد وجه الله تعالى، ولا الردّ على السادة الأشاعرة في بعض المسائل التي تخالفهم فيها، ولا النصح للشيخ سعيد ولطلبة العلم، هذا كذب، بل تريد تشويه سمعته، والاستنقاص من قدره، والتنفير منه. وفعل ذلك مع الشيخ سعيد عند ملاحظة مذهبه وأحواله يعلم الله تعالى أنه لا يراد به وجهه. إنما هو الحسد والتغرض بمصالح الدنيا. تتمسّك بجيفة يا حسن! لا إله إلا الله. اعد في هذه الدنيا بأسرع من الرّيح، سابق إليها أهلها، مباركة عليك يا ابن عليّ السّقاف يا شريف النّسب!

    فكأننا جئنا من كوكب آخر يا شيخ حسن، ولا نميز الكلام الذي يراد به وجه الله تعالى والنصح له ولأئمة المسلمين وعامتهم من هذا الكلام الذي تكتبه وترضى بأن يكتب في دارك. إنّ العالِم إذا خلا عن الإنصاف، فكيف يخدم هذا الدين ويؤتمن عليه وهو دين الحقّ والعدل والإنصاف! والله إنك ونذير شومك في هذا الكتاب لمتعسّفين جائرين، وأبعد ما تكونان عن أخلاق العلماء وطلاب العلم، وأخلاق الناصحين للدين. فما لك يا رجل! سبحان الله في أمرك، ماذا فعل بك الشيخ سعيد ليأكل الحقد عليه قلبك! أليس بالأمس كنا نجلس كلّ يوم وقت مناظراتك وندعو لك، ويتّصل بك الشيخ سعيد كلّ يوم يدلّك على مواضع من كلام ابن تيميّة ويشدّ من عزمك. أهكذا يقابل الكرام المعروف يا حسن! أكلّ هذا اللؤم كان لك طبعاً ونحن لا ندري؟!

    ثمّ أما بعد، فحتّى يتوضح كلامي للقرّاء، فقد كتب العلامة المحدّث الفقيه النحوي والأصولي المتكلّم المنطقيّ الرّياضي كما ستلاحظون فيما يلي مواهبه المتعدّدة وتحقيقه في جميع هذه العلوم كتاباً في النوادر والملح المستظرفة، وسمّاه (إحكام التقييد على أغاليط سعيد المخيّمة على تهذيب شرح السنوسيّة)، وادّعى فيه أنّه يريد النصح للشيخ سعيد ولطلاب العلم، وأنه أراد فيه وجه الله تعالى. ولعمري إنّه يمكن أن يتبادر للقارئ الكريم أيّ مقصد إلا إرادته لوجه الله العليّ سبحانه في هذا الكتاب. وهذا ليس كشفاً عمّا في الصدور بل قراءة للكلام المكتوب في الكتاب وفهم متجرّد لما أودع فيه من جهالات وافتراءات ومخازي حاشى ذكر الله سبحانه وتعالى. فما هكذا يكون النقد ولا هكذا يقصد وجه الله تعالى.

    ثمّ إنّ حسناً السقّاف الشهير ذائع السيط كما علمت من بعض الثقات عرض الكتاب على أكثر من واحد من الناس ليطبع الكتاب باسمهم، وعرض عليهم المال، فما وافق أحد منهم على أن ينشر الكتاب باسمه، وستعرف أيها القارئ المحترم لماذا لا يمكن لذي لبّ أن يوافق على أن يكتب اسمه على هذا الكتاب حين تقرأه. وستعرّف أنه لا يتشرّف أحد بوضع اسمه عليه إلا أن يكون مستغفلاً جاهلاً بمضمونه، مغترّاً بمؤلّفه، أو مغفلاً طبعاً، حتّى جاء نذير الشوم نكرة تخرّج في مدرسة السباب وسوء الخلق، فقبل أن يكون المطيّة التي سيمتطيها السّقاف لينفث حقده وحسده وكراهيته للشيخ سعيد ولأهل السنّة الكرام، ويكيل للعلماء الأكابر الإهانات، ملصقاً كلّ ذلك باسمه، مسوّداً به صفحة وجهه، ذاهباً به إلى مزبلة التاريخ إلى تعالى. لأنّ من ينال من العلماء الأكابر ورثة الأنبياء وأئمة الدّين وحماة الإسلام أعلى الله تعالى درجتهم في دار السلام والله لن يرفعه الله تعالى ولن يعلي بالخير ذكره، فكأنّ كلاماً تافهاً كالذي حمل وزره نذير ومن وراءه في الإمام أحمد والشيخ أبي الحسن والإمام الباقلاني والعضد وغيرهم كثر ممن طالهم لسان حسن السقاف موقعاً باسمه الصريح أو أسمائه المستعارة في منتداه على الإنترنت، وفي كتبه المنشورة، كأنّ مثل هذا الكلام التافه يمكن أن ينال من الجبال. فماذا يحصد الحاقدون على العلماء غير الخزي والعار ودعاء الناس عليهم بالتنكيس والخذلان، لو كان بينهم رجل رشيد. إنّ الذي يتطاول على الأكابر إذا عاش عاش مسبوباً مخزيّاً، وإذا مات استراح الناس من شروره ولم يترحّم عليه أحد، فمن يحب لنفسه هذه المرتبة الخسيسة، لو كان فيكم من يتّقي الله تعالى، ويهمّه أمر هذا الدّين. فحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.

    وكأني نسيت شيئاً من القصّة، فلنعد من البداية، فقبل أن يظهر هذا الردّ باسم هذا السفيه المختلّ نذير، فقد كتب في منتدى النيلين على الإنترنت موقعاً باسم ابن قيّم الجوزيّة. ولا يخفى عليكم أيها القراء الأفاضل ما يعنيه ذلك، كأنّ حسناً لم يعد يهمّه أن يصبح سلفياً لغايات نفث حقده وكرهه وحسده للشيخ سعيد وأهل السنّة السادة الأشعريّة. فلعمري لقد يا حسن اتبعت سنن ابن تيميّة حذو القذة بالقذة، وبانت عليك جميع أخلاق السلفيّة المذمومة لم تبق منها شيئاً، فأين ذهب كتابك الذي أهديتنيه بنفسك يا شيخ حسن قبل خمس عشرة سنة: (إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر). لقد والله غيّرت وبدّلت فلا تعرف اليوم بعد أن كنت الأشعريّ الشافعيّ الشاذليّ ماذا أنت. أيرضى عاقل لنفسه أن يكون سيّداً أشعريّاً فيستنـزلها إلى نكرة.

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    منـزلة ما خلتها يرضى بها=لنفسه ذو أرب ولا حجى
    [/poet]
    والله أعلم أيها المجتهد المطلق الأصوليّ الذي لا أعرف من أين أتى نذير شؤمك بهذه التهمة وألصقها بك، إلى أيّ شيء سيؤول بك المآل. عافانا الله تعالى من معرفة أمثالك ممن يبدّلون عقايدهم كما يبدّلون عماماتهم. وبحسب المصالح والأهواء. وليس على وجه الأرض أخسّ من الذي يطلب الدنيا من طريق الدّين، وصدق القائل:

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    لبست الخميصة أبغي الخبيصة=وأنشبت شصّي في كلّ شيصة
    وأنصبت وعظي أحبولة=أريغ القنيص بها والقنيصة
    [/poet]
    فإذا سأل سائل: من أين عرفت أنّ هذا كلام حسن، فإننا نطلب منه أن يذهب إلى الموقع التالي في الإنترنت، ليقرأ ويقهقه أو يبكي على ما بلغته حال هذا المسكين. فستجده قائلاً بهذا الكلام الموجود في الكتاب، فما فعله الفهّامة نذير شوم العلامة الأصوليّ المتكلّم المنطيق المحدّث الفقيه النحويّ البليغ وحيد دهره حسن السقّاف إن كان فعل شيئاً هو أنّه ضمّ بعض كلامه المتهافت الذي يقوله هنا وهناك ويصنع منه كتباً للمتاجرة بالدّين، وخدمة أغراضه وأهوائه، في هذا الكتاب متبرّكاً بين الفينة والأخرى بمدح شيخه ومولاه العلامة المحدّث الأصولي المتكلّم النحوي الفقيه، هذا إن لم يكن السقاف نفسه هو من مدح نفسه ونسبها إلى نذير الشوم وأتى بمصادقة السادة الغماريّين على ذلك. والسادة الغماريون وغيرهم من العلماء في بقاع الأرض مطالبون اليوم أمام الله تعالى بعد أن ذاع صيت هذا الرّجل وبانت أنيابه وسوء خلقه وظهرت عليه علامات المبتدعة أهل الأهواء حتى لم يعد يخفى ما بلغه من مبلغ في التطاول على علماء أهل السنّة إلا على أعمى القلب، أن يتّخذوا منه موقفاً ويعلنوا رأيهم فيه ويعيدوا النظر في الإجازات التي أجازه بعضهم بها، إذ لم يعد بعد سقوطه في هذه الأوحال أهلاً لأن ينتسب إلى أحد من أهل السنّة، فضلاً عن أن يكون أسدها، حاشى السنّة وأهلها أن ينتسب إليهم مثله.

    وهذا هو اسم الموقع، لمن أراد التبصّر بأحوال هذا الإنسان ممن لم يطّلع على حاله بعد، والحاضر يعلم الغائب: http://www.tnzih.org، عافانا الله تعالى وإياكم مما في موقعه من أوهام وتخرصات وسباب وتطاول على الصحابة والعلماء، ومسح جوخ لأهل البدع، والعياذ بالله.

    والمهمّ أن ما في الكتاب قيد البحث موافق لمقالات حسن السقّاف وكلامه فيه عين كلامه. ونذير يستمد هذه السخافات التي يكتبها من مشكاة حسن، فالردّ ههنا ردّ على الإثنين معاً وعلى كلّ من وافق كلامه كلامهما أو اطلع على كلامهما ورضي به. فالرضا بالباطل وإقراره ليس من خلق أهل العلم وطلابه في شيء، وهذا الرّجل قد فقد عقله، يأتي بمتزندق تشيّع يسبّ الصحابة في منتداه في ردّه عليّ، وبعد أن ينتهي ذاك اللئيم المتعصّب من نفث حقده وسمومه، يشكره العلامة الفاضل أسد السنّة، ويطلب منه أن يكتب مزيداً من المشاركات في منتداه. أفيكون مثل هذا سنيّاً فضلاً عن كونه أسد السنّة، إذاً والله:

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    لقد هزلت حتّى بدا من هزالها=كلاها وسامها كلّ مفلس
    [/poet]
    وإنه لم يكن أحد يعبأ بما يكتبه حسن وحاشيته بعدما تحوّل عن مذهب إمام أهل السنّة الأشعريّ مضللاً له نفسه رضي الله عنه، متطاولاً عليه ملقماً لنفسه الحجر بنفسه، وبعد خروجه عن أقوال أهلّ السنّة في عدد من المسائل إلى مذهب خاصّ به ملفّق من عدّة مذاهب، ولكنّ الأمر لمّا بلغ به إلى أن بات يفعل فعل رؤوس البدع كابن تيميّة ويدّعي أنّ السخافات التي يقولها هي القول الحقّ وهي مذهب أهل السنّة الحقيقيّ، وأنّ خلاف ذلك ناشئ عن تعصّب أعمى ومواقف سياسيّة، فهذا والله كثير. أعلن عن نفسك يا حسن أنّك أيّ شيء غير كونك من أهل السنّة وأعاهدك أنّ أحداً لن يبالي بما تقوله من بعد ذلك. لأنّ مخازيك عندها لن تلصق بأهل السنّة. أمّا وأنت تتبع هذا السبيل، فلن يسكت عليك أحد يغار على دينه ومذهبه.

    ثم أما وقد بلغت بك الجرأة أن تعمل عملاً كهذا وتباركه، وتثبت في كتاب ينشر على الملأ كلّ هذا القدر من الجهل والحقد والحسد والتعسّف في الحكم على الشيخ سعيد وعلماء أهل السنّة الكبار، وكلام أهل السنّة الذي لا يخرج عنه الشيخ سعيد، فقد وجب الردّ عليك. ليتبيّن الناس أنّك أنت وذنبك نذير في مرتبة متدنيّة جداً من الجهل بما تخوضان فيه. وأنكما من جملة من لا يعقل ما يقرأ وما يكتب. فقد أبنتما في هذا الكتاب عن جهل عميق بما حاولتما انتقاده من مذهب السادة الأشعريّة، وعلم الكلام، والمنطق. وتكلّمتما في الطبيعيّات والرّياضيّات وغير ذلك بلهجة الواثق المتمكّن، وأنتما لا تدريان أنّ كلامكما في ذلك يبعث على الضحك. فما لكم يا قوم ومال العلوم العقليّة من الكلام والفلسفة والمنطق والطبيعيّات والرّياضيات، إنّ كلامكم فيها يفضح جهلكم بمقالات علمائها، ويكشف عن قصور عقولكم عن درك مراداتهم، فتعلّموا هذه العلوم أولاً وتصوّروا مسائلها قبل أن تعملوا فيها أسياف نقودكم المتثلّمة. وليعلم نذير الشوم أنّه لو كان للردّ قيمة علميّة لنسبه شيخه إلى نفسه ليزداد به مكانة وشرفا، ولكنّه يعلم ما فيه من مخازي، فألصقها بك، وأنت راض تتبسم ضاحكاً من شدّة حمقك. بالله يا حسن ألم تجد من هو أفهم في الكلام والمنطق واللغة وغير ذلك من هذا النكرة ليتصدّى لنقد كلام الشيخ سعيد، عجباً! فما رأيت أحمق ولا أبلد في الفهم ممن وضع هذا الردّ الركيك التافه. على أيّ حال لندع الكلام الكثير، ولنشرع في المقصود وهو بيان جهل كاتب (إحكام التقييد على أغاليط سعيد) وتعسّفه وقصوره عن الفهم، وافترائه وتلبيسه على الناس، وتهويلاته التي ليته أتى إلى جنبها بشيء عليه القيمة، حاشى ذكر الله تبارك وتعالى. وإني إذ أن أنشر هذه التعليقات على كتابه المذكور، لأطلب من حضرات القراء والأعضاء الكرام أن لا يبثتوا ملاحظلاتهم وتعليقاتهم ههنا كي يبقى الموضوع متصلاً، ولمن أراد أن يضيف شيئاً أو ينتقد أو يعلق أن يفتح موضوعاً جديداً أو يصبر حتى أفرغ من الرد. والله تعالى الموفق.

    التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار ; 22-11-2005 الساعة 12:06
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]بسم الله الرّحمن الرّحيم

    قال صاحب التقييد ص5: (أخفت الإنشائيات كماً لا يستهان به من الأخطاء التي لا يصحّ إغفالها أو ترك التنبيه عليها) اهـ

    أقول: فلنعدّ ههنا هذا الكمّ الذي يستهان به من أخطاء الشيخ سعيد في تهذيبه لشرح عقيدة سيدي العلامة السنوسي رحمه الله تعالى، والتي لا يصحّ إغفالها أو ترك التنبيه عليها، نذكرها مختصرة من كلام الكاتب المهول كثير الكلام فيما لا يفيد، ومن شاء قراءة التفاصيل فليقرأ كتابه ويستمتع بتعرّف الجرائم التي لا تغتفر التي وقع فيها الشيخ سعيد:

    الجريمة الأولى: جاء في ص10 من الكتاب ما مضمونه أنّ الشيخ سعيداً يحبّ إظهار الأشاعرة من مذهب أهل السنّة على رأس القمّة في هرم الفكر الإسلامي وأنّهم النقّاد الكاشفون عن مغالطات الناس مما يشاركهم فيه فرقة.
    وأتعب الكاتب نفسه في ذكر فضل بعض الفرق الأخرى وأنهم أيضاً ناقدون ولهم فضل في كشف مغالطات أهل البدع. ومن هذه الفرق التي تزلّف لها: المعتزلة، والإماميّة، والزيدية، والإباضية الذين نعتهم ص 13 من الكتاب بأنهم أهل الحقّ والاستقامة، وقال إنه لن ينكر فضل أهل السنّة أيضاً.

    فبالله عليك يا شيخ سعيد ما هذه الجريمة النكراء التي أجرمتها، كيف تدّعي بأنّ أهل السنّة هم أهل الحقّ، وأنهم على رأس جميع الفرق، وأن الأشاعرة خير من نقد أهل البدع والأهواء. فلنستمع إلى ما يقوله حسن في مقدّمة (إلقام الحجر) كتابه الذي يخلق به أن يكتب تراجعاً عمّا فيه اليوم قبل غد، لا أن يعيد نشره في ضمن مجموعة رسائله، فما دام لا يقول اليوم بهذه الأقوال التي كان عليها، فلماذا يفعل ذلك. عجباً!
    يقول حسن ص3 منه: (الحمد لله الذي اختصّ الأشاعرة بحمل راية التوحيد وعقيدة الإسلام، وجعلهم يذبّون كلّ شبهة وضلالة يذيعها المبتدعة بين العوام، ويكشفون ما لهم من الألاعيب والأوهام، فورّث الأشعريّة معالجة تلك الأمراض والأسقام... إلخ فليرجع إلى هذه الرّسالة من أراد الاستزادة) اهـ

    فما تعيبه يا نذير على الشيخ سعيد هو مما يستفاد من قول شيخك: اختصّ الأشاعرة... إلخ، وإلا فما معنى هذا الاختصاص بالله عليك. أم كانوا قد اختصّوا بذلك في أوائل التسعينيات ثمّ ارتفع عنهم هذا الاختصاص بعد بضعة أعوام! إنّ الأسماء والفرق التي ذكرتها كانت معروفة عند شيخك حسن في ذلك الوقت، فهل ذكر اختصاص الأشاعرة بما ذكره وكان جاهلاً بحالهم، ثمّ كشف الله تعالى عن عينيه الغشاوة وبصّره بأحوالهم بعد أن كان أعمى. سبحان مقلّب القلوب!! فهذا يا نذير يسمى معارضة. فافهم. وما في كتب حسن أبلغ مما في كتب الشيخ من هذا الأمر. إلا إذا كان شيخك نسّاءا. ارجع إلى كتبه وانظر مدحه للأشاعرة وردّه على أعدائهم. وستجد أنّ شيخك نفسه الذي يتمحّل هذه الشبه والأباطيل قد ردّ عليها بنفسه في كتبه، فسبحان الله تعالى!

    وها أنا إن شاء الله أذبّ الشبه والضلالات التي يذيعها شيخك بين السذّج أمثالك والعوام، بشهادة شيخك للأشاعرة أنّ هذا شأنهم.
    ثمّ أيّ عيب في أن يظهر المرء مذهبه ويمتدحه، فلولا اعتقاده حقيّته وقوّة أدلته ما التزمه وما دعا إليه. ألستما يا حسن ونذير تروّجان لمذهبكما الملفّق وتنفّران من مذاهب خصومكما فلم تجعلان هذا الأمر جائزاً عليكما حراماً على غيركما من النّاس! وسبحان الله في أمرك يا حسن السقاف تمتدح المنـزّهة وتذمّ الأشاعرة وأهل السنّة تعريضاً وتصريحاً كأنّهم عندك ليسوا من المنـزهة!! فلإن كان الشيخ سعيد لا ينفك عن مدح أهل السنة وتعظيمهم فأنتما لا تنفكان عن تعظيم غيرهم من الفرق المخالفة، وحسن بعد أن لم يكن ينفكّ عن تعظيم الأشاعرة وأهل السنّة، صار لا ينفكّ عن القدح فيهم، ولا ينفكّ عن مدح فرق الشّيعة والمعتزلة. فلم يا حسن تعيب على الأشاعرة وحدهم أقوالاً يقول بها غيرهم من هذه الفرق ولا نراك تعيبها عليهم بالمثل! ألهذه الدرجة استوطأت حيط أهلها! أم لا تجد عندهم أغراضك وأهواءك وما تطلبه من الدنيا كما تجده عند أصحاب الفرق الأخرى!
    فاعلم أنا من يومنا لم ننفكّ ولن ننفكّ عن تعظيم أهل السنّة، ولن ننفكّ عن انتقاص أهل النقص، من المداهنين المتغرّضين أصحاب الهوى، حتّى يقضي الله تعالى أمراً كان مفعولا. فإن لم تلتزم الأدب مع أهل السنّة سادتك فاصنع ما بدا لك ولكن ارقب ماذا ستكون عاقبة أمرك في أعين الناس.

    الجريمة الثانية: جاء في ص11 أنّ الشيخ سعيداً يتظاهر بمدح أهل السنّة وفي الوقت نفسه يطعن في من أصبح منهم خائفاً وجلاً من الدفاع عن عقائدهم أمام الهجمة التي يشنّها المجسمّة على أهل السنّة.

    أقول: فقط لله ثمّ للتاريخ يا شيخ حسن إني سمعت منك بأذنيّ أبلغ من هذا الكلام وأضعافه قبل سنين حين كنتَ أشعريّاً، وكنت تحدّث عن المشايخ الذين زرتهم وتروي كيف ينشغلون بأمور تافهة عن هذا الأمر العظيم وهو الدفاع عن عقائد المسلمين، وتخبر عن جهلهم وأساليبهم الخاطئة في الدعوة، وأنّهم يخافون ويتّقون أهل التجسيم والحشو خوفاً على مناصبهم ومصالحهم. وأنت من دون خلق الله تعالى نادراً ما يعجبك أحد من الناس، لشدّة إعجابك بنفسك. فسبحان الله كيف صرت تغضب لطعن الشيخ سعيد في بعض المعاصرين المداهنين المستخذين، ولا تغضب حين يطعن في الإمام أحمد وإمام أهل السنّة الشيخ الأشعريّ والباقلاني والعضد وغيرهم ممن لا يستطيع أحد من المعاصرين أن يقول إنه يدانيهم في المكانة العلميّة أو المنـزلة في الدين.
    وأريد أن أنقل بعض كلام لك يا حسن كنت كتبته في رسائلك السابقة لعلك تتذكر ما كنته، ولعلّ نذيراً الفدم يقرأ لك ما كنت تكتبه في السابق، فربّما لم يقرأه بعد:

    يقول حسن ص 756 من ج 2/ مجموع الرسائل، في رسالة الرد على سفر الحوالي: (هذا وقد تمّ توزيع الكتاب المذكور في جنح الظلام، وذلك أثناء رقدة أهل الشأن من علماء أهل السنّة والجماعة!! الذين هم في سبات يشخرون!!! وهم ما بين مغفّل لا يدري ما يجري حوله في الساحة!! حيث ترك غالبهم الذبّ عن العقيدة الحقّة وحراسة التوحيد من عبث العابثين، وتلاعب المحرّفين المدّعين، كما تركوا السّهر على صيانة حرمتها من أن تمسّ بسوء أعمال المتطفّلين!!) .... إلخ كلامه المطرّز بعلامات التعجّب!

    والذي يقرأ رسائلك يا حسن يجد أبلغ من هذا الكلام الذي تنقله عن الشيخ سعيد، فاقرأوا أيها الناس رسائل السقاف التي أعاد طباعتها مؤخراً في جزئين أنيقين وانظروا أين كان وفي أي مستنقع من الأوحال أغرق نفسه الآن في كتبه الجديدة. كيف كان ناصراً لأهل السنة مادحاً للسادة الأشاعرة وكيف انقلب عليهم وصار لهم ذامّاً لهم ومن عالي قدرهم مستنقصاً! فما الذي حصل لهذا الإنسان في بضع سنين يا ترى؟! وهو من يومه يدّعي العلم ويلبس لباس العلماء، فهل كان يصعد على أكتاف العلماء ليكتسب الشهرة ثمّ يتفنّن في إظهار أهوائه، أو ماذا حصل له يا ترى! عافانا الله تعالى وإياكم من الخذلان!

    ويتتبع السقاف في هذا الكتاب عورات علماء أهل السنّة، ويفتش في الكتب عن سقطاتهم وزلاتهم ويحاول تضخيمها وتعظيمها، والله يعلم إن ذلك لا يرضي ذا أدب ولا ذا أرب. لأنّه لا أحد من الأمّة معصوم خلافاً لأصحابك الإماميّة الذين يدّعون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين من الأئمة. فإن يكن أحد من علماء السنّة قد أخطأ فحسابه عند الله تعالى، ولا ينقص من قدره أن يأتي مثلك فيتتبع أخطاءه ويشنّع عليه. وإنّ إماماً كعضد الدين لا يقدر مثلك على الانتقاص من قدره العالي، أفلا تجد ما تتّهمه به غير أنّه يقول بقيام الحوادث في ذات الله أيها البائس. وأنا أجزم أنك لا تعرف حقيقة قوله فيها، ولا على أيّ وجه يمكن أن يتخرّج قوله. وما ينقل عنه من قوله بأنّ القرآن حروف وأصوات قديمة، فإنّا لرفعة شأن العضد عندنا، وما ينصّ عليه في كتبه نصاً من استحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث، نتوقّف في الحكم عليه في هذه المسألة حتّى نحصل على نسخة من رسالته في مسألة الكلام. أما ما تتوهّمه أنت وطائفتك، وما تروّجون له من أنه يعني أنّ نفس الحروف والأصوات المعهودة الحادثة هي قديمة أو قائمة بذات الله تعالى، فهذا مما يستحيل على عاقل القول به فضلاً عن واحد كالإمام العضد، وإن كنت تحلم أن تثبت تهمة كهذه عليه فاسترح من الآن ولا تهدر وقتك سدى. لأنّه يقول صراحة في كتبه وبالنص إنه يستحيل أن تقوم الحوادث بالذات الإلهيّ الأقدس سبحانه وتعالى. فلا بدّ من معنى دقيق أشار إليه العضد، وفهمه بعض الناس خطأ فشنّعوا عليه، وهذا ليس من إحساننا الظنّ بالإمام العضد فحسب، بل من معرفتنا بأقواله المبسوطة في كتبه من استحالة قيام الحوادث بالإله سبحانه. وإنا إن شاء الله تعالى حين نتحصّل على نسخة من الرسالة سنحققها في أسرع وقت، وسنبيّن حقيقة مذهبه ونرفع ما اختلط به من أوهام.

    والإمام البيهقيّ فهو بلا ريب ولا شكّ أشعريّ منـزه، مفوّض في الغالب، ولا يمكنك أن تثبت عليه تهمة التجسيم والتشبيه فاسترح أيضاً. وأما ما تتبجّح به من اكتشافك العظيم نقل البغداديّ الإجماع على أنّ الأرضّ ساكنة فلا عبرة بهكذا إجماع حتّى لو وقع. لأنّه ليس في أمر دينيّ فلا يؤخذ منه قطع بحال. ولو أردنا تتبع الأخطاء عند علماء الفرق الأخرى لملأنا مجلّدات. بالذات الشيعة الإماميّة الذين تتملّقهم كلّما سنحت لك الفرصة، فمذهبهم كما أقول دائماً أشبه بالغربال. فلم لا نراك تتكلّم في أخطاء علماء المذاهب الأخرى! أهذا هو الإنصاف يا مدّعي الإنصاف! لقد صدق والله صدق من سمّاك أسد السنّة إلا أنه أسقط منها حرفاً. فحقّك وواقعك المشاهد أنّك أسد على السنّة، ودجاجة على المذاهب الأخرى. فكلّ ما تحاوله بعد ذلك لإقناع الناس بحسن نواياك وأنت على هذه الحال من التعصّب والتحيّز والكيل بمكيالين، مجرد أكاذيب، ولن يصدّقه عاقل لانّ واقعك ينافيه. أسأل الله تعالى أن يعاملك بما تستحقّه يا حسن، وأن يقتصّ منك لأوليائه وحملة دينه للناس آمين.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]المسائل المبحوثة في الكتاب

    أولاً: قوله ص 25: (سعيد يدّعي أنّ وجود الله (وجود عدميّ) ويصرّح بأنّ صفة الوجود أمر عدميّ)
    يقول السقّاف على لسان نذير شؤمه: (إنّ المنهجيّة العشوائية التي يتّبعها سعيد في كتاباته والمتمثّلة في البنية الفكرية المتدنية مع هيمنة التقليد والوثوق شبه المطلق بما جاء في نصوص الحواشي، كلّ ذلك قاده إلى أن يزعم أنّ وجود الله وجود عدميّ، فقال ص 106: [وإنما وصفت الصفات بالنفسيّة لأنها عدميّة لا وجود لها في الخارج] اهـ
    والمراد بالصفات النفسيّة هنا صفة الوجود كما جاء في تهذيب السنوسيّة ص30: [الصفات النفسيّة، وسمّيت نفسيّة لأن الوصف بها يدلّ على نفس الذات دون معنى زائد عليها. وهي صفة واحدة، هي الوجود] اهـ
    وحتّى يتبيّن لنا شناعة قوله هذا، لا بدّ من أن نبيّن معنى الموجود والمعدوم كما يفهمه الأشاعرة. يقول الباقلاني في كتابه الإنصاف ص15: مبيّناً ما يجب على المكلّف: [وأن يعلم أنّ المعلومات على ضربين: معدوم وموجود، لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما. فالمعدوم هو المنتفي الذي ليس بشيء] اهـ
    إذاً فسعيد يقصد نفي الصفات النفسيّة أي نفي وجود الله، كما يفهم من قول الباقلاني عن المعدوم بأنه المنتفي الذي ليس بشيء. تعالى الله عمّا يقوله الظالمون علوّاً كبيراً) اهـ كلام السّقاف على لسان نذير.

    أقول: فهل هذا الكلام يا حسن كلام يقول به عاقل يعرف الشيخ سعيداً، أو قرأ له شيئاً من كتبه. إذا كان الشيخ سعيداً ينفي وجود الله تعالى فما الذي يثبته؟!
    وسنريك ههنا كيف يحلل كلام الشّيخ سعيد، وكيف يفهمه أهل العقول، ولنلاحظ أيها الأفاضل فهم حسن وتابعه الفدم لكلامه، ولنلاحظ هل يفيد كلام الشيخ سعيد ما فهماه بفهمهما السّقيم أوْ لا! والله يعلم أنّهما ههنا مشوّهان مهوّشان لا غير، لأنّ كلّ شعرة في جسديهما تدرك بأنّ الشيخ سعيداً مؤمن بوجود الله تعالى، قائل بأنّه يجب له تعالى الوجود. كيف ينفي وجود الله تعالى وهو قائل في كلّ كتاب ألّفه في العقيدة بأنّ الله تعالى واجب الوجود لذاته، ويستدلّ على ذلك بأنه خالق السماوات والأرض! ولكنّ التعصّب والهوى حين يتملّك قلب الإنسان فإنه يعميه ويغطي على عقله وفهمه. وإنك يا نذير الفدم وشيخك لأحقّ الناس بأن تتمثّلا ما أوردتماه في كتابكما من قول الشاعر:

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    كلّ العداوة قد ترجى سلامتها=إلا عداوة من عاداك في حسد
    [/poet]
    قال الشّيخ سعيد: [وإنما وصفت الصفات بالنفسيّة لأنها عدميّة لا وجود لها في الخارج]

    أقول: الصفّة النفسيّة الوحيدة التي يثبتها الأشاعرة لله تعالى هي الوجود. والوجود عندهم ليس بصفة في الحقيقة، وإنّما هو حكم من الأحكام الواجبة لله تعالى الموصوف عندهم بما لا يتناهى من صفات الكمال المطلق، وإنّما يطلقون على هذا الحكم بأنّه صفة تسامحاً وإلحاقاً له ولغيره من الأحكام الواجبة لله تعالى كالأحكام السلبيّة التي تعرف بالصفات السلبيّة بالصفات التي هي المعاني الواجبة له كالعلم والقدرة والإرادة إلخ ذلك. ولم تكن هذه السلبيّة صفات لأنّها ليست معانٍ والصفة بحسب المصطلح معنى تتصف به ذات. ولم تكن النفسيّة صفة لأنّها دالة عندنا على نفس الذات ولا يكون عين الشيء معنى له ولا صفة له. إذا تقرر هذا. فمعنى قولنا إنّ الوجود واجب له تعالى أنّه سبحانه وتعالى لا يتصوّر في العقل عدمه. فكيف يستنتج من قول من يثبت لله تعالى وجوب الوجود أنه يقول بنفي الإله!؟ هذا ما لم يصل علمنا بعد إليه يا حسن وذنبه!

    والمسألة التي دندن لها حسن وتابعه وطبلا وزمّرا، هي كيف يقول الشيخ سعيد بأنّ صفة الوجود التي هي الصّفة النفسيّة الوحيدة لله تعالى، عدميّة!

    والجواب أنّ عبارة الشيخ سعيد قد وقع فيها خطأ في النسخة الأولى، وصححه في النسخة الثانية التي قال مؤلف إحكام التقييد أنّه اطلع عليهما، ولو كان يتقي الله تعالى في نقده لراجع هذا الموضع في النسخة الثانية قبل أن يطبل ويزمّر لا سيّما وأنّ الشيخ سعيداً في مقدّمة الطبعة الثانية أشار إلى وقوع أخطاء مطبعيّة في النسخة الأولى. فليراجع القراء الفضلاء قول الشيخ في ص91 من الطبعة الثانية هذا التصحيح: (وإنّما وصفت الصفات بالسلبيّة لأنّها عدميّة لا وجود لها في الخارج). اهـ

    أي وإنما وصفت صفات المعاني بالصفات السلبيّة لأنّها أي لأنّ الصفات السلبيّة عدميّة لا وجود لها في الخارج. ومعلوم أنّ إطلاق الصفة على المعنى السلبيّ من باب التسامح أيضاً، وكون السلبيّة عدميّة فبالاتفاق. فسقط كلامهما المتهافت من أوله إلى آخره. ولو كان هؤلاء ممن يحترم نفسه لأصلحوا هذا الخطأ الظاهر أو نبّهوا عليه بأسلوب لائق، ولوجدوا له العذر، ولكنّهما لخبث نفسيهما ومع اعترافهما بأنهما اطلعا على الطبعة الثانية من الكتاب، لمّا رأيا هذا الخطأ الظاهر تمسّكا به ليشنّعا على الشيخ بكلامهما الساقط الذي رأيتموه. ولو تعذّرا بأنهما لم يراجعا الطبعة الثانية فلا يكونان أحسن حالاً مما وصفناهما به. لأنّ الذي يتّقي الله تعالى ويرى خطأ ظاهراً كهذا يحاول التثبّت قبل أن يصف قائله بأبشع ما يمكن أن يتصف به إنسان وهو إنكار وجود الله تعالى. فهذه أيها السادة القراء أخلاق هذين الإنسانين الخائبين، فتأملوها!

    هكذا يتكلّم في المسألة وهكذا تبحث وبهذه البساطة تنقد لو كان فيكما من يتّقي الله تعالى. كما قال صاحب السلّم: وأصلح الفساد بالتأمّل.

    فالمسألة التي يتكلّم فيها الشيخ سعيد أيها الفهّامتان، هي مسألة وصف الصفّات. بماذا يجوز أن توصف الصّفات وبماذا لا يجوز أن توصف. فقال العبارة المنقولة عنه في الأعلى بياناً لأنّ الصفات توصف بالأوصاف السلبيّة والنفسيّة دون المعاني والمعنويّة. أي أنك حين تثبت العلم لله تعالى تقول إنّ علمه تعالى موجود وإنّ علمه تعالى قديم، وباق، ومخالف لعلم الحوادث.... إلخ الصفات السلبيّة. ولكنك لا يجوز أن تصف علمه تعالى أو أياً من صفات المعاني أو المعنويّة الواجبة له بصفة من صفات المعاني أو المعنويّة. وتعليل ذلك هو ما ذكره من أنّ الأوصاف السلبيّة أوصاف عدميّة لا إشكال في وصف المعاني الوجوديّة بها. إذ لا يلزم من ذلك قيام المعنى بالمعنى. وأمّا في النفسيّة فالأمر ليس بمستأهل لكلّ هذا التطبيل، لأنّ للأشاعرة قولين في الحال. فمن أثبت الحال فلا يقول عن الوجود بأنه موجود ولا يقول عنه بأنّه معدوم، بل يقول هو حال، فيصحّ عنده وصف صفات المعاني بالنفسيّة لأنه لا يلزم من ذلك عنده قيام المعنى بالمعنى. وأمّا من نفى الحال، فإنّه لا يصف الوجود بالعدميّ لأنّ الوجود عين الموجود، فإذا ثبت الموجود وهو هنا الحقّ سبحانه وتعالى فلا يقال إنّ وجوده عدميّ، لأنّه تعالى ليس بعدميّ. ومن يعرف في علم الكلام، ويطّلع على كتب الشيخ سعيد يعلم تماماً منـزلته ومقدار تحقيقه للمسائل واطلاعه على الأقوال، ولا يظنّ به أنه يغفل عن أمر كهذا. فيتبادر له أن يلتمس له العذر من خطأ مطبعيّ ونحوه. ولكن من يجهل علم الكلام ويقرأ كلامه فلا يعرف المسكين من أين جاء به، ومن يقول به ومن لا يقول، ولا يعرف أصل القول ولا دليله ومستنده، ولا يعرف الأدلة المتداولة فيه. فكيف يميّز الجاهل بهذا العلم اتقان الشيخ لصنعة العلوم العقليّة! فلا ألومك يا حسن أنت وذنبك أنّكما تقولان إن الشيخ سعيداً ليس بشيء في هذه العلوم، فهذه شهادة كافية على جهلكما بتلك العلوم، وعدم اطلاعكما عليها. فكلّ من رأيته يعقل من الموافقين له ومن المخالفين على السواء يشهدون له بتفنّنه وتحقيقاته. وأنتما في هذا المقام ممن لا يعتد بخلافه، لأنّكما لو كان لكما فيه باع أو ذراع لرأينا لكما إنتاجاً من كتب ومقالات تدلّ على ذلك، وعلى الأقلّ للاحظنا أنكم تقيمون مصطلحات الكلام التي تستخدمونها بلا فهم ولا علم، وهذا واضح جليّ لا يخفى على من خبر لغة علماء العقليات، وطرق بحثهم للمسائل. فلعمري إنه لمن دواعي فرحي أنكما كتبتما هذا الكتاب، وأرجو أن تتعمقا أكثر في بحث المسائل الكلاميّة والعقليّة في الكتب التي ستنشرونها في المستقبل، فربّما أكتفي في قابل الأيام عند الردّ عليكما بإعادة طبع كتبكما واضعاً خطوطاً تحت مخازيكما وجهالاتكما لغرض تنبيه القارئ أني أكتفي من الردّ عليكما بالتنبيه على تلك المخازي. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]ثانياً: يقول نذير أو السقاف لا فرق: [ومن عجيب تناقضات صاحبنا سعيد كلامه عن صفة الوجود حيث نقل (ص30) في حاشية تهذيب شرح السنوسيّة عن الصاوي قوله: (واختلف في الوجود، هل هو عين الموجود أو غيره، والذي عليه الإمام الأشعريّ رضي الله عنه هو الأوّل، بناء على نفي الأحوال، وهو المعتمد، لأنّه لا واسطة بين الوجود والعدم عند الإمام الأشعريّ).
    لاحظوا ودققوا في هذا الكلام الذي نفهم منه أنّ المعتمد:
    1- نفي الأحوال
    2- لا واسطة بين الموجود والمعدوم، فإما أن تصف الشيء بالوجود أو بالعدم.
    ولكنّ سعيداً وعلى الفور يهدم كلامه وينقض ما أبرمه، ويقول في نفس الكتاب (ص31): (والنفسيّة حال، فهي لا توصف بالوجود ولا بالعدم) فكيف يثبت الأحوال هنا ويخالف ما هو المعتمد؟!!!.... إنه التناقض الواضح والتخابط الفاضح والقصور اللائح] اهـ كلام السقاف ونذير.

    فأقول في الردّ على الجاهل الذي كتب هذا الكلام: إنّ المتن المشروح في كتاب الشيخ سعيد هو متن العلاّمة السنوسي الذي يقول بالحال كما لا يخفى على أحد. والشرّاح وظيفتهم شرح كلام الماتن. وما هو في صلب الكتاب كما ذكره الشيخ سعيد في مقدّمته تهذيب لجملة شروح المتن. وما في الحاشية هو كلام له أو لغيره من العلماء. فقول الشيخ في الحاشية ما يعارض الموجود في صلب الكتاب لا عيب ولا خطأ ولا إشكال فيه البتّة. لأنّه لا يطلب من الشارح أن يغيّر كلام المتن؟ إنه حتى لو كان كلام الماتن خطأ محضاً فيجب على الشارح أن يبسط كلامه ويبيّنه كما هو أولاً وبالذات، هذه هي وظيفة الشارح. ثمّ إذا أراد أن يزيد على ذلك بأن ينبه على مخالفته هو للماتن أو غيره فعل ثانياً وبالعرض. وهذا ما نراه قد وقع من الشيخ. إنّ طفلاً وغراً صغيراً لا يناقض نفسه في صفحتين متتاليتين ينفي الحال ثمّ يثبته، أفيفعل ذلك الشيخ سعيد أيها المسكين!؟ وأنت تعرف أنه لم يفعل ذلك، وكلّ من اطلع على كتابه يعرف أنّه لم يفعل ذلك. فإمّا أن تكون غافلاً إلى درجة أنك تظنه يناقض نفسه، أو أنّك تتعمّد الكذب عليه، والأمران من الكبائر عند من ينصب نفسه عالماً مجتهداً ورعاً. والله إنّ الأغرار ليدركون ذلك ولا يرون منه مانعاً، أما أنتم وقد جمعتم مع نقص العقل حقداً وحسداً، فالله تعالى المستعان على ما تصفون!

    ثالثاً: قال نذير: (تعريفات سعيد تحتاج إلى تعريف. تنبيه: قال سعيد في تهذيب السنوسية ص30 معرّفاً الوجود: [والوجود حال واجبة للذات ما دامت الذات غير معلّلة بعلّة] ثمّ قال في الصحيفة التالية: [ومعنى التعليل هنا هو التلازم في إفادة العلّة معلولها الثبوت] اهـ
    قلت: لاحظوا هنا الإبهام والخفاء في التعريف، بدليل احتياجه لأن يبيّن معنى التعليل في تعريفه الوجود. وهذا أمر مرفوض يؤخذ على سعيد لمخالفته شرط التعريف بأن يكون التعريف أظهر من المعرّف وأوضح، كما قال صاحب السلم...... ثم نقل كلام القاضي عبد الجبار [فالأولى أن لا يحدّ الموجود بحدّ لأنّ كلّ ما يذكر في حدّه فقولنا موجود أكشف منه وأوضح] فسعيد لم يهلكه إلا التشدّق والتمنطق والتخرفع في التعريفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع!) اهـ كلام نذير

    أقول: ليس الشيخ سعيد بحاجة لجاهل مثلك لكي ينبهه على أنّ الوجود من جهة من الجهات بديهيّ لا يعرّف، وجميع طلابه سمعوا منه هذا الكلام في دروس العقايد. ويندر أن يخلو كتاب من كتب شروح العقايد عن هذه الملحوظة. فما الذي حصل يا ترى ههنا، في هذا الموضع من الكتاب؟ أي إذا كان ذلك الموضع الذي ينقل منه نذير هو موضع تعريف للوجود، فلم أغفل المصنّف والشراح ذكر هذه الملحوظة عن الوجود؟

    الجواب أيها الفصيح أنّ هذا الموضع ليس لبحث تعريف الوجود بالمعنى الذي تتكلّم عنه أنت، بل هو لبيان ما يتصف ويتقيّد به وصفنا للمولى تعالى بالوجود، والعلامة السنوسي رحمه الله تعالى ممن يثبتون الحال. فهو يقول ههنا بعد أن أثبت لله تعالى الوجود، إنّ هذا الوجود حال أي ليس منفياً ولا موجوداً زائداً بل ثابت كحال، ثمّ يبين تحت أيّ قسم من أقسام الحكم العقليّ يندرج الوجود، فيقول الوجود واجب للذات ما دامت الذات. ثمّ يضيف بأنّ هذه الحال الواجبة للذات ما دامت، ليست معلّلة بعلّة. ولا يتبادر أن يكون هذا تعريفاً للوجود لا من حيث ما قاله نذير فحسب بل ومن حيث تضمّنه لحكم على الوجود بالوجوب وحكم آخر بأنه غير معلل بعلّة، وهذه أحكام لا تتمّ قبل تصوّر الوجود في نفسه.

    والسنوسيّ رحمه الله تعالى منطقيّ محقق لا يبدر منه لو أراد تعريف الوجود ههنا أن يعرّفه بالأخفى. لذلك قلنا إنّ هذه ثلاثة أحكام عليه: أنه حال، وأنّه واجب مقيد بدوام الذات، وأنّه غير معلل بعلّة. وتقول يا جاهل إنّك تفهم المنطق وأنّ الشيخ سعيداً يخطئ في المنطق. إنّ هذه أولاً عبارة السنوسيّ وليست عبارة الشيخ سعيد، وقد تداولها المئات من العلماء ولاحظوها وفهموها واستعملوها من بعده، ودرسها وفهمها آلاف الطلاب، أفلم يكتشف هذا الاكتشاف الخطير والخطأ الكبير في المنطق إلا أنت، وتقرأ علينا أبياتاً من السلّم والشيخ يحفظه قبل أن تنبت أضراسك. شرّ البليّة ما يضحك. يتبجّح الواحد بالغلط ظناً منه أنه الصواب. وحقّ من هم في مثل مستواك أن يطلبوا العلم على يدي طلاب طلاب الشيخ سعيد. ألا تخجل من نفسك يا فتى وأنت تتبجّح قبل أن تتأمل لتستيقن إن كان ما تقوله صواباً أو خطأ. ألم تقرأ في السلّم:

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/15.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وأصلح الفساد بالتأمل=وإن بديهة فلا تبدّل
    إذ قيل كم مزيّف صحيحا=لأجل كون فهمه قبيحا
    [/poet]

    فأين تعلّمت المنطق يا فتى، أبعقلك الضعيف هذا أم على شيخك الذي يحسنه!؟
    واعلم أنّ الوجود ينظر له من جهات، لا يصحّ لأحد أن يدّعي أنها جميعاً بديهيّة التصوّر، ولو كان خطر لك مثل هذا الخاطر أو اطلعت على مباحث الوجود في كتب الكلام لما وضعت كلامك هذا أصلاً، فمسائل الوجود من أعوص مسائل الكلام، ولا يقول محقق إنّ كنه الوجود بجميع جهاته متصوّر بالبداهة، وإلا لما وقع الخلاف بين العلماء مثلاً في أنّ الوجود هل هو عين الذات أم زائد على الذات، فهذا القدر المتعلّق بالوجود مثلاً لا يقول عاقل إنه متصوّر بالبداهة، والبحث فيه أيها السادة الأفاضل وفي مسائل قريبة من ذلك، فكيف يعاب على السنوسيّ -على تسليم أنه أراد بكلامه هذا تعريف الوجود- ههنا أنه أتى بألفاظ خفيّة!؟ إنّ الجهة التي يتكلّم فيها السنوسيّ أخفى قطعاً من هذه الألفاظ التي بسط المقام بها، ولكن لهذا الكلام أهله الذين يفهمونه ممن يقيم مصطلح القوم.

    فإن قال قائل ما الداعي لذكر هذا الكلام، فالجواب عليه أنّ السنوسي رحمه الله تعالى أراد أن يفرّق بين صفّة الوجود وصفات المعنويّة من هذه الحيثيّة. فقال إنّ الوجود حال واجبة للذات، وهذه الحال غير معلّلة بعلّة. بل هي واجبة لله تعالى لعين ذاته ما دامت ذاته. وأما الصفات المعنويّة فهي أحوال واجبة لله تعالى ومعلّلة بصفات المعاني. ثمّ حتى لا يذهب ذهن القارئ بعيداً في معنى العلّة، فيلتبس عليه المعنى الذي يقرره المتكلمون بمعنى العلة عند الحكماء بيّن معنى التعليل عند المتكلّمين فقال: [والتعليل هنا هو التلازم]. فيكون المعنى أنّ الأحوال المعنويّة معللة أي ملازمة لصفات المعاني، فوجوب ثبوت صفات المعاني لله تعالى موجب لثبوت أحوال ملازمة لتلك الصفات، وهي كونه تعالى عالماً وقادراً ... إلخ. فهذه هي المسألة التي أجدني مضطراً إلى القول بأنك يا نذير لمّا لم تفهمها بدأت تتوهم وتشطح في خيالاتك، مع أنّ القدر الذي تتكلّم فيه عن الوجود من أنّه أبسط من أن يعرّف هو من الضروريات عند المصنّف، وليست أمراً خطيراً فاته وكان بانتظار واحد مثلك لا يعرف كوعه من بوعه في علم الكلام والمنطق أن ينبّهه عليه. فاسترح وأرحنا من اكتشافاتك وكلامك الممجوج، فإنك تذكر المسألة كمن يخبر عن كنـز وجده، والمسألة في الحقيقة لا تعدو كونها من الضروريات المعروفة. فافهم أرجوك. فإنك تنقد وتتكلّم في علم الكلام كما يتكلّم الأغرار، ألست تلاحظ ذلك، عجباً! ألست تلاحظ أنك تحوم حول المسائل بكلام عام لا يتجاوز قشورها! أهذه هي المؤاخذات الخطيرة التي وجدتها في كتاب تهذيب شرح السنوسيّة. والله إن الواحد ليخجل من تسمية هذا الذي تكتبه نقداً وهو على هذه الحال من السطحيّة والتمحّل والركاكة والسذاجة! فأنصح لك لوجه الله تعالى أن تبحث لك عن شيخ تستفيد منه علوم الآلات لكي تقوي عقلك وفهمك، وبها يترقّى الطالب في مراتب العلوم حتّى ترسخ قدمه. وإن بقيت على ما أنت عليه من طريقة الطلب، فستضيع عمرك ولا تكسب إلا سوء الخلق، وملتقطات متفرقات من هنا وهناك يمكن للذكيّ أن يحصّلها بلا أستاذ. وسل مَن من قبلك لازمه ممن هم أفهم منك وأكبر عقلاً وأكثر اطلاعاً وخبرة. واشتر دينك وآخرتك وتدرّج في طلب العلم فلن يفيدك السباب والتهجّم على علماء الدين. وتمكّن من مسائل العلم قبل أن تنتقد أهله. وليس لنا غير وجه الله من هذا النصح من غاية. والله تعالى الموفّق.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]رابعاً: قال نذير: [سعيد لا يحسن تعريف الصفات، فيدّعي أنّ الله تعالى تنكشف له الأمور، والمولى سبحانه وتعالى هو العالم بكلّ الأشياء قبل حدوثها وبعده] اهـ

    أقول: هذا كان العنوان الذي وضع تحته نذير تخريفات مفادها أنّ الشيخ سعيداً عرّف صفة العلم لله تعالى فقال: [صفة أزليّة ينكشف بها لله تعالى كلّ معلوم] اهـ، ففهم منها هذا الفدم أنّ الشيخ سعيداً يقول بأنّ الله تعالى ينكشف له المعلومات بعد لم تكن منكشفة، أو أنّ كلام الشيخ على الأقلّ وعبارته تفيد ذلك، مما يقتضي تغيّر أحواله سبحانه وتعالى وزيادة علمه إلخ ذلك من المهاترات الفاسدة.

    والجواب عن ذلك، أنّ هذه العبارة ليست أصلاً عبارة الشيخ سعيد، وهي موجودة في كتب العلماء ومستعملة بكثرة بلا إشكال، ولا يمكن أن يتوهّم منها المعاني التي يقولها نذير حال بيان الأشاعرة وغيرهم ممن يستعملها لكون الله تعالى عالماً بجميع المعلومات أزلاً ولكون علمه تعالى تامّاً كاملاً لا يزيد ولا ينقص، وأنّه تعالى لم يستفد شيئاً لم يكنه قبل خلقه من صفته.

    والشيخ سعيد في كتاب تهذيب السنوسيّة كغيره من المؤلفين المعتبرين في العقايد على طريقة أهل السنّة يبيّن ذلك بكلّ وضوح، فدعوني أشنّف آذانكم بمقالته ثمّة حتّى تعلموا مقدار الافتراء والتمحّل التي يمارسه هذا الغرّ المسكين وتصيّده لأيّ كلمة لغايات التطبيل والتزمير، وليس بهدف علميّ، وأنه بعيد كلّ البعد عن النقد العلميّ المفيد.

    قال الشيخ سعيد في تهذيب السنوسيّة ط1، ص51: [وحقيقة العلم: صفة أزليّة ينكشف لله تعالى بها كلّ معلوم على ما هو عليه انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه. وقال بعضهم حقيقة العلم صفة أزليّة لها تعلّق بالمعلوم على وجه الإحاطة والشمول دون سبق خفاء] اهـ

    فانظروا كيف لم يكتف الشيخ بالتعريف الأوّل بل أردفه بتعريف آخر يرفع ما يمكن أن يتوهّم من سبق الخفاء، ولو كنت يا نذير المتصيّد في الماء العكر محترماً لنقلت كلام الشيخ كاملاً. ونقل الشيخ في الحاشية عن الباجوري عند قوله دون سبق خفاء [كذا قال الكمال ابن الهمام وهو أحسن مما قاله غيره] اهـ

    وأكمل الشيخ سعيد في صلب الكتاب بعدما نقلناه: [والعلم يتعلّق تعلّقاً تنجيزياً قديماً بجميع الواجبات والمستحيلات والجائزات... حتى قال ملاحظة: تعلّق العلم كلّه تنجيزيّ قديم وليس له تعلّق صلوحيّ، لأنّ من صلح لأن يعلم فليس بعالم في الحال] اهـ كلام الشيخ سعيد.

    أفبعد هذا الكلام يبقى شكّ في حقيقة اعتقاد الشيخ سعيد في هذه المسألة، أو في أنّ كلامه فيها يوهم أو قد يوهم ما فهمه نذير. والله لا يتبادر شيء من ذلك. ولكي نرفّه عليكم بعدما أنصبناكم، نذكر لكم أنّ نذيراً وحسناً أكثرا من ذم الحواشي وما حوت، فحين جاءا إلى هذه المسألة قالا ص28: [ولقد نبّه العلماء وتحفّظوا على لفظة الانكشاف مبيّنين ما تحمله الكلمة من معنى لا يجوز في حقّ الله تعالى، ففي حاشية العطار على جمع الجوامع: (قوله ينكشف فيه أن الانكشاف انفعال فيوهم حدوث اتضاح بعد خفاء، وعلمه سبحانه منـزّه عن ذلك) اهـ ثمّ تمادوا في الندب والتعجبّ والتهكّم على الشيخ سعيد.

    فأقول لهذين المسكينين: الحمد لله تعالى أنكم رجعتم إلى حواشي الأشاعرة أنفسهم لتدققوا على الشيخ سعيد ألفاظه، وقد وصفتماها بما وصفتماها من قبل. فهل تعرفان أحداً من غير الأشاعرة أيها الأحمقان نبّه على هذا المعنى اللطيف! ونحيطكم علماً بأنّ زعيم المعتزلة في هذه البلد أمين نايف الذي هو من أصحاب السّقاف على ما أعلم يقول: بأنّ الله تعالى لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها، فلم لم نر لك يا إمام حسن رداً على هذا المختلّ، وهو يجاهر بهذا الجنون الذي لا يقول به أحد من المذاهب الإسلاميّة المعتبرة. حسبنا الله ونعم الوكيل. [/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار ; 22-11-2005 الساعة 14:54
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]خامساً: قال نذير: [فصل في بيان أغلاط في العربيّة وقع فيها سعيد!!]

    تحت هذا الفصل وبكلام مستفزّ وأسلوب غير مهذب في الكلام والنقد ذكر نذير ثلاثة أمور عدّها من الأخطاء اللغويّة التي وقع فيها الشيخ سعيد في كتابه. والحمد لله تعالى أنه لم يجد غيرها في كتاب من مائة وستين صفحة. وهذه هي المآخذات اللغويّة على الشيخ سعيد نذكرها ملخّصة من كلامهما ونجيب عنها إن شاء الله تعالى.

    أ- أن الشيخ سعيداً قال عن اللام في قوله تعالى (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون) إنها لام العاقبة. وهما ردا أن تكون هي لام العاقبة بقول ابن هشام في شذور الذّهب (لام العاقبة، وتسمى أيضاً لام الصيرورة، ولام المآل، وهي التي يكون ما بعدها نقيضاً لمقتضى ما قبلها) اهـ فقالا بالمعنى إنّه ليس ما بعد اللام في الآية الكريمة وهو العبادة نقيضاً لمقتضى ما قبل اللام وهو الخلق، فلا يصدق عليها أنّها لام العاقبة.

    والجواب عن ذلك أنّه لا يسلّم لابن هشام هذا القيد الذي قيّد به لام العاقبة، بل هي أعمّ من أن يكون ما بعدها نقيضاً لما قبلها. فالعاقبة بمعنى المآل والصيرورة أعمّ من أن تكون مقيّدة بهذا القيد. ولنبحث المسألة بقدر ما يفتح الله تعالى به ههنا ليتبيّن القرّاء أصل المسألة وحقيقة قول الشيخ سعيد، فنقول:

    أولاً: وقبل كلّ شيء علينا أن نستحضر أنّ لام العاقبة هي عينها لام الصيرورة، وهي عينها لام المآل. وأنّ المنقول عن مذهب البصريين أنهم جعلوا اللام للتعليل في جميع صورها مع الفعل، سواء كان التعليل فيها وارداً على الحقيقة أو على المجاز، ومعنى كونه وارداً على المجاز أن تكون اللام على صورة التعليل ولكن المعنى المستفاد من التركيب ليس هو التعليل. وأما الكوفيون فإنهم قالوا بلام التعليل، ولاحظوا كما لاحظ البصريون أنّها في بعض مواضعها لا يجوز كونها للتعليل. ولكنّهم سمّوا اللام عندئذ لام الصيرورة والعاقبة والمآل، وجعلوها نوعاً مستقلاً عن لام التعليل ولم يخرّجوا لها معان بيانيّة باستخدام قواعد الاستعارة والمجاز كما فعل البصريون. إلا أنّ التدقيق في قولي أصحاب المدرستين يؤدي إلى الحكم بأنّ اللام التي يسمّيها الكوفيون لام العاقبة والصيرورة والمآل، هي عينها لام التعليل التي يترتب ما بعدها على ما قبلها ترتباً يشبه ترتب المعلول على العلّة وليس به. أي التي تكون على صورة لام التعليل، ولكنها في الحقيقة ليست للتعليل، بل للترتيب دون قيد التعليل. ولا تغترّ بما قد تجده في كتب النحو من أنّ البصريين أنكروا لام العاقبة، لأنّهم إنما أنكروها اسماً وقالوا بها معنى كما ستعرف عمّا قريب إن شاء الله تعالى.

    ثانياً: اعلم أنّ ابن هشام رحمه الله تعالى وغيره ممن تابعه في تقييد لام العاقبة بأن يكون ما بعدها نقيضاً لمقتضى ما قبلها غير مصيبين في هذا التقييد، وكذلك من قال من المفسرين بهذا القيد لم يكن موفّقاً كما سنبيّنه، وأنّ التحقيق في المسألة أنّ لام العاقبة أعمّ من تكون مقيّدة بذلك. بل هي اللام التي تكون في صورة التعليل ولا يكون ما قبلها علّة فاعليّة أو غائيّة لما بعدها. بل يكون ما بعدها مترتباً على ما قبلها ترتباً اتفاقياً أو إرادياً سواء كان موافقاً للمقصد والغاية الباعثة على الفعل أو غير موافق، وسواء ثبت للفاعل غرض من فعله أو لم يثبت. وهذه المعانى لا يتوصّل إليها إلا بالتأمل والنظر في أقوال العلماء من النحاة والمفسرين وأهل الاختصاص الضالعين في اللغة، وهو بعيد عن شاربي كلّ من نذير وحسن، لذلك تجدهما خبطا في المسألة خبط عشواء على غير هدى. وفيما يلي بيان لذلك:

    فأ: قال أبو البقاء: [وما يترتب على فعل الفاعل المختار إن كان ترتبه عليه بطريق الاتفاق والإمضاء، من غير أن يكون اقتضاء وسببيّة يسمّى اللام الداخلة عليه لام الصيرورة، وهي العاقبة والمآل. كقوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزنا)، وكقوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضلّ الناس) أي عاقبة كذبه ومصيره إلى الضلال] اهـ من الكليّات.

    فنتبيّن من هذا النقل أنّ لام العاقبة هي عينها لام الصيرورة والمآل، وهذا محلّ اتفاق بيننا وبين نذير، حيث يطابق ما نقله هو نفسه عن ابن هشام من شرح شذور الذهب وما ذكره جميع من اطلعنا على كلامهم من النحاة. والأمر الثاني أنّ القيد الذي قيّد به ابن هشام لام العاقبة ليس صحيحاً ولا يتخرّج لام العاقبة في مثال أبي البقاء الثاني عليه. إذ من شأن من يفتري على الله تعالى الكذب أن يضلّ الناس، فلا يكون ذلك الفعل منه خلافاً لمقصوده لأنه مفتر متعمّد للكذب على الله تعالى. وقد أبدع العلامة أبو البقاء في هذا المثال، وهو ظاهر في مخالفة كلام ابن هشام ومن تابعه في تقييده المذكور.

    وب: أنّ ابن هشام ذكر في شرحه على الخلاصة اثني عشر معنى للاّم قال: [العاشر الصيرورة، نحو لدوا للموت وابنوا للخراب] اهـ

    فقال الشيخ خالد الأزهري في شرح ذلك في كتابه التصريح على التوضيح: [الصيرورة عند الأخفش، وتسمّى لام العاقبة ولام المآل نحو... البيت. وعجزه فكلّكم يصير إلى الذهاب، فإن الموت ليس علّة للولد، والخراب ليس علّة للبناء، ولكن صار عاقبتهما ومآلهما إلى إلى ذلك، ومن منع الصيرورة في اللام ردّها إلى التعليل بحذف السبب وإقامة المسبّب مقامه للمعنى] اهـ

    وهذا هو ما قرّرناه من معنى الصيرورة والعاقبة والمآل، من أنّ ضابطها أن لا يكون مقتضى ما قبلها علّة لما بعدها، بل صائراً وآيلاً لأن يكون كذلك، سواء كان على خلاف مقتضى ما قبلها أو على وفاقه. وليلاحظ أنّ الشيخ خالد الأزهري على الرّغم من تدقيقه وتحقيقه في القيود لم يذكر قيد ابن هشام وهو عين ما فعله أبو البقاء وليس هو بأقلّ منه تدقيقاً وتحقيقاً. فافهم أيها الغرّ المتطاول، المنـزل لنفسك مقاماً لا يليق بأمثالك من الاجتهاد، وأنت لا تفعل أكثر من النقل عن واحد من العلماء.

    وج: قال الرضيّ الاستراباذي في شرحه على قول ابن الحاجب (واللام للاختصاص...إلخ): [...والتي تسمى لام العاقبة، نحو: لدو للموت وابنوا للخراب، وقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الجنّ والإنس...) الأعراف 179، فرع لام الاختصاص، كأنّ ولادتهم للموت، وخلقهم لجهنّم، وكذا لام التعليل نحو (جئتك للسّمن وللضرب) إذ المجيء مختصّ بذلك] اهـ كلامه رحمه الله تعالى.

    ومن ذلك يعلم أنّ المعنى الأصل الذي يتفرّع عليه معنى العاقبة ومعنى التعليل هو الاختصاص. ويتوضّح أيضاً بالمثال الثاني الذي ضربه الرضيّ الاستراباذي أنّ القيد الذي قيد به ابن هشام لام العاقبة ليس صحيحاً مطلقاً، ولا يصحّ اعتباره ضابطاً كليّاً بل جزئياً في بعض الصور دون جميعها. لأنّ المتأمل في الآية الكريمة من سورة الأعراف لا يرى أنّ ما بعدها نقيضاً لمقتضى ما قبلها أبداً. وهي قويّة في الدلالة على ما نحن فيه، والمعنى أنه تعالى خلقهم ليصيروا وليكون عاقبة أمرهم ومآلهم إلى جهنّم. وممن اختار أنها للعاقبة الإمام الرازي وهو من هو في النحو لمن يعرف تفسيره، ففي تفسيره لهذه الآية الكريمة في سورة الأعراف، قرر هنالك المعنى الذي نقرره نحن للعاقبة دون القيد الذي قيدها به ابن هشام، فقال: [وتقريره: أنه لمّا كانت عاقبة كثير من الجنّ والإنس هي الدخول في نار جهنّم، جاز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة] اهـ

    ثمّ اعلم أيها الغرّ الفدم أنّ ردّ معاني اللام للاختصاص الذي به ينحلّ الإشكال ليس بدعاً من القول ولا اختراعاً، بل لقد صرّح به النحاة من جانبي المعتزلة والسنّة. قال ابن الخباز في توجيه اللمع في باب حروف الجرّ: [وأمّا اللام فمعناها الاختصاص، كقولك: (المال لزيد، أي هو المختص به. وقال أبو عليّ -الفارسيّ في الإيضاح-: (معناها التخصيص والملك، فالملك كقولنا: العبد لزيد، والاختصاص كقولنا: السّرج للفرس). وقال الزمخشريّ -في المفصّل-: (معنى اللام الاختصاص). ومن الجيّد أن تفسّر اللام بالاختصاص، لأنّه معنى عامّ في جميع مواضعها، قال تعالى: (وأنزل لكم من السّماء ماء) فهذه للاختصاص. ويجوز أن تكون للتعليل، وأظهر منه في الاختصاص قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش) الحجر، وأحكام اللام كثيرة وقد صنّف النحاس فيها كتاباً) اهـ كلام ابن الخباز.

    ثمّ إنّ الإمام الرازي يقرر عند تفسير الآية السابقة أنّ الله تعالى خلق كثيراً منهم لجهنّم، فلا يقال إن العاقبة والصيرورة والمآل ههنا على خلاف المقصود من الفعل. كيف والله سبحانه وتعالى بكلّ شيء عليم، وكيف وهو فعّال لما يريد. وبذلك تقرر أنّ الإمام الرازي يؤيدنا في أنّ لام العاقبة أعمّ من أن يكون ما بعدها من مآل خلافاً للمقصود مما قبلها من فعل.

    وابن عطيّة رحمه الله تعالى منع أن تكون هذه لام العاقبة متمسكاً بذلك القيد الذي نقله نذير عن ابن هشام، من أنّ ما بعدها ليس خلاف المراد من خلقهم، وكلامه ظاهر في أنه يجعل ذلك قيداً في لام العاقبة. وهو غير سديد. فمن الغريب أن ابن عطيّة رحمه الله تعالى نفسه الذي رفض كون اللام في هذه الآية لام العاقبة أجاز أن تكون اللام في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) لام العاقبة، حيث قال: [ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة... والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا] اهـ ومثله فعل ابن هشام في مغني اللبيب. وموقفه أيضاً غريب.

    وإنني استغرب منهما هذا الكلام لأن في تجويزهما كونها للعاقبة مع التمسّك بضابط المناقضة بين ما بعدها ومقتضى ما قبلها إشكالاً كبيراً سأذكره بعد قليل. وقد بيّن الإمام الرازي إشكالاً آخر مضعفاً كونها للعاقبة ههنا، قال رحمه الله تعالى: [أما الوجه الأول وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف، لأنّ موسى عليه السلام ما كان عالماً بالعواقب. فإن قالوا إن الله تعالى أخبره بذلك. قلنا: فلمّا أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالاً، لأنّ ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذباً، وهو محال والمفضي إلى المحال محال] اهـ

    قلت: إما أن يكون الله تعالى أعطاهم المال والزينة استدراجاً لهم مريداً إضلالهم فلا يكون ما قبلها ولا مقتضاه مخالفاً لما آلت إليه أمورهم. أو أنه تعالى أعطاهم ذلك مريداً هدايتهم فضلّوا وبهذا الوجه يجوز أن تكون اللام لام العاقبة على شرط ابن عطيّة وابن هشام. ولكنّ هذا الوجه الثاني محال. لأنّ الله تعالى عالم بجميع المعلومات وما يريده فإنه واقع لا محالة. فلا تكون مراداته على خلاف ما تؤول إليه الأمور. وهذه والله أعلم قد فاتت ابن هشام وابن عطيّة رحمهما الله تعالى، إذ يصعب فهم جعلهما اللام فيها للصيرورة مع قولهم بقول أهل السنّة في معنى الآية الكريمة.

    والمهمّ في هذا ههنا أنّ الإمام الرازي لم يلتفت في نفي كون هذه لام العاقبة إلى ما قلته من عدم وجود تخالف بين إعطائهم الأموال أو ما يقتضيه ذلك وبين ضلالهم، بل منعه لأمر آخر، مما يدلّ على أنّ هذا القيد محلّ البحث ليس شرطاً في تحقق لام العاقبة ولا هو جزءاً من مفهومها عنده. وإلا لكان ردّ كونها للعاقبة بذلك أقرب وأسهل. وأما بالنسبة لابن عطيّة وابن هشام حين جوّزا أن تكون هذه لام العاقبة فإذا تمسّكا بهذا القيد فيها فعليهما أن يتأوّلا الآية الكريمة على وجه يبيّنان فيه التنافر بين شقيها ما قبل اللام وما بعدها، وهو ليس بالأمر الهيّن، ويخالف المعنى المنطوق والظاهر من الآية. وهما لم يفعلا ذلك على كلّ حال.

    فالأولى إذاً أن تكون عبارة ابن هشام قاعدة أغلبيّة أو للتمثيل وليست ضابطاً كلياً يصلح للكشف عن كلّ لام عاقبة.[/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [align=justify]ود: واعلم أيها الغرّ أنّ المراديّ في الجني الداني في حروف المعاني ذكر ما ذهب إليه قوم في اللام في الآية الكريمة وهي أنها عندهم بمعنى الفاء بعد أن مثلّ بها هو على العاقبة، فقال: [السادس: اللام التي بمعنى الفاء. ذكر ذلك قوم، وجعلوا منه قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحرنا)، وقوله تعالى: (ربنا ليضلوا عن سبيلك) أي فكان لهم، وفضلّوا. وقال الشاعر:

    لنا هضبة لا ينـزل الذل وسطها=ويأوي إليها المستجير ليعصما
    ] اهـ

    ثمّ ردّ كلامهم بأنّ اللام في الآيتين الكريمتين لام الصيرورة، وفي البيت لام التعليل. وكان قبل ذلك ذكر لام الصيرورة ومثل لها بالآية نفسها ولم يذكر هذا الضابط الذي ذكره ابن هشام. فلو كان الضابط الذي ذكره ابن هشام ومن قبله ابن عطيّة رحمهما الله تعالى ضابطاً متفقاً عليه لوجدنا كلّ من ذكر لام الصيرورة قد ذكره. وما يهمّنا ههنا أنّ من النحاة من قال بأنها بمعنى الفاء أي التعقيب، وهذا معنى جديد وإن يكن قريباً من معنى الترتب بغير عليّة. مما يظهر أنّه ليس ثمّة قولاً واحداً عند النحاة في لام العاقبة كما تحاول إيهامه يا نذير بفهم أو بغير فهم، وسيأتي بيانه أكثر إن شاء الله تعالى. فحين نرى أمثال هذا الاختلاف في فهم الآية الكريمة وغيرها كالتي هي محلّ البحث أعني (وما خلقت الجن والإنس)، فإننا نتبيّن من ذلك أنّ المسألة فيها خلاف، وأنّ الناظرين في الآية الكريمة فهموا من اللام أكثر من معنى بحسب جهات نظرهم، والأصول العقليّة التي ينطلقون منها. كما سنتبيّن من مجموع ما نقلناه من أقوال العلماء في معنى لام الصيرورة أنّ كلام ابن هشام وتقييده للام الصيرورة بأن يكون ما بعدها نقيضاً لمقتضى ما قبلها ليس ضرورياًَ بل هو اجتهاد منه، أو هو أغلبيّ أو للتمثيل لا للحصر والتعميم. وليس كلام واحد من العلماء في معنى حرف ما في ضمن تركيب معيّن كلاماً منـزلاً لا يجوز لأحد مخالفته. لأنّ الحروف إنما تلحظ لها معان دقيقة بحسب تعلّقاتها ووضعها في ضمن تركيب وسياق معيّنين، وألحاظ الناس وجهات نظرهم تتفاوت وتختلف، وقد يلحظ واحد ما لا يلحظه آخر، فلا تبحث المسائل التي على هذه الشاكلة على نحو ما بحثتها به أيها الغرّ البليد، كأنك تردّ كلام من خالف المقطوع به من الضروريات والإجماعات والنصوص الشرعيّة التي لا تحتمل غير معنى واحد.

    وهـ: واعلم أيها الغرّ الفدم أنّ الحرف إذا حذف انتصب ما كان به أو بمضمر بعده منجراً، فقوله لدوا للموت لو حذفت اللام منه لصار (لدوا موتاً) والعرب تسمّى الشيء بما هو صاير وآيل إليه على اعتبار ما سيكون، وهذا أبلغ دليل على كون لام العاقبة والصيرورة والمآل ليست مختصة بكون المآل مخالفاً للمؤمّل المرجو أو المراد من الفعل. نعم حين يكون الكلام في المخلوقات ذوات العلم فإن وافق المآل ما قصد منه الفعل تنازع التعليل معنى اللام مع المآل فينظر بعدئذ هل ما قبلها علّة غائية أو فاعليّة لما بعدها أوْ لا، فإن كان كذلك فهي لام التعليل وإلا فهي لام العاقبة والصيرورة والمآل. ولكن حين نتأمّل الأفعال التي يفعلها الله تعالى فإنّ القول بأنّ المعنى هو التعليل يكون مستعصياً. لأنّ الله تعالى لا تعلل أفعاله بالعلل الغائيّة ولا الفاعليّة لما سيأتي عمّا قليل. فيلزمنا القول بأنّ التعليل لفظيّ محض لا معنويّ، أي أنه على صورة التعليل ولكنه لمحض إرادة الله تعالى، وليس هذا المعنى إلا ما قاله الشيخ سعيد حين عدّ اللام لام العاقبة والمآل الواقعة في ضمن معنى الاختصاص كما بينّاه.

    وو: سأنقل لكم كلام الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون)، فإني أراه رحمه الله تعالى قد حلّ الإشكال، وبيّن لم لا يجوز القول بأنّ اللام هنا لام التعليل والغرض المعروفة كالتي في قولنا أعددت الطعام لآكل، وأتيته ليكرمني. فقال رحمه الله تعالى: [المسألة الثالثة: فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان مستكملاً وهو في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلّة؟
    نقول: المعتزلة تمسّكوا به، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك، ونحن نقول فيها وجوها:

    الأوّل: أنّ التعليل لفظيّ ومعنويّ، واللفظيّ ما يطلق الناظر إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ودخل بلاد العدوّ وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير، ففي المعنى المقصود ذلك، وفي اللفظ لا يصحّ، ولو قال ما سافرت إلا لابتغاء أجر أو لأستفيد حسنة يقال: هذا ليس بشيء ولا يصحّ عليه، ولو قال قائل: في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدوّ وليرهبه لصدق، فالتعليل اللفظيّ هو جعل المنفعة المعتبرة علّة للفعل الذي فيه المنفعة، يقال: اتّجر للربح وإن لم يكن في الحقيقة له، إذا عرفت هذا فنقول: الحقائق غير معلومة عند الناس، والمفهوم من النّصوص معانيها اللفظيّة، لكنّ الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً، والنـزاع في الحقيقة في اللفظ.

    الثاني: هو أن ذلك تقدير كالتمنّي والترجّي في كلام الله تعالى، وكأنّه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالهم لقلتم إنه لها، كما في قوله تعالى: (لعله يتذكر)، أي بحيث يصير تذكره عندكم مرجواً، وقوله (عسى ربّكم أن يهلك عدوّكم) أي يصير إهلاكه عندكم مرجوّاً تقولون إنه قرب.

    الثالث: هو أنّ اللام قد تثبت فيما لا يصحّ غرضاً، كما في قوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس)، وقوله تعالى: (فطلّقوهنّ لعدّتهنّ) والمراد المقارنة، وكذلك في جميع الصّور، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، والذي يدلّ على عدم جواز التعليل الحقيقيّ هو أنّ الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأنّ الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل، فيكون توسّط ذلك لا ليكون علّة، وإذا لزم القول بأنّ الله تعالى يفعل فعلاً هو لمتوسّط لا لعلّة لزمهم المسألة.

    وأما النصوص فهي أكثر من أن تعدّ، وهي على أنواع، منها ما يدلّ على أنّ الإضلال بفعل الله كقوله تعالى: (يضلّ من يشاء)، وأمثاله، ومنها ما يدلّ على أنّ الأشياء كلّها بخلق الله كقوله تعالى: (خالق كلّ شيء)، ومنها الصرايح التي تدلّ على عدم ذلك، كقوله تعالى: (لا يسأل عمّا يفعل)، وقوله تعالى: (ويفعل الله ما يشاء)، و(يحكم ما يريد)، والاستقصاء مفوّض فيه إلى المتكلّم الأصوليّ لا إلى المفسّر]. اهـ كلام الإمام الرازي رحمه الله تعالى.

    قلت: كلام الإمام الرازي ههنا صريح في نفي معنى التعليل الحقيقيّ عن اللام، فيبقى التعليل اللفظيّ أو المجازيّ، وحاصله أنّ معنى اللام لما انتفى عنها معنى التعليل عدنا إلى قول أبي البقاء في كونها للصيرورة، أي أنّه تعالى خلقهم ليصيروا مأمورين بالعبادة ومتهيّئين لها، وقول الإمام في الثاني التقدير صريح في معنى الصيرورة، وفي الثالث يقال الإنسان لا يتعلّق الأمر به منذ خلقه، فالمعنى ليصيروا عابدين أو مأمورين بالعبادة، ويؤول أمرهم إلى ذلك أو يعقب ذلك عبادتهم أو أمرهم بالعبادة، وهو عين المعنى الذي قرره الشيخ سعيد بجعل اللام للصيرورة والعاقبة والمآل، بعد نفيه كونها للتعليل.

    وز: لام العاقبة أعمّ مما ذكر ابن هشام رحمه الله تعالى. وكلامه صحيح فيما يتعلّق ببعض أفعال العباد لا بجميعها لما أنّ العاقبة والمآل قد يوافق حيناً الغرض منه عند نفس الفاعل وقد يخالفه، كما بيّنه الإمام الرازي في مثال الملك السائر بالجند إلى العدوّ. وهذه اللام إذا صرفت عن التعليل لقرينة فهي للعاقبة كما قال أبو البقاء، والشيخ خالد الأزهري بالمعنى. فإذا كان الفعل منسوباً للخلق كانت للعاقبة، ولا يلتفت إلى كون المآل موافقاً أو مخالفاً للغرض من الفعل عند نفس الفاعل، بل المعتبر في التعليل ما يصلح ظاهراً له كما حققه الرازي. وأما في حقّ الخالق جلّ وعزّ فإنّ الدليل العقليّ يمنع أن يكون لفعله أغراضاً وأن تكون أفعاله معلّلة بالعلل. فحين ينسب الفعل إلى الله تعالى فإنّ اللام للعاقبة والصيرورة والمآل دون اشتراط أن العاقبة على خلاف المراد من الفعل، لأنّ ذلك في حقّ الله تعالى لا يتصوّر لإحاطة علمه تعالى بجميع المعلومات، ووجوب نفاذ ما أراد سبحانه.

    وأمّا الآية الكريمة محلّ البحث، فكون اللام فيها للعاقبة والمآل فهو قول أهل السنّة والجماعة في مقابل قول المعتزلة بأنها للتعليل، ومنهم من صرّح بكونها كذلك كما سيأتي متابعة لمذهب الكوفيين في المسألة من تنويع اللام وتسميتها بلام المآل والعاقبة والصيرورة. ومنهم من صرّح بخروجها عن ظاهر معناها إلى معنى مجازيّ، وهو عين القول بأن ما بعدها مترتب على ما قبلها دون كون ما قبلها علّة لا فاعليّة ولا غائيّة لما بعدها، وهو عين قول الشيخ سعيد في تفسير الآية.

    وممن لخّص الكلام فيها على مذهب البصريين من أهل السنّة فأبدع الشيخ زادة في حاشيته على البيضاويّ، حيث قال: [نعم إنّ العبادة ليست غرضاً مطلوباً من الخلق ولا غاية مترتّبة على خلق كثير من الجنّ والإنس، إلا أنّها شبّهت بالغاية المترتّبة من حيث إنّ الجنّ والإنس خلقوا على صورة متوجّهة للعبادة أي صالحة وقابلة لها، فإنهما من حيث تتأتّى منهما العبادة وأنّهما هديا إليها بخلق أسبابها ودواعيها من الأدلّة العقليّة والنقليّة فيهما صارا بذلك كأنهما خلقا للعبادة وأنها مترتّبة على خلقهما على تلك الصورة، فلذلك أطلق عليها اسم الغاية، ودخلت عليها لام الغاية مبالغة في خلقهما على تلك الصّورة، ووصف الصورة بكونها مغلّبة للعبادة لكونها بحيث تصدر عنها العبادة بسهولة لتحقق أسبابها وكثرة دواعيها، فصارت بذلك كأنها جعلت غالبة عليها متمكّنة فيها.

    (ثمّ علل كلام البيضاويّ، فقال: ) ولمّا وجه الكلام بإخراج اللام عن ظاهر معناها بجعلها للمبالغة في خلقهما بحيث تتأتى منهما العبادة بسهولة أشار إلى وجه العدول عن الظاهر فقال: ولو حمل على ظاهره، يعني أنّ المانع من حمل الكلام على ظاهره أمران، أحدهما: أنّ الدليل يمنع الكلام على ظاهره، وثانيهما: أنّ حمله على ظاهره يستلزم تعارض الآيتين لأنّ من خلق لجهنّم لا يكون مخلوقاً للعبادة (أي في قوله تعالى (ولقد ذرأنا لجهنّم كثيراً من الإنس والجنّ))، ولمّا صرف الكلام عن ظاهره بأن جعلت العبادة شبيهة بالغاية ارتفع التعارض] اهـ كلام الشيخ زادة رحمه الله تعالى.

    وما نقلته عن الشيخ زادة هو حاصل قول الشهاب على البيضاويّ أيضاً. وهذا الكلام الذي نقلناه هو عين ما يقوله الشيخ سعيد من ترتب العبادة على الخلق كعاقبة ومآل وصيرورة أي بالإمضاء دون أن يكون نفس فعل الخلق علّة وغرضاً للعبادة. ونفي التعليل الحقيقيّ عن اللام كما هو متفق عليه عند السنّة يوجب معنى الصيرورة والمآل والعاقبة، سواء سمّيت اللام بهذه الأسماء أو قلت هي لام التعليل لكنها مصروفة عن معناها الحقيقيّ إلى معنى مجازيّ لكونه على صورة التعليل وليست به.
    وهذا هو عين كلام الشيخ سعيد في اللام، ولكنّه في الطبعة الأولى من كتابه اقتصر على ذكر قول الكوفيين من أنها تسمّى لام العاقبة، وفي الطبعة الثانية نقل من حاشية القونويّ تخريج المعنى بالاستعارة مع نفي التعليل الحقيقيّ. والمعنى واحد بلا أدنى فرق لمن تأمّل. ولكنّ هذا الفدم حين لم يعلم حقيقة قولي علماء المدرستين، ولم يلتفت إلى كون البصريين لا يسمون اللام باسم الصيرورة والعاقبة والمآل وإن سلكوا مسلكاً آخر ليخرّجوا به المعنى نفسه، شنّع على الشيخ سعيد بأنه غير مطّلع على الفرق بين اللامين.

    وح: العلامة الزمخشريّ من أعيان مدرسة البصرة معروف قوله في هذه الآية على مذهب المعتزلة بأنّ اللام للتعليل وهو لا يلتزم كون الإنس والجنّ جميعاً عابدين معللاً ذلك بأنّ الله تعالى خلقهم لأجل عبادته مختارين لا مضطرّين إليها. وما نقلته من تقرير الشهاب إذا تأملته بعين الإنصاف وجدته سائغاً متيناً، وفيه توفيق بين أئمة اللغة والتفسير من فحولتي الإسلام السادة الأشعريّة والمعتزلة. لا سيّما وأنّ الزمخشريّ رحمه الله يرى أنّ لام العاقبة هي لام التعليل، وأنّ التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة. وبيانه في قوله تعالى (ليكون لهم عدواً) أنّه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدواً وحزناً، بل المحبّة والتبنّي، غير أنّ ذلك لمّا كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبّه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استغير الأسد لمن يشبه الأسد. هذا حاصل كلامه على معنى الآية. فنقول: إذا كان الزمخشريّ يجيز أن يكون التعليل على طريق المجاز، بأن تكون اللام مستعارة لما يشبه التعليل، فهذه الطريق هي ما فهمنا به قوله تعالى (إلا ليعبدون)، ولكن من تبع البصريين في اصطلاحهم قال بالاستعارة كما ذكره الزمخشريّ، ومن تبع الكوفيين قال هي لام الصيرورة والعاقبة والمآل مسمياً لها باسمها الذي اختاروه لها. وهذا دليل على ما قلناه من أنّ المعنى عند الجميع واحد. ثمّ إنّ معنا أدلّة عقليّة ونقليّة توجب صرف اللام عن معناها الحقيقيّ. فتمت لنا طريقة بيان معنى الآية بدليل صحيح وطريقة معتبرة عند نفس المعتزليّ. والله تعالى الموفّق.

    ومن العجيب الغريب أن يعيب نذير على العلامة القونويّ أنّ اللام مستعارة للتعليل، معتبراً ذلك تأويلاً ركيكاً مع أنّ العلامة الزمخشريّ قال مثله في قوله تعالى (ليكون لهم عدواً)، ولم يعتبر ذلك منه تأويلاً ركيكاً، فعجباً من التعصّب عجبا، يا ذا المكيالين. وأعجب منه أن يردّ هذا الفدم قول الأهدل بأنّ اللام في قوله (ليعبدون) لام الحكمة وليست لام التعليل، قائلاً هذا إقحام لمعنى شرعيّ أو إقحام لرأي شخصيّ للأهدل على المعنى اللغويّ. أفلا يفهم هذا الإنسان الباعث على هذه الأقوال بعد، وأنّ هذه المسائل تتخرّج على الأدلّة الكلاميّة كما نبّه عليه الإمام الرازي وأنّ المرجع فيها هو قول المتكلّم والأصوليّ. أفلا يقرأ في تفاسير الشيعة العجب العجاب كيف يفسرون القرآن كاملاً بناء على أصولهم الكلاميّة. أفلم يقرأ كيف يفسّر الزمخشريّ القرآن الكريم كاملاً على مذهب المعتزلة مؤولاً ومرتكباً الصعب البعيد أحياناً مخالفاً لأوضح الظواهر. فما الذي بعثه على ذلك غير مواقفه الكلاميّة وأدلة مذهبه العقليّة والتزامه بأصول مذهب المعتزلة. فلم أيها الأحمق تجعله إماماً يحتذى ولا تعيب عليه أفعاله هذه وتعيب على علماء السنّة أقوالهم، والمعتزلة والشيعة بأكثر منهم هم الغارقون في التأويل والصرف عن الظواهر بالأدلّة الكلاميّة أكثر بكثير من أهل السنّة!!!!!! أليس هذا هو التعصّب، والكيل بمكيالين، والتعسّف، والبعد عن الإنصاف، وعن منهج العلماء وطلاب العلم في البحث والنظر، قبّح الله تعالى أفعالكما.

    وهذا ما أردت قوله على عجل في هذه المسألة، لأعلّم ذلك الغرّ الفدم كيف تتناول المسائل، وكيف تبحث، وأنّه هو المتسرّع في الحكم لتمكّن الحمق في فؤاده، ولو كان من أهل الفهم والرأي لما تمكّن كلام ابن هشام في قلبه لما أنّه أوّل ما صدفه وبنى عليه قبل الاطلاع على قدر كاف من آراء العلماء. ففي المسألة قولان: قول واحد للمعتزلة، وفي مقابله قول واحد للسنّة. الأوّل التعليل والثاني نفي التعليل. ومن السنّة من يعبّر عن المعنى على طريقة الكوفيين بتسمية اللام لام العاقبة، والمحققون على مذهب البصريين أهل التعليل يخرجون نفس المعنى على الاستعارات والمجاز. ولا فرق بين القولين إلا الاختلاف في العبارة. فالمبادرة بالتخطئة يا نذير استناداً إلى قول مجتهد واحد فيها مجازفة، وليست من عرف أهل البحث والنظر ولا أخلاق أهل العلم في شيء.

    وط: عبارة الدسوقي في حاشية مغني اللبيب في بيان لام العاقبة، لم تتناول مطلقاً القيد الذي قيّد به ابن هشام لام العاقبة، وهو المحقق المعروف.

    ي وأخيراً ههنا: أنّ الشيخ سعيداً ليس هو من اخترع ولا هو أوّل من صرّح بأنّ اللام التي في قوله تعالى (ليعبدون) هي لام العاقبة. فقد نصّ على ذلك العلامة الجمل في حاشيته على الجلالين.
    فأين أنت أيها الغرّ الفدم من هؤلاء العلماء. وأين أنت من الفهم والتحقيق، وطرق البحث والنظر. فالله تعالى المستعان. [/align]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    ب- أنّ الشيخ سعيداً قال في ص72 من تهذيب شرح السنوسيّة: [وقوله لا يوجد في الأزل إلا الله وصفاته، لو قال إلا الله تعالى لكان أحسن، لأنّ الصفات ليست غير الله تعالى. فقولك إلا الله شامل للذات والصفات. فتنبّه] اهـ

    فقالا: [توهّم سعيد من كلام البيجوري أنّه يقول إنّ صفات الله تعالى غيره لوجود عاطف هو الواو بين اللفظين. قالا: وكلام البيجوريّ صحيح لغة حتى على المعنى الذي يدعو إليه سعيد، إلا أنّ ضحالته المعرفيّة باللغة أدت به إلى الاستدراك جراء تسرّعه المعهود من زعمه بإدراك ما غاب عن غيره. وطفقا يبيّنان أنّ العطف لا يقتضي التغاير بين المعطوف عليه والمعطوف مما ليس هو محلّ نزاع أصلاً ولا محلّ له من الإعراب ههنا] اهـ

    والجواب: أنّ الشيخ سعيداً لم يقل إن العطف يفيد التغاير بين المعطوف والعطوف عليه ليرد عليه كلامك الممجوج، ولكنه قال: [لو قال إلا الله تعالى لكان أحسن]. لأنّه ليس ثمّة في الأزل إلا الله تعالى الموصوف بالصفات، وقد يتوهّم من قول القائل ليس في الأزل إلا الله وصفاته وجود أمرين اثنين أو أموراً متعددة، فحسن منه التنبيه على ذلك لرفع الوهم عمّن قد يتوهّم التغاير ههنا بين المعطوف والمعطوف عليه لا سيّما أنّ الأصل فيهما التغاير. فما العيب في ذلك؟

    حقاً إن عينك لساخطة عليه ولو لم يتكلّم إلا بالقرآن الكريم، فبأولى أن تسخط على كلّ عمل أتى به مما قصرت عنه هممكم، فبتم تتصيّدون له الكلمة، وتتوهّمون له وتخترعون مرادات بعيدة كلّ البعد عن الواقع، افتراء عليه وحسداً من عند أنفسكم لتنتقصوا من قدره. فالله المستعان على ما تصفون.

    ج- قال الشيخ سعيد في كتابه: [وقد برع هؤلاء جداً في التبرير، أي تبرير مواقفهم... وتبرير وقوعهم في التجسيم] اهـ كلامه

    فقالا: هذا خطأ من ناحية اللغة، وصاب ذلك أن يقال التسويغ بدل التبرير، لأنّ التبرير ليس من معانيه التسويغ وإيجاد العذر والتجويز.

    والجواب عنه: أن هذه الكلمة لها أصل في اللغة العربيّة فليست لفظاً مخترعاً، وبين برر وسوّغ اشتراك في المعنى كما سنبيّن، ثمّ إنّها أعني برر معتمدة من مجمع اللغة العربيّة بهذا المعنى، كما جاء في المعجم الوسيط: [برر عمله: زكّاه، وذكر من الأسباب ما يبيحه (محدثة)] اهـ

    فكأني بكما الأصمعيّ يختلف إلى الإمام الشافعيّ يسمع منه العربيّة. هل يستطيع شيخك أيها الفدم أن يقيم ثلاث جمل متتاليات في العربيّة دون أن يلحن. إنا نراه على التلفاز لا يحسن التحدث بالعربيّة. فتعساً للسنّة إن كان أسدهم أعوج اللسان، فإن من كانت حاله كحال شيخك فكثير عليه هرّ السنّة، واعذرنا فنحن لا نعرفك قبل هذا الكتاب ولم تبلغنا فصاحتك قبل عزيز خطابكم هذا الذي جاءني وأنا في أكثر الأوقات التي مضت عليّ انشغالاً، وما في الكتاب لغته وكلامه، فإن قستك على شيخك، فإن كان هو هرّ السنّة، فلا أدري ما أسمّيك، وفي أيّ خانة أضعك أنت، وعنه أخذت الجهل وسوء الخلق وطال لسانك بطول صحبته حتّى بلغت هذا المقدار العظيم من التدقيق والتحقيق في اللغة، تردّ الشائع المستعمل وتقتنص المحدث، وتغار على العربية غيرة الخليل، ولا عجب فقد أطلت الإبحار في محيط العلم الزاخر. وأطلت التنـزه في رياض هدام منهج السنّة.

    فرفقا ًبنفسك أيها الفتى المغرور رفقاً، فسيقتلك اغترارك بعمدة هذا الزمان، هذا الذي بات يستحلّ الكذب على الناس، ويسير بالغيبة والنميمة، ويثير الفتن، ويتاجر بالدين. استيقظ أنت ومن حوله من هذا النوم العميق، وانظروا إلى أحواله أهكذا يكون العلماء. أهذه هي المآخذات الخطيرة على الشيخ سعيد في اللغة أنّه يستعمل برر بمعنى سوّغ!!!! والله لو كان لدي وقت أضيعه في تتبع شيخك لوددت أن أراجع كتبه واستخرج كلّ لفظ استعمله استعمالاً خاطئاً وكلّ خطأ نحويّ في كتبه، لأريك أنّ شيخك هذا في حالة يرثى لها من التمكّن في اللغة.

    ثمّ إنّ هذه المسألة التي طبّلت لها وزمّرت وتسندها إلى السقاف وهو إلى شيخه الغماريّ، فهذه الرواية ليست بحجّة عندي ولا عند أحد لا سنداً ولا متنا، لأنّك أنت والسقاف كذابان، وهو يستحلّ الكذب، فأنتما ساقطا العدالة عندي. وإن اتفق أن كنتما في هذه صادقين، فالغماريّ ليس بحجّة في اللغة. فما قيمة كلام الغماريّ رحمه الله في اللغة بلا إسناد إلى من هو حجّة في اللغة، وما قيمة هذا السند عمن هو فاسق كذاب. اصح من نومك، ولا تضيّع عمرك في الأوهام والأحلام، فتذهب من الدنيا بلا شيء.
    فهذا ما تمحلاه دليلاً على أنّ الشيخ غير محقق في اللغة العربيّة!!!! فاقرأوا واستمتعموا أيها الفضلاء!!![/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]سادساً: قال نذير: [فصل في بيان عدم ضبطه للأحداث التاريخيّة]

    تحت هذا العنوان قال هذا الأحمق إنّ الشيخ سعيداً بأنّ الحشويّة والمجسّمة كانوا في القرون السابقة يخجلون من التصريح به، ويلجأون غالباً إلى الكنايات والتمسّك بأقوال مجملة.

    فيردّ هذا الفدم هذا الكلام معتبراً إياه خطأ راجعاً إلى غفلته عن قراءة التاريخ والمعرفة به، وذكر بعض ما جاء في الكتب مما يدلّ على ظهورهم في فترات معيّنة على المعتزلة والأشاعرة.

    فنقول لهذا الأحمق إنّ ظهور المجسّمة والحشويّة في فترات معيّنة في القرون الماضية، لا ينافي ما قاله الشيخ سعيد من كون مذهبهم في غاية الضعف والتهافت، ولا ينافي أنّهم منذ ظهورهم إلى اليوم متصفون في الجملة بما ذكره الشيخ من تمسّكهم بالكلام المجمل، ولجوئهم إلى الكنايات وخجلهم من التصريح بحقيقة أقوالهم لشناعتها. فإنّ لهم كلاماً لا يجوز على عقل عاقل، فيلجأون إلى مثل هذه الأساليب ليكون كلامهم مقنعاً للسذج ويجوز على عقول البسطاء. وهذا معلوم مشاهد في السلفيّة، ومشهور وثابت بلا شك عن أسلافهم. ومجالس العلماء مع ابن تيميّة وكتبه خير شاهد عليه. لقد كانوا موجودين على مرّ القرون، وكم آذوا العلماء المنـزهين، وكم نالوا من الأكابر. ولكنّ كلّ ذلك لا ينافوا هذه السمة التي تحدّث عنها الشيخ لشناعة مقالاتهم.


    سابعاً: مسألة جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي عقلاً

    يأخذ نذير على الشيخ سعيد متابعته لأهل السنّة والجماعة في قولهم بأنّ تعذيب المطيع وإثابة العاصي أمران جائزان في العقل، وعليه فإنهما من متعلّقات قدرة الله وسبحانه وتعالى.

    ويخبط نذير في الردّ على الشيخ في هذه المسألة خبطاً، فيقول: [كلامه مبنيّ على قواعد جوّز بناء عليها ما يريد:
    الأولى: أن الله تعالى لا تنفعه طاعة ولا تضرّه معصية، وهذه القاعدة ما فيها أدنى تلازم مع القول بجواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي، لأنّ التعذيب والثواب ليسا بناشئين عن الضرر والمنفعة في حقّ الله عزّ وجلّ] نذير

    فأقول: بل ثمّة تلازم بينهما، وثمّة أصل لهذا الكلام يبنى عليه، ولكنك لا تعلمه لجهلك بهذه المباحث أيها الغرّ الفدم المتسرّع في أطلاق الأحكام لحمق متأصّل فيك. والتلازم ههنا عرفيّ وليس عقلياً، والعرفيّ معتبر في الأصول بلا توقّف، وعند بعض المناطقة كما نصّ عليه السعد. فإنّ العقل يحكم مما استفاده من العرف أنّ الإثابة تتبع المنفعة، والعقاب تابع للمضرّة. فإذا لاحظ العقل استغناء المولى جلّ وعزّ عن كلّ ما سواه، وأنّ الخلق جميعاً لو آمنوا واتقوا ما زادوا في ملكه شيئاً ولا أفادوه تعالى شيئاً لم يكنه قبلهم من صفته، وأنّهم لو كانوا جميعاً على قلب أكفر رجل في الدنيا ما نقصوا من ملكه شيئاً ولا غيّروا له تعالى حالاً أو صفة كان عليها أزلاً، حكم بانقطاع التلازم المستفاد عنده من العرف بين المنفعة والثواب، والمضرّة والعقاب. ولا شكّ أنّ الإنسان قبل أن تعلم نفسه هذه القواعد ويعقد قلبه عليها ليتوقّف للتأمل فيها قبل التصديق بها، ثمّ حين يلاحظ هذه المقدّمة أو غيرها مما ذكره الشيخ سعيد يصدّق بها. فلذا مثّل بهذه القضيّة على الأحكام النظريّة، وهي لا شكّ نظريّة وليست بديهيّة. ولكنك تفتقد القدرة على التأمل، وتسارع إلى الردّ قبل الفهم والنظر، وما ذلك إلا لقصور نظرك وجهلك عن درك الدقائق.

    وهذه المعاني التي نذكرها واردة في الشريعة الغراء، من ذلك ما روى عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: [.... يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد مانقص ذلك من ملكي شيئ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه أخرجه مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما
    وقال تعالى: قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل أنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين)

    إنّ في الآية الكريمة احتباكاً ظاهراً، إذ من ينقلب على عقبيه ويكفر بالله فلن يضرّ الله تعالى شيئاً وسيعاقبه الله تعالى، ومن يثبت على دينه ويشكر فلن ينفع الله تعالى شيئاً وسيجزيه الله تعالى أجراً حسناً. فإن لم يكن ثمّة أدنى تلازم بين النفع والثواب، والضر والعقاب، كما تقول أيها البائس، فلماذا نراه سيق ههنا في الآية الكريمة؟!

    ثم قال نذير: [والثانية: الظلم هو التصرّف في ملك الغير بلا إذن، وهو تعريف صاغه القوم ليسوّغوا ما ذهبوا إليه عقلاً ليصلوا عن طريق قولهم بأنّ المخلوقات ملك لله فله التصرّف فيها كيف شاء، وقد عاب سيّدنا عبد الله بن الصدّيق الغماري رحمه الله ذلك على الأشاعرة، وهم بذلك يسلبون المعنى المستفاد من قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)، فلو فهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم الظلم بهذه الطريقة لم يبق أيّ معنى لطمأنتهم بعد الخوف. وما معنى الظلم الذي تمدّح الله بنفيه عن نفسه في قوله تعالى (وما ربّك بظلاّم للعبيد)، وقوله (وما كان الله ليظلمهم)] نذير

    وذكر في الحاشية أنّ المعنى الذي ذكره الشيخ سعيد ليس معنى لغويّاً، ولا يصحّ أن يكون معنى شرعيّاً، أما اللغويّ فقد جاء في الفروق ما نصّه: [والظلم ضرر لا يستحقّ، ولا يعقب عوضاً].

    أولاً ينبغي أن يعلم أنّ الكلام الذي نقله نذير عن الشيخ سعيد من حاشية تهذيب شرح السنوسيّة ص23-24، بقوله قال سعيد: [النظريّ هو الذي لا يدركه العقل إلا بعد التأمّل..... وحتى قوله جائز يصحّ وجوده وعدمه] هذا الكلام ليس هو كلام الشيخ سعيد بل هو كلام سيدي المكّي البطاوري من شرحه لأمّ البراهين لذا جاء مرمّزاً بالحرف (ط) في آخره. ولكن نذيراً لتسرّعه وعمى قلبه نسبه للشيخ سعيد.

    ثمّ لنتأمّل أيها السادة كلام نذير ولنر إن كان كان معه حقّ في هذا الكلام أم لا. إنه يختار هذا المعنى بالتحديد للظلم لكي يسوّغ هو قوله بأنّ الله تعالى يجوز في حقّه الظلم ولكنّه لا يفعله لأنه نقص منه تعالى. وأمّا أهل السنّة فهم ينفون أصلاً صدق مفهوم الظلم عليه. ولننظر في القواميس بم تشرح الظلم لكي نتبيّن هذا المعنى:

    قال في اللسان: [الظلم: وضع الشيء في غير موضعه] اهـ وفي القاموس مثله.
    فهذا هو المعنى الأوّل للظلم الذي تجتمع إليه معان كثيرة. وهو بلا شكّ ولا ريب معنى لا يصحّ في العقل نسبته إلى الله تعالى عند ثبوت كون الله تعالى عالماً علماً تامّاً بجميع المعلومات. وأنّه خالق كلّ شيء وهو على كلّ شيء وكيل. وأنّه تعالى (فعّال لما يريد)، وأنه تعالى (لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون).

    ثمّ قال ابن منظور: [وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحدّ]

    فلو تأمّنا هذا المعنى في حقّ البشر لعلمنا أنّ حدود المرء في التصرّف هو ما يملكه أو ما أذن له ممن يملكه أن يتصرّف فيه. وهذا هو المعنى الذي قاله سيدي المكّي والذي نقله نذير ونسبه للشيخ سعيد. وهو كما ترون معنى صحيح للظلم يقول عنه ابن منظور إنه أصل الظلم. وإذا ثبت أنّه لا يقال لأحد إنه تجاوز الحدّ إلا إذا تصرّف فيما لا يملك وما لم يؤذن له ممن يملكه أن يتصرّف فيه، فالله تعالى ربّ العالمين لا يتصوّر في العقل أن يوصف فعله بالظلم أصلاً لأنه مالك الملك ملكاً حقيقياً ما بعده ملك لكونه خالق كلّ شيء بعد أن كان عدماً والمدبّر لكلّ شيء في هذا العالم.
    أفبعد هذا يقال يا نذير التافه إنّ قول السادة الأشعريّة ليس هو المعنى اللغويّ للظلم، ولا يصحّ أن يكون معنى شرعيّاً. سبحان الله ما أجهلك. ثمّ عدت تسند للغماريّ هذا القول. فإن صحّ ما تنسبه له فقد أخطأ في ذلك قطعاً. وهو ليس بحجّة على الناس في هذا الباب. أفلا تعقل أيها الفتى.

    ثمّ قال في اللسان: [والظلم الميل عن القصد]
    وهذا يقال فيه مثل ما مضى. ويتفرّع على المعنى المذكور.

    وأمّا قولك بالمعنى لو كان الظلم محالاً على الله تعالى ولا يتصوّر صدوره عنه لم يكن من معنى لمدحه تعالى نفسه بنفيه عنه، فمهاترة. لأنّ الله تعالى مدح نفسه بنفي ما هو محال عليه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: (وما كان ربّك نسيّاً) وغيره في القرآن الكريم كثير كما لا يخفى على عاقل. والظلم الذي ينفيه الله تعالى عن نفسه هو عين الظلم الذي نتكلّم فيه ونبيّن معناه، إن كنت تسألنا عن معناه.

    وأمّا نقلته عن أبي هلال العسكريّ فيمكن إعادته إلى المعنى الذي ذكرناه بسهولة. لأنّه قال بعد ما نقلته عنه: [أصل الظلم نقصان الحقّ، والجور العدول عن الحقّ]. وليس لشيء أو أحد من الخلق على الله تعالى حقّ استحقّه استحقاقاً ذاتيّاً البتّة. بل كلّ شيء ملكه الإنسان أو صار حقاً له فالله تعالى منحه إياه. من ذلك يعلم أنّ الظلم الذي هو الانتقاص من الحقّ لا يتصوّر في حقّه تعالى.

    وأنت بهذا الكتاب تظلم الشيخ سعيداً، لانك تستنقصه حقّه، وتظلم نفسك لأنّك تتجاوز حدّك، وتضع نفسك في غير موضعها اللائق بها، فمثلك حقّه أن يجلس في حلقات المبتدئين يا نذير ليتعلّم المتون، ولا يجوز له في عرف طلاب العلم ولا شرعاً أن يتكلّم على هذا النحو وينصّب هذا المنصب، كما لا يجوز لحسن السقّاف شرعاً أن يقول عن نفسه إنه مجتهد –كما قاله له الشيخ سعيد قبل سنين-، لأنه إن كان يحسن علماً من العلوم فإنه في مستوى المبتدئين في أكثر العلوم الشرعيّة، وكلّ شعرة في جسمه تعرف ذلك. فاحترم نفسك يا نذير، واحترم نفسك يا حسن، ودعا عنكما ظلم الناس وظلم نفسيكما.
    ثمّ قال نذير: [والثالثة: يعذّب من يشاء، والمشيئة الإلهيّة بيّنها الله في غير ما موضع في كتابه....أي أنّ الله تعالى شاء أن يعذّب الكافر، وشاء أن يثيب المؤمن، ومنه فلا وجه للتمسّك بالمشيئة لجواز تعذيب المطيع، ولقد خالف في الجواز العقليّ الماتريديّة المنسوبون إلى الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى كما قال السبكي في طبقات الشافعيّة الكبرى عند ذكره القصيدة النونيّة....... وبه يثبت أنّ القول الذي قاله سعيد وهميّ قائم على الظنّ، ويرتقي إلى درجة العقليّ الظنّيّ لمخالفته الصريحة مفهوم العدل، اللهمّ إن قال: أنّ الله عادل لفظاً لا معنى، وهو مقتضى كلامه] اهـ نذير

    والتعليق على كلامه من جهات:

    الأولى: أنه لا شكّ في أنّ الله تعالى شاء أن يعذب الكافر، ويثيب المؤمن، وهو تعالى أخبرنا عن هذه المشيئة في كتابه العزيز. ولكنّه يعذّب بعض المؤمنين أيضاً قبل أن يدخلهم الجنّة كما هو معلوم من أحاديث الشفاعة، ويعفو عمن شاء منهم. وإليه الأمر كلّه سبحانه وتعالى كلّ شيء بمشيئته وقدرته، يعفو عمّا يشاء من ذنوب المؤمنين ويعاقب عمّا يشاء. وهذه المشيئة يعلمها الله تعالى وحده. وهذه النقطة لم يبيّنها نذير كما يظهر لأنها تخالف اعتقاده الذي هو مذهب المعتزلة في هذه المسألة.

    الثانية: أنّ تعذيب المطيع وإثابة العاصي والعكس بالنظر المتجرّد إلى أعيانها من حيث حكمها في العقل، فهي أمور ممكنة لذاتها ليست بواجبة ولا مستحيلة من حيث ذواتها، فحكم العقل فيها هو الجواز، وهذا موافق لما نقلته عن الشيخ سعيد من ص24: [تعذيب المطيع الذي لم يعص الله تعالى قط، وإثابة العاصي فإنه جائز في حقّه لكنّه نظريّ، وهذا باعتبار العقل]. وهو أصل المسألة ورأسها عند أهل السنّة. فإننا نقول بأنّنا نفهم من الشرع أن المؤمن الذي لم تصدر عنه خطيئة هو في الجنّة قطعاً كما وعد الله تعالى ووعده الحق وأخبر وخبره الصدق، ونفهم من الشريعة أيضاً أنّ هذا المؤمن المطيع لا يدخل الجنّة بعمله أي أنّ عمله ليس هو علّة موجبة لدخوله إلى الجنّة، ولكنها سبب كان عليه في الدنيا أن يأخذ به، والله تعالى لا يجب عليه شيء، فيدخله إلى الجنّة لا باستحقاقه الذاتيّ ولا بموجب يوجب على الله إدخاله إلى الجنّة، ولكنّه يدخله إلى الجنّة بمحض مشيئته سبحانه. إذاً فالمشيئة الأزليّة لله تعالى متعلّقة بالإثابة والتعذيب قبل الشرع من حيث هما ممكنان في العقل، وقبل معرفتنا بالأسباب التي يجب علينا الأخذ بها لنكون في ضمن الذين سيدخلهم الله تعالى الجنّة، وهذه المشيئة هي هي تبقى على حالها دون تغيّر بعد معرفتنا للشرع والأسباب التي عيّنها الله تعالى لدخول الجنّة. فيبقى الثواب والعقاب على حالهما راجعان إلى المشئية لأنّهما من متعلّقاتها. والفرق أننا علمنا بعض شاءه الله تعالى لعباده من طريق الأخبار.

    من ذلك يعلم أن قول نذير إنه (لا وجه للتمسك بالمشيئة في جواز تعذيب المطيع) متهافت لا قيمة له، فإن الشرع الذي منه علمنا مشيئة الله تعالى بأنه سيدخل المؤمن الجنّة، منه علمنا مشيئة الله تعالى في أنه يعذب بعضهم قبل إدخالهم الجنّة، ومنه علمنا أنّ المرء لا يدخل الجنّة بعمله بل برحمته تعالى، التي هي إما عين مشيئة الإنعام عليه أو نفس الإنعام المتعلّق بالمشيئة. فكيف يقال إنه لا وجه للتمسّك بمشيئة الله تعالى في تعذيب المطيع، والأمور كلّها راجعة إلى المشيئة.

    والكلام كلّه كما تعلمان ويعلم كلّ إنسان أنه في الجواز العقليّ، لأنّ المعتزلة يوجبون على الله تعالى الثواب والعقاب، ونحن لا نوجب على الله تعالى شيئاً بل نرى أنّ كلّ ذلك جائز في حقّه تعالى وواقع ضمن متعلّقات مشيئته، فلم اللفّ والدوران بما لا طائل تحته. المسألة هي بين السنّة والمعتزلة فلا تدخلنّ الماتريديّة كأنهم طرف ثالث في المسألة. دعك من هذه المحاولات البائسة. فلا يقول أبو حنيفة وأصحابه والماتريديّة إنّه يجب على الله تعالى إثابة المطيع ولا عقاب العاصي. أنت تحاول تخطئة قول أهل السنّة والانتصار لقول المعتزلة وهو بعيد عن عينيك وعيني شيخك. وأنت تعلم أنّ هذا القول ليس هو قول الشيخ سعيد وحده بل هو قول أهل السنّة، فلو كنت تحترم نفسك وتثق بعلمك لألّفت كتاباً في الردّ على أهل السنّة الأشاعرة في هذه المسألة. أما أن توهم أنّ الشيخ سعيداً يتبنّى أقوالاً شاذّة غريبة لا يقول بها غيره، وأنه يخالف صريخ العقل، وصريح القرآن فهذا بعيد عن عينيك. وهي طريقة خسيسة مكشوفة، لا تجوز إلا عقول السذّج. وقد ناقشت هذه المسألة بتوسّع في ردّي على سفيه مثلك كان من السنّة ثمّ تشيّع فليرجع إليها من أراد الاستزادة. ثمّ لقد أضحكتني كثيراً حين قلت وهميّ قائم على الظنّ، يا تلميذ العلاّمة الأصوليّ. فهل يسمّي حسن أيضاً ما بني على الظنّ وهماً...حقاً إن معرفتك بمصطلحات الفنون تذهلني.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]سابعاً: تحت عنوان [عدم نشاطه لمراجعة النقول وأخذها من غير تمحيص ولا تدقيق]

    المسألة الأولى: قال نذير: [نقل سعيد عن الزبيدي (وزعمت المعتزلة أنّ الله تعالى لا يوصف بأنّه قديم)] اهـ كلامه

    أقول: خلاصة كلامه ههنا أنّ المعتزلة يصفون الله تعالى بالقدم، ولا يمنعون ذلك، وأنّ الشيخ سعيداً نفسه ذكر أنّ الإجماع قائم على وصف الله تعالى بالقدم من أهل السنّة ومن جميع الفرق المعتبرة. فهذا تناقض.

    فالجواب عنه أنّ النقل عن الزبيديّ رحمه الله تعالى، والمقصود من المعتزلة بعضهم، فالمعتزلة فرق كثيرة ومذاهب متعددة كما لا يخفى، والأقوال المنقولة عنهم كثيرة والاختلافات بينهم في فروع المسائل كثيرة. فكان الإجماع المذكور أولاً من جميع الفرق المعتبرة حقاً. وأما نسبة القول إلى بعض المعتزلة فلشذوذه لا يضرّ الإجماع، ومما جاء في مقالات الإسلاميين1/259 ممن خالفوا في إطلاق القديم بالمعنى: [وحكي عن معمّر أنه قال: لا أقول إنّ الباري قديم إلا إذا حدث المحدث]
    وقال إمام أهل السنّة الأشعريّ بعدها: [وحكي عن بعض المتقدّمين أنّه قال: لا أقول إنّ الباري قديم على وجه من الوجوه].
    ومعمّر رأس فرقة من فرق المعتزلة، والزبيديّ وقف بلا ريب على هذا النقل عن الإمام الأشعريّ أو ربما غيره بشأن معمّر من المعتزلة أنه قال بذلك، فيصحّ كلام الزبيديّ عندئذ في نسبة القول إلى المعتزلة في الجملة وقد فعل الزبيديّ هذا في صدر كتاب شرح الإحياء. ثمّ بيّن مرتضى رحمه الله تعالى هذا القول المجمل ونسب القول لقائله في شرحه لقواعد العقايد عند قول الإمام [ليس لوجوده أوّل، بل هو قبل كلّ شيء، وقبل كلّ ميّت وحيّ]اهـ، فقال الزبيديّ ثمّة: [... وزعم معمّر وأتباعه من المعتزلة: الحقّ أنّ الله لا يوصف بأنّه قديم ولا بأنّه كان عالماً في الأزل بنفسه... وزعم الباقون من القدريّة أنّ القديم هو الإله..] اهـ
    فها هو الزبيديّ رحمه الله تعالى لا يفتري على أحد بلا مستند، ولا يترك كلامه الأوّل بلا تفصيل لئلا يتوهّم أنّ جميع المعتزلة نفوا وصفه تعالى بالقدم. ومن الجدير بالذكر أن الزبيديّ رحمه الله تعالى في شرحه لخطبة الإمام الغزاليّ في ضمن شرح الإحياء، وهو المحلّ الذي نقل منه الشيخ سعيد، قال: [...وزعمت المعتزلة أنّ الله تعالى لا يوصف بأنّه قديم، ولا بأنّه كان عالماً في الأزل بنفسه، وسيأتي البحث في ذلك والردّ عليهم إن شاء الله تعالى] اهـ، فنبّه كما ترون إلى أنّ هذا الكلام مجمل سيأتي تفصيله لاحقاً. أترون نزاهة هذا العالم الجليل رحمه الله تعالى، وأين موقفه وفعله مما فعله حسن ونذير! وبعد ذلك يتّهمان الشيخ بأنه لا ينشط لمراجعة النقول! فهل كلّف واحد منهما نفسه الخربة أن يراجع هو النقل عن العلامة الزبيديّ ليتبيّن حقيقة قوله ودقّة نقله ونزاهته رحمه الله تعالى. فمن هو إذاً من لا ينشط للمراجعة ويبادر بالتشنيع والإساءة قبل أن يفهم ويستوضح حقيقة الموقف!
    والأمر لا يستأهل منك كلّ هذا التشنّج، فهوّن عليك، فعلى الأقل ثمّة أصل يعتمد عليه الزبيديّ في هذا النقل، أمّا أنت وشيخك حسن فتكذبان على الشيخ سعيد جهاراً نهاراً وتقوّلانه ما لم يقل، كما سيعرف القرّاء بعد قليل. فحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل فيك يا نذير النـزيه.

    المسألة الثانية: وهي تفضيل نبينا محمّد صلى الله عليه وسلّم على جميع الخلق على الإطلاق.

    وخلاصة ما يهمنا ههنا هو قول نذير إن الشيخ سعيداً ذكر أنّ الإجماع قائم على أنّ النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلّم هو أفضل الخلق على الإطلاق. قال وليس في المسألة إجماع، وبحث المسألة في سطور مع بعض النقول بحيث لا تفهم منه ما هو قوله ولا مذهبه ولا ماذا يريد لشدّة حمقه. فدع عنك التشنّج والتعصّب والغضب يا محقّق العصر، حسناً الإجماع المذكور هو إجماع أهل السنّة. ولا نريد أن نبحث هذه المسألة الآن كي لا يطول الكلام. ولا أستطيع أن أردّ عليك كلّ كلمة تقولها من كلامك الغبيّ، وأفصّل في ذلك وأبحث المسائل، ولو فعلت لاحتاج منّي ذلك إلى مجلّدات. ويكفيني أن ألفت نظر الناس إلى كتابك، فإنهم بمجرّد قراءتهم له سيعلمون من أنت، وسيكتشفون حمقك وقلّة عقلك، وسيعلمون أنّك متخرّج في مدرسة قلّة الأدب. وأنك حين تسوّد الصفحات بالكتابة فإنما تسوّد بعار ذلك وجهك. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    يتبع غداً إن شاء الله تعالى
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]ثامناً: مسألة الكسب وخلق أفعال العباد

    وخلاصة كلام هذا الجاهل ههنا والردّ عليها ما يلي:

    أولاً: ذكر قول السبكي: [كسب الأشعريّ كما هو مقرّر في مكانه أمر يضطرّ إليه من ينكر خلق الأفعال، وكون العبد مجبراً] اهـ
    وهذا الفدم يعتبر ذلك منقصة وعيباً في هذه المقالة. وكلام السبكيّ حقّ، لأننا ننكر الجبر، وننكر القوّة المودعة، وننكر كون العبد خالقاً لأفعاله، فلا بدّ من قول ثالث بعد نفي الجبر والتفويض، وهو ما نشرح به مذهبنا ونسمّيه الكسب، فما الإشكال في ذلك. فهذا الإضطرار إلى القول بالكسب من مفاخر مذهب السادة الأشعريّة قامعي أهل البدع، لا كما تتوهمه أنت أيها الغبيّ.

    ثانياً: يقول نذير إن واقع القول الكسب ومعناها هو نفس القول بالجبر، فهذا يا نذير لأنك لا تفقه ما تقرأ، فسل شيخك حسن هل كان من المجبرة حين كان أشعريّاً أم لم يكن يقول بالكسب؟ هذا كان يفهم هو الآخر ما هو الكسب أصلاً.

    ثمّ قال: [فسعيد يرى أن خطور الفعل ببال مخلوق، وإرادة العبد مخلوقة، وقدرته مخلوقة، ثمّ يتناقض ويقول: يكون للعبد في الفعل اختيار]

    أقول لا يقول سعيد ذلك أيها الفتى من فراغ، لو كنت تفقه، ولا يقول سعيد ذلك وحده كما تحاول أن توهم في كلّ مسألة، فأهل السنّة مطبقون على هذا القول. والله تعالى يقول: (خالق كلّ شيء)، ويقول تعالى: (والله خلقكم وما تعملون)، وفي الحديث (إن الله صانع كلّ صانع وصنعته)، والله تعالى يقول: (أفمن يخلق كمن لا يخلق). فالله خالق العالم بكلّ ما فيه. وكلّ ما سوى الله تعالى فهو مخلوق لله تعالى، الله خالقه، لأنّه لا يقدر على الخلق إلا الله تعالى، ولأنّ القدرة على الخلق من أخصّ خصائص الربّ سبحانه وتعالى، وليست لأحد سواه.

    إنّ الله تعالى هو الخلاق ذو القوّة المتين، ولا أحد سواه يشبهه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، أفتقول أيها الأحمق أنت وشيخك أنّ فعل العبد كفعل الله، العبد يخلق والله يخلق؟
    إنّ الله تعالى هو الخالق والعبد كاسب. فينسب كلّ فعل لله تعالى خلقاً وإيجاداً، وينسب إلى العبد أفعاله الاختياريّة كسباً. فللعبد إرادة للكسب، وقدرة على الكسب، ولله تعالى إرادة على الإيجاد والإعدام، وقدرة عليهما. هذا هو مذهب إمام أهل السنّة الأشعريّ الذي لا تفهمه. فالله تعالى خلق للإنسان إرادة حرّة وقدرة تتعلقان بالأفعال الممكنة الاختياريّة التي من شأنه أن يكتسبها، فيتعلّق اختياره وقدرته بالأفعال على جهة اكتسابها والله تعالى هو الخلاق العليم، وهو وحده القادر على الإيجاد والإعدام. فتنسب إلى الإنسان أفعاله الاختياريّة ويحاسب عليها من هذه الجهة. فهل يشترط على مذهبكم يا معتزلة هذا العصر أن يكون العبد خالقاً لفعله كي يحاسب عليه؟ قبّح الله هذا المذهب، فإنّ فيه تشبيهاً للعبد بربّه في أفعاله.

    إنه لو كان خالقه كما تقولون أنتم يا أذناب المعتزلة لوجب أن يكون عالماً بما يتطلّبه فعله من حركات وسكنات، قال تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، فكيف تقول إنك خلقت حركة رفع يدك وأنت لا تعلم عدد العضلات والأعصاب التي استخدمتها لفعل ذلك، وعدد وحدات الطاقة التي صرفتها لإيصال يدك إلى ذلك من مبدأ الحركة لمنتهاها، أيها المدّعي بأنك الخلاق لذلك، والصانع له، فإن من أبده شروط الصانع أن يكون عالماً بتفاصيل صنعته، فكيف تدّعي أنك تخلق فعلك وأنت لا تعرف كيف تبول، لو قلنا لك صف لنا ما يحدث ليتمّ لك خلق هذا الفعل الإراديّ. هذا هو المستوى الذي بلغته يا حسن، لا يدري الواحد إلى أيّ مذهب ينسبك، وإلى أيّ مذهب ينسب طلابك، وعجباً ممن يسمّيك أسد السنّة، لم لا يسمّك أسد المعتزلة، أو أسد الشيعة، أو أسد التلفيق. فكيف يتمّ لك الجمع بين جميع هذه المذاهب، لا أدري. ما هي الأصول التي تبني عليها جميع هذه الأقوال، لا أحد يعلم. ولا حتّى أنت نفسك تعلم. ولا أريد أن أبحث المسألة أكثر مع جاهل مثلك يا نذير، ففي كتب مذهبنا وفي منتدانا تكلّمنا بما فيه الكفاية عن مسألة الكسب. فارجع إليها واقرأ وتعلّم. فلعلّك تفهم. أمّا أن تنسب مذهب أهل السنّة من السادة الأشعريّة والسادة الماتريديّة إلى الجبر، وشيخك يبارك هذا العمل إن لم يكن كتبه بيديه، وينظر إليك بعين الرضّى، فلا يتمّ ذلك حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط، أليس يدري شيخك أنّ اتهام أهل السنّة بالجبر يفضي إلى تكفيرهم أو تبديعهم جميعاً على أقلّ تقدير، أفيقول بذلك عاقل؟! فالعتب ليس على ذنب مثلك، بل على رجل فقد عقله، فبات كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً. والله إنّ هذا الكلام لا يرضي الله عزّ وجلّ، فأين أنتم يا علماء السنّة في جميع الأمصار، أما آن لكم أن تقولوا كلمة حقّ في هذا المغرور حسن، وتوقفوه عند حدّه.
    وأنت يا حسن ما هذا الأسلوب الخسيس الذي تتبعه، لم تعيد لعبة ابن تيميّة ومن شاكله من أهل البدع، صرّح بمذهبك وأخرج نفسك من دائرة السنّة ثمّ قل ما بدا لك، أمّا أن تبقى لابساً ثوبهم ملصقاً نفسك بهم طالما كان ذلك في مصلحتك، ثمّ تلصق نفسك بكلّ طائفة من طوائف الشيعة كلّما كان ذلك في مصلحتك، ثمّ تلصق نفسك بالمعتزلة حين يكون ذلك في مصلحتك. ما هذا الإسلام البراغماتي الذي أنت عليه. لقد والله استقرّ بك الحال في قعر واد موحل بالمخازي، والله وحده يعلم على أيّ شيء ستموت إن لم تسارع بالتوبة إلى الله تعالى، وتدارك ما فاتك.

    ثالثاً: نقل الشيخ سعيد عن شرح البطاوري قوله: [ليس في الوجود فعل لغيره عزّ وجلّ، بل هو تعالى الفاعل لجميع الأفعال] اهـ

    فيعلّق على ذلك هذا الغرّ الأحمق قائلاً: [وهذا فرع من مذهب وحدة الوجود والعياذ بالله، ولا نقول بأنّ كلّ فعل في هذا الكون فهو لله تعالى] اهـ

    فهذا الغبيّ كما ترون يصطاد في الماء العكر، لأنّ مذهب وحدة الوجود ينصّ على أنّه ليس في الوجود إلا الله تعالى، وما سواه عدم، وبناء عليه لا يكون ثمّة فعل للعباد لأنّهم أصلاً غير موجودين على مذهب وحدة الوجود. ولكنّ مذهب أهل السنّة يقول إنّ الله تعالى موجود واجب الوجود، وكلّ ما سواه فهو مخلوق لله تعالى، أي موجود بإيجاد الله تعالى له ذاتاً وصفات وأفعالاً. ومعنى عبارة البطاوري أنه ليس في الوجود خالق إلا الله تعالى فهو الخالق لجميع الأشياء والأفعال. لأنّ أهل السنّة لا ينفون الفعل عن الخلق بمعنى نسبة الفعل إليهم، ولكنّهم ينفون أن يكون العباد هم من خلقوا أفعال أنفسهم بأنفسهم. فلاحظوا هذا الأسلوب الدنيء في التلبيس على الناس، وإيهام الناس بأنّ أهل السنّة ينادون بوحدة الوجود ويعتقدون عقايد باطلة تخالف المقطوع به في الدّين.

    ثمّ يتبجّح نذير وشيخه المبارك بمخالفتهم لمذهب أهل السنّة في هذه المسألة، ويعلنون قولهم بطريقة فيها من التحايل والتلبيس ما لا يخفى، حيث يقولان: [ولا نقول بأنّ كلّ فعل في هذا الكون فهو لله تعالى] وظاهر أنّ معنى الفعل ههنا هو الخلق، ولكنّهما يعبران بالفعل خجلاً من هذا المذهب الرديء، فلم يعلن بعد حسن أنّه صار معتزلياً. ومعنى هذا الكلام أيها القرّاء لمن يلحظ العبارة، أنّ حسن وذنبه نذير يقولان بأنّ بعض ما في هذا الكون هو من خلق العباد. فدونكم هذين المعتزليين صفّقوا لهما.

    رابعاً: قال نذير بما أنّ الشيخ سعيداً يقول بأنّه لا فاعل في الوجود إلا الله تعالى، فعلى ذلك يكون حكم الأشعريّ في سعيد أنه جهميّ، وذلك لأنّ الإمام الأشعريّ في مقالات الإسلاميين قال باب ما تفرّد به جهم: [...وأنّ الناس إنّما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز] اهـ وتوقّف نذير عن إكمال كلام الإمام الأشعريّ في تقرير تفرّدات جهم. فلنكمل كلامه لكي نتبيّن حقيقة قول جهم في المسألة كما نقله الشيخ الأشعريّ رحمه الله،
    قال: [كما يقال: تحرّكت الشجرة، ودار الفك، وزالت الشمس، وإنّما فعل ذلك بالشجرة والشمس والفلك سبحانه، إلا أنّه خلق للإنسان قوّة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل واختياراً له منفرداً بذلك، كما خلق له طولاً كان به طويلاً ولوناً كان به متلوّناً] اهـ

    فهذا كما ترون استكمال لمسلسل الاصطياد في الماء العكر الذي يحاوله حسن بواسطة ذنبه نذير. فهو يقول إنّ حكم الإمام الأشعريّ في الشيخ سعيد الذي ينتسب إليه هو أنه جهميّ. وجهم على ما يظهر من هذا النقل عنه كان جبريّاً محضاً. يعدّ نفسه ريشة في مهبّ الريح. وليس هذا ما يقول به أهل السنّة الأشاعرة أبداً، ولا هو ما يقول به الشيخ سعيد. بل الذي نقوله إنّ الإنسان ينسب إليه فعله على الحقيقة، ولكنه ليس هو خالقه بل هو كاسبه، والله تعالى خالقه. وإن عبّرنا بقولنا لا فاعل إلا الله تعالى فإنّ ما نقصده أنّه لا خالق للفعل إلا الله تعالى. وأمّا الفعل فهو ينسب إلى العبد على الحقيقة. ونقول إنّ للعبد قدرة على الحقيقة، ولكنّ هذه القدرة ليس من شأنها أن تتعلّق بالأفعال تعلّق خلق وإيجاد، بل تعلّق اكتساب، ونقول إنّ للعبد إرادة واختيار على الحقيقة تتعلّقان بالأفعال، ولكنّ تعلّقها بالأفعال ليس تعلّق خلق وإيجاد بل تعلّق اكتساب. ونقول إنّ للعبد قدرة تصاحب الفعل ولا تؤثّر في إيجاده بل اكتسابه أي أنّ تعلّقها بنفس الفعل الذي يظهر على يدي العبد تعلق اكتساب والذي يخلق الفعل هو الله تعالى. فظهر الفرق بين قولنا وقول جهم. فمذهبه جبر محض، ومذهبنا قول ثالث بين الجبر والتفويض، لا نقول ليس للعبد قدرة ولا إرادة في أفعاله، ولا نقول إنّه يخلق أفعاله، بل نقول له قدرة وإرادة حادثتان، وليس من شأن القدرة والإرادة الحادثتين أن تتعلّقا بالأفعال تعلّق إيجاد وخلق، بل تعلّق اكتساب.

    قال الإمام أبو حنيفة في الفقة الأكبر: [وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة، والله تعالى خالقها، وهي كلّها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره. والطاعات كلّها واجبة بأمر الله تعالى وبمحبّته وبرضائه وعلمه وقضائه وتقديره، والمعاصي كلّها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبّته ولا برضائه] اهـ
    هذا هو مذهب أهل السنّة في الكسب، وليس الشيخ سعيد سوى واحد من الأشاعرة، ينهج نهجهم، ويسير على هدى من سبق من الأئمة الأعلام.
    وبالكسب قالوا وبقولهم نقول، وبهذا المذهب وحده يكون الله تعالى عندنا واحداً في أفعاله أيضاً بعد إقرارنا بأنه تعالى واحد في ذاته وصفاته. وبذلك ندينه تعالى وتقدّس. وأمّا عندكما أنت يا حسن وذنبه، فالله تعالى ليس هو المتفرّد بالخلق في هذا الوجود، بل العبد يشبه الربّ في أفعاله، فهو أيضاً له إرادة وقدرة يتأتى له بهما خلق أفعاله وإيجادها. فسبحان الله تعالى عمّا تصفون.

    ولهذين الإنسانين في هذه المسألة كلام يخالفان فيه مذهب أهل السنّة جهاراً نهاراً ويصرّحان بذلك ولا يخجلان مما يخرجهما قطعاً عن مذهب أهل السنّة. فهما يعترضان على الشيخ سعيد بأنّ الله تعالى هو خالق الخير والشرّ، ويزعمان أنّ الشرّ ليس من خلق الله تعالى. ويتأوّلان الآيات التي فيها أنّ الشرّ من عند الله تعالى كما أنّ الخير من عنده. فسبحان الله ما معنى أن نؤمن بالقدر خيره وشرّه! كم آية وحديثاً عليكما أن تتأوّلا ليتمّ لكما هذا المذهب البائس.

    ويقول الشيخ سعيد إنّ الله تعالى مع كونه خالقاً للشرّ فلا يقال إنه تعالى وتقدّس شرير، وهذا معروف من مذهب أهلّ السنّة. وقوله إنّه ينسب الشرّ لمن اكتسبه لا إلى من خلقه. وهما يضحكان منّا لقولنا هذا، ويقولان هذا موجود في المعاجم الأشعريّة فحسب، وأمّا أهل اللغة فلم يبلغهم علم هذا بعد‍!

    فدعني أولاً أزفّ البشارة لهذا الفدم أولاً وأقول إنّ مذهبنا هذا بلغ أصحاب القواميس ودوّنوه لو أنّك رجعت إليها قبل أن تتفوّه بهذه المخازي وتتفاخر بها. يقول ابن منظور رحمه الله تعالى نقلاً عن النهاية في غريب الحديث والأثر: [وفي حديث الدعاء، (والخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك) أي أنّ الشرّ لا يصعد إليك وإنما يصعد إليك الطيّب من القول والعمل، وهذا الكلام إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله تعالى وتقدّس، وأن تضاف إليه عزّ وعلا محاسن الأشياء دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته وإثباته لها، وإنّ هذا الدعاء مندوب إليه، يقال: يا ربّ السماء، ولا يقال يا ربّ الكلاب والخنازير وإن كان هو ربّها، ومنه قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)] اهـ كلامه

    أفرأيت أنّ القواميس قد بلغها قولنا، ولم يبلغ بعد كلامنا قلبك لأنّه صدئ أعماه التعصّب، وسيقتلك هذا التعصّب، كما سيقتل شيخك الحسد والحقد، بعد أن يأكل قلبه قطعة قطعة إن لم يثب إلى رشده. هذا الذي اختلّ على كبر.

    ثمّ إنّ قولكم معناه أنّكم تريدون منّا أن نصف الخالق جلّ وعزّ بما خلق، لذلك لا ترضون بقولنا إن المتّصف بالشر هو كاسبه له لا خالقه. أفتصفون أنتم الله تعالى بما خلق وفعل أيها الحمقى. إنّكم والله قوم تجهلون. ورحم الله تعالى الإمام الطحاويّ إذ يقول: [وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وُمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى]
    ألم يبلغك هذا القول بعد يا حسن. ويكفينا ما قلناه في هذا الباب، والله تعالى الهادي إلى سبيل الرشاد.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    مسألة: [إطلاق الأوصاف التي لم يرد بها الشرع على الله تعالى]

    قال الشيخ سعيد في حاشيته على التهذيب، في معرض ردّه على ابن باز الذي أنكر جواز إطلاق لفظ القديم على الله تعالى، بعد أن بيّن أنه وارد في الخبر: [علماً بأنّه يجوز على التحقيق إطلاق وصف على الله تعالى ولإن لم يرد] اهـ

    فالتقطها المتصيّد في الماء العكر. وبدأ يشنّع كعادته في قلّة أدبه، وحاصل كلامه والرد عليه ما يلي:

    أولاً: أنّ الشيخ سعيداً قال بأنّه يجوز على التحقيق إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرد، ثمّ تبخّر هذا التحقيق بعد عدّة صفحات حيث قال الشيخ: [اختلفوا هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمّى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال، وكلّ كمال يجب أن يثبت له أوْ لا، لأنّه لم يرد إطلاقه على الله تعالى وصفة العلم مغنيه عنه. وقيل بالتوقّف، وهو الأصحّ، لأنّه وإن لم يرد إطلاقه لكنّه كمال، فلا نثبته ولا ننفيه] اهـ

    وثانياً: أنّ الشيخ سعيداً صار يقول كقول ابن تيميّة في وصف الله تعالى بأنه جسم، أنّه لم يرد في الشرع نفي له ولا إثبات فلا نبثبته ولا ننفيه.

    هذا حاصل ما قاله العلاّمتان الكذّابان المدلّسان المضلّلان الملبّسان على الناس. فالحاصل أيها الإخوان الأفاضل والقرّاء الأكارم أنّ الشيخ سعيداً قال ما ذكراه عنه من أنّ التحقيق هو أنّه يجوز وصف الله تعالى بما لم يرد به الشرّع، وهذا رأي جماعة من أكابر العلماء المحققين من أهل السنّة، وجعلوا لذلك ضوابط منها: صحّة المعنى وأن يكون اللفظ المستعمل مشعراً بالمدح. إلخ. وهذا كان في متابعة حاشيته رقم (2) ص35 في الطبعة الأولى، وفي متابعة حاشيته رقم (2) ص 37 في الطبعة الثانية.

    وأمّا الكلام الثاني الذي نسباه له، فهو كلام العلامة الصاوي رحمه الله تعالى حيث تجده مرقوماً بالحرف (ص) في آخره دلالة على أنه منقول عنه من بعض كتبه التي أشار إليه الشيخ سعيد في المقدّمة. وبذلك يسقط جميع ما قالاه من شتائم وكلام تافه على رأسيهما، لأنّه ليس من التناقض في شيء أن يقول الشيخ سعيد إنّ التحقيق هو جواز إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرد به الشرع متابعة منه لمن قالها من أكابر العلماء. وأن يقول العلامة الصاوي أنّ الأصحّ هو التوقّف في إثبات ما لم يرد به الشرع من الصفات. لأنّهما أولاً رأيان مختلفان لرجلين مختلفين. فماذا تقولون بهذين المفتريين الأفاقين، وقد تكرر منهما الكذب والتدليس، وسيتكرر بأشنع مما مضى.

    والأنكى والأدهى والأمرّ أن كلام الشيخ سعيد في إطلاق الوصف، وكلام العلامة الصاوي في إطلاق الصفة، وفرق كبير بين الوصف والصّفة لو كانا يفهمان ما يقرآن. فكلام الشيخ سعيد في معرض ردّه على ابن باز ص35 هو ما يلي:
    [علما بأنه قد ورد أيضا نسبة هذا اللفظ في أحاديث أخر منها ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، في عدة الأسماء وفيه اسم القديم. ورواه الحاكم أيضا في مستدركه عنه أيضا وفيه اسم القديم. وقد بينا ذلك تفصيلا في حاشيتنا على متن الإمام الطحاوي، ونقَدْنا فيه جميع ما ادعاه ابن باز وبينا بطلانه واختلال أركانه، فانظره. علما أنه يجوز على التحقيق إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرِد، فلم لم يعتبر ابن باز كلمة القديم من الأوصاف لا من الأسماء؟ فلا يلزمه الاعتراض على العلماء] اهـ

    وكلام العلامة الصاوي في جواز أو عدم جواز إطلاق صفة على الله تعالى هي الإدراك وليس وصفاً، فأما وصفه بالإدراك فإنه معلوم وارد ولا إشكال فيه لأنّه مشعر بالمدح ومعناه صحيح ولأنه كما مطلق، وأما إثبات أنّ له صفة تسمّى الإدراك كما له صفة تسمّى العلم والسمع والبصر فهذا أمر آخر لا يجوز إلا بدليل من الشرع، وفيه كلام العلامة الصاوي الذي نقله الشيخ سعيد في الحاشية 2 ص44، قال: [بيان الخلاف في صفة الإدراك:
    اختلفوا هل للمولى تعالى صفة زائدة على السبع المعاني تسمى الإدراك يدرك بها الملموسات والمذوقات والمشمومات لأنها كمال، وكل كمال يجب أن يثبت له، أو لا لأنه لم يرد إطلاقه على الله تعالى وصفة العلم مغنية عنه، وقيل بالتوقف وهو الأصح، لأنه وإن لم يرد إطلاقه لكنه كمال فلا نثبته ولا ننفيه. والدليل العقلي عليه ضعيف فإنه لا يلزم من كونها كمالا في حق الحادث كونها كمالا في حق القديم] اهـ، الصاوي بتصرف.

    فأين هذا من ذاك يا حسن ونذير. لا تفهمان الكلام المكتوب وتكذبان في نسبة الأقوال، وتبنيان على هذا الجهل والكذب التشنيع على الناس.
    لن أتكلّم أنا فقد قيل إني حادّ والطباع واللسان في خطاب المخالف، حسناً فسأترك لكم الحكم عليهما، ولكن هل ترون موقفاً أبذأ من هذا الموقف الذي وضع حسن مشتملاً بذنبه نفسه فيه. فكان الأولى أن يكون العنوان الذي عنونا به هذه المخزاة وهو [تجويز إطلاق وصف على الله تعالى وإن لم يرد وبيان تناقضه في ذلك] كان حقّه أن يكون [بيان كذبنا على سعيد في إبراز أنه متناقض وأننا لم لا نفهم المسألة]، فياللخزي والعار يا حسن. (إن الله يدافع عن الذين آمنوا).[/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    مسألة الجوهر الفرد

    قبل أن أتكلّم في هذه المسألة أريد أن أعبر عن غبطتي الشديدة لرؤية حسن وذنبه أخيراً يتكلّمان في العقليّات، وبخاصّة هذه المسألة، وما سيأتي من كلام لهما في الرياضيات، وشيء من المنطق. وإني والله لم أستطع منع نفسي من الضحك في بعض المواضع من كلامه. فقلت: حقاً وصدقاً إنّ ضرر الجاهل بجهله لنفسه أبلغ من ضرر عدوّه به. وهذان كان كلامهما في المسائل العقليّة والكلاميّة ومنها مسألة الرؤية التي يتبجّح بها حسن في كتاب طبعه مرتين ومسألة الكلام ومسألة خلق الأفعال، أكثر ما بان به جهلهما، فكأنّ كلامهما فيه كان هو سقوط ورقة التوت التي غطّت عورة جهلهما.

    وهاك ملخّصاً لمهاتراتهما والردّ على ذلك في هذه المسألة على نحو ما درجنا عليه فيما مضى:

    أولاً: قوله: [... بجزء صغير جدّاً سمّوه الجوهر الفرد، وجعلوه مستثمراً كدليل على حدوث العالم، ووحدانيّة الله تعالى] اهـ نذير

    وهذا كلام من لم يقرأ كتاباً للأشاعرة، ولا فهم ما يقولونه في مبحثي حدوث العالم ووحدانيّة الله تعالى. فدليل حدوث العالم ملخّصه أنّ العالم أعيان لا تخلو عن أعراض، والأعراض حادثة بدليل تغيّرها من وجود إلى عدم ومن عدم إلى وجود بالمشاهدة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. وبالترتيب المنطقيّ المختصر جدّاً: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث. وكما ترون أيّها الأفاضل لا علاقة للجوهر الفرد في إثبات حدوث العالم، ولا ذكر له فيه البتّة. وإنما مدار دليل حدوث العالم على إثبات التغيّر الدائم لكلّ ما سوى الله تعالى من الموجودات المعبّر عنه بالعالم. فإذا ثبت له التغيّر فقد ثبت حدوثه قطعاً، لأنّ القديم لا يتغيّر ولا يتبدّل. وسواء كان وجود الجوهر الفرد ثابتاً أو منفيّاً فإنه لا يؤثر في دليلنا على حدوث العالم من قريب ولا من بعيد. ولكن هذا الأحمق المتتلمذ على يد زعيم متكلّمي هذا العصر أسد السنّة حسن، فهم أو أفهمه أحد بطريقة ما أنّ دليل أهل السنّة على حدوث العالم يعتمد على ثبوت الجوهر الفرد. ولا أدري كيف ذلك، وكنت أتمنّى لو بيّنه في كتاب جهله هذا حتّى نتعلّم منه شيئاً لم يعلّمنا إياه الشيخ سعيد عن هذا الدليل. وعلى أيّ حال هذا أمر بيني وبين شيخي، كيف لم يعلّمني أنّ دليل حدوث العالم متضعضع إلى هذه الدرجة، يقوم على شيء ما لم يثبت وجوده، وهو الجوهر الفرد. ألا ترى يا شيخ سعيد أنّ المشايخ الآخرين كحسن السقاف قد أفاد ذنبه نذيراً ما لم تفدنيه مما أنا أولى به كمتكلّم. لله درّ الجهل، ما يفعل بأصحابه.

    وأمّا أنّ دليل التوحيد العقليّ عندنا وهو برهان التمانع يقوم على ثبوت الجوهر، فهذا أدهى وأمرّ. ويبدو أنّه فاتك يا حسن أن تشرح لتابعك المغفّل أو المستغفل، أنّ العلماء يذكرون الجوهر الفرد في دليل التمانع على سبيل التمثيل مع تنـزّل وجوده ليكون أبلغ في ردّ دخل مفاده أنّه لم لا يجوز أن يقتسما فعله. فيجاب بأن الجوهر الفرد لا ينقسم. ولكنّ الدليل يتمّ بفرضّ أيّ فعل واحد. ومذهب المعتزلة – لو كنتما تعلمان- قبل أهل السنّة يقطع باستحالة اجتماع إرادتين وقدرتين على فعل واحد على جهة التأثير. فلو كان فيكما وفي حاشيتك البائسة يا حسن من حقق دراسة علم الكلام قبل أن يركب الصّعب في الردّ على سيدي الشيخ سعيد الذي لم أبلغ أنا عشر معشاره في التحقيق وعمق فهم المسائل، لتنبّه إلى أنّ دليل التمانع يتمّ بفرض عروض مطلق الفعل على إلهين مفترض تساويهما من كلّ وجه، واختلاف إرادتيهما المتعلقتين بذلك الفعل الواحد. كأن نفرض أنّ أحدهما أراد تحريك شيء وأراد الآخر تسكينه. ثمّ الدليل يتمّ ويستقيم إنتاجه وجوب وحدانيّة الإله بمجرّد علمنا بالتناقض الناشيء عن فرض ذلك التمانع الجائز في العقل. فيا حسرتاه أين أنتما من فهم هذا الكلام؟

    ولكن لا عليكما، فلا نؤاخذكما عليه، والجاهل يعذر بجهله ما دام معترفاً، فلا تبتئسا من هاتين المسألتين فسأكشف لكما عن جهل أعمق وأشدّ تأصلاً لديكما فيما يلي، فقط تأمّلا ما سأقوله إن شاء تعالى لتفهما. ولكن عتبي عليكما أنّكما نصّبتما نفسيكما في مقام الردّ قبل الفهم، وهذا قبيح يا حسن، ولا يليق بطالب علم يقدر نفسه حقّ قدرها، ويقدر الآخرين حقّ أقادرهم.

    ثانياً: هذه مآخذات العلاّمة الذنب ذي اللسان الطويل مباركة من العلاّمة المذنّب المحقق المنطيق والأصوليّ الذي حيّرني معرفة مذهبه في الأصول، على كلام الشيخ سعيد في الجوهر الفرد:

    1- أنّ فكرة الجوهر الفرد إغريقيّة. فقلت: سبحان الله، أليس من صمّم سيّارتك وصنعها كافر بالله العظيم يا حسن، ومن صنع الحاسوب الذي تستخدمه لهدم الدين مثله. وماذا يضرّنا أن تكون العلوم الحديثة قد قامت على أكتاف أمثال نيوتن وليبنز وآينشتاين وما لا يحصى من الكافرين، أفيعاب أحد من الطلاب أنّه يدرس هذه العلوم. نظريّة الجوهر الفرد نعم نشأت قبل الإسلام وكذا نظرية الهيولى والصّورة، فما العيب في نظر المسلمين في هذين الرأيين وتبنّي بعضٍ منهم هذه وبعضٍ تلك. أراكم أنتم من يتكلّم مثل ابن تيميّة والسلفيّة يا حسن، فما الذي حصل لعقولكم يا قوم. هل تروننا نبني أصول ديننا على الجوهر الفرد الذي لم يثبت وجوده بدليل قاطع؟ معاذ الله تعالى أن نفعل ذلك أو نرتكب هكذا حماقة.

    ثمّ أتدري يا فدم أنّ هشام بن الحكم حبيب شيخك الذي ينتصر له في منتداه ويمتدحه ويقول إنّ ابن الروانديّ كان يفتري عليه، وأنّه كان منـزهاً وفاضلاً من أصحاب الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه، أتدري أنّه من رؤوس الشيعة الإماميّة الذين قالوا بالجزء الذي لا يتجزأ، أفكان يقول بالجوهر الفرد وهو يصاحب مولانا الإمام الصادق المعصوم عند أصحابكم، ولا يزجره الإمام ولا ينهاه عن ذلك إن كان القول به جهلاً ضلالاً؟!
    فأرني يا جبان إن كان بوسعك أن تعيب عليه قوله بذلك. ثمّ هل تدري بأنّ جمهور المعتزلة قائلون بالجوهر الفرد، والنظّام أنكره. فلم تعيبون علينا ولا تعيبون على المعتزلة يا مجاهيل الأصول. ونزيدك أنّ حبيبك القاضي عبد الجبّار الذي تستشهد بكلامه وتحتج به في كتابك هو من القائلين بالجزء الذي يتجزأ، وقد استدلّ ببرهان التمانع في الأصول الخمسة على إبطال قول الثنويّة، إن كنت لا تدري. فارجع إليه لقراءته إن كنت تقدر على فهم كلامه. وأنت تقول في مخزاتك هذه (إنّ سعيداً أهلكه التشدّق والتمنطق والتخرفع....إلخ) وهذه عين شكاية شيخك من كتب المتكلّمين وحواشيهم فالمسكين يقرأ ويحاول أن يفهم فلا يستفيد شيئاً، فماذا تراه يفعل لو قرأ كتب متقدّمي المعتزلة ككتاب القاضي عبد الجبار، والله إني لأجزم أنّه لا يفقه ما يقوله الرّجل. قاتل الله الجهل والغفلة.

    2- يقول النابغة الذنيباتي في مآخذته الثانية على الجوهر الفرد: [الجوهر الفرد شيء موهوم ومفترض، ولا وجود له في الخارج، أي أنّ وجوده عند من أثبته ذهنيّ، وحقيقة أمره أنه غير متصوّر، ولا يكتسب أيّ صفات حسيّة أو بالتأثير] اهـ نذير

    قلت: يظهر لكلّ مطّلع على علم الكلام أنّ قائل هذه العبارة لا تحقيق له، إذ هو لا يقيم مصطلح القوم. وإنهم قائلون بوجوده، وجمهور المعتزلة على القول بجواز افتراق الجسم إلى جواهر فردة، لو كنت تدري. وجميع من قال بوجوده وصفه بالتحيّز، وأجاز عليه الحركة والسكون. ومن قال به أقام على وجوده أدلّة لها وجهها، وإن اعتراها الضعف، كما اعترى أدلة إثبات الهيولى والصورة. فالقائلون به إذاً تجاوزوا مرحلة الفرض وتوهم الوجود، إلى القول بوجوده، وهم يستدلّون على وجوده بأدلّة. أمّا أنه غير متصوّر فهذا بعيد عن عينيك يا حسن، فإنّه متصوّر ووجوده ليس ذهنياً فحسب كما تخلّط بل وجوده خارجيّ كما ذكرت لك قولهم. فكيف يثبت أو ينفى وجود ما لا يتصوّر أيها الإنسان؟ وكيف تقول إنه لا يتصوّر وأنت نفسك عرّفته. أهذا كلام يصدر عمّن يقيم مصطلح المتكلّمين ويفهم ما يقولون. أهذا هو علم المنطق الذي أنت متفنّن فيه. يا جاهل: إنّ التصوّر ههنا إما أن تعني به حصول مفهوم الجوهر الفرد في الذهن وصورة عقليّة له، أو حصول صورة حسيّة له. فالأوّل لا ينفيه إلا مختلّ، والثاني لا يطلبه إلا جاهل بهذا الفنّ، فاختر لنفسك أيّ الوصفين أليق بك.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    [تتمّة الكلام في مسألة الجوهر الفرد]

    ثمّ عرض نذير كلاماً ركيكاً في الردّ على القائلين به لابن حزم رحمه الله تعالى، أعرضه ملخّصاً ونجيب عنه باختصار:

    قال ابن حزم بالمعنى: إنّ الجوهر الفرد إما أن يكون في العالم أو ليس في العالم. فإن كان الثاني فقد نفوه. وإن كان الأول فلا يخلو فإما أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره. فإن كان الثاني فهو عرض من الأعراض، وإن كان الأول فهو جسم.

    هذا ملخّص كلام ابن حزم الذي طار به حمار الشيخ فرحاً وهو في غاية الركاكة. والجواب عنه بسطرين أنّا نختار أنّه من العالم. وأنّه قائم بنفسه لأنه متحيّز تقوم به بعض الأعراض. وأنّه لا يلزم أن يكون جسماً مركباً. وفي استدلال ابن حزم نوع مصادرة لا تخفى على نبيه. لأنّا ندّعي إمكان وجود بسيط متحيّز بنفسه ليس تابعاً في تحيّزه إلى جسم كالعرض وليس بمركّب. فهذا محلّ النـزاع، فلما بلغ في قسمته إلى محلّ النـزاع منع قولنا لا عن دليل. فمن أين يا ابن حزم رحمك الله تعالى امتنع عندك قسم ثالث غير العرض المحمول وغير الجسم الحامل. والركون إلى الحسّ في ذلك لا يفيد لتناهيه في الصّغر. وشر المحسوس أن لا يكون صغيراً جداً بالاتفاق. فبان ما في كلام ابن حزم من ضعف.

    3- ثالثة أثافي نذير أنه قال: [وهْم عدم القدرة التجزئة ناتج عن عجز وقصور في الآليّات من جانب، ومحدوديّة قدرة الحواس على إدراكه من جانب آخر] اهـ

    فاسمحوا لي أن أتوقّف دقيقة للضحك، وليشاركني ذلك من له معرفة بالعلوم الطبيعيّة. فهذا الآدميّ يقرر ههنا بأنّ الجسم يمكن تجزئته لا إلى نهاية. هكذا وبكلّ بساطة يحسم خلافاً كلامياً امتدّ لقرون، ومن قبله كان وما زال خلافاً فلسفياً مغرقاً في الأزمان السحيقة، هكذا بكلمتين ساذجتين منه. لا تصدران إلا عن طفل ساذج. واسمحوا لي أن لا أجيبه أنا فإني سئمت من مهاترات هذا الفدم. سأرجعه بعد إذنكم إلى العلامة محمد باقر الصدر في كتابه فلسفتنا حيث بحث مسألة الجوهر الفرد، وفي ذلك الموضع بحسب ما أذكره قال بالمعنى إن هذا الخلاف لا يمكن أن يحسمه العلم بوسائل القياس والتجربة أبداً. إنها مسألة فلسفيّة ولا سبيل إلى الجواب عنها إلا بدليل فلسفيّ. فهل تعرف يا حمار الشيخ ما الفرق بين العلم والفلسفة؟ اقرأ في كتب الطباطبائيّ وتلميذه النجيب بما أنّك على أعتاب التشيّع لتعلم الفرق بينهما.
    رفقاً بنفسك يا فتى. وتريد مناظرة الشيخ سعيد. والله لو جلست بين يديه لجعلك تبكي من خزيك وعارك بجهلك. أوتحسب الشيخ مثل ابن تيميّة الذي مات مخلفاً وراءه مذهباً كالغربال، وورثة من الجهال لا عقول لهم. رفقاً بنفسك، والله لو كنت تقول كلاماً موزوناً له قيمة عند العقلاء لما تضايق منك أحد ولو خالفتنا في كلّ مسألة نقولها. ولكنك تهذي. ولقد رأيت الشيخ بعد أن قرأت كتابك المخزي هذا فقلت له إني أريد أردّ عليه ولكن يا شيخي لا أدري من أين أبدأ. فضحك وقال ابدأ من البداية، تسلّ. ولولا وعدي بالردّ ما رددت عليك لشدّة حمقك. فمثلك يكفيه من ذلك أن يقال له: سلاماً. وكان أولى بك أن تقول في أوّل كتابك ما يفهم منه أنّ ما فيه نوادر وطرائف، ولو قلتها لكان أبعث على التلسية والترويح عن النفس. وإنّك والله لنادر مثل كتابك هذا. وأظنّ أنّ هذا القدر ههنا في الجواب عن هذيانه هذا كاف، فلننتقل إلى النقطة التالية.

    4- قال الفدم: [في إثبات الجوهر الفرد خلاف بين المتكلّمين أنفسهم، وإن كان غالبهم قد أثبته....وخلاف كهذا يثبت أنّ دليلهم العقليّ في إثباته ضعيف، وإلا لأجمع عليه العقلاء] اهـ نذير

    أقول: أنت لم تضف شيئاً البتّة بهذا الكلام، فإنّنا نعلم ذلك، والسعد يقول عن أدلة الفريقين في شرح العقايد [والكلّ ضعيف]. أما قولك أنه لو لم يكن ضعيفاً لأجمع عليه العقلاء، فليس صحيحاً البتّة. فكم من دليل قويّ لم يجمع على مقتضاه العقلاء. وأهل السنّة القائلون به يثبتونه على سبيل الظنّ، والتحقيق أنّ القول بخلافه أي بالهيولى والصورة بضوابط معيّنة دون التزام كفريّات الفلاسفة فيهما لا يضرّ، وإليه مال وبه قال علماء كبار. كما لا يخفى على مطّلع. والشيخ سعيد مع تغليبه أدلة الجوهر الفرد على الهيولى والصورة إلا أنّه قد يرى الحلّ في قول ثالث. والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر. ومسألته ليست مسألة دينيّة محضة، فلو وقع إجماع على قول فيها كما نقله البغداديّ فلا يكشف عن الحقّ فيها والله تعالى أعلم بالصواب. وأمّا قولك يا نذير في الحاشية تعقيباً على الآية الكريمة (وأحصى كلّ شيء عدّاً): [حتّى لو قسمنا الجوهر الفرد فإن الله تعالى يعلم كم قسماً سوف يقسمه الناس وكم جوهراً فرداً سوف ينقسم حتّى تقوم الساعة] اهـ
    فهو محضّ مهاترة، وعيب عليك أن تقول كلاماً سخيفاً إلى هذه الدرجة وأنت تناقش بالأدلّة العقليّة. فهذا كلام من لا تحقيق له ولا تدقيق. لأنّ الجوهر الفرد لا ينقسم بالفرض، وعدم انقسامه خارجاً جزء من ماهيّته. وحقّ عبارتك أن تكون لو قسمنا الجسم لا الجوهر.

    ثمّ تابع نذير كلامه في الجوهر الفرد فيبدو أنه يحب الكلام فيما لا يفقه، فقال تحت عنوان:[الاعتراضات الواردة على فكرة الجوهر الفرد] ما سنلخّصه فيما يلي في نقاط لأنه أكثر التخليط في هذا الباب، وسنجيب عنه باختصار إن شاء الله تعالى:

    (الاعتراضات الموجّهة على الجوهر الفرد)
    أولاً: يقول نذير: إنّه من المستحيل أن يوصف شيء بأنّه متحيّز ولا يكون قابلاً للانقسام.

    والجواب عليه أنّ الذي منع الجوهر الفرد وقال بإمكان قسمة الجسم لا إلى نهاية كما تقرره أنت أيها الجاهل، قال بالهيولى والصورة ليفسّر ما يتركّب منه العالم. وهما عنده جوهرين ينفصلان عقلاً لا حسّاً، فيتوجّه عليه السؤال التالي:
    إنّ الجسم عندك مركّب من مادة هي الهيولى ومن الصّورة، والهيولى جوهر قابل للتحيّز والتشكّل صورة في الهيولى. وكلّ واحد منهما عنده لا يقبل التجزّي، ولكنّ مجموعهما قابل للتجزّي. فالإلزام مشترك ههنا أيها الفالح.

    ثمّ إنّ القائل بالهيولى والصّورة واقع في مشكلة أعوص، وهي أنّنا نسأله إنّ الجسم مركّب عندك من الهيولى والصورة، وهو قابل للتجزّي، فما داما لا ينفصلان حساً، وينقسم المجموع عندك لا إلى نهاية، فقابليّة الانقسام والتجزّي فيه أهي من جانب الصورة أم الهيولى. محال أن تكون من جانب الصورة لأنّ الصورة اتصال لا يقبل الانفصال، فيعود الكلام إلى السؤال العضال نفسه، بأن نقول أيمكن للهيولى أن تقبل انقسامات لا إلى نهاية أو أو إلى نهاية. فإن قلت إلى نهاية فالذي ينتهي إليه انقسام الهيولى بما لا يمكن بعده انقسامها فهو عين ما نقول به من الجوهر الفرد. وإن أمكن انقسامها لا إلى نهاية فإن ذلك معناه أنّها مادة بسيطة ممتدّة في الأبعاد لا إلى نهاية. وهذا قام البرهان على استحالته، لأنّ كلّ مادّة فلها قدر قلّ أو كثر، ولا يمكن أن تكون ممتدّة لا إلى نهاية.

    ثمّ قال نذير معللاً قوله السابق: [لأنّ ما يحاذي جهة اليمين منه غير ما يحاذي جهة اليسار، وما يحاذي فوق غير ما يحاذي تحت، وهكذا فيلزم من ذلك وجود ستّ جهات للجوهر الفرد، وما كان كذلك جاز انقسامه في طوله وعرضه وعمقه، وأمّا فرض التحيّز من غير هذه اللوازم فإخراج للجوهر الفرد عن الحقيقة والتعقّل حتّى في الذهن البشريّ] اهـ

    أقول: أمّا التعقّل البشري فليس صحيحاً، لأنّ كلّ من قال به تعقّله. وأمّا عن تعقّلك أنت، فبعد أن بيّنت لك مقدار جهلك وحمقك وضيق عقلك، فلا يبعد أنّك فعلاً تتعقّله. والمشكلة في تصوّرك له أنّك تتوهّمه كرة أو مكعّباً له هذه الجهات التي تذكرها، وطالما أنّك تتصوّره على هذا النحو فإنك لن تتعقّله فعلاً. فارجع إلى كتب المتكلّمين واقرأ فيها قولهم إنّ الجوهر الفرد ثبت عندنا بالدليل العقليّ، وهذا الذي أثبتناه أمر معقول لا محسوس، فلا تطبّق عليه قوانين المحسوسات من الأجسام الكبيرة. وسل يا نذير أيّ عارف بالفيزياء عن عالم الجسيمات الصغيرة، يقل لك إنّ لها قوانين خاصّة بها لا يمكن تطبيق قوانين الأجسام الكبيرة عليها. لو كنت تفقه. والذي يبدو أنّك لا تعرفه أنّ القائلين بالهيولى والصورة أيضاً استدلوا عليهما بالعقل لا بالحسّ. وقد ذكرت لك من قبل قول الصدر إنه لا يمكن الإجابة عن مسألة الهيولى والصورة بالتجربة واستخدام أدوات القياس. فلا بدّ إذا من تجريد مقدّمات برهان النفي والإثبات عن اللاوازم الحسيّة المعلومة في الأجسام الكبيرة، عند التعامل مع الجسيمات الذريّة ودون الذريّة. وسيأتي توضيح ذلك أكثر عمّا قريب إن شاء الله تعالى لعلّك تفهم. ولكن أقول ههنا باختصار بعد ما ذكرته أولاً من اختلاف قوانين هذين العالمين الصغير والكبير إنّ المتقدّمين أجابوا إجابة لطيفة عن سؤال الجهات هذا، وعن سؤال ملاقاة الجوهر للجواهر المحيطة به عند تركّبه مع غيره لبناء الأجسام. وهو أنّهم قالوا إنّ ما يلاقي به أحد الجوهرين الذين يتّصلان معه على فرض أنّ أقلّ ما يتركّب منه الجسم ثلاثة جواهر هو عين ما يلاقي به الآخر. لأنّه لا يعقل له امتدادات، ولا جهات قبل التركّب. وهو جواب معقول لواحد درس الفيزياء أو الكيمياء، لأنّه يتصوّر تركّب الجسميات الذريّة بطريقة تختلف عمّا يتصوّره نذير. لأنّ الروابط بين الذرات تختلف كثيراً عما تتوهّمه من ربط المكعّبات والكرات الكبيرة بعضها ببعض، بل هي متداخلة تداخلاً معقّداً جداً، وليس هنالك التحام واتصال بينها بالمعنى الذي نتوهّمه حين نرى الأجسام الكبيرة. فما بالك بالجسيمات الصغيرة جداً التي يتعرّف عليها الفيزيائيون يوماً بعد يوم، والتي تظهر في جزء من مليون جزء من الثانية ثمّ تختفي مكوّنة مع غيرها جسيماً آخر أو متحوّلة إلى طاقة. كيف لو قلنا لك إنّ الفيزياء تعرّفت منذ زمن على جسيمات متناهية في الصغر وذات صفات عجيبة غريبة، كضد البروتون وضدّ الإلكترون. كيف لو عرفت أنّ الجسميات الذريّة ودون الذريّة لهذا طبيعة موجيّة ظاهرة، وتتصرّف كموجة لا كمادّة في أغلب الأوقات. كيف لو عرفت أنّ جسيماً كالإلكترون يصفه العلماء بأنّه شحنة مهملة الكتلة ويتصرّف كموجة، وأنّ شحنته السالبة تعادل في الكمّ شحنة البروتون مع أن النسبة بين كتلتيهما كالنسبة بين الكرة الأرضيّة وكرة التنس. إنّ كثافة الشحنة الكهربائيّة على سطحه مهولة فعلاً!! كيف لو عرفت أنّه ثبت يقيناً أنّ معظم حجم الذرّة فراغ، وأنّ مجموع الجسيمات الماديّة المقدّرة في الكون لو اتصلت ببعضها اتصالاً تاماً واندمجت فلا يتعدّى حجمها حجم كرة صغيرة!!

    والذي يمكنني أن أجيب به عن السؤال بكلّ ثقّة أنّ الجزء الذي لا يتجزّأ لا تكون له معالم واضحة، لا كتلة واضحة ولا شكل واضحاً، والذين يفهمون العلوم الحديثة يمكنهم تصوّر ذلك وفهمه، ثمّ إذا ارتبط جوهران على نحو ما، صار لهما نوع استقرار وثبات، وصار لهم امتداد، ثمّ هذا المجموع يسمى جسيماً ويكون له صفات الجسيمات. وأمّا قبل اجتماعه مع نظيره فلا يكون له معالم واضحة. ويكون في تغيّر مستمرّ وفي حالة من عدم الاستقرار، واسأل يا نذير من كان به خبيراً من أهل الفنون الطبيعيّة أهذا التصوّر معقول أو غير معقول. وقل له إنّك تستدلّ على نفيه بنحو هذه الاستدلالات الركيكة الهزيلة، وسترى أنّه سيقول لك لا تتصور ولا تتعامل مع الجسميات في هذا المستوى من الدقّة والتناهي في الصغر بنفس القوانين التي تتعامل بها مع الأجسام الكبيرة. وسترى أنّه يقول لك إنّ هذه الأمور التي قلتها لك ممكنة الوجود في الخارج، بل لا يبعد أن يكون أحد الجسيمات التي تظهر وتختفي أثناء تجارب الانشطار النوويّ هو الجوهر الفرد، ولا يبعد أنّ عدم بقائه منفرداً بحيث يمكن دراسته أكثر يعود إلى أنّه حال الانفراد يكون في حالة عدم استقرار شديدة، فلا يلبث أن يرتبط ببعض المواد الأخرى على نحو ما ليتحقق له حالة من الاستقرار. وهذا الكلام يعلمه المطّلعون على الكيمياء والفيزياء ويفهمونه ويتصوّرونه بلا إشكال. أما أنت أيها الجاهل بما تخوض به وتتخبط إن لم يكن الجسم من ذي القياسات الكبيرة فإنه لا يمكنك تتصوّره لغلظ نفسك، وتحجّر عقلك. وأنصح لك نصيحة لوجه الله تعالى أنت وشيخك المذنّب أن لا تتكلّما في هذه المسائل على هذا النحو الفاضح لجهلكما فيها، فتجعلون علماء المسلمين ضحكة أمام العقول العلميّة في هذا العصر.

    ثمّ قال نذير الفدم: [ولقد اعترف سعيد في نفس الكتاب ص40 في الحاشية أنّ كون الشيء متحيّزاً في مكان (أي: محلّ) شرط كاف لإمكان انقسامه، فقال هناك: [ولا يمكنهم أن يدّعوا أنّه تعالى لا يجوز انقسامه ذهناً بناء على مذهبهم من كونه في محلّ وعلى مكان وهو العرش، وله حيّز، فإنّ هذه هي الشروط الأساسيّة لإمكان الانقسام ذهناً] اهـ سعيد] اهـ نذير

    فأقول: تأملوا هذا الفدم كيف لا يقيم مصطلح القوم ويتكلّم في مسائلهم كما يتكلّم لابساً لباس المجتهدين. ويكفي في الجواب عليه أن نشرح له هذه الألفاظ لعله يعلم مقدار جهله، ويتبيّن خطأه. الحيّز والمحلّ عند المتكلّمين أعمّ من المكان. وهذا هو المفهوم من كلام العلامة الشريف الذي نقلته أنت عنه في تعريف الحيّز لو كنت تفقه. حيث قال: [الحيّز عند المتكلّمين هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتدّ كالجسم أو غير ممتدّ كالجوهر الفرد] اهـ كلام العلاّمة الشريف رحمه الله تعالى.

    فهل تبيّنت مقدار جهلك وحمقك أوأبسط لك الكلام أكثر؟ حسناً دعني لا أعتمد على ذكائك بعد ما بان لي من حالك. فأقول كلام الشيخ سعيد في المتحيّز في مكان، والمكان لا يكون حيّزاً ولا محلاً إلا للممتدّ في الأبعاد الثلاثة، فإذا ثبت تمكّن شيء أي تحيّزه أو حلوله في مكان فقد تحقق شرط إمكان قسمته. لأنه إذا امتدّ في الأبعاد أمكن عقلاً انقسامه طولاً وعرضاً وعمقاً. ولكن شتّان بين ما يقوله الشيخ سعيد هنا وبين تقوله أنت. هو يتكلّم عن الجسم، فالمجسّمة يجعلون الإله تعالى في مكان، فيقول لهم إنّ ذلك يوجب إمكان انقسامه، فيبيّن لهم أحد اللوازم الباطلة على نفس مذهبهم. مما يوجب عليهم نفي قولهم بكونه تعالى عمّا يقولون متمكّناً في السماء. وأمّا أنت فتريد أن كونه متحيّزاً يوجب إمكان انقسامه. والمكان أخصّ من الحيّز، فكيف تعدّي الحكم الثابت للأخصّ فتثبته للأعمّ. أيها المنطيق الأصوليّ المتكلّم، يا تلميذ كبير مذنّبات الأصول والمنطق والكلام والفيزياء كما رأينا، والرياضيات كما سنرى، في هذا العصر. قبّح الله الجهل ما أشنعه. وما أشدّه حين يتبجّح به صاحبه، فيكون عليه وبالاً ويفضحه. قبّح الله الجهل.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •