صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 43

الموضوع: الرد على حسن السقاف في كتابه إحكام التقييد

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    [تتمة الكلام في الجوهر الفرد]
    ثمّ عاد نذير ينقل عن ابن حزم رحمه الله تعالى احتجاجاً آخر معروفاً ومشهوراً في الكتب يحسب نذير وحسن لمّا اطلعا عليه أنّه اكتشاف عظيم، ولا يعلمان أنّ ابن حزم في علم الكلام ليس ذا باع ولا ذراع في جنب فحول الكلام. وكان بوسعه أن يبحث عن استدلالات أقوى من هذه لو كان ذا دراية بهذا العلم، ولكن كلام ابن حزم رحمه الله تعالى صادف قلباً خالياً يا ويلي عليه فتمكّن. فإذا أردت يا نذير ألّفت لك رسالة خاصّة في أدلّة النافين للجوهر الفرد وجئتك بما لم تحلم أن تسمع به من قبل. وقد سبق وقلت بأنّ أدلّة إثبات الجوهر الفرد لا تزال ضعيفة على الرّغم من رجحانها في نظري على الأقل على أدلّة الهيولى والصّورة عند من قال بها من أهل السنّة، وأما على مذهب الحكماء وبقيودهم التي قيّدوها بها ككقولهم بقدم الهيولى والصورة النوعيّة فهذا مذهب باطل جملة وتفصيلاً. وعلى أيّ حال، فقد أجبت عن كلام ابن حزم فيما مضى لمن رزق الفهم، ولكن لا بأس بتلخيصه ثانية والإجابة عنه باختصار:

    قال ابن حزم بالمعنى: الجزء الذي لا يتجزأ هو على قولكم بعض أبعاض الجسم، فإما أن يكون الملاقي منه للمشرق عين الملاقي به للمغرب أو لا. فإن قالوا الأوّل فقد أتوا بإحدى العظائم ومكابرة للعيان. وإن قالوا الثاني فقد جاز انقسامه وبطل مذهبهم.

    وهذا كما تلاحظون هو عين الكلام الذي احتجّ به نذير شؤم حسن علينا قبل قليل مع اختلاف طفيف في الألفاظ. والجواب عنه أنّ قول ابن حزم رحمه الله بأنّ بهذا القول أتينا بإحدى العظائم وكابرنا الشاهد لا يسلّم له مطلقاً بل هو ضعيف جداً. لأنّ حكم الحسّ والوهم فيما لا يدرك بالحسّ ليس بمعتبر عند أهل النظر. وما يثبت بالعقل لا ينفيه قصور الحس عنه. والجوهر الفرد لا يتصوّر له جهات تلاقي الجهات الستّ كالأجسام، وذلك ما أدّى إليه النظر العقليّ فيه، وما لزم عن مقتضى دليل إثباته. فبعد أن تمّ بالدليل العقليّ إثباته فلا التفات إلى القول بنفيه لأنّ الحسّ لا يعرف إلا ما يكون له جهات تقابل الجهات الستّ. لأنّا نقول الحسّ ليس من شأنه أن يدرك ما ليس له جهات ستّ. والعقل لا يمنع وجود موجود بلا جهات ستّ تقابل ستّ الجهات المعروفة. فكيف يمنع ابن حزم وجود ما ليس له جهات تقابلها لما ليس من شأنه أن يدرك به أمثال ذلك الموجود؟ عجباً!

    فالأمر سائغ في العقل يا حسن ونذير الشوم، ولكن قد انتهينا من إثبات أنّكما لا تلامان في عدم القدرة على تصوّر ذلك لسذاجة عقليكما. فاسألا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون. ويفتيكما في ذلك متخصّص في الفيزياء، يحكم بضرورة كون مجموع المحدود محدوداً ومنتهياً إلى حدّ. وذلك أصل القول بالجوهر الفرد. ويجوز لكما وجود حالة للمادّة لا تكون معها مستقرّة بحيث تظهر لها خصائص وصفات ثابتة يمكن وصفها بها، ويجوّز لكما أنّ تلك الحالة يمكن أن ترتبط بما يماثلها فحسب، ولا يتصوّر أن يكون له معها جهات تقابل الجهات الستّ. وأبلغ ما يقال اليوم في جوابكم وجواب ابن حزم رحمه الله تعالى أنّ جمع الكرة الأرضيّة في أقلّ من سنتمتر مكعّب مما يعدّ مكابرة للشاهد والعيان ومع ذلك فهو ممكن. والثقوب السوداء الكثيرة في الكون ثابتة يقيناً وهي أبلغ شاهد على إمكان ما ينافيه الحسّ. ولكنّ العقل يعقل ذلك، ولم يردّ أحد من العلماء على من اكتشف الثقوب السوداء وفسّر الظواهر المتعلّقة بها وتكلّم في خصائصها بأنّ ذلك مكابرة للحسّ والعيان. لأنّ أهل العلم باتوا اليوم يدركون أنّ العقل في هكذا مسائل هو الفيصل، والاستنتاجات العقليّة هي المعتبرة ولو تنافت مع الواقع المحسوس. وهذا الكلام كان يدركه تماماً علماؤنا الأوائل وهم ينصون عليه نصّاً. قال العلامة الأصفهانيّ في شرح عبارة البيضاويّ في الطوالع:

    [أقول: وأما مقدمات المغالطة فهي الوهميات، وهي قضايا كاذبة في أمور غير محسوسة يحكم بها الوهم قياساً على المحسوسة، إذ الوهم تابع للحس فحكمه في غير المحسوس يكون كاذباً. كما قيـل: "إنّ كل موجود فإنه جسم أو حالّ في جسم"، ولولا أن العقل والشرائع دفعتها لعُدَّت من القضايا الأولية، وعلامة كذبها مساعدة الوهم العقل في المقدمات المنتجة لنقيض حكمه، فإذا وصلا إلى النتيجة نكص الوهمُ على عقبيه واستبعده] اهـ كلامه رحمهما الله تعالى.
    وأنتما لشدّة جهلكما وقصور باعكما وضعف اطلاعكما على مقالات علماء الكلام، لا تعرفان أنّكما تغالطان بلا فهم. وما أعظمها من مصيبة يا نذير الشوم وشيخه أن يتزبّب المرء قبل أن يحصرم، وأن يظنّ أنه يفهم وهو لا يفهم.

    ثمّ كلام ابن حزم في مكان الجوهر الفرد مردود عن آخره، لأنّه لا أحد ممن أثبته يقول إنه في مكان، بل قد يطلقون لفظ الحيّز والمحلّ. وكلّه عن آخره مغالطة بيّنة، لأنّه كما قلنا أسقط أحكام الأجسام ذوات المكان الممتدة في الأبعاد على موجود ليس من شأنه ذلك، فوصل إلى تناقض ظنّه حقاً وواقعاً، فلزم عنده منه وجوب نفي الجوهر الفرد، والحقيقة أنّ دليله عبارة عن مغالطة، فلا تقوم بها الحجة لنفيه.

    وما نقل عن صاحب المواقف الإيجيّ رحمه الله تعالى من لزوم القول بجواز ملاقاة الجوهر الفرد لستّة جواهر تحفّه خطأ أيضاً من نفس الباب. فالحسّ يشهد بتلاقي الأجسام الكبيرة، ويمنع عدم تلاقي الأجسام، ولكنه لا يدرك دون الأجسام، فلا يعتبر حكمه فيها قياساً على حكمه فيما وقع تحت الحسّ من الأجسام. والحقّ والله أعلم ما منعه العلامة الإيجيّ منعاً للمكابرة، أعني أنّ الحقّ أنه لا يجوز أن يكون للجوهر الفرد على تقدير ثبوته قطعاً أكثر من جهة، وإلا لزم انقسامه. والذي أراه أن لا تكون المادّة في تلك الحالة مما يقبل الجهات أصلاً، بأن تكون مثلاً شكلاً من أشكال الطاقة المتركّزة في حيز، بحيث لا يعرف لها خصائص ثابتة. والله تعالى أعلم بالصواب.[/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]الاعتراض الثاني الموجّه على الجوهر الفرد

    قال نذير حسن: [وصفهم للجوهر الفرد بأنّه لا طول له ولا عرض ولا عمق لنفي قابليّة الانقسام عنه في الجهات كلّها. والإشكال هنا كيف يتكوّن الجسم بانضمام جوهرين إلى بعضهما؟ فما لا طول له مضافاً إلى مثله لا يكون جسماً له طول! فإذا كان طول الجوهر الفرد هو (صفر)، وأضفنا جوهراً فرداً لآخر لينتج جسماً فإن طول هذا الجسم هو: (صفر+صفر=صفر)، أي يصبح الجسم لا طول له، وبقي على صفة الجوهر الفرد غير مغاير له. وما لا عرض له مضافاً إلى مثله لا يكون جسماً له عرض! وما لا عمق له مضافاً إلى مثله لا يكون جسماً له عمق!] اهـ

    وفي الحقيقة حين اجتمع عليّ الشيخ وحماره وتكلّما في الرّياضيات لم يبقيا لأحد كلاماً. فأقول في تفهيمهما ذلك:
    أولاً: أنّ معنى أنّه لا امتداد له أنّه لا يعقل فيه امتداد. فهو مادّة بلا ريب، ولكنّه لا يعقل لها طول ولا عرض ولا عمق، لأنّ ما يعقل فيه ذلك فهو الجسم. وهذا ليس بجسم لتطلبا له أبعاداً وامتدادات. وقد بيّنت فيما مضى أنه ثبت وجود أنواع من المادّة والطاقة لا يعقل فيها ذلك.

    ثانياً: أنّ كون الشيء لا امتداد له لأنّه ليس من شأنه ذلك، يجوز في العقل أنه إذا انضمّ إلى مثله أن يصير له امتداد. لأنه حال ارتباطه بغيره واجتماعه معه يتألّف من المجموع جسم يعقل فيه ذلك ويطلب له. ألا ترى أنّ العنصر إذا ارتبط بغيره من العناصر أو المركبات قد يصير للمجموع صفات وخصائص جديدة لم تكن له حال انفراده واستقلاله. فكذا ههنا. لا يكون للجوهر الفرد حال انفراده صفة الامتداد في الأبعاد، ثمّ إذا ارتبط بغيره على نحو ما، صار للمجموع هذه الصفّة.

    ثالثاً: إنّ الفيزيائيين يذكرون شيئاً من قبيل ذلك في الفوتون، فيقولون إنّ كتلة الفوتون صفر، فإذا تحرّك بسرعة الضوء صار له كتلة. فلا يقال إنّ ما كانت كتلته صفراً فالمجموع منه كتلته صفر. لأنّ الحال ههنا أنّ الواحد فالمجموع اكتسب بالحركة صفة جديدة لم يكن من شأنه أن تكون له قبل ذلك، ودليل أنّ لها كتلة انحناء الضوء مثلاً في الفضاء قرب الثقوب السوداء، وهذا ثابت للضوء ولا مجال لنفيه. ولو كان للفوتون أي مقدار من الكتلة حال السكون لصارت كتلته لانهائية بالحركة بسرعة الضوء بحسب قانون الكتلة النسبية، وهو محال لذلك وجب كون كتلته مساوية للصفر.

    رابعاً: ذكرنا فيما مضى أنّ للمادة حال الاجتماع خصائص قد لا تكون لها حال الافتراق. وعلمنا أنّ معظم حجم الذرّة فراغ، فإذا ضمّت الأجسام التي نراها هائلة الحجم فإنه يمكن جعلها في حيّز صغير جداً. وهذا وإن خالف المحسوس إلا أنّه حقّ ومعقول. وما نحن فيه من نفس الباب. يمنعه الوهم ويجيزه العقل. والله تعالى الذي خلق الأجسام ممتدّة في الأبعاد الثلاثة، قادر على أن يؤلفها من أجزاء لا تتجزأ، ليس لكل واحد منها امتداد حال الافتراق، لكونه مثلاً نوعاً من أنواع الطاقة ولا يكون من شأنه من حيث هو كذلك أن يكون ممتداً في الأبعاد.

    ثمّ نقل نذير عن ابن حزم مثل هذا الكلام، والجواب عليه عين ما مضى. وأما قول ابن حزم: [فإن قلتم ليس هذا الطول لهما، ولا لواحد منهما فقد أوجبتم طولاً لا لطويل، وطولاً قائماً بنفسه، والعرض لا يقوم بنفسه وصفة لا بموصوف... وهو مكابرة ومحال..... وإذا قلتم الطول للجزئين معاً صدقتم وأقررتم بالحق في أنّ كلّ جزء منهما فله حصّته من الطول، والحصّة من الطول طول] اهـ

    فجوابه أنّا لا نقول إن له طولاً مع أنه ليس بطويل. ولكنّا نقول لا طول للجزء الذي لا يتجزّأ. والطول للمجموع منهما. ولا يلزم منه إثبات عرض قائم بنفسه أبداً. ولا يلزم من كون كلّ واحد منهما لا طول له أن لا يكون للمجموع طولاً. كما لا يلزم من كون الطول للمركّب أن يكون لكلّ واحد منهما طول في نفسه مع كونه له مدخليّة في اتصاف المجموع بأن له طولاً. وذلك لا من حيث إنّ كلاً منهما ذو طول، بل من حيث إن المجموع المؤتلف منهما من شأنه بل من صفاته الذاتية أنه ممتدّ في الأبعاد الثلاثة، كما هي حالّ كلّ مادّة مركّبة. وأمّا خلوّ الجزء الذي لا يتجزأ عن أعراض الطول والعرض والعمق فذلك متصوّر في كلّ ما ليس من شأنه أن يكون جسماً. والواجب إثباته في كلّ مادة هو الحيّز لا الامتداد في الأبعاد الثلاثة. والبرهان يوجب قولنا بعدم امتداده لو كنتما تعقلان. لأنه إما أنه يمكن تجزية المادة لا إلى نهاية أو لا يمكن ذلك. ونحن نقول بعدم إمكان ذلك الذي يوجب القول بالجوهر الفرد. والفريقان المثبتون للجوهر الفرد والنافون له متفقان على أنّ كلّ ما هو ممتدّ في الأبعاد فهو منقسم إلى أجزاء أصغر منه. فإذا ثبت الجوهر الفرد، فيجب القول بأنّه ليس ممتداً في الأبعاد.

    فإن قيل إنه لا يعقل أن توجد مادّة ليست ممتدّة في الأبعاد. أقول: من أين لا يعقل ذلك. والبرهان قام على أنّ كلّ مادّة فإنما يجب أن تكون متحيّزة أي ذات حد ونهاية ولا يجوز أن تكون ممتدّة لا إلى نهاية، ولم يقم برهان على وجوب امتداد للمادة. ونحن نثبت للجوهر الفرد التحيّز وننفي عنه الامتداد، فلم نخالف ما اتفق عليه ولا ما قام عليه البرهان إثباتاً ولا نفياً. فقولنا ممكن، بل المتأمل فيه يجده أقرب من قول المخالف، لأنّ تصوّر الوقوف إلى حدّ في تجزية المادة أقرب من تصور تجزيتها لا إلى نهاية. والرياضيات التي تستدلان بها لنفي الجوهر الفرد تمنع هذا القول قولاً واحداً. وتعبّر عن ذلك بأنّه إذا استمرّت تجزية شيء إلى جزئين لا إلى نهاية فإن كتلة المجزأ لا ريب ستؤول إلى الصفر أي العدم. فأي القولين أقرب إلى العقل أن تقول إنه يمكنك أن تقسم الإلكترون إلى أبد الآبدين ولا إلى نهاية دون أن تصل إلى درجة لا تعود معها قادراً على قسمته، أم القول بأنّ لهذه القسمة حداً تتوقّف عنده ولا يكون الجزء عند ذلك الحدّ قابلاً للقسمة؟!

    وهنالك يا حسن ونذير ظاهرة مثبتة في الفيزياء بالتجربة، تدعى ظاهرة الإنتاج الزوجي. وملخصها أنّ الفوتون حين تزداد طاقته بشكل كبير فإنه عند درجة معيّنة ينحلّ متلاشياً مولّداً إلكترونين اثنين أحدهما سالب الشحنة والآخر موجبها ويدعى الإلكترون الموجب أو البوزيترون. ومعلوم أنه إذا التقى بوزيترون وإلكترون فإنهما ينعدمان ويتحوّلان إلى طاقة. ومما لا شكّ فيه أنّ الفوتون حال السكون لا كتلة له، ولا أبعاد، وعند الحركة بالقرب من الأنوية بطاقة عالية حيث تحدث ظاهرة الإنتاج الزوجي، فإن لكل من الناتجين النهائيين كتلة سكون تساوي كتلة الإلكترون المحسوبة. والإلكترون حين يتصّرف كجسيم له قطر مقدّر وأبعاد كما هو معلوم، مع أنّ الأصلّ الذي انحلّ عنه في هذه الظاهرة لا أبعاد له ولا كتلة سكون.

    ففكرة صفر + صفر = صفر، مسألة من مسائل قانون الجمع في الرياضيات، ولكن عليكما ملاحظة أنّ الفوتون في هذه التجربة لا يمكننا النظر إليه من الجهة الساذجة التي تناقشان بها، فلا يمكن لأحد أن يسلّم أنّ الفوتون ذو حجم معيّن فإذا انحلّ إلى إلكترونين فيجب أن يكون مجموع الحجمين صفراً. وكذلك لا يمكن أن نقرر بأنه إذا التقى بوزيترون وإلكترون فيجب أن يكون الناتج طاقة لها حجم يساوي مجموع حجميهما. هذه سذاجة وعد فهم لحقيقة الأمور. لأننا في هذا المستوى من البحث لا يمكن أن نتخيّل الأمر كقطرتي ماء إذا التقتا تكوّنت قطرة لها مجموع حجميهما. الأمر في عالم الذرات والأنوية وما دون ذلك أعقد بكثير من العد على الأصابع طكا تعلّمتما في المدارس.

    إنّه من الثابت اليوم أنّ المادة والطاقة مظهران لنفس الشيء ويمكن تحويل إحداهما إلى الأخرى. وهو ما فتح مجالاً رحباً للعلماء لفهم العالم وتفسير ظواهره. وإنني على يقين من أنّ المشايخ لو اهتموا بالعلوم الطبيعيّة وما توصل إليه البحث العلميّ من حقائق ونظريّات كما كان أسلافنا المتكلمون متابعين ومشتغلين ومشاركين في العلوم الطبيعيّة لرأينا تطوّراً ملحوظاً في نظريّة الجوهر الفرد. ولرأينا إجابات جديدة وأكثر وضوحاً وإقناعاً للأسئلة التي كانت تورد على القول به.

    وعلى أيّ حال، لو كان لكما يا حسن ونذير معرفة بهذه العلوم لما استهجنتما ما نقول، ولما حاولتما إبطاله بهذا الكلام الركيك، لا سيّما وأنّ هنالك أسئلة أقوى بكثير مما أتيتمانا به من كلام ابن حزم رحمه الله. إنّ الله تعالى لا يعجزه أن يخلق نوعاً من أنواع المادّة أو الطاقة تقبل التحيّز ولا تقبل الامتداد في الأبعاد الثلاثة، ثمّ إذا ارتبط بمثله كان للمجموع امتداد في المكان.
    فهذا هو الجواب لمن رزق الفهم. والله الموفق. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    الاعتراض الثالث الموجّه على الجوهر الفرد

    قال نذير: [الأرقام تبطل مقالة الجوهر الفرد. فلو فرضنا ذهناً أيّ رقم كالواحد مثلاً، فهو قابل للقسمة إلى جزئين يمثّل كلّ منهما النّصف، وعلى هذا المنوال: نصف النصف هو ربع، ونصف الرّبع هو ثمن.... وهكذا. فإن عجزنا بعد ذلك عن الحساب عبّرنا عن صغر النتيجة بالصّفر] اهـ كلام هذا الفدم.

    أقول: أولاً هذه تسمّى في الرياضيات أعداداً لا أرقاما، لأنّ الرقم لا يقال إلا على الصحيح الموجب في اصطلاحهم. ثمّ لا وجه لهذا الاعتراض لأنّ قسمة العدد لا إلى نهاية ذهنيّة محضة ودون ملاحظة مصداق ذلك العدد. فلنا أن نمنع إمكان القسمة في العقل لا إلى نهاية عند ملاحظة المصداق. وعندئذ يمتنع الإمكان الخارجيّ تبعاً لذلك. وأمّا العدد دون ملاحظة مصداقه فلا خلاف في إمكان الاستمرار في قسمته في الوهم إلى عددين متساويين ثمّ إجراء القسمة مرّة أخرى على قسم منهما، وهكذا لا إلى نهاية. والرياضيات تعتمد على التجريد وليس من شأنها ملاحظة المصاديق في الخارج ابتداء. وفيها من الخيال ومجرّد الافتراض ما لا يخفى على دارسها، كمثل قولهم بالعدد التخيليّ الذي هو الجذر التربيعيّ للعدد سالب واحد، ومثل ذلك في الرياضيات كثير جداً. وحاصل الجواب أنّ ما تدّعيه ممكناً في العقل ليس كذلك، بل هذا جايز في الوهم دون العقل. وأمّا العقل فهو يمنع تركب المعدود من أجزاء لا نهاية لها.

    وقولك إنّ العقل يتصوّر انقسامه لا إلى نهاية يتضمّن إثبات ما لانهاية له من الأجزاء للواحد، وهو محال عقلاً لأنّ الكلّ المحدود محدود الأجزاء. والكلّ المعدود معدود الأجزاء. والواحد كلّ محدود ومعدود في العقل والخارج فيستحيل في العقل أن يتألف مما لا نهاية له من الأجزاء. وإذا استحال الأمر عقلاً فقد استحال خارجاً.

    ولنا أن نعارضك بعين ما تنكره علينا من أنّ الجوهر الفرد أمر موهوم لا وجود له في الخارج بل في الوهم فحسب، بأن نقول: هذه القسمة موهومة ولا وجود لها في الخارج. ونحن لا نسلّم إمكان وجود مثل هذه القسمة في العقل أصلاً، بل في الوهم، لأنّ مجرّد إمكانها في العقل يستلزم إمكانها في الخارج. وهو باطل، لما ثبت من أنّ كلّ مادّة فلها مقدار معلوم. قال تعالى (وإنا كلّ شيء خلقناه بقدر).

    والحديث بالحديث يذكر فقد اعترض نذير على استدلال البغدادي رحمه الله بقوله تعالى (وأحصى كلّ شيء عدداً) بما مضمونه أنّ هذه الآية مخصّصة بقوله تعالى (إن كلّ من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، لقد أحصاهم وعدّهم عداً، وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا). وكلام نذير هذا لا يجوز أبداً. لأنّ موضوع الآية الكريمة الثانية هو المخلوقات العاقلة ذوات العلم من أهل السماوات والأرض، والآية الكريمة الأولى في عامّة في كلّ شيء. وإحصاء كلّ شيء عدداً لا مانع منه ليصار إلى القول بتخصيصه يا نذير؟! فلا وجه لذلك. ويدخل في معنى الآية الأولى كلّ ما من شأنه أن يعدّ لا أعيان الموجودات فحسب بل وأجزاؤها التي تتركّب منها. ألا يحصي الله تعالى عدد ما يتركّب منه جسمك من خلايا، وما في تلك الخلايا من ذرات، وكواركات.... إلخ. بلى إنّ الله تعالى بكلّ شيء عليم، وأحصى سبحانه كلّ شيء عدداً.[/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    الاعتراض الرابع الموجّه على الجوهر الفرد

    قال نذير: [الترادف بين مفهوم النّقطة الرياضيّة وبين الجوهر الفرد. وهذا مناقض لفكرة وجود الجوهر الفرد، إذ النقطة الرياضيّة شيء موهوم لا وجود له في الخارج، ووجود التطابق يبطل تكوين الأجسام من الجوهر الفرد، لأنّ ما لا وجود له لا يكوِّن موجوداً. بل شطحوا أكثر من ذلك حين أسقطوا المفاهيم الرّياضيّة على نظريّة الجوهر الفرد ليثبتوها مساوين الجوهر الفرد بالنقطة، ليتكوّن بعد ذلك الخطّ، ثمّ السطح، ثمّ الجسم...... ونقل كلاماً عن صاحب المواقف....فكيف تدخل النقطة المفترضة الموهومة في تكوين الأجسام الموجودة بتسلسل ذهنيّ قائم على التصوّر المتخيّل؟!] اهـ

    أقول: دعوني هذه المرّة أبدأ في الجواب من آخر الكلام إلى أوّله على غير عادتي، لأنّ كلام هذا الإنسان يعسر فهمه وهضمه وأنا واقف على قدميّ، فلربّما عليّ أن أقف على رأسي كي أرى من الجهة التي يرى منها الأمور. فتساؤله المطرّز بعلامة التعجب: [فكيف تدخل النقطة المفترضة الموهومة في تكوين الأجسام الموجودة بتسلسل ذهنيّ قائم على التصوّر المتخيّل؟!] اهـ في الحقيقة صعب عليّ لا أخذته في المدرسة ولا درسته عند شيخ. وأنا أهيب بك أن ترسل لي رسالة خاصّة يا نذير لتفهمني ما الذي تريده من هذا الكلام.

    واللافت في كلام نذير أنّه في الاعتراض الثالث استخدم مفهوماً رياضياً وهميّاً خالصاً وهو اللانهاية في إبطال قولنا بالجوهر، ولازم كلامه أنّ الشيء الموجود في الخارج يتركّب مما لانهاية له من الأجزاء بالفعل. فهل رأيتم تناقضاً أكثر من ذلك!؟

    إننا أيها الجاهل نتكلّم في وجود أشياء في هذا العالم دون الأجسام، أي أننا نقول بوجود السطح والخط والنقطة في الخارج، ألم تر ذلك في كتب الكلام. وليس هذا بمحال في العقل. وإنما المحال في العقل وجود ما لا نهاية له بالفعل في الخارج مثلاً. فوجود ما ليس بجسم عند العقل جائز، بل واجب في برهان مخالفته تعالى للحوادث. فإذا أجاز العقل وجود ما ليس بجسم أصلاً وما ليس له امتداد في الأبعاد، فأهون عليه أن يجيز وجود شيء له بعدان فحسب، أو بعد واحد، أو متحيّز غير ممتدّ في الأبعاد وهو النقطة. وهذا الكلام يا نذير الجاهل هو مدار أعظم وأحدث الأبحاث الفيزيائيّة في العقد الأخير. ألم تسمع بنظريّة الأوتار الفائقة. وأن فرضيّتها الأساسيّة كانت أوّل الأمر تركّب العالم من نقاط صفريّة الأبعاد وصفريّة الكتلة. ثمّ عدل العلماء عن هذا النموذج لتأديته إلى القسمة على صفر في معادلاته الرياضيّة. واستبدلوا النقاط بالأوتار. ووصفوا هذه الأوتار بأنّها خطوط ممتدة في الكون في بعد واحد، وكتلتها مساوية للصفر، تتموج وتتعرّج مألفة الأبعاد الأربعة المعروفة في عالمنا.
    وهل تعلم أنّ حساباتهم الرياضيّة أدّت بهم إلى القول بوجود ستّة أبعاد أخرى ملفوفة حول هذه الأوتار. هل تعلم بأنّ المتوقع أنّ تظلّ هذه النظريّة مدار بحث الفيزيائين للعقود الخمسة القادمة، وأنّها تتصدّر اليوم قائمة اهتمامات العقول العلميّة في جميع العالم. وأنه يتوقّع منها أن تفتح الباب على مصراعيه لفهم ما يتركّب منه هذا العالم، وفهم قوانينه وتفسير ظواهره، وقد تؤدي إلى الكشف عن قانون المجال الموحّد الذي به تحلّ جميع مسائل الطبيعة ويفسّر جميع ظواهرها، والذي طالما حلم العلماء بالكشف عنه. أنت يا نذير ذو عقل كعقل الدجاجة ومعرفة في غاية الضحالة، تتصوّر الجزء الذي يتجزأ حبّة برتقال، وتريد أن تنقض القول به!!
    فاذهب أيها الغرّ أنت وشيخك، واطّلعا على ما يجري في العالم، وما تتناقله الأوساط العلميّة ذات الخبرة والمعرفة بما يجوز وجوده وما لا يجوز، ثمّ بعد ذلك يجوز لكما الكلام في هذه المسائل، وإبداء الرأي فيها. إنّ هنالك العديد من الكتب العلميّة التي تتحدّث في إمكان وجود عوالم من بعد واحد وبعدين وثلاثة وأربعة، وحتى عشرة أبعاد. وكانت نظريّة الأوتار الفائقة قبل تنقحها تقول بستة وعشرين بعداً. فكيف أجاز ذلك علماء الفيزياء يا حسن ونذير، وأنا أقطع أنّ الذي لا يستطيع تصوّر موجود بلا أبعاد، أو ببعد واحد أو بعدين، ولا يمكنه أن يتصوّر إلا عالم المكعبات ثلاثيّة الأبعاد، فسوف يشنّ حرباً على من سوف يمنحون جائزة نوبل في الفيزياء قريباً للعلماء الباحثين في نظريّة الأوتار الفائقة. وما أشبه اليوم بالأمس، فآينشتين الذي طالما استهزئ بأفكاره وثورته على قوانين الفيزياء التقليديّة حلف الفيزيائيون بعد ذلك بحياته، ثمّ اليوم باتوا ينظرون إلى النسبيتين ونظريّة الكم اللتان تعدّان أعلى ما توصّلت إليه الفيزياء، كنظريات قديمة وتقليديّة لا تفي بالغرض، ولا تفسّر جميع الظواهر. فعجباً منكما عجبا!

    ثمّ قال نذير: [وباختصار شديد فقد مزج المتكلمون هنا بين الفرض الموهوم وبين الوجود الحقيقيّ] اهـ

    أقول: بل أنت من فعل ذلك حين حاولت إلزامنا بأنّ المادة تنقسم في العقل لا إلى نهاية. فهذا ما تتوهّمه أنت، ثمّ تتهم به العقل، ثمّ تسقطه على الواقع مجيزاً أن يقع ذلك فيه. وأما نحن فنجيز وجود النقطة والخط والجسم وما له أبعاد أكثر من مجرّد هذه الأبعاد الفراغيّة الثلاثة في العقل والواقع. ونجيز وجود ما ليس ممتداً في الأبعاد أصلاً مما يقبل التحيّز، كما نجيز وجود شيء لا يقبل التحيّز مطلقاً لأنّه ليس من شأنه ذلك. وقد عرفت أنّ الركون إلى الحسّ في نفي أو إثبات ذلك لا يجوز، وليس صحيحاً البتّة. لأنّه لا حكم للحسّ إلا فيما من شأنه أن يدركه. وفي ذلك يقول مولانا العلامة النسفي رحمه الله تعالى:

    [فالحَـوَاسُّ خـمْـسٌ: السَّمْعُ، والبَصَـرُ، والشَّـمُّ، واللَّمْـسُّ، وبكُلِّ حَاسَّةٍ مِنـهَا يُـوقَفُ عَلَى مَا وُضِعَتْ هِـيَ لَهُ.] اهـ

    فالحواس لا تدرك ما ليس ممتداً في الأبعاد، لأنّه ليس من شأنها ذلك. كما ليس من شأن كلّ حاسة أن يدرك بها ما يدرك بالأخرى.

    ولم يبق مما ذكره نذير شيئاً ذا أهميّة بعد هذا الكلام وأما ما نقله عن الإمام الآمدي فليس فيه ما يخالف ما قررناه من أنّه لا أبعاد له، ولا ينقسم إلا في الوهم لا في العقل والخارج. وهذا لا إشكال فيه.

    وأما ما نقله عن العلامة الكوثري من قوله إنّ الإمام الباقلانيّ ابتكر في المذهب بعض الآراء وعدّها مبرعنة ويعدّها غيره غير مبرهنة منها مما نحن فيه إثبات الجوهر، وما يبنى على قواعد غير مبرهنة يبقى تحت النظر عند من لا يراها مبرهنة. فهو كلام صحيح، معترف به، ولا نرى فيه أيّ إشكال. ولا يعود بالنقض على شيء من أصول السادة الأشعريّة. بل هم معترفون بذلك. ومثل هذه الأقوال والنظريات الظنيّة موجود في كلّ مذهب. فلا أدري لم يأتي به نذير الفدم ههنا كمن اكتشف اكتشافاً عظيماً لا يعرفه أحد.

    فالمحققون من علمائنا لم يرفضوا أياً من النظريتين أعني الجوهر الفرد والهيولى والصورة رفضاً باتاً، بل درسوا الأدلة ورجحوا بينها بحسب ما تبيّن لهم، مقرّرين أنّ أدلة الفريقين لا ترقى إلى القطع، فالجميع محتمل. والشيخ سعيد يقول بهذا، بل وقد يرى الحلّ في قول ثالث يوفّق بين القولين كما ذكرنا. ولعله يكون كذلك إن شاء الله تعالى، ويكون على يديه. ومثله في تاريخ العلم ما حصل من نزاع بين القائلين بالنظريّة الجسيميّة والنظريّة الموجيّة للضوء وهما كما لا يخفى امتداد طبيعيّ للقولين الفلسفيين بالجوهر الفرد والهيولى والصورة. ولم تكلّل أيّ من النظريتين بالنجاح حتّى كان الحلّ في قول ثالث جمع بين القولين.

    ثم قال نذير: [نقد كلام سعيد في الجوهر الفرد]

    قال نذير أولاً: [بناء على دليل عقليّ على وحدانيّة الله اعتماداً على أمر متنازع في وجوده أصلاً بين المتكلّمين متابعة لما درج عليه أصحاب الحواشي كأمثال الدسوقي يمثل ضعفاً في الاستدلال والتدليل على وحدانيّته تعالى، والدلائل العقليّة التي وجّهنا إليها الله تعالى لإدراك وجوده ووحدانيّته مبنيّة على النظر والتفكّر في خلق الله، لا على نظريّات مبتدعة لم تثبت بعد وتحتاج دليلاً قبل أن نجعلها دليلاً لغيرها] اهـ

    أقول: أجبنا عن هذا الهراء من قبل بأنّ دليل التمانع لا يتوقّف صدقه على إثبات الجوهر الفرد، فيسقط كلامهما المكرر الفارغ هذا على رأسهما. وسترون أنّ نذيراً وشيخه سيعترفان بذلك عمّا قريب، ويناقضان نفسيهما، فانتظروا قليلاً أيها السادة.

    ثم قال نذير على قول الشيخ سعيد في تقريره لبرهان التمانع [فإن أوجداه معاً لزم انقسام ما لا ينقسم] اهـ سعيد، قال نذير: [هذا مبنيّ على تصوّر مفهوم حسيّ للشركة وهي مبادرة كلّ خالق فرضه في فرضه لمباشرة خلق الجوهر الفرد!! وبالتالي فهذا لازم بعيد غير بيّن، وهو ضعيف يسقط الاحتجاج ويهدم القضيّة المنطقيّة التي تركّب منها كلامه أعلاه] اهـ

    أقول: التعليق اللائق على هذا الكلام هو الدعاء لكما بالشفاء، والحوقلة مع تقليب الكفّين على عقليكما الضائعين. فكيف فهمتما أنّ هذا الكلام مبنيّ على الشركة الحسيّة؟ وما معنى هذه الشركة الحسيّة؟
    إذا قلنا إنّ الله تعالى خلق شيئاً ما فهل يتوهّم من هذا الكلام أنّ الخالق محسوس! عجباً!

    لا أدري كيف فهمتما ما سمّيتماه الشركة الحسيّة من دليل التمانع، إذا قلنا إنّ الله تعالى خلق فعلاً من الأفعال، فهل يتوهّم من هذا الكلام أمراً محسوساً يوصف به الله تعالى حاشاه؟! وعند فرض وجود إلهين متساويين في العقل، وفرضنا إنهما خلقا شيئاً واحداً معاً فما الفرق بين هذه الحالة والحالة السابقة؟! كيف يلزم من مجرّد هذا الفرض أن يكون الاشتراك في الخلق مبنيّاً على تصوّر حسّيّ للشركة؟!

    إنك أيها الجاهل لتقول كلاماً أتحدّاك أن تقدر على شرحه وبيانه، إنّك تقول أيّ كلام ليقال كتبت ورددت، وليس في كلامك رائحة العلم ولا شممته، عاملك الله تعالى وعامل شيخك بما أنتما أهله، وعافانا مما ابتلاكما به من الاتصاف بالجهل ومن الجهل على الناس. ولا نريد أن نزيد في الكلام عن ذلك مما لا يناسب الكتاب، فلنختم الكلام في مسألة الجوهر الفرد. والله تعالى الموفّق.
    [/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار ; 24-11-2005 الساعة 13:38
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]

    مسألة الكلام

    تحت عنوان [فيما يتعلّق بكلام الله تعالى وما يتّصل بذلك]، كتب نذير تعليقاً على إثبات الشيخ سعيد لوجوب الكلام صفة لله تعالى بقوله تعالى: (وكلّم الله موسى تكليما) إلخ ما جاء في ص95 من تهذيب شرح السنوسيّة،

    قال نذير: [قلت: إنّ الله متكلّم لا بمعنى اتصافه بصفة قديمة، بل على معنى أنّه خالق الكلام] اهـ

    أقول: هكذا وبكلّ بساطة ينهي هذا الفدم كعادته خلافاً امتدّ قروناً طويلة فمنذ أن ابتدع أصحابه المعتزلة بدعة القول بخلق القرآن وحتّى يومنا هذا لم يتوقّف الخلاف والجدل فيها. وهي مسألة من أعوص مسائل الكلام، قلّ من بحثها بحثاً يشفي الغليل، وينصف المتخالفين. ولا يخفى أنّ الذي يقرره نذير جملة من كلام المعتزلة، وليس من مذهب أهل السنّة في شيء.

    فاعجبوا ما شئتم ممن ينتسب إلى مذهب أهل السنّة ويقرر العقايد على طريقة المعتزلة، ويردد كلامهم وهو والله لا يفهم حقيقته ومنشأه، ولا يفهم ما يلزم عليه من اللوازم. إنه والله الجهل المطبق، والتعصّب الأعمى، والمخالفة لعينها بلا فهم ولا تمييز.

    وأيّ قيمة لهذا الكلام يا نذير ويا حسن في هذا المقام. إنّ الشيخ سعيداً يقرر مذهب أهل السنّة والجماعة في مسألة الكلام، فإن كان لك ولأسد السنّة من اعتراض على نفس تقريراته من حيث موافقتها لمذهبهم أو لطريقة عرض قولهم فأهلاً ومرحباً بالنقد، وإلا فالردّ عليه بهذا الأسلوب ليس ردّاً عليه بل هو ردّ على أهل السنّة والجماعة، وعلى رأسهم الأئمّة الأربعة، وسائر المتّبعين. فهل تجرؤ أيها الجبان أنت وشيخك أن تؤلفا كتاباً في الردّ على عقايد أهل السنّة والجماعة وردّ أدلّتهم في الاعتقاد!؟

    هكذا يفعل يا حسن ونذير من يحترم نفسه، ويحترم فكره، ولا يخشى من إظهار معتقده، ونقد معتقدات الآخرين. ولكن هذا الأسلوب الخسيس، حين يقرأه من لا اطلاع له فإنه يفهم منه أنّ الشيخ سعيداً هو وحده المتفرّد بهذه الأقوال والآراء، وأنه يبتدع من الأقوال ما هو فاسد ظاهر الفساد، مما يردّ عليه بأدنى تأمّل في أدلّة الكتاب والسنّة الظاهرة. وهذا والله محض الكذب والتدليس، وفيه من قلّة الأمانة وسوء الأدب في البحث ما لا يمكن أن يصدر عن عالم أو طالب علم يخشى الله تعالى، ويذكر أنّه يكتب كتاباً في الدّين، وليس في أمور الدنيا التي لا تضرّ المسلم في دينه!

    من هذا تعرف أيها القارئ المحترم، أنّ المعارضة على هذا النحو بمذهب المعتزلة في مقام بيان مذهب أهل السنّة والجماعة أسلوب خسيس لا يراد به خدمة الدين والنّصح للمسلمين، ولا يخدم بحث المسألة والنظر في أدلّتها فيثريها بشيء. وإني إن شاء الله تعالى مناقش فيما يلي مسألة الكلام، ومبيّن مذاهب الناس فيها، ومظهر مذهب أهل السنّة والجماعة، لعلّ شيخك أسد السنّة يفهمها ويفهمكها أيها المسكين، ولكن بعد أن نمرّ على ما أودعته ههنا من كلام يدلّ على جهلك.

    أقول: أسهب المدعو نذير في الانتصار لمذهب المعتزلة حتى نسي نفسه قائلاً: [وما يؤيّد هذا القول ما جاء عن حادثة التكليم، وصدوره من الشجرة كما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (فلمّا أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله ربّ العالمين)]اهـ

    أقول: يريد نذير أنّ هذه الحادثة دليل على أنّ كلام الله تعالى هو صوت مخلوق، يخلقه الله تعالى ويسمعه من أراد، كما أخبر سبحانه وتعالى أنّ موسى عليه السلام نودي من الشجرة. وهذا القدر واضح من صريح كلام نذير. فليعلم أنّ غاية ما يستفاد من الاستدلال بهذه الآية في هذا المقام هو أنّ الله تعالى كلّم موسى عليه السلام، وخاطبه بأصوات خلقها في الشجرة، ولا ينفي كون الله تعالى متكلّماً بالمعنى الذي يقوله أهل السنّة الكرام، ولا يثبت به أنّ كلّ ما يسمى كلاماً لله تعالى فهو كذلك. فظهر أنّ الاستدلال بالآية الكريمة لتأييد أنّ كلام الله تعالى لا يكون إلا بخلق ما يفهم منه مراداته لا يتمّ. بل يمكن بسهولة قلبه على صاحبه بأن يقال على مذهب أهل السنّة والجماعة إنّ كلام الله تعالى صفة له سبحانه وهي صفة البيان القديمة قدم ذاته العليّ، كباقي صفاته المقدّسة، ولكنه تعالى إذا أراد أن يسمع أحداً كلامه خلق له ما يدلّ عليه من الإشارة والعبارة بحيث يدرك كلامه من طريق الحواس، وهي الطريق العاديّ للإدراك، أو يلهمه إلهاماً أو يوحي إليه كما وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي بطريق خرق العادة. وكلّ ذلك جايز في العقل بلا إشكال. فلم قلتم إنّه لا يكون كلام إلا كما وقع لسيّدنا موسى عليه السلام من خلق شيء يدرك منه أمر آخر؟ ولم أثبتّم التكليم ونسيتم أصله وهو الكلام. فإنّ المعاني التي أدركها السيّد موسى عليه السلام لا يمكنكم أن تثبتوا أنّها عين علم الله تعالى، ولا عين إرادته، بل الظاهر أنّها غيرهما كما سيأتي بحثه، فأيّ شيء هي إن لم تكن مدلولات كلامه تعالى؟!
    وبهذا ظهر لك أيها القارئ الكريم، جهل هذا الكاتب وقصوره عن فهم الأدلّة وبحثها، وترتيبها لتفيد مطلوبه.

    ويبدو أنّ هذا الجاهل يحسب نفسه أتى بالبرهان القاطع على كلام المعتزلة، وأنّ مجرّد القول بأنّ الله تعالى وتبارك وتقدّس خلق كلاماً سمعه سيّدنا موسى عليه السلام من الشجرة يثبت مذهبهم ويبطل مذهب أهل السنّة الكرام. فليعلم هذا الغرّ أنّ أهل السنّة لا يمنعون كون ما حصل في حادثة التكليم الشريفة هو ما قاله نذير من أنّ الله تعالى أسمع سيّدنا موسى عليه السلام كلامه بأن خلق له صوتاً في الشجرة يدلّ على بعض المتعلّقات. بل إنّه كما قلنا يقوّي مذهبهم في إثبات صفة وراء هي الكلام من حيث إنّ تلك الأصوات دالّة على مدلول.

    وليعلم هذا الغرّ، أنّه لمّا لم يكن خلق تلك الأصوات على فرض ثبوتها هو المعنيّ عندهم من صفة الكلام التي يثبتونها لله تبارك وتعالى فلم يكن للقول بإثباته ونفيه مدخليّة في المسألة على ما تتوهّم يا مسكين. ولذلك تجد الإمام الماتريديّ وأتباعه يقولون بعين هذا القول، أي بأنّ الله تعالى خلق صوتاً في الشجرة ليدرك به موسى عليه السلام خطاب الله تعالى مع أنّ الماتريديّة يثبتون صفة الكلام لله تعالى صفة قديمة ليست بحرف ولا صوت، تماماً كالأشعريّة. فالطريقة التي سمع بها سيّدنا موسى عليه السلام كلام الله تعالى سواء كانت بخلق أصوات تدلّ على متعلّقاته أو بجعله يدرك المعنى الذي هو متعلّق الصفّة القديمة كما هو مذهب إمام أهل السنّة الأشعريّ، فإنّ ذلك لا يقدّم ولا يؤخّر في إثبات أو نفي صفة الكلام كما يقول بها أهل السنّة، ولا يقدّم ولا يؤخّر في إثبات أنّ كلام الله تعالى ليس سوى فعل من أفعاله سبحانه كما هو مذهب المعتزلة، لو كان هذا الفدم وشيخه العلامة المحقق الأصولي أسد السنّة يفهمان ما يقولان. وستتوضّح المسألة في ذهنك أكثر أيها القارئ الكريم حين نبحثها على طريقة علمائنا من أهل السنّة عما قريب إن شاء الله تعالى. وسنبين بطلان القول بأنّ المتكلّم هو خالق الكلام بوجوه. ولكن لنكمل الآن كلام هذا الجاهل المغترّ.

    قال الجاهل نذير: [أمّا إسناد الفعل كلّم إلى الله عزّ وجلّ في الآية الكريمة، فلا يلزمنا منه وصف الله تعالى بصفة الكلام، كما لا يلزمنا بإسناد فعل المكر والكيد والخديعة إثبات صفات لله، فهو من قبيل الإسناد المجازيّ. وهذا أمر مشهور ومقرر معلوم] اهـ كلامه.

    أقول: أما أنّ إسناد ما ذكر من المكر والخديعة ونحوهما إلى الله تعالى هو من قبيل المجاز فنعم، هو من المشهور والمقرر المعلوم. ولكن لأيّ شيء كان إسناد الكلام إلى الله تعالى من قبيل المجاز والإجماع قائم لا يخالف فيه أحد من أهل الشرائع أنّ الله تعالى متكلّم سواء كان الكلام حقيقة هو صفة له أو مخلوقاً له!!

    ينبغي أن لا تقول يا حسن بأنّ إسناد الكلام إلى الباري عزّ وجلّ من قبيل المجاز إلا إذا كنت تقول إنّ الكلام يقوم بالمتكلّم في الحقيقة، فتجعل نسبته إلى المولى سبحانه من قبيل المجاز، لأنّك تقول كلّ كلام فهو حادث، فلا تقبل اتصاف القديم بالحادث.
    ولكنك تقول بأنّ الكلام ليس بصفة أصلاً بل هو فعل مخلوق، فلم تقول بأنّ نسبته إلى الله تعالى من قبيل المجاز يا جاهل؟! إنّك لتقول بأنّ معنى كونه تعالى متكلّماً بل ومعنى كون أيّ شخص متكلماً هو فعله الكلام، فما الذي حملك على القول بأنّ نسبة الكلام إلى الله تعالى من قبيل المجاز. أين المانع العقليّ من كون الله تعالى خالقاً على الحقيقة لشيء ما. أفتقول أنت أنّ كونه خالقاً مجاز! هذا عجيب أيها المحقق!

    هذا أمر، والأمر الآخر أنه مع عدم قيام برهان عقليّ على منع اتصاف الباري تعالى بصفة معنى هي الكلام، يبقى ذلك في حيّز الإمكان، فإذا وصف الباري تعالى بكونه متكلّماً فإنّ ذلك يقتضي إذا كان على الحقيقة اتصافه بصفة هي الكلام. فيكون هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع. فما الذي حملك على منع ذلك، وصرف اللفظ عن حقيقة معناه؟
    إنك لم تعتن بإظهار دليل واحد يسوّغ صرف اللفظ عن معناه الحقيقيّ إلى معنى مجازيّ، مع أنّ ذلك موضع في غاية الأهميّة، ولا يتمّ كلامك بدونه أيها القاصر. على أنّي بيّنت أنّ مجرّد قولك بأنّ الله تعالى متكلّم مجازاً لا حقيقة لا ينبغي أن يصدر عن متأصّل بأصول المعتزلة، لأنّه يتضمّن الإقرار بأنّ المتكلّم متّصف بالكلام، ويشتقّ للمتكلّم من كونه متكلّماً صفة له هي الكلام. وهو محلّ النـزاع بيننا وبين المعتزلة أيها المحقق. فإن سلّمته فلا وجه لاعتراضك على مذهب أهل السنّة والجماعة في إثباتهم الكلام صفة لله تعالى.

    إنّ الكلام عند المعتـزلة حقيقة في الحروف والاصوات. وهو حصر باطل كما سنبيّنه بأدلّة من اللغة. وكلّ فعل يقوم بفاعله ويصحّ أن يشتقّ له منه وصف إلا عندما يكون الفاعل هو الله تعالى بالاتفاق بين العقلاء، خلافاً لأهل التجسيم. لأنّ الحادث عند ذوي الألباب لا يقوم بالقديم. وأمّا الاتصاف بصفة قديمة فلا وجه لمنعه حال قول أهل السنّة بأنّ الصّفة ليست غير الذات في الوجود الخارجيّ، ولا عين الذات في المفهوم الذهنيّ.

    والمهمّ ههنا أن يتبيّن القارئ أنّ ادعاء من ادّعى أنّ نسبة الكلام إلى الله تعالى مجازيّة مع قوله بأنّ المتكلّم هو خالق الكلام لا معنى له ولا فائدة فيه. لأنّ الأصل عنده أنّ الكلام يطلق على الفعل المخصوص الذي يوجد من المتكلّم والذي يسمّى كلاماً، فلم يحتاج المستدلّ إلى القول بأنّ الكلام في حقّه مجاز ما دام قائلاً بأنّ الله تعالى يصحّ منه الفعل على الحقيقة، وما دام الاتفاق قايم بيننا وبين المعتزلة على أنّ أفعاله تعالى لا تقوم بذاته. فما دام خالقاً على الحقيقة عندهم فيجب أن يكون متكلّماً على الحقيقة أيضاً بلا توقّف. هكذا ينبغي أن يكون مذهب من يقول بأنّ الله تعالى متكلّم بمعنى أنه خالق للحرف والصوت الذي هو المعنيّ عندهم بالكلام. أيها المحقّق الفهّامة!

    والذي يلوح لي أنّ هذا المسكين حسب أنّ الخلاف بين أهل السنّة والمعتزلة كالخلاف بيننا وبين السلفيّة أنهم يقولون له يد على الحقيقة وقدم على الحقيقة... إلخ ترّهاتهم، فظنّ المسكين أنّ مخالفة أهل السنّة في قولهم بأنّ الكلام صفة للباري تعالى هو بأن يقول اتصاف الباري بالكلام هو على المجاز وليس على الحقيقة! فتأملوا يرحمكم الله تعالى! [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]

    [تتمة مسألة الكلام]

    ثمّ تكلّم نذير بكلام يريد منه نقض استدلال أهل السنّة بتوكيد الفعل في قوله تعالى: (وكلّم الله موسى تكليما). قالوا: الكلام ههنا على الحقيقة لأنّ المجاز لا يؤكد بالمصدر. ونقل نذير من كلام العلماء ما يفيد أنّ هذه ليست قاعدة قطعيّة بل هي أغلبيّة ويجوز أن يؤكد المجاز.
    ولا يدري المسكين أنّ هذا الاستدلال يضعه أهل السنّة في ذيل استدلالاتهم من قبيل الاستئناس وتكثير الوجوه المغلّبة لقولهم، وليس هو العمدة في إثباتهم الكلام صفة للمولى عزّ وجلّ. وكون هذه القاعدة أغلبيّة وليست كليّة لا يقدح في كلامهم واستدلالهم لأنّهم أنزلوا هكذا استدلال منـزلته. وقد بان لك أنّ القول بالمجاز أصلاً لا يفيد صاحبه إلا إذا قال بأنّ الكلام صفة، وإذا اعترف بأنّ الكلام صفة فقد انحلّ الخلاف كما بيّنّا.

    والعمدة عندهم هو ما استدلّ به الشيخ سعيد، ولم يفهمه صاحب الردّ على وجهه الصحيح، فالشيخ أتى بهذه الآية الكريمة دليلاً على مذهب أهل السنّة لأنّ فيها نصاً على أنّ الباري تعالى كلّم موسى، فهو متكلّم بالاتفاق. وانتقل بعد ذلك إلى وجوب إثبات الكلام لله تعالى لأنّ كلّ متكلّم فله كلام. أي أنّه متكلّم بكلام. وأوضح منه قوله تعالى: (بكلامي) فأثبت بالنصّ أنّ له كلاماً. ثمّ انتقل الشّيخ من ذلك إلى إثبات صفة معنى هي الكلام لله تعالى لأنّ ذلك هو الأصل في اللغة، وليس ثمّة ما يمنع منه عقلاً ولا شرعاً، فحدّ المتكلّم من له كلام، والكلام حقيقة في الكلام النفسيّ واللفظيّ على أقلّ التقادير. ولو قيل إنّه حقيقة في اللفظيّ مجاز في النفسيّ فلا نسلّمه. وإن سلّمناه جدلاً فهو يساوي قولكم يا حسن السّقاف ونذير بأنّ الله تعالى متكلّم مجازاً لا على الحقيقة، وهذا القول الأخير هو أقلّ ما يمكن أن يقال في الكلام النفسيّ، لأنّه ليس ثمّة عاقل يمكنه أن ينكر وجوده، وسيأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. فعجبي ممن يحملون هذه الحملة الشعواء على قول الأشعريّة بأنّ الله تعالى متكلّم بكلام نفسيّ قديم، وهو في غاية الوجاهة والقوّة!

    ثمّ ذكر نذير استدلال الشيخ سعيد بحديث البخاريّ وغيره: (ما منكم من أحد إلا وسيكلّمه ربّه)، وقال إنه لا يصحّ الاستدلال به لأنّ الرواة تصرّفوا في ألفاظه. ولفظ يكلّمه ليس واقعاً في جميع الروايات، فلا يصحّ الاستدلال به.

    والجواب عنه: أنّ الاستدلال به مكمّل للاستدلال بالآاية الكريمة، فليس هو العمدة في الاستدلال في هذا الباب، ولكونه حديثاً صحيحاً بلا ريب فيستفاد منه المطلوب ولو بأدنى الظنّ، وهذا دأب العلماء أن يرتّبوا الأدلّة بحيث يقوّي بعضها بعضاً. وسيأتي سرد أدلّة أخرى ظنّيّة يتألّف من مجموعها معنى قويّ لا يجوز إغفاله، ويحرم نفيه مطلقاً عن الشريعة بهذه الطريقة يا حسن ونذير.

    ثمّ قال نذير إنّ هذا الحديث مشكل، يفيد أنّ الله سيكلّم بشراً دون حجاب. وفي هذا مخالفة صريحة لقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلّمه الله تعالى إلا وحياً أو من وراء حجاب)، صدق الله العظيم.

    فأقول: إذا سلّمنا سقوط الاحتجاج بالحديث لما ذكراه، فالآية مجوّزة لأن يكلّم الله تعالى البشر. وهذا القدر هو ما نحتلجه لإثبات صفة الكلام لله تعالى. وأنتما لشدّة حمقكما رفضتما الاستدلال بالحديث الشريف لأنّ لفظ سيكلّمه غير واردة في بعض رواياته، ولو كنتما تعقلان ما الاستدلال لقلتما اللفظ الوارد في الحديث يتقوّى بالآية. وأمّا صريح الآية الكريمة على ما هو المدّعى فلا يعارض هذا القدر من الحديث أعني (سيكلّمه) الذي هو محلّ الاحتجاج، بل كلامكم في الحجاب، وهو ما لا نحتاجه ليتمّ استدلالنا.

    فتأمّلوا أيها القرّاء الفضلاء هذا المستدلّ الألمعيّ كيف يخبط، ولا عجب فلا فهو تلميذ أسد السنّة العلامة الأصوليّ حسن السقاف. أيّ تهمة اتهموك بها يا حسن!

    ثمّ قال نذير: [وأما البرهان العقليّ عند سعيد فهو ما قاله ص110 من تهذيب السنوسيّة، ونصّه: (وأما العقل فلأنه لو لم يتّصف بهذه الصّفات لاتصف بأضادها التي هي الصمم والعمى والبكم، وهذه الأضداد هي نقائص لا تجوز نسبتها إلى المولى سبحانه، فالنقص عليه محال، بمعنى أنّه ممتنع عقلاً) اهـ كلام سعيد. فقال نذير: وسنجعله ينقض دليله بقوله نفسه (كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً). حيث قال في الحاشية ما نصّه: (يقصد من هذا أنّ الهقل لا يستطيع التوصّل إلى الاستدلال على السّمع والبصر والكلام من مجرّد ما يملكه من معلومات عن العالم من حيث حدوثه، وأنّ الاستدلال على وجوب الاتصاف بها بالقول بأنّ الله إن لم يتّصف بها لزم اتصافه بأضدادها، وأضدادها نقص، وهي العمى والصمم والخرس، فيلزم وجوب اتصافه تعالى بها. فإنّ هذا الاستدلال ليس قوياً، لأنّه ليس كلّ ما كان كمالاً في حقّ الحادث يلزم أن يكون كمالاً في حقّ القديم. وكذلك فإذا كان عدم اتصاف الحادث بالبصر يلزم منه اتصافه بالعمى، فلا يدلّ هذا على أنّ الله إذا لم يكن موصوفاً بالبصر فإنه موصوف بالعمى. لإمكان أن يكون البصر أصلاً ليس كمالاً محضاً، وبالتالي فلا يجب اتصاف الله تعالى به، فتأمّل) اهـ سعيد. قال نذير: فهذا اعتراف صريح وواضح بضعف حجيّة العقل في هذا الباب، ونقض لما أبرمه صاحبنا في موضع آخر] اهـ كلام نذير وما ضمّنه من كلام الشيخ سعيد.

    فأقول: اللافت للنظر أنّ نذيراً هذا يستدلّ بعين كلام الشّيخ سعيد عند تضعيفه لمواضع من شرح السنوسيّة لتضعيف تلك المواضع. والأجدر بالإشارة إليه أنّه ينسب كلام السنوسيّ والشراح الذين يهذّب لهم الشيخ سعيد إلى الشيخ سعيد، ثمّ حين يقرأ الكلام الذي يعلّق بها الشيخ سعيد مضعفاً بعض المواضع يقول بأنّ الشيخ سعيد متناقض في كلامه. سبحان الله فيكما! ما الذي تريدان قوله، إنه يريد أن يوهم الناس أن الشيخ ينقض كلامه الذي يبرمه بنفسه، كما صرّح بذلك في آخر ما نقلناه عنهما. وهذا الكلام كذب باطل لا يجوز أن يقال عن كتاب تهذيب شرح السنوسيّة أبداً. ولا يقوله إلا حاسد حاقد يكذب ولا يبالي بالدين. لأنّ الشيخ اختار في صلب الكتاب من شروح المتن أقوم عبارة بنصّها أو بقليل تصرّف بحسب ما أداه إليه بحثه. وأصل هذا الاستدلال على صفات السمع والبصر والكلام موجود في متن السنوسيّ فلا يمكنه أن يتجاهله. وهو دليل عقليّ بلا شكّ، إلا أنّه ليس برهاناً قاطعاً، فذكره السنوسيّ من باب تكثير الأدلّة، ومن باب أنّ له وجهاً لكونه ظنيّاً. ومعلوم أنّ أهل السنّة متفقون على أنّ العمدة في إثبات السمع والبصر والكلام هو الشرع لا العقل. وقد بيّن الشيخ سعيد في الحاشية كما نقل عنه نذير جهة ضعف الدليل العقليّ الذي رتّبه الماتن وبيّنه الشراح، فلم يكن هذا تناقضاً من الشيخ سعيد في شيء، ولا نقضاً لما أبرمه كما يدّعي هذا السفيه المهوّل الذي كم يحاول الاصطياد في الماء العكر بلا جدوى. لأنّه يحتاج في بيان ما يفكّر فيه إلى أن يتكلّم بكلامه الخاص، فإذا تكلّم سرعان ما يفتضح أمره، وتنكشف نواياه وسوء طويّته، وما ذلك إلا لحمقه وجهله في الأصلين.

    ثمّ قال السّقاف أو نذير لا فرق: [وأمّا في مسألة خلق القرآن، فمذهبنا فيها القول بالخلق، لورود النصّ. قال تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون)] اهـ كلامه.

    أقول: لا تعليق. ولكن عجبي ممن يسمّي نفسه أسد السنّة لم لا يسمّى نفسه أسد المعتزلة! وعجبي ممن يعتبر هذه الآية الكريمة نصاً في محلّ النـزاع!

    ثمّ قال نذير: [وسعيد متناقض في ذلك تناقضاً بيّناً، واعلم أنه يطلق على الكتب المنـزلة على الرّسل أنها كلام الله تعالى، لأنّها ظهرت منه تعالى، لأنها ظهرت منه تعالى إحداثاً وتركيباً، ولم يحدثها غيره. ونقض سعيد كلامه في الحاشية نقلاً عن المارغني، فقال: (وكذا لا يجوز أن يقال القرآن مخلوق أو حادث... نعم يجوز أن يقال ذلك في مقام التعليم] اهـ سعيد. فتأملوا هذا التخابط والتناقض المشين، فتارة لا يجوز أن يقال مخلوق، وتارة أخرى يجوز. وهل مقام التعليم يؤدي بالشخص أن يغيّر ويبدّل عقيدته؟!] ا÷ كلام السقاف وفي ضمنه كلام الشيخ سعيد.

    فأقول: إنّ آخر شخص له الحق في الاعتراض على من يبدل عقيدته هو أن يا حسن السقاف!! عجباً منك عجباً!

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/7.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    لا تنه عن خلق وتأتي مثله=عار عليك (وقد فعلت) عظيم
    [/poet]
    ثمّ إنه لا تناقض البتّة في كلام الشيخ سعيد، ولكنّ التناقض في عقلك، أو التناقض هو ما تحاول أن تكذب وتتلاعب لكي تظهره وهو في الواقع غير موجود. وما ذلك إلا لسوء طويّتك، وبعدك كلّ البعد عن طريق أهل العلم في البحث، ومجانبتك الإنصاف، والتزامك التعسّف وقلّة الأدب.

    فحين نقول إنّ القرآن حادث مخلوق، فإننا نعني بذلك الصحف والأصوات والحروف والكتابة والورق، وهذا أمر لا يخالف فيه عاقل. وإننا نبيّنه للطالب في مقام التعليم. ولكننا نمنع إطلاق القول بأنّ القرآن مخلوق، لأنّ القرآن لفظ يطلق بالاشتراك على ما بين إيدينا من المصاحف، كما يطلق على صفة الله تعالى التي هي كلامه. وفي إطلاق ذلك دون تقييد، إيهام بأنّ كلام الله تعالى الذي هو صفته حادث أو مخلوق وهذا باطل. وعبارة السادة أهل السنّة والجماعة هي: (القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق)، وهذا ما أجمعوا عليه، فلا يجوز إطلاق القول بخلافه إلا في مقام التعليم الذي هو مقام تفصيل وبيان لهذه العبارة المجملة. أي بأنّ يقال القرآن بمعنى كلام الله تعالى الذي هو صفته قديم غير محدث ولا مخلوق، والقرآن بمعنى الصحف والورق والكتابة والحروف والأصوات إلخ فكلّ هذا مخلوق حادث باتفاق العقلاء. فهل هذا الكلام يا حسن ونذير فيه تناقض وتخابط، وهل يدعو أحداً لأن يبدّل عقائده. وقد قلت إنّ آخر من له الحق في أن يعيب على الناس تبديلهم عقائدهم هو أنت يا حسن، لأنّك في بضع سنين مرقت من مذهب أهل السنّة والجماعة إلى مذهبك الحاليّ غير المستقّر بعد، مروراً بجميع المذاهب، والعلم عند الله تعالى على أيّ مذهب سيختم لك في الدنيا، إذا بقيت تحيا بهذه النفس المريضة المتعصّبة، عافانا الله تعالى وإياكم من شرّ ما ابتلى به هذا الإنسان، ونسأل الله تعالى له الهداية والرّشاد.

    وقبل أن ألخّص مسألة الكلام وأردّ ادعاءات هذا الجاهل، لفت نظري بعض ما قاله نذير في حاشية كتابه المخزي عن مولانا العلامة عضد الدين الإيجي رحمه الله تعالى، عند نقله عن الشيخ سعيد قوله: [وأجمعت الأمّة على أنّ الله تعالى متكلّم بكلام قديم أزليّ] اهـ
    فقال نذير: [وهذا الإجماع منتقض من أهل السنّة كأمثال العضد الذي نقل عنه سعيد كلامه ص56:أنه: بحروف وأصوات قديمة] اهـ نذير
    فأقول: الإمام عضد الدين الإيجي لا ينافي قوله الإجماع بأنّ كلام الله تعالى صفته القديمة هذا أولاً. وثانياً: فإنّ إجماعهم على كون كلام الله تعالى صفة قديمة لله تعالى وغير مخلوق، قبل العضد رحمه الله تعالى، فعلى تسليم مخالفته –ولا تسلّم- فإنّ ذلك لا ينقض إجماعهم يا محقّق العصر. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]

    فصل [في تلخيص مسألة الكلام]

    أجمعت الأمّة على أنّ الله تعالى متكلّم، وتكلّم، وكلّم، ويتكلّم وأنّ له كلاماً. ومنع الإسكافيّ وحده من المعتزلة كونه (يتكلّم) مفرّقاً بين تكلّم ويتكلّم، ولا يضر الإجماع خلافه. وأجمعوا على أنّ القرآن الكريم كلام الله تعالى. فهذا القدر معلوم من الدّين بالضرورة، ومن خالف فيه كفر.

    ثمّ اختلف أهل الفرق في معنى كونه متكلّماً. فقالت المعتزلة: معنى كونه متكلّماً أنه خالق للكلام على وجه لا يعود إليه منه صفة حقيقيّة، كما لا يعود إليه من خلقه الأجسام وغيرها صفة حقيقيّة. واتفقوا على أنّ كلّ كلام فهو مركّب من الحروف والأصوات وأنّه محدث ومخلوق ومن ذلك كلام الله تعالى. ولا نريد أن نذكر رأي بقيّة الفرق لأنّه لا يعنينا بحثها ههنا، بعد أن بان لنا أنّ السّقاف وصاحبه يقولان بقول المعتزلة، بغضّ النظر عن تحقيقهما لمقالاتهم في المسألة.

    والردّ على قولهم هذا هو ما يلي:

    أمّا قولهم بأنّ معنى كونه متكلّماً أنه خالق الكلام فمنقوض بوجوه، منها:

    فأ: أنّ من قام به الكلام فإنّه يسمّى متكلّماً في اللغة، بصرف النظر عن كون المتكلّم خالقاً للكلام أو غير خالق له. أي أننا عند إطلاق اسم المتكلّم فإننا لا نلتفت ولا نلاحظ عن إطلاق ذلك الاسم على من صحّ أنه يطلق عليه أنه خالق لكلامه أو غير خالق له. وإنا نقول عن المبرسم والنائم الذي خلق فيه الكلام بالاتفاق لكونه مضطراً للكلام إنه متكلّم. وبهذا يعلم أنّ رسمهم المتكلّم بفاعل الكلام أي خالقه باطل لكونه غير جامع.

    وب: أنه يقال للمعتزلة ما طريقكم إلى إثبات كون الله تعالى متكلّماً، وهو أمر يجب معرفته عندكم ولا يجوز الجهل به. فإن قالوا: طريقنا إلى إثبات هذه الصفة القعليّة هو العقل، لم يكن لهم إلى إثبات ذلك من سبيل غير منخرم. لما علمنا من انتقاض الدليل العقليّ المعروف على السمع والبصر والكلام. تأمّل.
    وإن قالوا عرفناه بالشرع لم يكن ذلك على وفق أصلهم، إذ يجب عندهم على العاقل معرفة الله تعالى بالعقل، ومن ذلك كونه متكلّماً، فيقع لهم التناقض عند اختيارهم أحد القولين.

    وج: أنه لو كان خالق الكلام يسمى متكلّماً، فإن علّة الإطلاق ههنا ظاهر أنها الخلق، فلم لا تمنعون كونه متحرّكاً مع كونه خالق الحركة. وكذا لا تسمّونه مصوّتاً مع كونه تعالى خالق الصوت الذي هو عين ما تشرحون به الكلام، وكذا لا تسمّونه تعالى بكلّ ما ينسب إليه من التكوينات. فيعلم من ذلك أنّ المتكلّم ليس وصفاً يستحقه خالق الكلام وفاعله بما هو كذلك كما يقولون بل لأمر آخر.

    ود: من المعتزلة مع اتفاقهم على كون كلام الله تعالى مخلوقاً له، وأنّه فاعل لكلامه تعالى، النجّاريّة وهم قائلون مثلنا بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فعلى هذا يكون الربّ سبحانه هو المتكلّم بكلامنا لا نحن المتكلّمون به، لما أنّ خالقه. وهو باطل بالاتفاق.

    وهـ: أنّ الصّفة الحادثة لها نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى المحلّ. نسبتها إلى الفاعل بأنه محدثها، ونسبتها إلى المحلّ بأنّها حاجثة فيه. وهذا بالاتفاق. وهما معنيان مختلفان. وما نسب إلى الشيء بأنّه فيه يقال إنّه موصوف به لا محالة، كما يقال لمن قامت به الحركة إنه متحرّك، مع القطع أحياناً بأنّه غير فاعل للحركة كما هي حال المرتعش. فيعلم من هذا أنّ حصركم المتكلّم في فاعل الكلام تحكّم. ألا ترون أنّ الله تعالى إذا خلق الحياة في محلّ سمّي ذلك المحلّ حيّاً، ولم يسمّ الله تعالى حيّاً لكونه فاعل الحياة في ذلك المحلّ، بل سمّي حياً لأنّ الحياة شرط عقليّ لصحة الاتصاف بالعلم والقدرة والإرادة. ومثله أنّه لا يسمّى عالماً لخلقه العلم في نفوس ذوات العلم، ولا قادراً لخلقه القدرة في ذوات القدرة، ولا مريداً لخلقه الإرادة في نفوس ذوات الإرادة، ولا بصيراً لخلقه البصر في ذوات البصر، ولا سميعاً لخلقه السمع في ذوات السمع، وهذا الكلام واضح لا يخالف فيه عاقل. فلم قلتم إنه يسمّى متكلّماً لكونه خالق الكلام في محلّ أو في لا محلّ على الاختلاف الحاصل بين المعتزلة في هذه المسألة. فالنظّام يرى أنّ كلامه تعالى مخلوق لا في محلّ لأنه يراه جسماً. وغيره كالجبائيّ وأبي هاشم يرى أنّ كلامه تعالى مخلوق في محلّ لكونه عرضاً، وغيرهما كالعلاف يرى أنّ بعضه في محلّ وهو قوله تعالى (كن)، وبعضه لا في محلّ كالأمر والنهي والخبر والاستخبار. وهذا هو مذهب المعتزلة في الكلام أيها الجاهل، وستتبيّنه أكثر وترى ما فيه من إشكالات ومفاسد حين نعرض تالياً مذهب أهل السنّة والجماعة في مقابله.

    وقد احتجّ نذير الخائب لإثبات أنّ القرآن أي كلام الله تعالى مخلوق، بقوله تعالى: [ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون] صدق الله العظيم.

    والجواب عن ذلك أنّ الذكر أعمّ من أن يكون هو القرآن الكريم، فيجوز حمله على التذاكير والمواعظ الواردة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلّم من غير القرآن الكريم. ويجوز أن يكون الذكر ههنا بمعنى الرّسول المبلّغ، كقوله تعالى في سورة الطلاق: (ذكراً. رسولاً). ويحتمل أن يكون المعنى المراد منه الذكر الحادث المركّب من الحروف والأصوات الدالّة على متعلّقات الكلام القديم، دون نفس الصفّة التي يتّصف به الربّ سبحانه وتعالى. وقد علم أنّ مذهب أهل السنّة إطلاق القرآن الكريم على الألفاظ الحادثة، وعلى الصّفة القديمة بالاشتراك. ويحتمل أن يكون المعنيّ بالحدثان معرفتهم به وإطلاعهم عليه وليس هو نفسه. وهذه الوجوه كلها نجدها في أقوال المفسّرين من أكابر العلماء، وأهل اللغة.

    وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدلّ على أنّ القرآن حادث كقوله تعالى: (جعلناه قرآناً عربياً)، و(أنزلناه)... ونحو ذلك. والجواب عنه الاتفاق على التفريق بين القراءة والمقروء، والكتابة والمكتوب، ولم يخالف في ذلك أحد من المعتزلة إلا النجاريّة، والردّ عليهم في ذلك وعلى الحشويّة الذين منعوا المغايرة أيضاً سهل بأدلّة قريبة لا تخفى على المطلع.

    فالجواب عن الاحتجاج بهذه الآيات الكريمات هو أنّ المقصود هو القرآن بمعنى القراءة لا المقروء. ومنه حديث البخاريّ ومسلم: (إذنه لنبيّ حسن الترنّم بالقرآن) أي القراءة بالاتفاق. وقول حسّان في رثاء عثمان رضي الله عنهما: (يقطّع الليل تسبيحاً وقرآنا) أي قراءة. والأمّة مجمعة على أنّ المؤلّف من الحروف والأصوات إنما هو القرآن بمعنى القراءة لا المقروء، وإليه الإشارة بقوله (إنّ علينا جمعه وقرآنه).

    فصل [في تحقيق مذهب أهل السنّة في مسألة الكلام]

    الكلام عند المعتزلة حقيقة في اللسانيّ مجاز في غيره. وعند أهل السنّة أنّه إما أن يكون حقيقة في النفسانيّ أو مسترك فيهما. والكلام الذي هو اللسانيّ عند أهل السنّة فعل مخصوص بفعل الحيّ القادر على أن يبين به لغيره ما في ضميره من الاعتقادات والإرادات إلى غير ذلك. وأما الكلام الذي يصدر عنه الكلام اللسانيّ والإشارات التعبيريّة التي نراها في الأخرس والطفل ومن لا يحسن لغتك من الأعاجم فهو صفة قائمة في نفسه، صفة حقيقيّة كالعلم والإرادة. وكما يقال للعلم صفة انكشاف، وللقدرة صفة تأثير، والإرادة صفة تخصيص، يقال في الكلام إنه صفة بيان.

    فالكلام بالمعنى الأخير مفهوم ينافي الخرس والعجمة، وليس المقصود بالخرس ههنا خرس اللسان لأنّ الأخرس في نفسه كلام، أي أنّه مبين، ويحاول التعبير عنه بغير اللفظ إذ لا يحسنه. بل المقصود العجمة المنافية للملكة النفسانية المخصوصة التي بها يكون البيان عن مكنوناتها من العلم والإرادة والاعتقاد، وغير ذلك. وعند النظر إلى الكلام بهذا المعنى لا يبعد أن تصوّر أن يكون الكلام صفة كمال محض. والله تعالى أعلم.

    والكلام بالمعنى السابق، صفة للنفس مغايرة للعلم لأنّ المتكلّم في الشاهد قد يتكلّم بخلاف ما يعلم، ويسمى ذلك منه كلاماً، وهو أيضاً مغاير للإرادة لأنّ المتكلّم قد يتكلّم بما يخالف إرادته ويسمّى ذلك منه كلاماً.

    واعلم أنّ ما يوجد في في كتب أهل السنّة من التمثيل للكلام النفسيّ بالشاهد ليس المقصود منه أبداً أنّ كلام الله تبارك وتعالى وتقدّس مثل كلامنا النفسيّ، حاشاه سبحانه وتعالى أن يشبه شيئاً من مخلوقاته، أو يشبهه شيء ممن خلق في ذاته أو صفاته أو أفعاله، ولكنّهم يأتون به ردّاً على المعتزلة والحنابلة الذين حصروا الكلام في الحروف والأصوات. فكأنّهم قالوا لهم: ينتقض حصركم للكلام في اللفظيّ بكلامنا النفسيّ، فإنّها كلام على الحقيقة، وهو ليس بحرف ولا صوت، فلم تمنعون أن يكون كلامه تعالى ليس بحرف ولا صوت، كما أنّ لنا كلاماً ليس بحرف ولا صوت. وهذا لا يقتضي أيّ تشبيه لله تعالى بخلقه، لأنّ الاشتراك في الأوصاف السلبيّة لا يضرّ، وأمّا حقيقة كلام الله تعالى فلا يعلمها إلا هو سبحانه، فإنه كباقي صفاته العليّة من حيث إنّها لا تدرك على الحقيقة، وهي بلا ريب ولا شكّ مباينة لحقيقة كلامنا، إذ أنّه سبحانه وتعالى: (ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير).

    واستدلّ أهل السنّة على تسمية ما في النفس كلاماً لمنع الحصر بقوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم)، وأمثال ذلك من أقوال أهل اللغة كقولهم (زوّرت في نفسي مقالة)، و(في نفسي كلام). وقول الأخطل كما جاء في ديوانه:

    [poet font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/7.gif" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    إن الكلام لفي الفؤاد وإنما=جعل اللسان على الفؤاد دليلا
    [/poet]
    والحقّ أنّ نفي جواز تسمية ما في النفس من المعاني التي يعبّر عنها بالإشارة والعبارة كلاماً مجرّد مكابرة ينبغي أن يترفّع عنها العقلاء. وبهذا القدر ظهر قول أهل السنذة على قول المعتزلة وغيرهم ممن حصر الكلام في اللفظيّ. وإنّما المانع من قدم الكلام كونه لفظياً، وأما كونه صفة للنفس فليس يمنع منه برهان عقليّ. فإنّ الحرف والصوت لاتصافهما بصفات الحوادث امتنع كونها قديمة، وأما الكلام من حيث هو صفة بيان للنفس فلا يمنع العقل قدمه لذاته. وإنّما منع المعتزلة صفة قديمة لله تعالى لأمر آخر وهو أنّ ذلك عندهم إثبات لأكثر من قديم. والجواب عنه أنّ أهل السنّة لا يثبتون قدماء غير الله تعالى في الوجود الخارجي. ولو قالوا إنّ صفات الله تعالى غير ذاته في الوجود الخارجيّ لصحّ اعتراضهم وإلزامهم لنا، ولكنّهم يقولون إنّ صفات صفات الله تعالى ليست غير الله تعالى في الوجود الخارجيّ، ولا هي عينه في المفهوم الذهنيّ، لأنّ المعقول من العالم مثلاً هو ذات متّصفة يقدر زائد على نفس الذات وهو العلم. بخلاف الموجود فإنّ المعقول منه هو عين الذات دون معنى زائد عليها كما صرّحوا به. وأهل السنّة يشرحون كلامهم مبيّنين أنه لا قديم في الوجود إلا الله تعالى الموصوف بالصفات. وهذه الصفات العليّة قديمة قدم ذاته العليّ سبحانه، لا قيام لها بالاستقلال عن ذاته الأقدس. ويشرحون القيام بقولهم كقيام الصّفة بالموصوف. فلو أنصف المخالف لما شنّع عليهم إثبات ذات قديم موصوف بصفات المعاني. ولم يتّهمهم بالقول بتعدد القدماء، ولا بالسخافات والكلام التافه الذي يردده السقاف بلا حياء ولا خجل ولا ورع من الله عزّ وجلّ، بأنّهم يقولون بأنّ الصفات أبعاض للذات وقطع غيار للذات، نسأل الله تعالى العفو والسلامة في العقل والدين.

    وخلاصة المسألة قياسان:
    الأوّل: الشاهد يدلّ على أنّ كلام الله تعالى مركّب من حروف وأجزاء مترتبة في الوجود، وكلّ ما كان كذلك فهو حادث، فكلام الله تعالى حادث.
    والثاني: كلام الله تعالى صفته، وكلّ صفة له فهو قديم لأنّ القديم محال اتصافه بالحادث، فكلام الله تعالى قديم.

    فافترق المسلمون أربع فرق:
    المعتزلة والكراميّة قالوا بالقياس الأوّل، ونفوا القياس الثاني إلا أنّ المعتزلة قدحوا في صغراه أي منعوا كون الكلام صفة، والكراميّة قدحوا في كبراه حيث أجازوا اتصافه بالحوادث.

    والأشاعرة والحنابلة قالوا بالقياس الثاني وأبطلوا الأوّل، إلا أنّ الحنابلة قدحوا في كبرى القياس الأوّل أي منعوا أن ما كان مترتّباً في الوجود فهو مخلوق بالضرورة وسموه حادثاً، وفرّقوا بين المخلوق والحادث، والأشاعرة قدحوا في صغراه فمنعوا كون كلام الله تعالى الذي هو صفته مركباً من حروف وأصوات.

    والإنصاف يقتضي منا بحث المسألة على نحو ما بحثها الإمام الرازيّ رجمه الله تعالى في كتاب الأربعين، ومن تبعه من العلماء والأئمة المتأخرين، بأن يقال:

    معلوم قطعاً أنّ الله تعالى أرسل رسلاً يخبرون عنه أخباراً ويبلغون أوامره ونواهيه. من ذلك نهم ثلاثة أمور:
    الأول: معان معيّنة هي مدلولات العبارات ومتعلقات الصفة
    الثاني: عبارات دالّة على تلك المعاني
    الثالث: صفة وراء ذلك متعلّقة بتلك المعاني والمدلولات، بها صار البيان عن تلك المعاني بهذه العبارات.

    ولا شكّ في قدم الصفّة التي وراء العبارة والمعنى. كما لا شكّ في قدم معلوميّة تلك المعاني والعبارات بالنسبة لله تعالى. وحين نقول كلام الله تعالى فإن قصدنا به الصفة التي هي منشأ البيان فإنه يجب أن نقول عندها بأنّ كلام الله تعالى قديم غير حادث ولا مخلوق. وإذا قصدنا بكلامه تعالى معاني العبارات ومدلولاتها فإنّها باعتبار معلوميّة الله تعالى لها قطعاً قديمة، ولكنّ علمنا واطلاعنا على تلك المعاني حادث مخلوق.
    وإذا قصدنا بالكلام نفس العبارات فلا شكّ في أنّها حادثة، ومدلولاتها من حيث علم الله تعالى بها قديمة، ومن حيث علمنا بها حادثة. كما أنّ نفس المدلولات بعضها حادث وبعضها قديم.

    وأمّا كنه هذه الصّفة وكذا سائر صفاته تعالى، فمحجوب عن العقل ككنه ذاته تعالى، وليس لأحد الخوض في الكنه بعد معرفة ما يجب لذاته تعالى وصفاته.

    هذه حقيقة مذهب أهل السنّة في مسألة الكلام، والمنصف يرى فيه تفصيلاً يرفع الخلاف، وبياناً يتّفق مع العقل بلا إشكال. وأمّا من خلا قلبه عن الإنصاف، ولم يتّق الله تعالى في أفعاله وأقواله فله أن يشنّع عليهم ويقوّل الناس ما لم يقولوا، ويتمسّك بالألفاظ ويتمحّل ويدلّس ويكذب كما يشاء متغرّضاً بأغراض الدنيا. فهذا الجاهل ظالم لنفسه وللآخرين، والله تعالى حسيبه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    خاتمة مسألة الكلام

    وأخيراً أنقل فيما يلي كلام العلامة عضد الدين الإيجي الذي لمزه نذير وحسن وشنّعا على مذهبه في مسألة الكلام، وتارة ذكره ليقول إنّ إجماع أهل السنّة ينتقض بقوله، وهو والله لا يعرف حقيقة قوله ولا دقّة أبحاثه، ولا مبلغ تحقيقه، ولو قرأ له كتاباً واحداً وفهمه ما تجرّأ على النيل منه. وسيعلم القارئ لهذا الكلام حقيقة قول أهل السنّة في مسألة الكلام، وقدر إنصافهم لخصومهم المعتزلة عند بحث المسألة. كما سيعرف أنّ احتجاج نذير والسقاف بما يدلّ على أنّ القرآن الكريم مخلوق احتجاج ساقط لا يفيدهم لا ينفعهم معنا، ولو كانا ممن حقّق بحث المسألة لما أورداه فرحين به واثقين من قوّته، لما أنّه كما سيبين العضد نصب للدليل في غير محلّ النـزاع.

    قال الإمام العضد في المواقف: [المقصد السابع: في أنّه تعالى متكّلم. والدليل عليه إجماع الأنبياء عليهم السلام. تواتر أنّهم كانوا يثبتون له الكلام. فإن قيل: صدق الرّسول موقوف على تصديق الله إياه، وإنه إخباره عن كونه صادقاً، وهو كلام خالص له تعالى، فإثبات الكلام به دور.

    قلنا: لا نسلّم أنّ تصديقه له كلام، بل هو إظهار للمعجزة على وفق دعواه، فإنّه يدلّ على صدقه ثبت الكلام أم لم يثبت.
    ثمّ قال الحنابلة كلامه حرف وصوت يقومان بذاته، وإنه قديم. وقد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً الجلد والغلاف قديمان. وهذا باطل بالضرورة. فإنّ حصول كلّ حرف مشروط بانقضاء الآخر، فيكون له أوّل، فلا يكون قديماً. فكذا المجموع المركّب منها.

    وقالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره، كاللوح المحفوظ، أو جبريل أو النبيّ، وهو حادث. وهذا لا ننكره. لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنّفس، ونزعم أنّه غير العبارات، إذ قد يخبر الرّجل عما لا يعلمه، بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، وغير الإرادة لأنه قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا. وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه، فإنه قد يأمره وهو يريد أن لا يفعل المأمور به. فإذاً هو صفة ثالثة قائمة بالنفس.

    ثمّ نزعم أنّه قديم. لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى. ولو قالت المعتزلة إنه هو إرادة فعل يصير سبباً لاعتقاد المخاطب علم المتكلّم بما أخبر به، أو إرادته لما أمر به لم يكن بعيداً. لكنّي لم أجده في كلامهم.
    إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف، وكونها حادثة قائمة (بغيره)، فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله من كلام النّفس فهم ينكرون ثبوته، ولو سلّموه لم ينفوا قدمه.

    فصار محلّ النـزاع نفي المعنى وإثباته. فإذاً الأدلّة الدالّة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأمّا بالنسبة إلينا فيكون نصباً للدليل في غير محلّ النـزاع. وأمّا ما دلّ على حدوث القرآن مطلقاً، فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ لا يكون لهم فيه حجّة علينا، ولا يجدي عليهم إلا أن يبرهنوا على عدم المعنى الزائد على العلم والإرادة] اهـ كلام العلاّمة العضد رحمه الله تعالى عليه. وفيه من التحقيق والإنصاف ما لا يخفى على أحد. ولنوقف الكلام في مسألة الكلام، ولعلّ بحثها بأكثر من ذلك يكون في مكان آخر، مع قوم أكثر تحصيلاً وفهماً من هذين الغافلين. والله سبحانه وتعالى الموفّق.
    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]

    في تقسم التوحيد

    قال الشيخ سعيد ص107 من كتابه: [التوحيد على أقسام منها: توحيد الألوهيّة، وتوحيد الأفعال، وتوحيد الصفات، وتوحيد الذات. وتوحيد الألوهيّة مرجعه إلى أنّ الله تعالى هو الإله وحده، أي هو المتفرّد بوصف الألوهيّة الذي يرجع كلّ ممكن لاحتياجه إليه، وتوحيد الأفعال مرجعه إلى أنّ الله هو الفاعل وحده، وتوحيد الصفات مرجعه إلى أنّ الله هو الحيّ وحده، وتوحيد الذات مرجعه إلى أنّ الله هو الموجود وحده على الحقيّة] اهـ

    فالتقط هذا الغبيّ كلمة أقسام التوحيد ثمّ بدأ كلامه كعادته، ينسج خيالاته وأوهامه، ويشنّع ويتبجّح بكلام تافه لا قيمة له في هذا المحلّ. وخلاصة ما قاله أنّ تقسيم التوحيد ههنا يشبه مراد ابن تيميّة ليفسّق أو يبدّع مخالفيه. وقال إنّ هذا التقسيم بدعة حشويّة مذمومة اغترّ بها سعيد يعني تقسيمهم التوحيد إلى توحيد ربوبيّة ونوحيد ألوهيّة وتوحيد أسماء وصفات. وقال إنه لم يكتف بهذه الثلاثة فحذف منها قسماً وأضاف اثنين، وهكذا استمرّ في تخريفاته وهو لا يفهم شيئاً من كلام الشيخ.

    فليعلم هذا الغرّ أنّ الشيخ سعيداً ألّف في التقسيم المذكور الذي يقول به الحشويّة قبل أن تطلع أضراسه، وبيّن أنه تقسيم خاطئ لأنه ليس من باب تقسيم الكلّ إلى أجزائه ولا الكليّ إلى جزئيّاته، وخطأ قولهم بأنّ المشركين كانوا موحدين توحيد ربوبيّة وغير موحدين لتوحيد الألوهيّة، وبطلان قولهم بأنّ معنى الإله هو المعبود، وأنّ التوحيد هو العبادة، واستدلّ لبطلان كلامهم شرعاً بآيات عديدة، فانظر إن شئت شرحه المختصر والمطوّل على الطحاويّة.

    والجواب عن كلام هذا الأبله، أنّ الشيخ في كلامه الذي نقلناه لم يقل هذا بيان قسمة التوحيد ثمّ ذكر تلك الأقسام أي لم يورد تلك الأقسام في معرض التقسيم. ولم يقل إنه بهذا الكلام يقسّم التوحيد إلى قسمة حاصرة تامّة تدور على النفي والإثبات، لا يخرج من أقسامه بتلك القسمة شيء، ولا يدخل قسم منها تحت قسم آخر. وإنّما قال [إن للتوحيد أقساماً] ثمّ قال: [منها] أي من مجموع تلك الأقسام: توحيد الألوهيّة، والأفعال، والصفات والذات. أي أنّه يمكننا تقسيم التوحيد تقسيمات عديدة بحسب جهات نظر معيّنة ليتحصّل عندنا بكلّ قسمة أقسام؛ من ذلك مثلاً ما ذكر. هذا كلّ ما في الأمر، وليس فيما ذكره ما يدلّ على أنّ هذا المذكور تقسيم واحد وليس عدّة تقسيمات، ولا أنّ هذه الأقسام التي ذكرت واقعة تحت مقسم واحد، ولا أنّ جهة القسمة فيها واحدة، ولا رأينا الشيخ سعيداً عمد إلى تلك القسمة لغرض تفسيق وتبديع الناس إلخ ما قال، حتّى يعترض عليه بهذا الكلام الممجوج الذي يظهر حمقه وتسرّعه في أحكامه وردود أفعاله. فهذا بيان هذا الموضع من كلام الشيخ لهذين الرجلين العجيبين. والله الموفّق.

    [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  10. [ALIGN=JUSTIFY]هذا الرجل ما عاد من أهل السنة والجماعة، وحقيقته باتت ظاهرة لكل أحد نسأل الله العافية والسلامة والثبات، وجزاكم الله خيرا على هذا الجهد.[/ALIGN]
    لا إله إلا الله محمد رسول الله

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    [فصل فيما يتعلّق بالإجماع]

    في هذا الفصل ذكر نذير أنّ الشيخ سعيداً يحتجّ في كتابه شرح السنوسيّة على بعض المسائل بإجماع أهل السنّة، من ذلك قوله: [وأجمع أهلّ السنّة على أنّ الله تعالى متكلّم بكلام قديم]. وقوله: [وقد أجمع أهل السنّة على أنّ الله تعالى عالم بعلم]. وتارة بالإجماع مطلقاً لقوله: [وأجمعت الأمّة أنه عالم بعلم] إلخ. ثمّ نقل نذير عن الإمام الغزاليّ والإمام الرازي وعبد القاهر البغداديّ ما حاصله أنّ رأي المخالف وإن كان فاسقاً مبتدعاً فإنه يعتبر في مسائل الاعتقاد وعلم الكلام، ولا ينعقد إجماع الأمّة بخلافهم. وحاصل ما طبّل له نذير والسقاف وزمرا هو كيف يدعي الشيخ سعيد الإجماع في هذه المسائل ويهمل قول الفرق الإسلاميّة الأخرى، فإجماع أهل السنّة وحدهم ليس إجماعاً معتبراً فلا يكون حجّة في هذا الباب.

    والجواب عنه أنّكما لا تحسنان الفهم. ولا تلاحظان خصوصيّة مقام التأليف، ولا قراءة الكلام وفهم سياقاته. ولا تمييز من قال ممن شرح ممن حشّى، ولا وجه قول كلّ بما يقول. فالله المستعان.

    فكتاب تهذيب شرح السنوسيّة هو شرح لمتن السنوسيّ الذي هو مذهب إمام أهل السنّة الشيخ الأشعريّ. فالمؤلفون جميعاً كتبوا العقايد على طريقة أهل السنّة والجماعة السادة الأشعريّة، فحين يذكر إجماع في هذا الباب فهذا لغرض بيان أنه لا اختلاف في المسألة بين علمائهم. فمن كان على مذهب أهل السنّة والجماعة، ومن أراد أن يتعرّف مقالاتهم ويتعلّم عقايدهم، فليعلم أنه لم يخالف أحد منهم في ذلك، أو بأدقّ أنّه قد استقرّ رأي علمائهم على هذه المقالة حتى صار إجماعاً. فلا يجوز لمن تابعهم أن يخرج عن معتقدهم ما دام مقلداً لمذهبهم ومنتسباً إليهم. هكذا هي المسألة.

    فمذهب أهل السنّة كذا وكذا في مسألة كذا بلا خلاف بين علمائهم فيها، أو أنه استقرّ الرأي فيها على القول الفلانيّ وانقطع الخلاف بينهم. فمن أراد قولهم فهذا هو ظاهر متميّز عن قول غيرهم، ومن أراد قول غيرهم من الفرق فلينظره في كتبهم ومصادرهم. وليعلم أنّ من قال بخلاف قولهم أنه ليس على مذهبهم في تلك المسألة إن كانت فرعاً، أو أنه ليس على مذهبهم البتّة إن كانت أصلاً.

    وأمثال هذه العبارات في الكتب كثير، كقولهم: [أجمعت المعتزلة على كذا وكذا]، ولا يقصد بذكر الإجماع هنا الإجماع الذي هو الدليل الكاشف عن القول القاطع الحقّ في المسألة، أي الذي يساوي النصّ في قوته ويقابل الكتاب والسنّة والقياس في التقسيم. علينا أن نلاحظ أنه ليس كلّما ورد الإجماع في محلّ فإنه يقصد به ذاك الذي يرفع الخلاف ويحرّمه كما فهم نذير ذلك في كلّ موضع فسارع إلى التشنيع. فقد يقصد إجماع الأمّة بجميع فرقها، وقد يقصد إجماع أهل السنّة، أو هم وغيرهم معهم، أو غيرهم من دونهم. فالأمر سهل. ولا يخفى ما لذكر أمثال هذه الإجماعات من فوائد كالتنبيه على ارتفاع الخلاف عند فرقة معيّنة أو عند أكثر من فرقة أو عند الجميع.

    كما أنّ المسائل المبحوثة ظاهر قول أهل السنّة فيها في مقابل الآراء الأخرى، ولا يجهل واحد كالشيخ سعيد المتبحر في أقوال المتكلّمين أنّ المعتزلة مثلاً ينفون الصفات المعنويّة، فيميّز المطّلع مقصوده من الإجماع من سياق العبارة، ومعرفته بقدر الرجل. ولكنّ الساخط المتصيّد يريد أن يظفر بأيّ كلمة لكي يبني عليها أبراجاً في خياله. إن الشيخ سعيداً لا يدّعي العصمة لنفسه، ولا يدّعيها له أصحابه، ولا يحمل الناس على قوله قسراً، ولو كان من استشكل كلامه في هذا الباب ناصحاً، لكتب ورقة أرسلها إليه ينبهه أنّه ذكر الإجماع في موضع أوهم أو دلّ على أنّه لا خلاف في المسألة بين علماء المسلمين، وينصح له بأن يحرّر ذلك الموضع. أو أنّه يتوهّم أنه استدلّ بالإجماع في موضع لا يصلح الاستدلال بالإجماع عليه كوجود الله تعالى وهي أهمّ المسائل التي تناولها نذير. فالأمر والله سهل لمن أراد التساهل والنصح، ولكنه في غاية الصعوبة على قلبيكما أيها الحاسدان.

    ففي هذا الموضع قال الشيخ سعيد: [والدليل على وجود الله من الكتاب قوله تعالى (خالق كل شيء)الزمر:62. ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله صانع كل صانع وصنعته". وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى موجود. وأما برهان العقل فسيأتي] اهـ
    فالاحتجاج بالإجماع لا يجوز لإثبات وجود الله تعالى كما هو معلوم، وكذلك بالكتاب والسنّة الشريفين، فلم اعترضتما على استدلاله بالإجماع ولم تنبّها على خطئه في الاستدلال بالكتاب والسنّة!!

    هذه العبارة أيها القرّاء الكرام هي عبارة الإمام السنوسيّ، وشراح الكتاب، وليست من مخترعات الشيخ سعيد كما يوهم الرجلان. لذلك تجدونها مثبة في صلب الكتاب. ولم يقصد الشيخ سعيد ولا أي من العلماء الذين شاركوا الماتن في العبارة أو شرحوها أنّ الدليل والعمدة في الاستدلال في هذا الباب هو الكتاب أو السنّة أو الإجماع. بل ذكر ذلك هو من باب آخر. فالقرآن والسنّة لو نظر إلى الاحتجاج بهما ههنا من جهة القائل بقيد كونه إلهاً أو رسولاً فحسب وابتداء قبل ثبوت ذلك عند المخاطب لم يفد الاستدلال، لذلك جيء بما يتضمّن زيادة على ذلك مما ينفع الاحتجاج به ههنا. فتضمّنت الآية الكريمة والحديث الشريف قدراً آخر وراء ذلك، وهو التنبيه على دليل الحدوث. فالمعنى أنّ ثمّة خالقاً لهذا العالم لأنّ كلّ ما فيه محتاج ناقص مخلوق، فلا بدّ له من خالق، والله خالقه وهو المدّعى. فحسن ذكر ذلك من هذه الجهة. وكذلك الإجماع فلو نظر للاستدلال به من حيث إنّه إجماع أمة المسلمين الكاشف عن الحقّ في نفس الأمر في مقام الاحتجاج على من ينكر وجود الله تعالى وبعثه الرّسل لم يفد الاستدلال عليه به، ولكنه أولاً وبالذات استدلال لمسلّم ذلك طالب تعلم الاعتقاد، فلهذا الإجماع وزنه عنده. وثانياً وبالعرض أنه ينتصب حجّة إقناعيّة على المنكر بأنّ علماء أمّة الإسلام وهم من هم بين العقلاء من حيث رجاحة عقولهم وسعة علومهم لم يخالف منهم أحد في ذلك، ويشبه أن يكون احتجاجاً بسيرة العقلاء. كما ذكر بعض العلماء مثلاً في هذا المقام أنّ العقلاء مطبقون على وجود صانع لهذا العالم إلا من شذّ من السفطائيّة. وثالثاً يقع جميع ما ذكر في مقام تكثير الأدلّة لتهدئة النفس وإقناعها وطمأنتها وهو سائغ كثير. وأخيراً أنّه لم يعترض على هذا الأمر من السنوسيّ أحد من العلماء والشراح مع قرب المعنى الذي يتكلّم فيه نذير والسقاف واشتهاره وبخاصّة بين أهل البحث والنظر، وما ذلك إلا لأنّ العلامة السنوسيّ لم يحتجّ بذلك ويقف، بل ذكر أنّ البرهان العقليّ يأتي، ولو اكتفى بذلك دليلاً لكان للاعتراض وجهه. ولكنّ طريقته في الكتاب أنّه يقدّم الدليل الشرعيّ على العقليّ. فمن أراد الاكتفاء بالأول إذ حصل له به القناعة واطمئنان النفس فنعمّى ذلك، ومن كان له عقل وثّاب متحّد غير قانع بالخطابيّات والعموميّات، وطلب التحقيق والتفصيل، فالبرهان العقليّ سيلجمه والشروح والحواشي ستشفي غليله. شفى الله غليلكما يا نذير وحسن من غير أن يوقع بأحد مضرّة، ولا فتنة مذلّة. اللهمّ آمين. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    فصل في بعض أخطائه عند الكلام عن العقليّات

    هذه هي الترجمة التي ترجم بها حسن ونذير، ولقد قدّمت هذا البحث على بعض مسائل أخرى منها مباحث شرعيّة كمسألة الرؤية ومسألة الصراط ومسألة المؤمن والفاسق ومفهوم الفرقة الناجيّة ودونها أخرى كلام تافه لا قيمة له مما يصلح أن يدرج في كتاب الحسد باب التهويل لإشفاء الغليل. وأفعل ذلك لأنتهي من بحث العقليّات التي تعرّض له من لا عقل له، وسآتي إن شاء الله تعالى ببقيّة كلامه المبعثر حتّى نختم هذه المباحث، ثمّ نتناول المسائل الشرعيّة المتروكة بالترتيب ببحث يشفي الصدور إن شاء الله تعالى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ونختم بخاتمة نعلّق فيها على جملة الكتاب والكتّاب بما يقتضيه المقام إن شاء الله تعالى في حينه.

    فلنعد لموضوعنا أيها السادة. لقد ذكر هذان عدة مسائل تحت ترجمتهما التي بأعلاه:

    الأولى: [قال الشيخ سعيد ص74 من التهذيب: (ملاحظة: صيرورة الشيئين شيئاً واحداً مستحيل مطلقاً في القديم والحادث. وبرهانه أنّ الشيئين إذا اتحدا، فإن بقيا موجودين على حالهما فلا اتحاد لأنهما اثنان، وإن عدما معاً كان الموجود غيرهما فلم يتّحدا، وإن عدم أحدهما دون الآخر امتنع الاتحاد لأنّ المعدوم ليس عين الموجود] اهـ كلام الشيخ سعيد.

    فاعترض صاحبا الفذاذة نذير وحسن قائلين: [وكلّي عجب من شخص كسعيد درس الكيمياء في مدرسته وجامعته، ويصرّ بعد ذلك على قاعدة هزيلة لأنّ بعض المتكلّمين قالها في وقت كانت العلوم متأخرة، ومثله كمثل مصرّ على سكون الأرض بما نقله البغدادي وادّعى في الإجماع، ومن وصل به المقام إلى هذا الحدّ علمنا رضاه بأن يفهم بعقل غيره، ويفكّر بحدود نصوص الحواشي وحسب. وهذا الكلام ليس شرعياً ومن قال إنه عقليّ فقد خبط وعاش في الخيال، بل من الصواب أن يرجع المنصف إلى الكيميائيين، وليسألهم فقط عن تعريف (المركّب) ليجيبوه على الفور بأنّه اتحاد عنصرين. وحتّى أقرّب الأمر سأضرب مثلاً على الاتحاد: فعنصر الأكسجين وعنصر الهيدروجين شيئان مختلفان، إن اتحدا نتج الماء الذي يحمل خصائص أخرى متباينة عن كلّ منهما، ولا يبقيان على حالهما. وفي نفس الوقت، ما عدما. وإن شئنا وباستخدام التحليل الكهربائيّ، استرجعنا الأكسجين والهيدروجين] اهـ تحقيقهما الباهر!!

    ثمّ قالا في الحاشية رقم 111 في نفس الصفحة: [ونحن لا نلوم الأولين في مقالاتهم من هذا القبيل، لأنّها كانت في حدود معارفهم، أمّا إصرار أهل هذا العصر على أشياء كهذه فمما لا يرضاه ولا يقبله العقلاء، مع الإشارة إلى وجوب نهضة الجادّين المخلصين لنقد كثير من الأفكار المودعة في كتب المنطق التي ظنّ قائلوها بأنّها الصواب الناتج عن دليل عقليّ لا يختلف فيه اثنان، والواقع خلافه بما أتيح لنا اليوم من آليّات المعرفة وسهولة البحث والاطلاع] اهـ تبجّحهما العجيب

    ثمّ قالا في الحاشية 112: [وهؤلاء يضحكون علينا غيرنا أو يضحكون الناس على الإسلام] اهـ تماديهما في التبجّح والنصح بلا فهم ولا نظر.

    فأقول: حرصت على أن أنقل ههنا قدراً جيّداً من كلامهما لأقدّم للقارئ مثالاً على الجاهل حين يتبجّح معجباً بنفسه مغتراً بجهله، ولا يملك من يعلم حين يرى جاهلاً يتكلّم في المسائل إلا أن يتعجّب من جهله، فيضحك عليه. إنّ من يقول مثل هذا الكلام لهو حقاً جاهل بمسألة الاتحاد، ولا يفقه من برهان استحالته شيئاً. وجاهل بالكيمياء التي يستشهد بها، ولكي تتبيّنوا ذلك تابعوني قليلاً فيما يلي.

    دعنا نفهم هذا الفدم أولاً معنى الاتحاد الذي يستدلّ الشيخ في الفقرة المنقولة عنه لامتناعه عقلاً، لنبيّن أين وقع الخطأ لهذا الجاهل ومنشأ ذلك الغلط.

    قال العلامة أبو البقاء: [الاتحاد: هو يطلق بطريق المجاز على صيرورة شيء شيئاً آخر بطريق الاستحالة. أعني التغيير والانتقال دفعياً كان أو تدريجياً. كما يقال: (صار الماء هواء، والأسود أبيض).
    ويطلق أيضاً بطريق المجاز على صيرورة شيء شيئاً آخر بطريق التركيب، وهو أن ينضمّ شيء إلى شيء ثانٍ فيحصل منهما شيء ثالث، كما يقال: (صار التراب طيناً، والخشب سريراً). ولا شك في وقوع الاتحاد بهذين المعنيين.
    وأما ما هو المتبادر منه عند الإطلاق، وهو المفهوم الحقيقيّ له، وهو أن يصير شيء ما بعينه شيئاً آخر من غير أن يزول عنه شيء أو ينضمّ إليه شيء، فهذا المعنى باطل بالضرورة] اهـ من أبي البقاء الكفوي- الكليّات.

    والذي حصل لهذا الجاهل أنه لقلّة تحصيله وعدم اطلاعه وضعف ذهنه واغتراره بنفسه، توهّم أنّ العلماء كانوا غافلين عن هذه المعاني في تلك العصور المظلمة كما يلوّح ويصرّح وصار نفي كلامهم اليوم متيسّر على الفور لأيّ كيميائيّ في هذا العصر! وتوهّم أنّ معنى الاتحاد الذي يتكلّم عنه الشيخ سعيد هو الذي بالمعنى الثاني الذي ذكره أبو البقاء، لذلك مثل له بالاتحاد الكيميائيّ الحاصل بين الأكسجين والهيدروجين. فحكم عليه بالجواز وبالغ في ذمّ القائلين بامتناعه. مع أنّ القائلين باستحالة الاتحاد هم جميع فرق المسلمين بلا استثناء، فهو إجماع تامّ من جميع المذاهب!!!

    ومنشأ غلط هذا الفدم كما يقول المناطقة هو الحكم على الشيء قبل تصوّره. فالسبب في خطئه في الحكم هو جهله بمفهوم الاتحاد الذي ينفيه المتكلمون، ولو أنه تصوّره جيّداً وفهم كلامهم لما حكم ببطلان قول أمّة الإسلام جميعاً. ولو فكّر بعقله المسلوب لعرف أنّ النصارى يقولون بالاتحاد، وأنّ جميع المسلمين يذكرون ذلك عنهم وينفونه ويقولون ببطلانه بالضرورة. ولا أعرف نصرانياً إلا أن يكون أجهل من نذير في هذه المسألة يصف قولهم باتحاد الأقانيم كما يحصل الاتحاد بين الأكسجين والهيدروجين، أي بالمعنى الكيميائيّ للاتحاد.

    ويبدو لي يا أخ نذير أن دراستك المتعمّقة للكيمياء لم تفدك في ملاحظة أنّ اللفظ الواحد يجوز أن يصطلح عليه بمعنى ما في علم من العلوم، ويصطلح عليه بمعنى آخر في علم آخر. ومن العار فعلاً أن تتوهّم أنّ المتكلّمين نفوا الاتحاد بالمعنى الكيميائي وبين ظهرانيهم أئمة الكيمياء في ذلك العصر، ومن العار أيضاً عليك وأنت المحقق الباحث النحرير أن تتوهّم أنّ المسلمين ينفون الاتحاد الذي تقول به النصارى والذي وضعت هذه العبارة في كتب عقائدهم لتأكيده والنصّ على استحالته وتحذير الناس من القول به في متونهم، وهم يظنون أنه الاتحاد بالمعنى الكيميائي! هذا والله كثير!

    أفهذا هو النشاط لمراجعة الأقوال والتحقيق والتدقيق الذي تعيب على الشيخ سعيد أنه لا يحرص عليه. أين كلّ كلامك ونصحك ومطالبتك للشيخ سعيد بأن لا تأخذه الحماسة فيغفل عن التحقيق والتدقيق، والحال أنه لذلك ملتزم وأنت منه حافٍ، وعنه عار! عار عليك فعلاً عظيم![/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار ; 10-12-2005 الساعة 16:03
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    [ALIGN=JUSTIFY]
    المسألة الثانية: قال الشيخ سعيد: [يجوز في حق الله تعالى إيجاد كل ممكن أو تركه، ففعل كل فرد من أفراد الممكن وتركه جائز، ولا يجوز فعل الممكنات جميعاً دفعة واحدة، لأن الممكنات لا نهاية لها فكل ما قدر العقل جوازه فهو ممكن وفعله دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له وهذا محال] اهـ كلام الشيخ سعيد

    فقال العلاّمتان نذير وحسن: [أما قوله (الممكنات لا نهاية لها) إن أراد بذلك كثرتها التي يصعب حصرها فحقّ –وعلق عليه في الحاشية: وينهدم بذلك أصل كلامه- وإلا فباطل، لأنّ كلّ فرد من هذه الممكنات محدود، فمجموعها محدود. وذلك كما أثبت سعيد أوليّة المجموع بأولية الفرد في ص100 في الحاشية: [فالحكم العقليّ القطعيّ ينصّ على أنّ كلّ واحد منها له أوّل، وبالتالي فيجب أن يكون لجميعها أوّل] اهـ
    وقد نقض سعيد ذلك في مواضع عدّة نذكرها ليتمّ الإلزام أو ليثبت التناقض، فنقول:

    لقد جوّز أن يكون للحوادث التي تطرأ على الذهن نهاية فقال (ص100) في الحاشية: [ومهما طرأ على ذهنك من حوادث سواء كان لعددها نهاية أو لم يكمن لها نهاية] اهـ

    ومن ثمّ عاب على مخالفيه فرض وجود سلسلة من الحوادث لا نهاية لها، فقال (ص101): [إنما جاء إذن من تنبهنا إلى ادعاء كونها لا نهاية لها، وما هذا إلا فرض ليس لهم عليه دليل] اهـ وقوله: [وفعله دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له وهذا محال] اهـ فإن أراد بفراغ العقل من تصوّر هذه الممكنات فلا استحالة، لأنّ العقل محدود ولا يمكن للعقل تصوّر عدد من الممكنات غير محدود، وأمّا زعمه بفراغ قدرة الله ليثبت الاستحالة بقوله في الحاشية: [وأيضاً إيجاد الممكنات دفعة واحدة يؤدي إلى فراغ قدرة الله تعالى، أي عدم قدرته على إيجاد ممكن آخر لأنّه قد أوجده]، فمن الباطل البيّن الذي لا يلزم، وتعليله [لأنّه قد أوجده] خارج عن موضع البحث، والله قادر قبل أن يخلق الخلق وبعد خلقه. ومثل هذه الطرق في الاستدلال مما يعيبه المناطقة في دلالة الالتزام، لأنّه لازم غير بيّن، وينقصه الدليل. وهذا من سعيد خوض في أمور تافهة، ولا حاجة لإيرادها في كتب العقائد!] اهـ كلام الفهّامة نذير

    أقول: هذا أيها السادة نموذج آخر صارخ يدلّ على فظاعة حال هذين الرجلين، وعلى شدّة جهلهما الذي نحمد الله تعالى على سرعة افتضاحه، وأنّه كلّما تكلّم حسن ونذير أكثر فإنّه جهلهما سيفتضح أكثر، وهواهما وسوء نواياهما يظهران للعيان أكثر، فحاله وحال تلميذه متردّية من شدّة الجهل، بل ونطيحة كما قال بلسانه متهكماً ساخراً من قول الشيخ سعيد حين ذكر في تهذيب السنوسية إنّ أحوال أهل السنّة متردّية، فقال في حسن في حاشية كتابه هذا: [والنطيحة!!] اهـ

    يسخر في مقام الجد من شدّة حمقه! فليعلم أن حاله تمرّ بها السباع في البراري فلا تطيق لها هضماً فتأكلها، فتنفر منها. وعملهما هذا يدل على تخبطهما لسرعة النيل من الشيخ سعيد وصنيعه وعظيم منجزاته، فبات يفضح أخلاقهما حتّى صار القريب والبعيد يعلم أنّ حسناً السقاف كتب هذا الكتاب، وعرض مالاً على من يقبل أن ينشره باسمه، وسابق نذير لتلك المفازة حتى انقطع بها بلا سند. فيا سواد الوجه! كلّما سيذكر في مجلس سيقول الحاضرون هذا الذي ردّ على الشيخ سعيد وقبل أن ينسب لنفسه كلّ هذا الجهل. فانظر ماذا ربحب وماذا خسرت. فماذا تراك ربحت وقد خسرت نفسك! وفيما يلي، سبب ما حملنا على ما نقول:

    قوله: [أما قوله (الممكنات لا نهاية لها) إن أراد بذلك كثرتها التي يصعب حصرها فحقّ] اهـ

    أقول: قوله (فحقّ) إن أراد به أنّ كلام الشيخ سعيد يكون حقاً على تقدير هذا المعنى للمالانهاية في كلامه، فباطل. لأننا لو قدّرنا هذا المعنى للمالانهاية فلا يكون فعلها محالاً، بل جائز وواقع فعلاً. لأنّ الله تعالى خلق من الممكنات ما يتعذّر حصره لكثرته، فأيّ محال في هذا!

    وإن أراد به أنّه لا معنى للمالانهاية إلا هذا، فباطل أيضاً. لأنه لا يوجد على وجه الأرض من عرّف المالانهاية بهذا المعنى إلا أنت يا حسن السقاف وتابعك الفدم. وفرق كبير بين التقريب الذي يجري في العمليّات الحسابيّة ومحض الاعتبارات والتنـزلات التي تجرى لغايات عمليّة وتطبيقيّة، وبين المعنى الحقيقيّ للمالانهاية. وهذا الكلام يفهمه ويدركه تماماً من درس العلوم التي تتبجح بها. فإننا يمكننا اعتبار مسافة المتر قيمة لانهائيّة في بعض التطبيقات مقارنة بمسافة واحد بالألف من الملمتر. وأحياناً لا نستطيع اعتبار المسافة بين الأرض والشمس لانهائيّة عند إجرائنا لحسابات فلكيّة. وهذه التقريبات التي يجرّبها العلماء في الحسابات والتطبيقات العمليّة تعتمد أساساً على مفهوم النسبيّة. ومنه ظهر مفهوم التقريب المناسب. فتقريب المتر الطولي إلى اللانهاية يكون مناسباً بالنسبة إلى طول الفايروس مثلاً، ولكنّه لا يكون كذلك عندما يتعلّق الأمر بسرعة الضوء في الثانية، بل إنّ مسافة المليون ميل لا يجوز تقريبها إلى اللانهاية في هذه الحال.

    إنّ حسناً ونذيره يخبطان، ويخلطان بين مفهوم المالانهاية ومفهوم التقريب إلى مالانهاية. ولو أنهما كالعا في حياتهما كتاباً في العلوم المعاصرة لشاهدا علامة التقريب في تلك الكتب تسبق علامة المالانهاية في هكذا تقريبات ولتساءلا عنها. فمجرّد وجود علامة تقريب دليل قاطع على تغاير المفهومين. ومن يستعمل علامة التقريب يدرك تماماً الفرق بين مفهوم اللانهاية ومفهوم العدد الكبير جداً الذي يصعب حصره أو الذي من المفيد عملياً اعتباره ملانهاية. هذا هو الجهل والقصور، والتصوّر الخاطئ الذي أدى بكما إلى الوقوع في كلّ هذا التخليط.

    ثمّ قالا: [وإلا فباطل] اهـ

    أقول: أي وإن لم يرد الشيخ سعيد بالمالانهاية العدد الكثير جداً الذي يصعب حصره فيكون كلام الشيخ سعيد باطلاً. وقد رأيتم مقدار الغلط في هذا الكلام فلا نعيده. ولكني أدعوكم إلى ملاحظة مقدار تبجّحه وطريقته المتعالية في الكلام على الرّغم مما يظهر جلياً من جهله في المسائل التي يتكلّم فيها.

    ثمّ علّل (الأخوان تحقيق) ذلك فقالا: [لأنّ كلّ فرد من هذه الممكنات محدود، فمجموعها محدود. وذلك كما أثبت سعيد أوليّة المجموع بأولية الفرد في ص100 في الحاشية: [فالحكم العقليّ القطعيّ ينصّ على أنّ كلّ واحد منها له أوّل، وبالتالي فيجب أن يكون لجميعها أوّل] اهـ كلامهما.

    أقول: عجبي من شدّة غفلتكما تمنعان الجوهر الفرد –وهو المتناهي في نفس الأمر، وتبطلان وجوده بقولكما إن قسمة العدد يجوز أن لا تتناهى في الواقع- غير مستحضرين لقاعدة (مجموع المحدود محدود)، ثمّ تمنعان بهذه القاعدة نفسها أن تكون الممكنات لانهائيّة في نفس الأمر –وهي كذلك- بقولكما إنه يجب أن تكون الممكنات منتهيّة محدودة لأنّ مجموع المحدود محدود. سبحان الله في أمركما!!!

    بالله كيف يكون للممكنات نهاية في نفس الأمر وهي متعلّقات قدرة الله تعالى يا حسن!!؟؟

    ألم تعلم يا رجل بأنّ الله تعالى لا تنتهي قدرته، فكيف تقول إن للمكنات نهاية في نفس الأمر، والكلام فيها، وليس الكلام في الممكنات المتحقّقة بالفعل في الوجود! إنكما لجاهلين لا تدريان ما تقولان، تسارعان بالردّ بلا فهم ولا تحقيق.

    وإنكما لا تميّزان بين مفهوم اللانهاية ومصداقها. فالذي لا يمكن أن يحصل في العقل هو تصوّر مصداق للمالانهاية بقيد كونه مفصلاً متميّز الأفراد، وأمّا حصول المصداق مجملاً فجائز في العقل، ويمثّل عليه بالممكنات ومجموعات الأعداد إلخ ذلك. وكذلك مفهوم المالانهاية فهو حاصل في العقل، وإلا لما حكم العقل باستحالة تحقق المالانهاية في الواقع، بل ولما استطعت أنت نفسك أن تحكم عليه بأيّ حكم، لأنّ الحكم على الشيء فرع عن تصوّره.

    وإنّكما لا تفرّقان بين مفهوم نفس الأمر والواقع. وماذا أقول أكثر! إن هذا كلام من يتكلّم فيما لا يحسن، فيتخبّط, ولا ينطلي ما تكتباه على دارس للمنطق والكلام أبداً. ولتعلما أنّ جودة كلامكما لا تتعدّى جودة كلام طالب حديث العهد بهذه المباحث، يستشكل أموراً ويرتّب الأدلّة لتفنيدها، فإذا قابل أستاذاً فبيّن له بعض تصوّراته الخاطئة انحلّت جميع قصور الاعتراضات التي بناها على أوهامه. فحقّ مثلكما أن تتركا هذه المباحث، أو أن تطلبا تعلّمها حقّ الطلب قبل التصدّي للكلام فيها والنقد على رجل راسخ القدم فيها كجبل لو مال عليك يا نذير لأهلكك!

    إنّك تذكّرني بقطعة كتبها طالب يدرس الإنكليزيّة، حين يقرأها المتخصص يضحك من سذاجة التراكيب فيها، وضعف آلة كاتبها، وركاكة سبكه. فإذا أعمل قلمه الأحمر فيها بأوّل عقله مع كثير من التسامح لم تكد تسلم كلمة خطّها من التصحيح. فاستحالت ورقته حمراء. وصدّقني حين أقول لك إنّ هذه حالك. وعجبي منك يا حسن أيّ أصول تعلّمت ليرقّ عظمك إلى هذه الدرجة، ثمّ تجرؤ على القول بأنّك العلامة الأصوليّ المحقّق!
    إذا كان ما تكتبه يا حسن تحقيقات فماذا أسمّي ما دبجته يراع السعد في التلويح، والعضد على ابن الحاجب، وما حشى به العلماء في حواشي كتب الكلام التي لا تعجبك والله لجهلك بمضمونها، وقصورك عن دركه كمن كره العنب وقال بعداً له لا أحب الحصرم حين لم تصله يده لتوقعه في فمه المرّ المريض. تقارن نفسك بعلماء الأصول وتدّعي الاجتهاد وأنت لا تعرف منه سوى اسمه، أفيكون إمام أهل السنّة الأشعريّ عندك ضالاً منافقاً مجسماً، والباقلانيّ منافقاً ضالاً! أفلا ترى نفسك أيها السفيه!

    بالله عليك أأنت في نظر نفسك في مصافّ الجويني والرازيّ ومن فوقهما بل ومن هم دونهما، بالله أليست هذه يا مشايخ هي المهزلة بعينها!

    واعلموا أنّ كلام الشيخ سعيد الذي أتى به عن وجوب أن يكون مجموع ما له أوّل له أوّل، ليس في الممكنات في نفس الأمر، بل هو خاص في الحوادث منها، وفرق كبير بين الأمرين. فحين نتكلّم عن الحوادث أي عن الموجودات بالفعل سواء ما انقضى منها وما هو باق فيجوز لنا في كلّ وقت أن نطبق عليه قاعدة مجموع المحدود محدود ومجموع المتناهي متناه ومجموع المعدود معدود، ومجموع ما له أول فله أول. وكلّها عبارات وصور من الاستدلال تتفرّع على أصل واحد. وأمّا إذا كان الكلام في الممكنات في نفس الأمر فإنّ العقل قاضٍ بأنها من مصاديق المالانهاية، أي أنّ الذهن حاكم بذلك حكماً كلياً مع عدم القدرة على تصوّره لجميع أفرادها وتمييزها في ذهنه، لعدم الحاجة إلى مثل هذا التصوّر التفصيليّ في مثل هذا الحكم. ومن رزق العقل والهداية فهم ما قلناه، وعرف مقدار التخليط الفاضح الذي عند حسن ونذير شومه. فلا داعي للتطويل في تفنيد عباراته التي تأرك منها الضباع، وفق الله الجميع. [/ALIGN]
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    المسألة الثالثة: جاء تهذيب السنوسيّة ص66: [ومن صفات الجرم التحيز وهو أخذه قدر ذاته من الفراغ فكل جرم يأخذ مكانا قدر ذاته من الفراغ الذي بين السماء والأرض، فالجرم الطويل يأخذ فراغا مقدار ذاته في الطول، والقصير يأخذ فراغا مقدار ذاته في القصر وهكذا. والعرض ما لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى ذات يقوم بها كالسواد والبياض وسائر الألوان والحركة والسكون فالسواد مثلا لا يوجد بنفسه بدون ذات يقوم بها بل لا تحقق له إلا في ذات من الذوات كثوب أسود أو خشبة سوداء وهكذا. والعالم محصور في هذين القسمين، والمولى سبحانه يستحيل في حقه أن يماثل شيئا من ذلك فليس جرما ولا عرضا.(ط)] اهـ

    ولقد ذكرنا عدّة مرّات أنّ الحرف في نهاية النقول التي في حواشي التهذيب تشير إلى أنّ النص منقول عمن رمز له بحرف من اسمه في نهاية النقل. وهو هنا عن البطاوري. فنسب نذير وحسن هذا النصّ أولاً كعادتهما إلى الشيخ سعيد. والحقّ أنّه ليس ثمّة إشكال في النصّ لكي نتبرّأ منه، ليس الأمر كذلك، ولكن الأمانة في النقل مهمّة. لا سيّما حين يريد الناقل التشنيع على القائل. على أيّ حال، فإنّ اعتراض نذير وحسن المضحك والمثير للاشمئزاز في آن واحد هو ما يلي أيها السادة وأرجو أن لا تتعجّبوا كثيراً ففي الكتاب مسائل أتفه من هذا الاعتراض، مما يدلّ على أنّ هذين يريدان تسويد الصفحات بأيّ كلام مما لا قيمة علميّة له.

    فقالا: [هذه مقالة من لا زال يتصوّر أنّ هذا الكون الفسيح الذي أبدعه الله هو فقط سماء وأرض، وإلا فما القول في أهل السنّة الذين يثبتون العرش جسماً فوق السماء السابعة!! كما قال الأشعريّ في الإبانة: (فالسماوات فوقها العرش) اهـ وبه يظهر أن ما يبسطه سعيد من قواعد ونظريات مظنّة أوهام وتصوّرات ينقضها الدليل] اهـ كلامهما.

    والجواب عن هذه المهاترات هو:
    أنه ليس في الكلام المنقول عن البطاوري ما ينافي القول المنقول عن الأشعريّ أبداً. وعبارة بين السماء والأرض كثيرة جداً في القرآن الكريم والسنّة وكلام العرب لدلالة على جميع العالم، سواء دققنا في قول الآشعريّ وأثبتنا كون العرش سقفاً للسماوات وغايتها بما لا عالم بعد ذلك، أو تجوّزنا في القول بأنه في السماء وليس هذا على الحقيقة أيضاً بخاطئ على تعريف أهل السنّة للمكان.

    وتوضيحه أنّه ليس ثمّة إلا السماء والأرض قطعاً وإن لم يعجب هذا الكلام من لا عقل له، لأنّ السماء تتضمّن السماوات السبع، لقوله تعالى (ثمّ استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات). فالسماء سبع. فيبقى العرش، وقد ثبت أنه فوق السماء أو أنه سقف الجنّة سواء كان محيطاً بجميع العالم أم لم يكن محيطاً، فهل يجوز القول بأنّه في السماء لكي يرتفع الإشكال عند هذا المدقق الذي غاية ما في اعتراضه الذي لم يحسن التعبير عنه هو السؤال التالي: كيف تقولون إن كلّ جرم فهو بين السماء والأرض والعرش جرم وهو بقول الأشعريّ وبالدليل فوق السماوات السبع؟

    فالجواب: أنّ المكان عندنا هو الفراغ الموهوم الذي يشغله الجرم ويمدّ فيه أبعاده، فيكون العرش الذي هو من ضمن العالم شاغلاً لحيّز في ضمن مكان العالم سواء قلنا إنه يحيط بجميع العالم أو أنّه جزء منه في طرفه. فيسمى لغة وشرعاً سماء لأنه جزء منها أو لأنه فوقها. وبهذا يرتفع الإشكال الذي يبعث على الضحك من جهة، وعلى البكاء على حال هؤلاء من جهة أخرى.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117
    عودة إلى الإجماع
    لعلّي تركت ملحوظة تجدر الإشارة إليها على كلام هذين الدّعيين. وسأتجاوز عن بعض الكلام السّمج الذي وصفا به الشّيخ سعيداً من مثل قولهما إنّه يذكر الإجماع تبرّكاً لا احتجاجاً به، ومن مثل قولهما إّنه لا يعرف كلام الأصوليين، ويفتقد منهجيّة التطبيق العلميّ لكلامهم. فالحمد لله تعالى على أن أخرج الشّيخ كتباً في الأصول كشرح الورقات، وروح الأصول الذي تكلّم فيه عن الإجماع تحديداً بكلام يغنيه عن أن يشهد له بتحقيقه أمثال السقاف ونذير. ومن حضر من إخواننا دروسه في الأصول بدءاً من شرحاً الورقات وانتهاء بشرح العضد على ابن الحاجب ليعلم أين يقف الرّجل في هذا العلم. ولا أريد أن أنساق خلف هذه الكلمات النابعة من الحسد، البعيدة عن الموضوعيّة. ولنبق في ملحوظتنا:

    قالا: [بل ونقول أيضاً لصاحبنا إنّ أهل السنّة لم يجمعوا على ذلك، قال ابن حزم في الفصل فب الملل والأهواء والنحل: (ولا يجوز أن يقال: حيّ بحياة البتّة. فإن قالوا: كيف يكون حيّ بلا حياة؟ قلنا لهم: ويكف يكون غير حسّاس، ولا متحرّك بإرادة، ولا ساكن بإرادة!! هذا ما لا يعقل البتّة ولا يتوهّم، وهم يجرون عليه تعالى الحسّ] اهـ كلام ابن حزم.

    أقول: دعوني أسجّل أولاً ملحوظة مهمّة وهي أنّ ابن حزم رحمه الله تعالى ههنا يتكلّم كما يتكلّم ابن تيميّة، والسقاف ونذير يتكلّمان بعين الطريقة التي تنأى عن التحقيق والأناة في البحث، وتنبني على ردّ الكلام بأدنى إلزام أو حجّة ولو كان واهياً ضعيفا. وقد سبرنا معاً كلام ابن حزم الذي نقله هذا في الجوهر الفرد فوجدناه كما رأينا واهناً، وليس هذا الكلام الذي نقلاه بأحسن حالاً مما مضى، كما سنرى.

    ثمّ أقول: إن كان ما يمنعه ابن حزم في هذا الكلام هو أن يقال عن المولى جلّ شأنه بأنه حيّ بحياة بمعنى أنّه تعالى متّصف بصفة اسمها الحياة، فكلامه باطل بإجماع أهل السنّة. لأنّ مذهب أهل السنّة مستقر على إثبات صفات المعاني لله تعالى ومنها الحياة، شاء من شاء وأبى من أبى.

    وإن كان يقصد معنى آخر يقتضي إثبات الآلات والأدوات والأركان والأبعاض له تعالى أو إثبات أدنى مشابهة بين المولى جلّ شأنه وأيّ من خلقه، فكلامه حقّ، ولكن ما الذي يستفيده هذان من الإتيان بكلامه ههنا إن كان هذا مقصده، فأهل السنّة لا يثبتون معنى من هذه المعاني الباطلة لله تعالى. وأعظم مقاصدهم هو توحيد الله تعالى وتنـزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه.

    فعلى فرض أنّه ينفي أن يكون أهل السنّة قائلون بأنه متّصف بصفة هي الحياة كما يقتضيه سياق البحث، وأنّه ينصر مذهب المعتزلة في نفي الصفات، فقد منع أن يقال إنّ الله تعالى حيّ بحياة دون دليل على هذا المنع. إلا أن يكون قد اعتبر أنّ الأصل أن يكون حيّاً بلا حياة. فمن قال كيف يكون حيّ بلا حياة، عارضه ابن حزم بكيف يكون حيّ غير حسّاس ولا متحرّك بالإرادة. وهذه المعارضة لا تفي بغرضه، ولا تكفي لتثبيب قوله ونفي قول الخصم كما توهّم هذان، وذلك لما يلي:

    أولاً: بأنّا نجعل الأصل أن يكون كلّ حيّ فبحياة، على قانون اللغة والاشتقاق. فيكون النافي في موضع بيان علّة النفي.

    ثانياً: أنّ العقل لا يمنعه ولا ورد المنع منه شرعاً، فما الداعي لنفيه.

    ثالثاً: إن قيل: إنه لم يرد في الشرع أيضاً إثبات الصفات لله تعالى كما تقولونه بأنّ له سمعاً وبصراً وعلماً وكلاماً وإرادة وقدرة وحياة، فكيف تثبتون له ما لم يثبته سبحانه لنفسه.
    قلنا: جرياً على أصلنا كما تقدّم في الاشتقاق. والكتاب بلغة العرب. ثمّ إنّا لا نسلم عدم ورود الشرع الحنيف به، لأنّا نجد في الكتاب الكريم أنّ الله تعالى أثبت لنفسه العلم والكلام بالنص في قوله تعالى: (بشيء من علمه)، و(بكلامي). ونحو ذلك. ولا فرق من هذه الجهة بين صفة وأخرى من صفات المعاني، بالاتفاق.

    رابعاً: أنّ كونه سبحانه حيّاً غير حسّاس ولا متحرّك بالإرادة ولا نامٍ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لا ينفع ابن حزم في نفي صفة الحياة عنه تعالى. لأنّ كونه تعالى حيّاً عندنا فهم منه اتصافه تعالى بالحياة. ولا يلزم على ذلك إثبات هذه القيود المعلومة في الحوادث. فهي فرع إثبات الحياة للمخلوق، لا فرع إثبات الحياة مطلقاً، لأنّ الحياة أعمّ من أن تكون مقيّدة بذلك. وابن حزم يثبت كونه حيّاً، وينفي عنه الحياة. فكيف تصوّر كونه حيّاً دون أن يكون حسّاساً ومتحرّكاً بالإرادة ونامياً تعالى الله عن ذلك. هذه مكابرة. لأنّ من تصوّر حياً ليس بحادث، تصوّر حياة ليست كما وصف. لأنّ إثبات معنى الحياة فرع إثبات معنى الحيّ.
    وليلحظ القارئ الكريم مقدار التخبّط الذي يعتري هذين الرّجلين في بحثهما عن اعتراض على الشيخ سعيد ولو كان سمجاً، ولا قيمة له، ليغزلا عليه غزلاً ويكثرا من الكلام الذي لا طائل تحته إلا التشويش والشغب.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •