صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 54

الموضوع: القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128

    القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال فادي: (فكيف سيفهم القرآن؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال أحب أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن الإشكال المطروح يحوي إشكالاً آخر، وهو أن القرآن يحمل حكمين في ذات المسألة، أي أنه بناءا على آليات فهم الخطاب التي ناقشناها سيبدو أن في القرآن تعارضا ظاهريا وهو ما لا يمكن وجوده في خطاب الله)
    أقول: حقُّ كلامِه أن يكون (سيبدو أن في القرآن تعارضاً حقيقياً) لأن التعارض الظاهريّ أعني بادي الرأي، أو الموهوم حاصل بالفعل، وهو ليس بتعارض للإجماع على استحالته. وقول فادي من الآن وحتّى ينتهي نقاشنا معه مقبول مقصوده الصحيح عندنا على المسامحة. فالعذر حقّ له لما بان من قلّة تدقيقه حتّى اللحظة. وها هو يجازف بالحل. وليت شعري أليس قبل سطور قال: (وإذا كان الخطأ جائزا على الصحابة فلا حجة في قولهم). أما هو فتصوّره للحل سيكون لكم أيها المسلمون فصل الخطاب. لأن فادي لا يجوز عليه الغلط. أفهكذا تورد الإبل؟
    إنّ أهل السنّة يقولون من قبل أن تفيض عليهم: إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ. ولكن مجرّد جواز الغلط ليس بداعية كافية لردّ الكلام. وهذا موقف سقط فيه الشّيعة القائلون بعصمة الأئمة أيّما سقوط. ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. وعليه فالمسوّغ الوحيد عندنا لقبول القضايا أو ردّها هو مقدار علميّتها، فكلّما قوي الدليل ازداد اعتدادنا بالمدلول. وكلّ ما قام عليه الدليل القاطع اندرج في العلوم، وكلّ ما ثبت علماً فلا يجوز عندنا القول بخلافه. وأمّا القضايا التي قامت على إثباتها أو نفيها أدلّة ظنيّة، فالخلاف فيها سائغ، ولكن بشروط وقيود وليس على إطلاق هذا القول كما هو مبحوث في محلّه.
    وعلى أيّ حال، لنعد إلى الإشكال الذي طرحه. وهو في الحقيقة إشكال مبني على قضيّة وهميّة، وهي وجود تعارض في القرآن الكريم، أو قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة. فأي مسألة هذه التي تعلّق بها في كتاب الله تعالى حكمان. أهي مسألة عقائديّة أم عمليّة؟ فليأتنا بها حتى ننظر فيها.
    وإن كان قد بنى كلامه هذا على المثال الذي قدّم به كلامه في صاحب الكبيرة على ما يظهر. فنقول:
    علينا وقبل أن نجيب عن سؤالك أن نستثني كلّ خبر في القرآن من حيث هو كذلك. لأنّ الله تعالى يستحيل أن يخبر بأمر يناقض ما أخبر به في موضع آخر. لأن النقيضتين لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً. فيلزم أن يكون خبره في إحداهما صادقاً وفي الأخرى كاذباً، والله تعالى يستحيل عليه الكذب لقيام البرهان على صدقه. هذا خلف. اللازم فاسد فالملزوم مثله. فثبت استحالة التعارض في أخباره. وأما الدليل على وجوب الصدق له تعالى، فقد قررته بعدّة وجوه أثناء نقاشي مع الأخ الفاضل إسماعيل حمّودة وفقه الله قبل شهور وهو موجود في المنتدى، فليرجع إليه من أراد الاستزادة.
    فصاحب الكبيرة إن كان مؤمناً فهو إما خالد في النار أو ليس بخالد فيها. ولا ثالث بين النفي والإثبات. وكما يستحيل اجتماع هذين الأمرين على القابل لهما، فكذا يستحيل ارتفاعهما عنه، لكون القضية المسلّمة ههنا منفصلة حقيقيّة أي مانعة جمع وخلوّ. فإذن الحق في هكذا مسألة لا يمكن أن يتعدد. ونحن ندّعي أن كلّ من خالف قول أهل السنّة فيها، فقد نظر نظراً فاسداً. فليقرر لنا المخالف استدلاله. وعلينا إظهار فساده. وأنت إما أن تسلّم قولنا فلا يصح بعدُ الاستناد إلى هذه القضية فيلزمك لتثبت الحكم بتوارد حكمين ثابتين في القرآن على محلّ واحد أن تأتي بدليل آخر. أو لا تسلّمه فتنتصر لقول المعتزلة بدليل، ونأتيك نحن بنقضه. فماذا تقول في ذلك؟
    أما في آيات الأحكام أي العمليّة، فإنا نقول: الحق عند الله تعالى واحد لا يتعدد مطلقاً خلافاً للمصوّبة كما هو مقرر في محلّه. فإن قلت فماذا نفعل بالتعارض؟
    أقول: قبل ذلك، أريدك أن تدقق في عبارة العلامة المحقق صاحب جمع الجوامع حيث يقول: "يتحصّل من النصّين المتعارضين" أي ظاهراً "ستّة وثلاثون نوعاً" أي من أنواع التعارض "لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه. فهذه أربعة أنواع كلّ منهما ينقسم ثلاثة أقسام. لأنّها إمّا معلومات أو مظنونات. أو أحدهما معلوم والآخر مظنون. يحصل اثنا عشر. وكلّ منهما إمّا أن يعلم تقدّمه أو تأخّره، أو يجهل. فيحصل ست وثلاثون".
    وهذه الطريقة من النظر التي اتبعها علماؤنا، وهي القسمة التامّة في كلّ مسألة، لتحصيل جميع الاحتمالات الممكنة، ثمّ البحث في كلّ احتمال، هي برأيي سر من أسرار الثّقة الكبيرة الموجودة عند أهل السنّة الأشعريّة، فهم حين يبحثون المسائل مع الناس تراهم لا يستغربون قولاً، وإن لم يكونوا قد بحثوا في نفس المسألة بالذات، فإنهم تكلّموا في كليّاتها على الأقل، وكثير من الناس ممن ليس لهم خبرة بكتب أهل السنّة يستغرب هذا الكلام حين نقوله، وربما يخطر ببالهم بعض الأفكار، ويظنّون أنها فتح لم يسبقوا إليه، وأن كلّ الناس كانوا عنه من قبله غافلين. ويكون في الواقع أمراً معروفاً ومتقرراً ومبحوثاً ومدوّناً منذ زمن بعيد. وقد مررت بذلك شخصيّاً في بداية قراءتي للكلام، ثم انحلّت في ذهني هذه العقدة كما سأذكره الآن. وليكن هذا الاستطراد حاشية على قول فادي: (لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها) اهـ مثل ماذا يا فادي؟
    إن سبر الاحتمالات بالقسمة أمر عقلي محض، وإذا تعلّقت المسألة بأمر نظريّ محض لا يتوقّف تحصيله على توفر أجهزة القياس أو تطوّرها، فلا شكّ أن الباحث سيجد فيه تطوّراً كبيراً جدّاً عند القدماء. بل إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا اليوم، وإني والله أرى كلّّ الضجّة الفلسفيّة القائمة في العالم اليوم هي تكرار لما بحث في الماضي، ويندر أن يضاف شيء جديد حقيقي، وإن الذين يمكننا أن ننظر في مقالاتهم بالإعجاب والتقدير قليل ما هم، من بين كثير من أدعياء الفلسفة والنظر والتجديد فيها أو في الدين. ثم إنّي لا أفتأ أقول إنه من الغريب النظر إلى الصحابة على أنّهم مجموعة من الناس المنعزلين فكريّاً عن كلّ ما سبقهم من الأفكار، وكلّ ما يعاصرهم من الثقافات كأنّهم سقطوا من السماء. فلا تكاد تتكلم بشيء إلا وترى من يقفز لك ليقول إن الصحابة لم يعرفوا بذلك، أو لم يشتغلوا به وغير ذلك من المقالات الغريبة. ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة.

    وعلى أي حال، فقد حقق العلماء هذه التعارضات الظاهريّة بين آيات الكتاب أيّما تحقيق، وبحثوا فيها بأقصى ما وسعهم. وكذا بين الآثار. وبين الكتاب والآثار. وما عليك إلا أن تأتي لنا بما تستشكله مما يبدو لك متعارضاً لنرفع عنه الإشكال إن شاء الله تعالى. وستجد أن حلّنا للتعارض سيكون مبنيّاً على الأدلّة الشرعيّة، وليس متأثراً ببيئة وثقافة معيّنة أو غيره مما حاولته فيما سيأتي.
    ولنعد، فإذا تقرّر أنّه لا تعارض بين نصوص الكتاب، أو نصوص السنة، أو بين نصوص الكتاب والسنة حقيقيّاً في نفس الأمر. فيكون التعارض موهوماً. وإشارتك إلى أنّ آلات فهم النصوص تتيح فهوماً متعدّدة. حسناً دعنا نتكلّم فيها. لنا عند سلامة الآلات والنظر باستعمالها نظراً صحيحاً عند اتحاد الجهة، والمحلّ، والزمان. فلا نسلّم تعدّد النتايج. سلّمنا إمكان تعدد النتايج بتعدد المذكورة، ولكن لا نسلم مساواة الدليلين في الثبوت والقوّة. سلّمنا المساواة. فلا نسلّم عمومهما. سلّمناه. فلا نسلّم عدم إمكان حمل أحدهما على القيد والآخر على الإطلاق. وإن كانا خاصّين فمثله. وإن كان أحدهما خاصّاً والآخر عامّ فالأمر هيّن. وخلاصة هذا البحث الصغير أن قواعدنا مقرّرة فأتنا بما تعدنا من التعارض لنحلّه.
    ثمّ أقول إما أنّك تعتقد بوقوع التعارض بالفعل أو لا. فإن كان الأول فبيّنه لنحلّه. وإلا فإنك لا بدّ أن تسلّم معنا الثاني. والحلّ عند وجوده ظاهراً هو فيما ذكرنا في المقالة السابقة وهذه على سبيل الإجمال.
    ثمّ إن غاية ما يمكن سؤاله ههنا: ماذا لو تساوى دليلان من كلّ وجه فما العمل؟
    فنقول إن كون هذين الدليلين في أصول الدين ممنوع. فيكونا في الفروع. ثمّ إنّ ههنا أمر آخر، وهو أنّه لا يمكن أن يكون الدليلان قطعيين. لأن العلوم لا تتناقض بالاتفاق. فههنا حجيّة دليل المعلّل توجب له المعذريّة. ويكون دليلنا وارداً عليه على سبيل معارضة قطعه بدليله إن ادعاه. وإن لم يدّعه أجاز كلّ منهما العمل بدليل الآخر لغيره. وهو الحاصل في الخلافات الفقهيّة وغيرها بين العلماء كما هو معلوم. بل التسامح عندنا يتجاوز ذلك ليشمل من لديه شبهة دليل. فترى القضاة لا يحدّون المتمتع للشبهة مع قولهم بأن المتعة زنا. وعلى أي حال، فكلّ هذا جار بين من يجوز لهم الاجتهاد وله ضوابطه المشروحة في كتب الأصول، واعتبر المجتهدون في ذلك لا من هو دونهم لأنّ ظهور الدليل وظنّ الأحكام ليس بمعتبر إلا عندهم. ولا يجوز لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يعمل بظنّه. كما هو معلوم.
    وحاصل الجواب عن هذا الإشكال، أن التعارض المذكور إما أنّه محلول بالترجيح قطعاً أو ظنّاً. الأول واضح. والثاني الاختلاف فيه سايغ، فيعتبر فيه ظنون أهل الاجتهاد. مع قولنا إنه لا تعارض في الحقيقة، وقولنا إن ذلك لا يكون في أصول الدين بل في الفروع.
    ونرى هذا الأمر من خصائص شريعتنا لحكمة التوسعة على الخلايق، والحث على الاجتهاد، ونقطع بأن مراد الشارع أن تكون الشريعة على هذا القدر من احترام الحريّة الفكريّة. فالمجتهد عندنا يحرم عليه التقليد. ويجب أن يستقل بالنظر. وحكم الله في حقّه هو ما ظنّه الصحيح في المسألة. وله أن يرجع عن حكمه إذا ظهر له في القابل شيء آخر أقوى من الأوّل. وحكم الله تعالى في حق مقلّده هو حكمه في حقّه. وقد يستفتيه اليوم رجل في مسألة فيفتيه بشيء، ثم يظهر له خلافه، فيستفتيه آخر في نفس المسألة فيفتيه بالجديد، ويبقى الأول يعمل بما أفتاه به طوال عمره، والآخر كذلك. وكلّ منهم عابد لله مأجور. ولو أراد الشارع أن يكون الناس كلّهم على قول واحد لنصّ على كلّ مسألة مسألة. والله تعالى أعلم.

    قوله: (وهذا سينقلنا إلى سؤال آخر وهو: هل يمكن أن يحمل القرآن حكمين على ذات المسألة من غير أن يكون فيه اختلاف!)
    أقول: الاختلاف الذي نفاه الله تعالى في القرآن الكريم جاء في معرض الاستدلال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. وقد بحث المفسرون في معنى هذا الاختلاف ووجوهه الكثيرة، ولا أريد أن أعرض له ههنا لكي لا يطول البحث. فأرجو أن يرجع للتفاسير لتحصيل ذلك.
    ثم أقول: إن سلّم أن من الاختلاف المنفي عن القرآن تعدد الأحكام المشار إليه ههنا، فأجيب بأنّ القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قطعاً. وبيانه أنه ليس هو نفسه الذي يحمل حكمين في نفس المسألة التي قلنا إنه يجوز أن يقع فيها الاختلاف بين العلماء. ولكن الشارع أراد حصول الاختلاف في الفهم، ليحصل الاختلاف في الحكم. بدليل أنّه أجازه، وقعّد له. وعليه، فيجوز أن يتعدد فهم القرآن المستلزم لتعدد الأحكام في الفروع، ولا يلزم من ذلك أبداً صحّة جميع تلك الأحكام وإن اعتدّ بالأفعال المرتكبة على وفقها، ولا يلزم أنّ حكم الله تعالى في تلك المسألة متعدد. أو حتّى أن القرآن الكريم نفسه يحكي جميع تلك الأحكام في نفس الأمر. بل غاية ما يلزم أنّه يتوارد على ذلك الموضع من المجتهدين عدّة مظانّ. ولمّا جاز العمل بظنّهم جاز اختلاف الأحكام. وقولنا إنّ الآية تُفهِم هذه الأحكام جميعها فليس ذلك في نفس الأمر، بل نعني بذلك أن الآية تحتمل أن يكون المقصود منها أحد هذه الأحكام، بمعنى أنّها يصحّ أن تظنّ تلك الأحكام منها. ولمّا استحال كون هذه الظنون جميعها صحيحة لاستحالة تعدد الحق في نفس الأمر، فإنّا لا نقول أبداً إن القرآن الكريم يثبت حكمين أو أكثر على الحقيقة في المسألة الواحدة.
    ثمّ دعني أسلّم لك أن القرآن بالحقيقة يؤدّي حكمين أو أكثر في نفس المسألة، فعند ذلك لمَ لا يقال إن هذه الأحكام المتكثّرة مقصودة بالذات للشارع، فتكون كلّها صحيحة على قول المصوّبة. وعندها لا يضيرنا هذا الأمر، لأنا نقول عندها إن حكم الله تعالى في هذا المسألة واحد هو هذا التعدّد. وإن سمّيته أنت اختلافاً، وسلّمنا لك هذه التسمية أصلاً، فلا نسلّم أنه من أنواع الاختلاف التي نفاها الله تعالى عن كتابه. فتدبّر هذا الكلام الرائق. وإن أردت أن تناقش المسألة أكثر، فإن ذلك مما يسرّني، إذ لدي وجوه أخرى تتدافع الآن إلى ذهني لأثبتها، وأضرب عن ذكرها صفحاً خشية التطويل. وأختم التعليق على هذا الموضع بكلمة، هي أني أستغرب منك ومن كثير غيرك ممن يحاولون تصوير الخلاف بين العلماء بطريقة توهم أنّ الدين لا يعرف رأسه من رجله، وقد ضاع الحق وتفرّق ولا يعلم أين هو، ولذا فإن علينا أن نعيد النظر لصياغة جميع مسائله، ونحكم فيها أحكاماً تتناسب مع فهمنا الموضوعي وظرفنا التاريخي. وهذا في الحقيقة مغالطة كبيرة جدّاً. ويمكن معرفتها بالبحث عن جواب سؤال صغير، وهو أنه من المعلوم أن أئمة الدين المقلَّدين لهم أقوال في الأغلب الأعم من المسائل الاعتقادية والعملية وفي جميع المسائل التي احتيج إليها في عصرهم مما عرض عليه. وعصرهم لا يختلف كثيراً عن عصرنا كما يحاول البعض إيهامه. فكم عدد المسائل التي قال فيها أحدهم إنها حرام والآخر قال إنها حلال. وكم مسألة قال فيها عالم بقول وكفّره أو فسّقه أو بدّعه عالم آخر... وما هي تلك المسائل، وكم بلغت من الأهميّة والانتشار في حياتنا اليوم.
    هل فعلاً وجوب احتجاب المرأة أمر مختلف فيه بين العلماء، بحيث لو بعث الأئمة والصحابة الآن من قبورهم ومشوا في شوارع العواصم العربية والإسلاميّة ورأوا هذا السفور والتشليح المقرف في الملابس الذي يصممه مصممون أكاد أحلف أنه ليس لأحد منهم أخت أو زوجة أو ابنة يغار عليها، سينظر هؤلاء الأئمة إلى ذلك بعين الرّضا، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا حرجاً. ويهزون رؤوسهم أن الحمد لله هذا هو دين الله الذي أمر؟ إن كلّ واحد يعلم من نفسه علماً ضرورياً بأنّ ذلك ليس صحيحاً.

    قوله: (قبل الإجابة عن السؤال المطروح دعونا نطرح سؤالا آخر وهو: إذا كان النص واحداً فلماذا اختلفت الفرق في فهمه؟)
    أقول: وحدة النص لا تقتضي فهماً واحداً ليسأل عن ذلك. فإن اختلاف الفهوم أمر طبيعي. لأن الفهم وصف للفاهم. وليس صفة للنص فلا يستغرب اختلافه. ولكنّا نقول إن النصّ في سياقات الشريعة كوحدة متكاملة فهو في حالة بحيث يلزم من العلم بمعناه الوضعي العلم بأمر آخر. ثم إن الأصل أن يكون هذا المعنى المدلول واحداً. ولكننا أيضاً لا نجد إشكالاً في قول من قال بتعدد حتى ذلك المعنى على ما بيناه سابقاً عند الكلام في أنه هل يجوز أن يكون للنص حكمان. وسنناقش الأمر أكثر فيما يلي، ولكني ههنا أحببت التنبيه على الفرق بين أمرين فهم الفاهم، ومدلول النص في نفس الأمر.

    ثم قال: (إن آليات فهم النص تتحدد بعدة أمور)
    أقول: إذا سلّمنا أن للنص في نفس الأمر معنى معّيناً سواء كان واحداً أو متعدّداً، ولنسمّه المعنى المقصود بصرف النظر عن وحدته وتعدّده، فالسؤال المهمّ والذي يجب أن يتأمل مليّاً وتدقّ عنده الأوتاد، هو أنّه هل ثمّة أداة للفهم تكون مشتركة بين جميع المكلّفين وتكون مستقلّة وموضوعيّة كما يسمّونها في هذا العصر وتكون في نفس الوقت مطلقة الصحّة إذا تمّ لها استدلالها وفق قواعد الصحّة المتّفق عليها. أنا أقول نعم. وهو الأصل. وأزيد بأن ذلك هو أنسب أداة بل هي الوحيدة التي يسوغ أن يتعلّق بها التكليف، لأنّه بها تتساوى فرص المعرفة أمام المكلّفين. وهذه الأداة هي العقل المحضّ أولاً وهو واحد في كلّ عاقل. ثم القدر القطعي من علوم الآلات، الذي هو في الحقيقة مبدأ لكلّ العلوم. وكلّ عقل محض فبوسعه أن يحصّل تلك الأدوات. وهنا يحصل التفاوت بين المكلّفين بمقدار تمكّنهم وتملّكهم لتلك الآلات. ثمّ إنّ تعميق فهمنا للنص المطلق المنزه عن التعارض يكون بتقدّمنا في العلوم، فكلّما زادت علومنا ازداد القدر القطعي من الآلات والمعطيات التي يمكننا أن نفكّر في النصّ من خلالها أو باعتبارها وبهذا يكون فهمنا لهذا النصّ أعمق وأشمل. وهذا أيضاً قدر يتفاوت فيه البشر.
    لا يقال التفسير القديم ليس صحيحاً والتفسير الصحيح هو تفسيرنا اليوم. إذ كلّ منهما استند إلى نفس قواعد الفهم. بل أقول إن الفهم الجديد لا يمكنه إذا كان منبنياً على نظر صحيح أن يعارض الفهم الأوّل، ولكنّ الأول إما أنه يكون قد تناول جهات دون أخرى، وهذا الجديد راعى تناوله للجهات التي أغفلت، أو أن الأول مجمل والثاني مفصّل...إلخ. والحقيقة أن هنالك كلام كثير جدّاً يمكن أن يقال ههنا. والمقصود من هذا البحث الصغير هو أنّا نستطيع أن نفكّر في أمور كلّية على مستوى أعلى بكثير من الذي ستقرأونه الآن في كلام فادي. ثمّ إني أدعو فادي والإخوة القرّاء إلى تناول بعض الكتب التي تتكلّم في البلاغة القرآنية أو الإعجاز أو أصول التفسير، أو مقدّمات بعض التفاسير كعشر مقدّمات الإمام العلاّمة ابن عاشور قبل شروعه في تفسيره التحرير والتنوير. وأنا أعد كلّ من يفعل ذلك أن يجد نفسه أمام عقول كبيرة، ومستوى عال من الفكر في تناول الكليّات... فتأملوا كلامه:

    يقول: (منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه، وسيقرأ في النص رأيه هو، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله)
    أقول: نعم يمكن أن يسقط الإنسان ثقافته وأهواءه ومآربه على نصوص الشريعة وخصوصاً القرآن الكريم، ويحاول أن يقرأها قراءة معيّنة توهم أن المراد منها هو الفكرة التي يطرحها أو يدعو إليها. وماذا يضير الدين في ذلك. ألا ترى كلّ محاولات الحكماء لتجيير الدين لصالح مقالاتهم، وكذا ضلاّل الصوفية، ومثله يتجلّى في تفاسير الشيعة الإمامية، وحمقى أدباء هذا العصر الذين يحاولون تطبيق معايير النقد الأدبي الغربية على النصوص القرآنية حذو القذّة بالقذّة، ومنهم من ينظر إلى القرآن الكريم كمجموعة من القصص والمقالات التي ليست سوى حلقة من حلقات التراث الفكري الإنساني في رحلة تطوّر وعيه وبحثه عن الحقيقة، فيساوي بينه وبين الإنياذة والأوديسة وجلجامش والشاهنامة وغيرها من الملاحم والأساطير... فليغنّ كلّ على ليلاه. فالقافلة تسير والكلاب تنبح. لأنّ كلّ قول غير مأصّل وغير مقترن بدليل له وجهه فسوف ينتهي به الأمر إلى مزبلة التاريخ، وسيندثر ولن يلتفت إليه أحد. والأدلّة على ذلك من التاريخ لا تكاد تحصى.
    وقصارى الكلام، فليقل كلّ من يشاء ما يشاء، ولكن من يقدر على إثبات مقالاته هو الذي سيخلّد. وبكل موضوعيّة، وأمانة، وبلا تعصّب أقول: لا يظنّ ظانّ أني أنا المتكلّم مثلاً قد ولدت فوجدت نفسي أترعرع في المساجد، بل لقد تقلّبت على جمر طوال سنوات وسنوات وأنا أبحث عن الفكر الذي يمكنني أن أحمله بعزّة، وأدافع عنه دفاع المستميت، حتّى انتهى بي المقام على قول أهل السنة والجماعة من الأشعريّة، وحين أقابل مقالاته بمقالات مخالفيه وخصوصاً الاتجاهات غير الدينية في حقيقتها أرى أصحاب تلك المقالات كالعصافير الصغيرة في أيدي السادة العلماء. ولكن الحال أن تلك العصافير لها صياح عال يلفت الأنظار، وتقلّبات في يد القابض عليها تستدر عطف بعض مشاهديه للانتصار له.
    والجواب عن كلامك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي أنه سلّمنا أن أصحاب المآرب يحاولون فهم الدين بحسب تلك المآرب، من حيث يشعرون بذلك ويقصدون إليه أو من حيث لا يشعرون ولا يقصدون أي في لا وعيهم كما يطيب للبعض أن يسمّيه، وهي تسمية تحتاج إلى تحقيق. فإنا لا نسلّم إمكان إثبات كلّ مدّع لدعواه، بل نقطع بأنه إذا سلّطنا معايير النقد على هذه المقالات فإنها ستتهاوى تحت معاولنا. فماذا يريد فادي من هذا الكلام، هل يريد تبرير مقالة كلّ قائل مهما كانت خاطئة، لمجرّد أن قائلها يرى أنّها صحيحة. إن كان هذا ما يريده فلا أظنّ عاقلاً في العالم يوافقه على هذا الكلام. لأنّ هذه النسبيّة والعنديّة لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفطائية. وإن كان يوحي لنا بغير ذلك فليبيّنه لنعطي رأياً فيه.

    قوله: (وفي المسألة المفروضة فإن الطرف الذي يشعر بقسوة الظلم سيسترعي انتباهه النص الذي يتكلم عن تخليد مرتكب المعاصي في النار .. إلى قوله: مبرراً للاستكانة والتخاذل)
    أقول: لو كنت في رائق زماني الفائت حين كنت أطرّز القصص، وأديلكتكها لكتبت مسلسلاً تدور أحداثه حول هذه الفكرة. فبأدنى نظر نعرف أن هذه قصّة فيلم هندي وليست ضابطاً لاستنباط الأحكام من نصوص الشريعة. وكلامه كلّه معارض بالكثير من الشواهد على مظلومين ومقهورين لم يتعلّقوا بالنصوص التي يجب أن يتعلّقوا بها من وجهة نظر فادي، وكذا هنالك كثير من أصحاب السلطان قد تبنوا المواقف والعقائد التي تتعارض مع أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة. وأقلّ ما يسأل عنه ههنا: كيف تريدنا أن نستخرج من هذا الكلام قواعد منضبطة لفهم الشريعة. أي هل لك أن ترينا كيف نفعل ذلك؟ ثمّ إن كنت قد سقت هذا الكلام لتبرير مواقف الناس الاعتقادية أو العمليّة، فلا نرى في كلامك قاعدة منضبطة يمكن تسليمها كعلم. والنفس الإنسانيّة أعقد بكثير مما حاولت تصويره ههنا. أما أن يسوّغ التفسير بناء على حالة المفسّر، أي وجهة نظره من حيث ما هو جزء من تركيبة اقتصادية اجتماعية ثقافية ... إلخ مخصوصة، فأنا أطلب منك أن تقرر قضاياك في الاستدلال على جواز فهم نصوص الشريعة بحسب ما يقتضيه كلّ عصر من مصلحة أو منفعة فرديّة أو عامّة، وسأريك كيف أهدم لك هذا الكلام من أركانه. أريد فقط أن أستمتع بقراءتك تستدل على جواز ذلك، ثم يكون لي الحديث.

    ثم قال: (هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ...إلى قوله: بل في شعوره كذلك.)
    أقول: لم يزد ههنا شيئاً جديداً يستحقّ الكلام عليه. فلا يزال يدور حول أثر العامل الذاتي أو النفسي أو البيئة والتربية ومختلف الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمفسّر. وقد تكلّمنا في ذلك فلا نعيد.

    قوله: (إلا أني لا أقصد إهمال دور النص... إلى قوله: وكما رأينا تعرض لتأويلات مختلفة جعلته يظهر وكأنه فقد صفة البيان التي نسبها لنفسه)
    أقول: هذا الكلام ليس صحيحاً، ولا يسلّم أبداً. فالقرآن الكريم مبين عن نفسه بالتشكيك كما حقّقناه، والفهوم المتفاوتة في شموليتها وخصوصيتها وكلّيتها وجزئيّتها لا تتعارض تعارضاً حقيقياً كما أثبتناه إذا كانت فهوماً صحيحة، فلم يفقد هو مطلقاً صفة البيان. وتعارض الفهوم سببه فساد بعض الأنظار.

    يتبع... والعذر إذا كنت أتأخر في الكتابة فالبكاد أجد وقتاً لذلك في أواخر رمضان، بارك الله تعالى لنا في أوقاته. وأنا والله أفترص الفرصة لأكتب بعض الملاحظات ثمّ أنشغل، ويمكن لفادي أن يبدأ بالإجابة والمناقشة ولا اطلب منه انتظار كلّ ما سأقوله. فسأوافيه بكلّ ما يريد وزيادة، فلا يعجل عليّ. ثمّ إني في شوق لقراءة رأيه وتحقيقاته فيما كتبنا.
    وصلّ اللهمّ على سيّدنا العظيم محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم
    ملحوظة للإدارة: لقد وجدت خيار إضافة رد ملغى من مقالة فادي فلم ذلك؟
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    الأخ المِفضَالُ بلال

    اعلم أني قد شرعت في كتابة رد على ما تفضلت به من تعليق على المقالة إلا أنني توقفت عن إكماله بعد أن رأيت الموضوع مقفلا، وقد سرني أنك تابعت الرد وفتحت الموضوع من جديد، وإن كنت أعجب كما عجبتَ عن سبب إلغاء خيار الرد؟
    وفبل الشروع في التعليق على جوابك أرغب في شكرك على الوقت الثمين والجهد الكبير الذي وهبته للرد على المقالة في زمنٍ كثرت في المشاغل، وهذا إن دلَّ على شيئ فإنما يدل على فضلك وحرصك على نصرة دين الله والله أعلم. وأشكر كل من شارك بتعليق مفيد وأخص بالذكر الأستاذ. وها أنا أشرع بالجواب فأقول:

    قلتَ (قوله: (فهي واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير)، ليس صحيحاً البتّة، بل لقد صارعوا الأمرّين مع أهل السنّة لقولهم بذلك)
    ماذا تقصد بقولك "لقولهم ذلك" إن كنت تقصد قولهم بخلود مرتكب الكبيرة، فليس هذا هو الواضح الذي لا يحتاج إلى شرح كثير عندهم، فلا يستقم لك الاعتراض، وإن كنت تقصد أنهم صارعوا الأمرين لتفسيرهم هذه الآية الكريمة على وجه التحديد بما قالوه، فهلا بينت لي أين صارعوا الأمرين إذ فسروا الآية بما ذكر؟

    قلتَ (وانظر كم يحتجون على هذا الموضع ويحتجون لكي يتم لهم كلامهم الظاهر الضعف)
    والله إني لأعجب كيف تطلق القول بظهور الضعف في كلامهم، ثم لمن ظهر هذا الضعف أللعلماء فهل تظن أن ظهور ضعفه سيخفى على مثل القاضي عبد الجبار والزمخشري؟ أم أنك ستنزلهم عن رتبة العلماء؟ ثم اعلم أن ظهور الضعف أمر نسبي إذ قد يظهر الضعف لشخص ولا يظهر لآخر وذلك إما لسعة علم هذا الشخص أو لجهله، فلا ينبغي أن تطلق الحكم على هذا الوجه.

    قلتَ (في مقابل الأدلة المتظاهرة التي تشهد لقول أهل السنة بعدم خلود أهل الكبائر وأهل الصغائر من المؤمنين في النار.)
    والأدلة متظاهرة على إثبات قول المعتزلة كذلك. وكل يدعي ما يريد فتأمل!

    قلتَ (ويمكننا بحث الموضوع إذا أردت).
    هات ما عندك فإني أدعي تكافأ الأدلة في المسألة.

    قلتَ (غير أني أنبّه على أن قول المعتزلة بخلود الفساق في النار مشروط بشرطين أولهما عدم التوبة من الكبيرة، والثاني عدم ارتكاب طاعة أعم ثواباً منها. وهذا الشرط يجعل جملة كلامهم في الإحباط مضطرباً. فتأمله.)
    لقد تأملته فلم أتبين الاضطراب المزعوم فهلا بينته؟

    قلتَ (ومعتمدهم في الاستدلال قوة العموم، إذ أكّد كما أشرتَ بأبداً ففضل غيره من العمومات. وهو عندي ليس بشيء إذ ليس هو في محل النزاع.)
    حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم.

    قلتَ (وبعض أجوبتنا تسلطت على تخصيص العموم فلا أثر للتأبيد وعدمه في توكيد جوابهم عن سؤالنا. وأخرى أوردت الاحتمال فأبطلت الاستدلال، أي لم يعد المعنى الذي يدعونه للآية قاطعاً موجباً لاعتقادهم اليقيني الذي يوجبونه.)
    هلا بينت الاحتمال الذي بطل به الستدلال؟


    قلتَ (لنا أن الأدلة خصصت عموم الموضوع المحكوم عليه وهو العصاة بإخراج المؤمنين منهم سواء كانوا من أهل الكباير أو الصغاير لانتفاء الخلود عنهم من دليل آخر.)
    نعم وأظن هذا أحسنَ أجوبتهم، والإشكال عليه أن ما ظنوه مخصصا لا يصلح للتخصيص ومثاله الآية الكريمة: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وسيأتي الكلام عليها قريبا. والجواب العام على كل هذه المخصصات المذكورة في القرآن أنها مخصوصة فلا تصلح للتخصيص. ثم إني أرجو منك حتى أزيد في توضيح الكلام أن تذكر الأدلة القرآنية على التخصيص. إذ سيأتي الكلام لاحقا على أدلة السنة وغيرها.

    قلتَ (ورد أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك. )
    افعل

    قلتَ (ولا يظنّ ظانّ أن هذا هو الدليل الوحيد لأهل السنّة على قضيّتهم هذه.)
    لم يقل أحد هذا، وأنا أنتظر أن تبين أدلتهم على هذه القضية.

    قلتَ (ولكنّا في سائر هذه المناقشة سوف نجاري الكاتب لنحرر مواضع الاتفاق والاختلاف بيننا وبينه، ونبين للقارئ الكريم ما نسلمه من كلامه سواء على إطلاقه أو مع تقييده، وما نعترض عليه بعندنا أو بمجرد الاحتمال القادح في صدق قوله مطلقاً)
    أرجو أن ينصب كلامك على الأجوبة والمناقشة العلمية.

    قلتَ (إنجازاً لما وعدنا من الملاطفة، فليتنبّه)
    تأمل عظيم ملاطفتك "فلا يلزم الحمر المستنفرة شيء منه، فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟، وحيد قرن دهره، ومن ينعق بخلافه، وكنت آليت على نفسي أن ألتزم معك الأدب، ولكن طفح الكيل بعد أن قرأت ردّك السخيف التافه على المولى جلال الجهاني، أيها التافه، عنك وعن غيرك من المعتوهين أمثالك، أو عن جميع الخلق. وإن كنت رجلاً اقبل التحدّي والمناظرة، لأريك أنك أنت الذي لا يفهم ما يقوله" فهل هذه هي الملاطفة اللتي وعدت بها! وأنا إن كنتُ معتديا فإني ما تفوهت بشيئ يقرب من ملاطفتك، وربُّكَ يقول:"من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عليك السام ففطنت عائشة لقولهم فقالت عليكم السام واللعنة فقل النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في المر كله فقالت يا نبي الله أولم تسمع ما يقولون قال أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم"، على أن ربَّ فادي ربٌ رحيم وخصم فادي خصمٌ كريم فما شأنك بيننا سامحك الله.

    قلتَ (أقول: لا يسلّم جوازه، إذ يلزم عند اعتبار ما دون الشرك هو الصغاير، أن يكون الشرك مشتركاً في الكبائر وضد التوحيد، وهو خلاف الظاهر. ولئن سلّم وليس كذلك، فحمل الشرك على الحقيقة أولى من حمله على الاشتراك فيقدّم.)
    هذا إن سلمنا أن الشرك حقيقة فيما ينافي التوحيد فقط، وللمعتزلة أن يخالفوا في هذا، أما من حيث اللغة فإنه ظاهر أن الشرك ليس موضوعا في أصل اللغة للدلالة خصوصا على منافاة التوحيد، وأما بالشرع فإن الشارع قد سمّى عظيم المعصية شركا كقوله:" الطيرة من الشرك" وقوله:"بين الرجل والشرك والكفر الصلاة" وذلك عند من يرى عدم كفر تارك الصلاة وهو قول الجمهور. فالشارع الحكيم أطلق الشرك على ما ينافي التوحيد وعلى عظيم الذنب فحمله على أحدهما دون الآخر في الآية الكريمة تحكم دون دليل.
    على أنني لو سلمت أن هذا الكلام غير صحيح فلن أسلم لك أن الآية غير متشابهة، إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية اللتي استدل بها المعتزلة وهي قوله تعالى:" ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا" وتخصيص هذا الظاهر بظاهر معارض تحكم بلا دليل، فإنا إن عكسنا وخصصنا الآية اللتي استدل بها الأشاعرة بالآية اللتي استدل بها المعتزلة لكان صنيعنا بمنزلة صنيع المخالف، فهلا بينت لي كيف يمكن أن تحل هذا التعارض بناءا على أصولك المنضبطة؟

    قلتَ (وتمثيله بقوله تعالى (إن تجتنبوا) لا يسلّم تقريباً للدليل...)
    أقول ليس هذا الذي فهمتَه هو المقصود من ذكر الآية الكريمة (إن تجتنبوا) وسأبين المراد من ذكرها بيانا شافيا فأقولُ: لو سلَّم المعتزلة أن قوله تعالى (ما دون ذلك) ظاهر في الصغائر والكبائر محتمل التأويل بالصغائر دون الكبائر أو العكس، فإن جميع ذلك أي الظاهر والتأويلان معارض بقوله تعالى: (ومن يعص)، ثم إن قوله تعالى (إن تجتنبوا) قيد عموم آية (ومن يعص) مخرجا الصغائر، وأبطل التأويل الثاني، وظاهر آية (ومن يعص) مؤيد بالتأويل الأول فيقدم على ظاهر (ما دون ذلك)، قلتُ هذا التقرير غير صحيح إذ إن المعتزلة يعارضون ظاهرا بظاهر كما فعل أهل السنة وبينته، وهو لا يصح، وقد أوردت هذا الكلام لأزيد في بيان أن ما ظنه كل فريق محكما إنما هو متشابه، وعذرا إن كانت المقالة قد أفهمت أمرا آخر.

    قلتَ (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة ...)
    كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية.

    قلتَ (وخلاصة الكلام أن مراد الكاتب من إمكان فهم الآيتين على خلاف فهم أهل السنّة لهما، وإن قالته المعتزلة، وإن اعتبرت أنت أن له وجهاً، فهو غير جائز ولا مسلّم).
    أما خلاصة الخلاصة فهي أن إمكان فهم الآية الأولى وهي (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) على خلاف فهم المخالف مازال قائما.

    قلتَ (أمّا الكلام في قلب المتشابه محكماً، وهو متشابهاً فهو مجرّد كلام، ومهاترة).
    قد بينت إمكان القلب فهلا رددته بكلام علمي مبتعدا عن ألفاظ الخطابة.

    قلتَ (وكلّ إنسان يمكنه أن يقول أي كلام يريد، فها أنت ذا مثلاً تحمد الله أن أسقط التكليف. فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟)
    لا لم أدفع لهم شيئا، ولا كذبتُ عليه جل شأنه وعزَّ قدرهُ سامحك الله.

    قلتَ (ولكن قليل هم الذين يستطيعون أن يثبتوا صحة ما يدّعونه. وعلى كلّ فقد أناقش قضية هذا الانقلاب عند الإجابة عن سؤال وحيد قرن دهره كيف نفهم القرآن، حيث اعتبر مناقشته الهزيلة والإجابات الجزئية التي لا يجيب بها المبتدي، بحثاً كافياً...)
    سأسامحك في قولك "لا يجيب بها المبتدي" ولكن من أين جئت بأنه اعتبر مناقشته بحثا كافيا وقد جاء في المقالة "وإن كان في المسألة كلام كثير لا حاجة لذكره إذ مقصود هذه المقالة رسم الخطوط العريضة في المسألة المطروحة". فهذا تصريح بأن المقالة إنما رسمت خطوطا عريضة، فهي بالضرورة ليست بحثا كافيا. على أنني أقترح أن نطوي صفحا عن هذا الكلام ونركز جوابنا على المسائل العلمية، بعد أخذ الإذن منك؟ ومثلك أكرم من أن يبخل بهذا الإذن.

    قلتَ (قوله: (وهكذا تكون الآية المتشابهة عند أهل السنة هي الآية المحكمة عند المعتزلة والعكس صحيح وبهذا سنكون أمام مشكلة وهي كيف سنفهم القرآن؟ ولماذا فهمه كل فريق على خلاف الآخر؟) أقول: هذا الكلام ليس دقيقاً على إطلاقه. فهنالك ضوابط للتشابه والإحكام، ولا يسلّم قول كل قائل بتشابه الكلام.)
    إن كنت تقصد بقولك "بتشابه الكلام" القرآن فالمقالة تدور على عدم وجود الضابط المضبوط ونحن لا زلنا نبحث فيما تدعيه من ضوابط.

    قلتَ (وإلاّ لم ينضبط علم ديني مطلقاً.)
    هذا اللازم الذي جعلته دليلا مُلتَزَمٌ، فالمقالة تدور على عدم انضباط فهم القرآن بناءا على الطرق التقليدية في الفهم فتأمل!

    قلتَ (ألم تر إلى البعض يدّعي التشابه في قوله تعالى (خالق كلّ شيء)، وفي قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فهل يعتدّ بهذا الفهم وهذا الخلاف).
    الكلام ليس في هذه المسائل على أن الأدلة عندي متكافئة فيها أيضا بالنظر إلى طرق الاستدلال التقليدية.

    قلتَ (ومبدئيّاً وبلا مزيد تفصيل أقول: إن اللفظ الذي يحتمل في سياقاته لمعنى فإمّا أن يحتمل غيره أو لا. الثاني النصّ. والأوّل إمّا أن يكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا، الأول المجمل، والثاني المؤوّل)
    أظن أن في الكلام سقطاً وصوابه أن تقول والأول إما أن تكون دلالته على الغير راجحة أو مساوية أو مرجوحة. الأول الظاهر، الثاني المجمل ، والثالث المؤول. أليس هذا الذي قصدته؟

    قلتَ (فالمشترك بين النصّ والظاهر المحكم، وبين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وعليه فقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ظاهرة في الشرك المكفّر فتكون آية محكمة، ويؤخذ منها جواز غفران ما دونه ومنه الكبائر لأنها دون الشرك معصية بالاتفاق. ومن ينعق بخلافه فليأت بدليل يحملنا على خلاف هذا الظاهر.)
    رغم أنك طلبت الدليل على غير الوجه الحسن الذي ينبغي أن يكون من فاضل مثلك، فإن لازم إتياني بالدليل أن أكون ناعقا -غفر الله للمسلمين- إلا أني سأجيب مستعينا بالصبر فأقول مضيفا إلى ما سبق إن الله قيد مغفرته لما دون الشرك بمشيئته، ولم يخبرنا في الآية إن كان شاء أم لم يشأ بعدُ أن يغفر لمرتكب الكبيرة فإن كان قد شاء أن لا يغفر له ولم يخبرنا فكيف تقول أنه يجوز أن يغفر له؟ كان حريا بك أن تتوقف لا أن تجوز؟ ألم تر إلى قوله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) ثم أخبر جل شأنه أنه شاء أن لا يغفر للمشركين، فهل يجوز لأحد أن يقول أنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟ وللمعتزلة أن يقولوا أنه أخبرنا بإنه لن يغفر لهم وذلك في الآية اللتي استدلوا بها على خلود العصاة، ومن هنا يتبين أن الآية لا تصح دليلا لمذهب الأشاعرة.

    قلتَ (أمّا أن يلقى الكلام هكذا على عواهنه على أنّه قول معتبر مقبول لمجرد حركة الشفاه به ويسمّى كلاماً، فلم نرهم يدونون نقيق الضفادع).
    ولا أنا رأيتهم يدونون نقيق الضفادع ولكننا لسنا بصدد الحديث عن نقيق الضفادع، وإن أحببت أن تتكلم عن النقيق والنعيق والنهيق فإني أستميحك عذرا، فأنا لا أحب الكلام فيها ولا المناظرة بها، فإن كنت حريصا على مناظرتي فليكن كلامنا بعيدا عن أصوات الحيوانات.
    الفاضل بلال أقترح أن ننهي الكلام في دلالة القرآن قبل أن نشرع في الحديث عن السنة، فإن كان عندك دليل محكم من القرآن يبين عدم تكافئ خلود مرتكب الكبيرة في النار فبينه وإلا انتقلنا للحديث عن سائر الأدلة، فما رأيك؟
    الحمد لله أن أسقط التكليف

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    القسم الأخير من التعليق الأوليّ على ما كتبه فادي أوّلاً
    قوله: (إلا أننا سنلاحظ أن هذا الأمر قد حدث عندما خرج النص عن الإطار الثقافي والجو النفسي الذي كان يعيشه من يشاهد ويعايش أسباب التنزيل، لذا فإن دلالات النص القرآني كانت تحتمل معنى واحداً محدداً عند المخاطبين به في وقت نزوله -هذا في الجملة– وكان القرآن بيّناً لهم فإذا أردنا أن نفهم القرآن فعلينا أن نفهمه من خلال الثقافة والجو الذي نزل فيه)
    أقول: لا يسلّم أنّ خروج النصّ عن الإطار الثقافيّ والجوّ النفسيّ إذا جاز التعبير بذلك أي على فرض وجود مجموعة كبيرة جدّاً من الناس بين نفوسهم هذا التناغم العجيب المدّعى، فلا يسلّم أن اختلاف هذه الظروف وإن ألقت بظلالها على النصّ أنّه لا يمكن فهم النصّ إلا بالعودة إلى تلك الظروف. وبماذا يختلف النص القرآني من حيث ما هو كلام عربي له دلالاته عن قصائد الشعر الجاهليّ والألواح الفرعونيّة والبابليّة والجداريات الهيروغليفيّة لحضارة المايا وغيرها من الحضارات القديمة من حيث ما هي نصوص مكتوبة بلغات تختلف عن لغتنا المحكيّة اليوم وظهرت في ظروف مغايرة للظروف التي نحياها اليوم، كيف استطعنا أن نفهم معتقدات تلك الأمم، ونعرف دلالات تلك النصوص دون أن نعيش معهم ونفهم ونعايش أسباب كتابة تلك النصوص. ثمّ بصرف النظر عن سبب كتابة تلك النصوص التي بلا شكّ تعين على فهم النص من بعض الجهات، ولكن أين التلازم بين معرفة سبب النزول وفهم النص من حيث ما هو كذلك. إن أيّ نصّ مكتوب بلغة منقولة لنا أي معروفة مواضعاتها ومنقولاتها فإننا إذا تعلّمنا تلك اللغة فكيف تمنع أن نفهم النص المكتوب به؟
    إنّ عدم معرفة سبب النزول وغير ذلك مما ذكرت من الظروف التي ظهر فيها النصّ لا تقتضي مطلقاً أن لا يفهم النص. فكأنّك تقول إن كلّ آية فهي مرتبطة بمناسبة خاصّة معيّنة، ولا دلالة لتلك الآية إلا على تلك الواقعة المحدّدة، بحيث لا يمكننا أن نقيس على تلك الواقعة شيئاً آخر، أو أن نفهم من النص شيئاً آخر إذا لم يكن ذا صلة بتلك الحادثة. ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك.
    فلا نسلّم أن معنى القرآن يتحدّد ويختصّ بسبب النزول. وسواء عرف السبب أو جهل، فلا نسلّم أن دلالته الخاصّة تلك، لا يمكن تعميمها. بل الأصل عمومها إذا كانت عامّة أو قابليّتها للقياس عليها إذا كانت خاصّة، وبالتالي تعميمها على نحو ما. وخصوصها مطلقاً بحيث لا يجوز تعديتها لا يعتبر فيه قول كل من قال ذلك، بل يجب أن يرد فيه دليل شرعيّ منفصل يشهد لتك الخصوصيّة المطلقة.
    ثم إنه كما كان القرآن مبيناً في زمان نزوله، فهو مبين اليوم بالاتفاق. ولكن آلات فهمه في ذلك العصر والتي أهمها معرفة اللغة العربيّة واصطلاحات الشارع، قد نقلت وهي موجودة عند العلماء، فلا حجر على فهومهم اليوم بحجة عدم المعاصرة. وقد أشرنا في المقالات السابقة إلى أن تبادر وظهور المعاني لا يعتد به شرعاً في فهم النصوص الشرعيّة إلا إذا صدر عن العلماء، ذلك أن العالم لا بدّ وأن يكون تعلّم لغة العرب وغير ذلك مما يحتاجه لفهم النصّ والاستنباط منه، ولا حجّة لأحد بأنّه لم يعاصر نزول القرآن أبداً. وإذا كان الكلام في تفاوت الناس في فهم القرآن الكريم فقد بيّنا سببه، فهذا أمر طبيعيّ، لأنهم تتفاوت معرفتهم للغة العربيّة، ونصوص الشريعة الأخرى وأدوات فهمها. وهذا الأمر كان أيضاً موجوداً في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم، فهل يستطيع أحد أن يقول إن الصحابة عوامهم وخواصّهم كانت معرفتهم واحدة وفهمهم لدقائق القرآن الكريم متساوياً.
    ثمّ إن ادّعاء أن النصّ القرآنيّ كان بيّناً لجميع المخاطبين به في وقت نزوله فضلاً حصول فهم واحد لديهم جميعاً وإفادته دلالة واحدة عندهم، لهو كلام غريب مخالف للعادة والظاهر مخالفة واضحة. ولعمري كيف لأحد أن يعرف ذلك أو يستدلّ عليه، إذ هو بحاجة لاستقراء تامّ لكلّ واحدٍ واحد منهم، وهو محال. والباحث يجد في الآثار معارضات كثيرة لهذا القول، من الحوادث التي اختلف فيها الصحابة في تفسير مواضع من القرآن. فكيف تدّعي أن مجرّد اشتراك الناس في ظرف تاريخيّ معيّن كافٍ في تحصيل فهمٍ واحد لدى الجميع في أمرٍ يحتاج فيه إلى أكثر من مجرّد الحاسّة والعقل المحض. ألا وهو فهم القرآن الكريم؟

    قوله: (لكن فهم الثقافة أمر يحتاج لا إلى القراءة عنها فقط بل إلى العيش فيها أيضا حتى يدرك لا مجرد العادات والتقاليد بل مقدار عمقها في المجتمع، والقراءة لوحدها لن تفي بهذا الغرض، هذا بالإضافة إلى أن فهم النص المقروء عن تلك الثقافة سيتم من خلال ثقافتنا نحن –أي سيخضع دون قصد منا إلى تأويلاتنا كما خضع النص الديني-، فكيف إذا أضفنا إلى ذلك أن أسباب النزول لمعظم النصوص مجهولة، فضلا عن شعور المخاطبين بسبب النزول ومقدار تأثرهم به، وإذا كان الوصول إلى مثل هذا متعذرا فإن الوصول إلى مراد الله متعذر؛ وبالتالي فستكون النتيجة عند البعض أن النص القرآني نص للمخاطبين به فقط لا يصلح لكل زمان لاستحالة الوصول إلى المراد منه.)
    أقول: لا يسلّم أن معرفة الثقافة بالقدر الذي يكفي لفهم نصّ خوطبت به تلك الثقافة، أمرٌ يحتاج إلى العيش في تلك الحضارة. وندّعي أن المعرفة من طريق الخبر تكفي في نقل ذلك القدر المحتاج إليه في الفهم. ولولا ذلك لما كان الأمر بالتبليغ ذا قيمة. لأنّ كلّ مبلّغ فإنّه سيحتجّ بما تحتجّ به فلا تقوم عليه حجّة. وما معنى قوله صلى الله عليه وسلّم: (فربّ مبلغ أوعى من سامع)، أيّ وعي يعيه المبلغ بأفضل من السامع إذا كان فاقداً لشرط الفهم الأصيل عندك ألا وهو السماع والمعاصرة على حدّ ادعائك. ثمّ إنك لو تفحّصت قليلاً لتنبهت أنه لا فرق بين شخص يعيش في اليمن بمعزل عن الحوادث والجوّ النفسانيّ، والبيئة بجميع عناصر نظامها كما هي في المدينة المنورة، وبين إنسان يعيش في عصرنا الحاليّ ممن يتقنون اللغة العربيّة. ولماذا تبتعد عن المدينة، إن بعض أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم كان يحضر مجلسه عليه الصلاة والسلام والآخر يكسب لهما، ثم في اليوم التالي يتبادلان وظيفتيهما وكلّ منهما يبلّغ صاحبه بما سمع وحصّل من معارف. وقد تحدث واقعة يعاينها أحدهما دون الآخر، وينقلها للآخر، ولا قائل بأن المنقول له قد تحققت فيه جميع ما اشترطته للفهم من الجوّ النفسّي وغيره. فهل تدّعي أيضاً أن هذا السامع لا يمكنه أن يفهم القرآن الذي أنزل في تلك الواقعة التي عاينها الأوّل؟ إن هذا كلام ظاهر البطلان.

    قوله: (إلا أن الطرح الذي يتكلم عن ديمومة الشريعة بوصفه أمراً مسلماً وحقيقة راسخة يستدل على خطأ هذا التحليل بمخالفته لحقيقة ديمومة الشريعة وبقائها القطعية -برأيه- التي دلت عليها النصوص دلالة واضحة، ومارسها الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يعتبر من يؤيد هذا التحليل أن عدم تعارض القرآن أمر مقطوع به وأن مراده الدلالة على معنى واحد كذلك وهذا لا يمكن أن يكون إذا قلنا بديمومة الشريعة، أي أن كل فريق استند إلى مسلمة جعلها أساسا لآليات تعامله مع النص، وأهدر المسلمة الأخرى، وهنا خرج فريق ثالث قال بديمومة النص ولكن بتعدد دلالاته على وفق المخاطب وثقافته، هذا الطرف اعتبر ديمومة الشريعة أمراً مقطوعا به كما أنه اعتبر عدم تعارض القرآن كذلك، إلا أنه ذهب إلى أن النص لا يحمل دلالة واحدة)
    أقول: أنا أريد منك أن تحدد ما تسلّمه من هذه القضايا، لكي أبدأ حديثي معك من هذه المسلّمات. فلربما تعلم أنه لن يثمر كلام بيننا مطلقاً إذا لم نبدأ من قضايا مسلّمة بيننا، كما هو مقرر في قواعد البحث والمناظرة. فأرجو أن تقول لي أنت ماذا تعتقد. هل القرآن كلّه مقطوع به عندك أنّه من عند الله أوْ لا؟ وهل هو منزّه عن التعارض الحقيقيّ أو لا؟ وهل الدّين كما أنزله الله تعالى على رسوله صالح لكلّ زمان ومكان سواء في أحكامه الاعتقاديّة والعمليّة أو لا؟ بمعنى أنّه إذا ثبت حكم اعتقاديّ أو عمليّ معيّن بدليل من نصّ قاطع أو إجماع فهل هذا عندك قابل للتغيّر بحسب الظروف الزمانيّة والمكانيّة وغيرها من الظروف أو لا؟ وما هو القدر المسلّم عندك من الدّين؟ خبرنا به ولو على سبيل الإجمال حتى نتّخذه مستندنا الذي نبني عليه الكلام. وهل ترى أن كلّ الذين ذكرتهم ممن اختلفوا في ديمومة الشريعة والنصّ، وصلاحيّة الشريعة لكل زمكان ... إلخ مما ذكرت، هل ترى أن أقوال جميع هؤلاء معتبرة وسائغة عند علماء الشريعة؟

    ويتعجب فادي فيقول: (وهنا أثير إشكال حول هذا الفهم وهو: كيف يمكن لنص أن يحمل عدة آراء لنفس المسألة من غير أن يكون متعارضاً مع نفسه ! )
    فأقول: قد أجبنا عن ذلك بما يكفي في موضع سابق، ونحن ننتظر رأيه فيما كتبناه هنالك.

    قوله: (يمكن أن يقال إن النص لا يمكن أن ينفك عن قارئه في دلالته، إذ من غير اعتبار وجود المرسل إليه ما حاجة الرسالة!)
    أقول: من أي جهة من الجهات لا ينفك النصّ عن قارئه. فهذا كلام عام، واستدلالك الخطابي هذا (من غير المرسل إليه ما فائدة الرسالة) مغالطة مكشوفة. فإن الجهة التي تتحدث عنها حضرتك وتشترطها لفهم النص هي أن يكون قارئ النصّ معاصراً لظهور النصّ أو نزوله، وهذا شرط لا يسلّم لك حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط. فما هو الدليل الذي تستدل به على امتناع فهم النصّ فهماً صحيحاً إلا بشرط معاصرة ظهوره؟
    هل هذا هو التحقيق الذي تدّعيه في بحثك، أن تأتي بمقدّمة عامة كهذه (لا يمكن أن ينفك النص عن قارئه) ثم تصعد على ظهرها لتقول إنه مع انقضاء عصر المخاطبين لا يمكن فهم النصّ القرآني. فما هو ضابط المخاطبين عندك؟ أهو من سمع من النبيّ مباشرة، أم من سمع بواسطة، أم من عاين أسباب النزول، أم من يفهم العربيّة، أم من؟
    وما العلاقة بين المخاطَب والمعاصِر لنزول النصّ؟ كأنّك تحمل أحدهما حملاً تامّاً على الآخر، وكيف لعمري يسلّم هذا؟ فكل أحد يعرف أننا الآن مخاطبين بأوامر القرآن والنواهيه مع أننا لم نكن ثمّة حين نزل القرآن الكريم. وكل عاقل يعرف أنّه يمكن أن يخاطب الواحد ورثته بوصيّة مكتوبة، وما المانع من أن يفصل بين كتابة الوصيّة وتنفيذها طبق النعل للنّعل مائة سنة أو أزيد؟ بالله حقّق لنا هذا الموضع، فإنا لا نكاد نسيغه.

    قوله: (لذا فإن دلالة النص للقارئ الواحد ستتم من خلال ثقافة ذلك القارئ ونفسيته وستفسر النصوص التي تتعارض في ظاهرها مع هذه الثقافة بطريقة يزول فيها هذا التعارض، وعندها لن تكون النصوص متعارضة فيما بينها بالنسبة لهذا القارئ، وهكذا سيكون النص نصاً قادراً على مواكبة تغير الثقافات والنفسيات المختلفة ويكتب له الخلود في أحكامه)
    أقول: إننا لم نسلّم أن اختلاف الثقافة يستوجب اختلاف فهم النصّ كما تقدّم. فمثّل لنا على نصّ يتغيّر معناه بتغيّر الزمان. ثمّ وضّح لنا بمثال كيف أنّ تغيّر الظرف النفسي والثقافي حين يحصل معه تعارض بين الثقافة الجديدة والنصّ الشرعيّ، أنّ ما يزيل هذا التعارض هو بالفعل نفسيّة قارئه؟

    قوله: (وقد يذهب بعض من يتبنى هذا الرأي إلى القول بأن في هذا دلالة على إعجاز القرآن من حيث أنه استطاع البقاء مع تغير الأزمان والأماكن)
    أقول: أنا شخصيّاً أرى فرقاً كبيراً بين ديمومة النص من حيث ما له من قدرة على إقناع الإنسان أينما كان وفي أي زمان وجد، وصلاحيّته لمخاطبته وتحقيق استقراره النفسيّ بإجابته عن أسئلته الكبيرة التي تساهم في اضطراب نفسه، وبوضعه على صراط مستقيم من الاعتقاد والعمل وفق نظام وقانون معيّن، يكسبه السعادة في الدارين؛ وبين كون النصّ تتغيّر دلالاته في كلّ زمان بفعل تغيّر نفسيّة وثقافة قارئه، بحيث يفهمه فهماً جديداً يتعارض مع الفهم الأوّل وفي نفس الوقت نسمّي هذا الفهم الجديد فهماً لدين الله.
    ففي حين أرى ثبات الأحكام ومناسبتها لكل زمان ومكان دليلاً على إعجاز القرآن، لا أرى في مناسبته لكلّ زمان عن طريق تغيير أحكامه وتغيير فهمه ليناسب تلك الظروف الجديدة شيئاً من الإعجاز. فما الفرق إذاً بين القانون الإلهيّ والقانون الوضعيّ. إننا نرى المشرّعين في كلّ زمان يضعون قانوناً ثمّ لا يلبثون أن يغيّروه لوجدانهم فيه خللاً ما، وعدم مناسبة للظروف والنسيج الاجتماعيّ الجديد وعلاقاته الاجتماعيّة. ولكنّا نرى القانون الإلهيّ واحداً في كلّ زمان، لأنّه سهل ميسور، ممكن الفهم والتطبيق في كلّ زمان. ولا حاجة لتغيير أحكامه. بل إنّ تغيير أحكامه بتعديله ليتناسب مع الثقافة الجديدة التي فيها ما يناقض الدين ليس إلاّ تحريفاً للدين، وحكماً بغير ما أنزل الله. فإننا نعتقد بأن ما يصلح به الإنسان من لدن آدم حتّى آخر شخص يولد على الأرض قبل القيامة هو ذات الأمر. وهو القانون الإلهيّ الذي يختاره الله تعالى لعباده الذين خلقهم والذي هو أعلم بما يصلحهم.

    قوله: (إن هذا الرأي وإن كان يحمل حلولا لبعض المشاكل إلا أنه يواجه بدوره ثغرات أخرى إذ إن تحكم الثقافة في فهم النص الديني سيهدر قيمته وفائدته، وسيجرد النص من هدفه التغييري الذي أنزل من أجله، وبعبارة أخرى سيصبح النص جزأ من الثقافة مفعولا فيه بدلا من أن يكون فاعلا فيها مغيرا لها كما هو معلوم ضرورة من حال النص مع الجاهلية)
    أقول: نحن لم نوافق على نفس الرأي لنلتزم ما يتفرّع عنه. ونسلّم بأن تحكم الثقافة بالنصّ على أيّ معنى من المعاني يهدر قيمته وفائدته. نعم سيجرّده من هدفه التغييري مع عدم حصر هدفه في التغيير. نعم سيصح النصّ جزءاً من الثقافة ومهيمناً عليه لا مهيمناً هو عليها إذا عرّضناه لما اقترح من التغيير والتبديل في أحكامه بحسب الأهواء المصالح.

    قوله: (وهنا جاء من قيد فهم الثقافة للنص بقيود شرعية لا يجوز للثقافة مع تغيرها أن تتعداها، وبالطبع فإن هذه القيود ليست نصوصاً جزئية، وإلا فإنها ستخضع بدورها إلى ما يخضع له أي نص لغوي من تغير دلالته باختلاف الثقافات وقراءته من خلال شخصية القارئ، إن هذه القيود هي كليات الشريعة التي تضافرت النصوص على إثباتها وقام عليها الدليل العقلي الفطري فضلا عن نقلها نقلا يغني عن إثباتها، ومحاولة السؤال عن دليل جزئي عليها أشبه بمحاولة السؤال عن الأمور البدهية كالسؤال عن دليل وجود شخص اسمه محمد –صلى الله عليه وسلم- قال إنه رسول من الله، نعم قد تحتاج آحاد الكليات إلى من يبين أنها على هذا القدر من الوضوح، أو فلنقل على بيان أنها كلية، وهذا لا ضير فيه"
    أقول: أوافق على جميع هذا الكلام دون تحفّظ. ولكني أستفهمك عن مقصودك من قولك (الدليل العقلي الفطري) فإني بحسب فهمي وعلمي فليس للعقل الفطريّ أدلّة تستطيع أن تنتهض لتثبت هذه الكليّات الشرعية الضابطة لفهم نصوصها.

    قوله: (يمكننا أن نختصر هذه الكليات في كلية واحدة وهي "تحقيق مصالح العباد، ورفع الظلم والحرج عنهم" وبهذه الكلية سيتحقق مقصد الشريعة الذي عبر عنه الشاطبي بقوله : "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا كما أنه عبد لله اضطرارا" وهو معنى كلمة التوحيد لا إله إلا الله."
    أقول: أما نحن فلا يمكننا أن نختصر كليّات الشريعة في هذه الكليّة المذكورة. ونطلب أن تشرح لنا عبارة الشاطبي هذه بحيث تبين كيف فهمت منها أنّ هذه هي الكليّة الوحيدة التي يمكنها ضبط فهم النصوص الشرعيّة. ثمّ لنسلّم لك هذه الكليّة، أي أنّه ما من تشريع وضعه الله تعالى إلا وهو يتحقق لعباده بتطبيقه مصلحة ويرتفع عنهم به ظلم وحرج، حسناً. فكيف تستخرج من هذه القضيّة الكليّة ضابطاً لتفسير النصوص الشرعية على مرّ الأزمان يكون غير مخالف للشريعة.
    ودعنا نتأمل القضية أكثر ولنجمل ما ذكرته على سبيل الاختصار في تحقيق المصلحة. فتكون القضية التي سلّمناها لك مفادها:
    كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لمصلحة.
    ولا أظنّك تقول إن هذه المصلحة هي المصلحة الفرديّة في الدنيا على الأقلّ، لأن كل مظلمة ففيها ظالم ومظلوم، ولا يمكن أن يتحقق رفع الظلم بتحقيق مصلحة الطرفين. فيكون مقصودك هو المصلحة العامّة إلا أن تعترض على فهمنا فيلزمك بيانه. فقضيّتك هي:
    كلّ حكم شرعيّ فهو موضوع لتحقيق مصلحة مجموع المكلّفين.
    فإذا سلّمناها لك، فيجب أن تسلّم لنا عكسها المستوي وهو:
    بعض ما يتحقّق به مصلحة المجموع ليس بحكم شرعيّ.
    فهل تسلّم ذلك أو لا؟
    إن ما تدور عليه حضرتك هو التأسيس لنقيض هذا القول، وهو:
    كلّ ما تتحقّق فيه المصلحة فهو حكم شرعيّ. أو أنه يمكن اتخاذه دليلاً لإسقاط حكم شرعيّ أو حتّى قاعدة شرعيّة تعتبرها جزئيّة خاصّة بذلك العصر، وإنّك مع تسليمك بأنها لا تتعارض مع كليّتك الكبرى هذه، إلا أنك كأنك تقول مع عدم تعارضها إلا أنني أودّ طرحها لأنها لا تناسب المصلحة في هذا الزمان على فهمته من كلامك اللاحق.
    فكيف تريدني أن أسلّم لك قضيّتك المستلزم لتسليم عكسها، وأن أسلّم لك في نفس الوقت نقيض عكسها المستوي؟ هلا تفضّلت بالإجابة؟ ثمّ بعد ذلك يكون لنا بعد ذلك تحقيق أكثر في قضيّتك الكليّة هذه ولوازمها.

    قوله: (نعم يلزم من هذا الحل أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلالية الفردية، وتراعى الأمور الكلية؛ لا لأن الكلي يلغي الجزئي إذ لا تعارض بينهما أصلا، ولكن لأن الجزئي مرتبط بالواقع المعاش وبطبيعة المخاطبين به مباشرة، وبهذا يمكن أن نحل التعارض الظاهري فيما يبدو لنا بين آيات القرآن)
    أقول: حقّ كلامه أن يكون (أن تفقد النصوص الجزئية قيمتها الدلاليّة التعميميّة أي بالنسبة لما يتعدّى تلك الواقعة، لأنّ كونها متعلّقة بأفراد معيّنين ثابت لا مشاحة فيه حال كونها جزئية. وعلى كلّ حال، إن كلامك هذا يقتضي نفي القياس الشرعيّ الذي من نوع التمثيل كما يسمّى في المنطق، وهو حمل جزئي على جزئيّ لعلّة مشتركة معرّفة للحكم، هذا أوّلاً. وهو خلاف المعلوم بالضرورة من سيرة علماء أهل السنّة الذين اعتبروا القياس دليلاً شرعيّاً. ثمّ ثانياً: كيف تسلّم أن الجزئي لا يتعارض مع الكليّ، وفي نفس الوقت تريد أن تلغي ذلك الجزئي. أي ما هو مسوّغ هذا الإلغاء شرعاً. إنه إذا كان الجزئيّ واحداً من مصاديق الكليّ، وكلامنا ههنا في القواعد، فإنه أولاً ما هو الدليل الشرعيّ على جواز طرح القاعدة الجزئيّة وعدم تطبيقها على واحدة من مصاديقها؟ وثانياً: لا بدّ أن يكون هنالك مسوّغ من الشرع يبيح هذا الانتقال من قاعدة جزئية إلى أخرى، ولا يمكن أن يكون هنالك مسوّغ لكلّ حادثة حادثة، فهذا لا ينضبط، فما هو الضابط الكليّ الذي يبيح هذا الانتقال؟ إن كان هو عينه المصلحة فقد بيّنا تناقض دليلك فيه، ونزيد بأنه من أين لك العلم بأن ما تراه أنت مصلحة العباد هو مصلحة لهم في نفس الأمر. إننا نعلم أن الله حكمة الله تعالى من التشريع قد تكون بعيدة جدّاً وخفيّة وقد لا نتمكّن من دركها، فكيف نعطّل حكماً شرعياً ثبت بالدّليل أو نستبدله بغيره لمجرّد وقوعه من وجهة نظرنا الإنسيّة الظنيّة تحت كليّتك المتعلّقة بالمصلحة؛ وإن كان غيره فبيّنه لنا كي ننظر فيه. وثالثاً: إن تجويزك لطرح واحدة من جزئيّات القواعد الشرعيّة، لماذا ترتكبه إلا إذا أردت استبدالها بقاعدة أخرى. والمعنى أنّه إما أن تكون القاعدة الجزئيّة التي ستبدل بها الأولى لتطبقها على الواقعة التي تعاصرها هي إحدى مصاديق القاعدة الكليّة الكبرى أو لا. إذا لم تك من مصاديقها فبأيّ حق تدخل على الدين ما ليس منه؟ وإن كانت من مصاديقها فلماذا اخترت هذا المصداق الجزئي الجديد دون الأوّل ودون ما عداه من المصاديق؟ ولم لم تحكم في الواقعة الجزئية بحكم القاعدة القديمة؟ ومن أين لك العلم بأن هذه القاعدة الجزئية الجديدة ليس هنالك ما هو أصلح منها؟ إن ذلك إما أن تعرفه بدليل قطعي أو ظنيّ. إن كان الأوّل، فلا يجوز العدول عنه إلى غيره على أصلك المسلّم بعليّة المصلحة معرّفاً للحكم، فلا يجوز أن يكون هنالك قاعدة أخرى تصلح للحكم في تلك الواقعة بعد القطع بصلاحها هي دون ما عداها. وإن كان ظنّياً فكذا كان الحكم في الأول فما مرجّح العدول عنه إلى الثاني؟
    أرجو التفصيل في مرادك في هذا المحل، ولعلّه يفيد أن تأتي لنا بمثال تطبق عليه هذا الكلام. وهل كلامك في مطلق الأحكام الشرعيّة أو في بعضها دون البعض؟ إن كان الأوّل فقل لنا مثلاً كيف تحققت لديك المصلحة التي تعرّف حكماً يقضي بالمنع من الصلاة أو على الأقل نقلها من الوجوب إلى الندب أو الإباحة بحيث جاز لك تركها وتعطيل الدليل القطعي على إقامتها. وإن كان الثاني فقل لنا ما هو ضابط التمييز بين الحكم الذي يجوز تغييره وذلك الذي لا يجوز تغييره؟

    قولك: (كالمسألة المطروحة إذ تحمل كل آية على مخاطبتها لحالة معينة تريد الآية تحقيق التوازن فيها ابتغاء جلب مصلحة أو دفع مفسدة محققة بذلك مقصد الشريعة، هذه الآية التي ستؤدي إلى نوع تلبيس أو إضلال للمخاطب إذا أهدرنا كونها دليلا جزئيا)
    أقول: أرجو توضيح كيف تؤدي هذه الآية للإضلال عند النظر إليها كدليل كلّيّ. ثم كيف فهمت أن هذه الآية دليل جزئيّ؟

    قولك: (قد تتداخل هذه التيارات فيما بينها وبالأخص عند تنزيلها على الواقع، وربما كان ذلك لعدم وجود أصول واضحة عند كثير ممن ينتسب إلى أي منها)
    أقول: اذكر لنا بعض هؤلاء الذين ليس لديهم أصول واضحة، وهل أهل السنّة الأشعريّة والماتريديّة منهم؟ فإن كان كذلك فمثّل لنا على بعض أصولهم غير الواضحة عند كثير منهم.

    قولك: (لكنني عرضتها منفصلة ذاكراً أدلتها الكلية على فلسفاتها من غير الدخول في الأدلة الجزئية، وإن كان في المسألة كلام كثير لا حاجة لذكره إذ مقصود هذه المقالة رسم الخطوط العريضة في المسألة المطروحة)
    أقول: لم أر في كلّ ما كتبته أدلّة كليّة على اقتراحك الممتع بتفسير النصوص القرآنية على أساس من المصلحة كما يراها أهل كلّ زمان. بل لم أرَ أدلّة كليّة في كلّ ما كتبت على شيء مما ادعيت. فهلاّ بيّنت لنا ماذا تعني بالدليل الكليّ. وجرّدت لنا هذه الأدلّة على شكل قضايا محددة لنناقشها معك. لا سيّما وأنّه قد حان إنجاز ما وعدت من التحقيق، وبرزت الحاجة لقول هذا الكلام الكثير الذي يرسم الخطوط الدقيقة ويبرز التفاصيل النهائية بحيث يتعدّى ما اسكيتشته من خطوط عريضة.

    قوله: (ومن أراد التحقيق حققنا معه)
    أقول: وأنا أردته. وسأحاورك فيه وأصبر إن شاء الله ولو استغرق مني ذلك عمري.

    قوله: (الحمد لله أن أسقط التكليف)
    أقول: إن كان ساقطاً عنك فلم تتكلّف عناء حمد الله والصلاة والسلام على نبيه، والكلام في الدّين. لماذا تهتمّ بالقرآن وفهمه؟ وماذا يعنيك من ذلك؟ إن هذا وأيم الله ليذكرني ببعض المدافعين عن الماركسية اللينينية حين كنّا نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزاً. فقد كان يتكلّم في الكفاح المسلّح وضرورة التضحية بالغالي والنفيس ليستتب الحكم للبروليتاريين. فقلت له: إن الله يعدنا بالجنّة إن متنا في نصرة دينه، فبماذا تعدنا أنت؟ فتسفسط حتّى انتهى النقاش ولم يجب بشيء.
    وهذا فادي يدّعي أن الله أسقط التكليف؟
    أي أنّه يسلّم أن الله تعالى أثبته أوّلاً ثمّ وضعه عنه وحده على الأقل. فهلاّ استدلّ لنا على سقوطه فلعلّنا نأتي الله تعالى بسلطان مبين، وبرهان إذا سألنا لماذا تركتم ما كلّفتكم به. ولا نمسِّك بعد اليوم بمعالي الأمور، إذا أقمنا الحجّة على الله بأنه ليس ثمّة تكليف كلّفناه. إن نفوسنا الرديّة لتتوق لترك التكاليف، والغرق في حمأة الوضاعة، والغوص في الملذّات فلماذا نحرمها من هاته الأمور. ألا ترى أن بحث هذا الأمر من أهم المهمّات، ويجب أن يسبق كلامنا في القرآن الكريم وفي كلّ شيء. لأنك وإن كنت تترف نفسك وتتلذذ ببحث هذه الأمور، فأنا لا أجد في ذلك متعة البتّة، فلعلّي إن سقط عنّي التكليف لا أرغب في أن أصحو من خمري ومنادمة شياطين شعري، ومخادنة النساء ناظراً ومقبلاً ومخاصراً ومواقعاً.

    هذا ما أردت قوله تعليقاً على جميع ما كتبه فادي في مقالة إشكالية فهم النصّ القرآني. ثم رأيته قد شرع في الإجابة، مسمّياً ما كتبه هنالك تحقيقاً. حسناً، سأكون في شغل أيام العيد، وربما يكون لديه الفراغ ليتمم التعليق على جملة ما كتبت، والإجابة عن أسئلتي التي طرحتها عليه. وسأبدأ فور فراغي من واجبات العيد بالنظر في كلّ ما سيكتبه فادي، في مستوى أعمق من هذا المستوى إن شاء الله تعالى.
    تقبل الله تعالى من جميع المسلمين طاعاتهم في هذا الشهر الفضيل الذي ذهب وظلّ مواطناً في خواطرنا
    لا أوحش الله منك يا رمضان
    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم
    استدراك
    جاء في القسم الأخير من مناقشتي لفادي ما يلي:
    قلت: (فإذا سلّمناها لك، فيجب أن تسلّم لنا عكسها المستوي وهو:
    بعض ما يتحقّق به مصلحة المجموع ليس بحكم شرعيّ)
    أقول: لقد وقعت ههنا في خطأ منطقيّ فأعتذر من فادي وجمهور القرّاء، والحق أن العكس المستوي لهذه القضيّة هو: بعض الموضوع لمصلحة حكم شرعيّ.
    أما القضيّة التي صرّحت بها فيمكن أخذها من العكس المستوي التصحيح بتوسط مفهوم المخالفة. وأظنّ المعنى الذي أردته بات واضحاً، وهو أن المصلحة أو الصلاح التي هي المنفعة المستوجبة لتحصيل لذة أو دفع ألم، أو هي نفس اللذة تحصيلاً أو إبقاء، يغلب أن يصدق فيها أن بعضها بهذا المعنى موجود ولا يتعلّق بتحصيله حكم شرعيّ، وربما لذلك سبق لساني إلى القضيّة المثبتة قبل التصحيح. ولكن الإلزام لا يكون بهذه المقدّمات قطعياً. ويمكن لمحاورنا أن ينفكّ عنه بقوله: إن ذلك لا يلزمني) لذا اقتضى التنويه. وعلى أي حال سأجري كثيراً من البحوث المنطقيّة على القضايا التي أجرّدها من كلام فادي في المنقاشات القادمة إن شاء الله.
    جلّ من لا يسهو، والسلام عليكم.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مناقشة رد فادي على تعليقي على مقاله إشكالية فهم النص القرآني

    قوله: (وقبل الشروع في التعليق على جوابك أرغب في شكرك على الوقت الثمين والجهد الكبير الذي وهبته للرد على المقالة في زمنٍ كثرت في المشاغل، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على فضلك وحرصك على نصرة دين الله والله أعلم)
    أقول: العفو فلا شكر على واجب، ثم إنه لمن دواعي غبطتي أن تنظر إلى ردّي على أنّه نصرة لدين الله، وأما مقالك فقد دلّني على أشياء كثيرة أود الاحتفاظ بها لنفسي بعض الوقت. وقد أقولها لك في نهاية حواراتنا أو في رسالة خاصة يوماً ما. وفقنا الله وإياك إلى ما يجب ويرضى.

    قولك: (وإن كنت تقصد أنهم صارعوا الأمرين لتفسيرهم هذه الآية الكريمة على وجه التحديد بما قالوه، فهلا بينت لي أين صارعوا الأمرين إذ فسروا الآية بما ذكر؟)
    أقول: إن عبارتي كانت هكذا: "ليس صحيحاً البتّة، بل لقد صارعوا الأمرّين مع أهل السنّة لقولهم بذلك، وانظر كم يحتجون على هذا الموضع ويحتجون لكي يتم لهم كلامهم الظاهر الضعف في مقابل الأدلة المتظاهرة التي تشهد لقول أهل السنة بعدم خلود أهل الكبائر وأهل الصغائر من المؤمنين في النار" تعليقاً على عرضك لاستدلال المعتزلة بقولك: (وبالنسبة لهم فهي آية واضحة لا تحتاج إلى شرح كثير وبالأخص أن الله أكد خلود العصاة بقوله أبداً).
    فكلامي واضح معناه، ومعنى مصارعة المعتزلة الأمرين مشروح فيه. وهو تعليق مناسب على قولك الذي يصوّر أن استدلال المعتزلة ظاهر القوّة، وأنه قول معتبر يسوغ فيه الخلاف، وليس ذلك صحيحاً. ذلك أنّا ندّعي أن الخوارج ثم المعتزلة هم أوّل من خالفوا أهل السنّة والجماعة في هذه المسألة، فقولهما في الكفر بالصغيرة أو الكبيرة التي دون الشرك قول شذوا به عن إجماع الأمة على عدم التكفير بهما قبل الخلاف. ويذكر الإجماع عدد كبير من العلماء، انظر سيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار، في محلّه. هذا ما أردت لفت نظر القارئ إليه، فلم يكن يوماً من يخالف الإجماع أو المشهور من مذهب أهل السنّة يتلقّى شخصه بالأحضان والبشاشة، وقوله بالقبول والتملّق إلا في زمان الحقّ الضائع هذا، زمان ضعف المشيخة، واستخذاء كثير من المنتسبين إلى السنّة، ألا قبّح الله الدّعة. بل حقّاً كانوا يصارعون الأمرّين، واقرأ في سيرة الشيخ أبي الحسن، والباهليّ، وابن فورك والباقلاني وغيرهم من الأئمة تعلم ما فعلوه بمن كان يخالف مذهب أهل السنّة وعلى رأسهم المعتزلة. هذا كلّ ما هنالك، ثمّ لا تبتئس، دليل المعتزلة وقولهم مفهوم وواضح، ولا يستأهل الأمر منك عناء الإشارة إلى ذلك.
    قولك: (والله إني لأعجب كيف تطلق القول بظهور الضعف في كلامهم، ثم لمن ظهر هذا الضعف أللعلماء فهل تظن أن ظهور ضعفه سيخفى على مثل القاضي عبد الجبار والزمخشري؟ أم أنك ستنزلهم عن رتبة العلماء؟ ثم اعلم أن ظهور الضعف أمر نسبي إذ قد يظهر الضعف لشخص ولا يظهر لآخر وذلك إما لسعة علم هذا الشخص أو لجهله، فلا ينبغي أن تطلق الحكم على هذا الوجه)
    أقول: لا تعجب، فأنا أصر على ظهور ضعفه. ولا يقدح ذلك في تقديري للشيخين الجليلين المذكورين قطعاً، بل سلني أنت عن قدرهم عندي، وشدّة احترامي لهم، لنبوغهم ولمشاركتهم في العلوم. ولكن ذلك لا يغير حقيقة ضعف قولهما. وأنت المسلّم أنه لا أحد بمعصوم بعد الأنبياء، ولا أظنّ أحدهما وقف علمه عند أعتاب باب واصل رحمه الله تعالى، فهو من قيل فيه أنّه لم ير قطّ مثله، ولكنّه قال بالصلاح والأصلح، وغير ذلك من الأقوال السّاقطة الظاهرة الضعف. ولم يدّع أحد أنه ليس بعالم أبداً. ثمّ إن مجرّد قولك إن ظهور الضّعف أمر نسبيّ يكفي مسوّغاً لقولي بذلك، فمع أنه قول بعض عظماء المعتزلة، إلا أنه ظاهر الضّعف عندي، فإن كان لسعة علمي بهذه المسألة ففضل الله يؤتيه من يشاء. وإن كان لجهلي فقد سألناك أن تعلّمنا مما علّمت رشداً، فبالله لا تضنّ علينا، وأيّ باخل أضنّ من كاتم علم! أمّا أنه لا ينبغي أن يطلق هذا الحكم على هذا الوجه، فمتى يطلق إذاً إن لم يكن حين يظهر للواحد شدّة ضعفه، وهزاله، أم أنّك تقول إنّه لا يجوز إطلاق هذه العبارة مطلقاً من أيّ واحد بحجّة ما ذكرت؟ أم أنّك تبيحها لغيري وتحظرها عليّ خاصّة؟ وعلى كلّ حال، فلا يغضبّنّك قولنا، أيرضيك أن نقول إنه دليل ضعيف بدل ظاهر الضّعف! إن كان يرضيك، فإني أختاره تقليلاً للبعد عن صلب المسائل إلى مقصوداتها بالعرض وحواشيها. فما اجتماعنا ههنا لذلك.

    قولك: (والأدلة متظاهرة على إثبات قول المعتزلة كذلك. وكل يدعي ما يريد فتأمل!)
    أقول: إن اصطلاح العلماء في إطلاقهم (فتأمّل) ما هو إلاّ إشارة منهم إلى ضعف جوابهم، بخلاف قولهم تأمّل بلا فاء إشارة إلى الجواب القويّ. فإن كنت تشير إلى ضعف جوابك هذا فإني أكتفي بإشارتك. وإن كنت تخرج عن عرفهم وتدعوني للتأمل، فإني لا أنفكّ أفعل، وتقضّ مضجعي شدّة وطأته عليّ كلّ ليلة. سلّمنا تعدّد حجج المعتزلة، ولكنّا نراها شبهاً. فأظهر قوّتها أنت، وانصرها، وناقشها معنا لتغلبنا بها إن كنت تستطيع. نعم كلّ يدّعي ما يريد، ولكن الأقلّين هو من يتمّ لهم ما يريدون. ولا نرى أن المعتزلة قد تمّ لهم ذلك، ولن يتمّ لك ذلك إن كنت تنصر قولهم إلا وأنت عابر فوق قبري وقبر كلّ من سأعطيه علم الكلام. ونزيدك على ما قلت قوله تعالى: (قل كلّ يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً)

    قولك: (هات ما عندك فإني أدعي تكافأ الأدلة في المسألة)
    أقول: ما عندي كثير، وقد أتيتك ببعضه، ولم تقل رأيك فيه بعد. فلا نزيدك حتّى تقدح في ردّنا.

    قولك: (لقد تأملته فلم أتبين الاضطراب المزعوم فهلا بينته؟)
    أقول: ما عنيته، هو أنّهم قائلون بأن السبب في خلود فاعل الكبيرة في النّار أنّ الكبيرة تحبط جميع الأعمال، ثم إّنهم يشترطون كما ذكرت لك للخلود في النار شرطين اثنين منهما هذا أي أن لا يكون للعبد طاعة أعظم منها، والمعنى أن لا يكون للعبد طاعة بعد الكبيرة أجرها أكبر من إثم الكبيرة. وهذا هو محل الاضطراب، فإنهم إما أن يقولوا بأنّ الكبيرة محبطة لكلّ عمل سابق ولاحق مطلقاً بحيث يستوجب صاحبها الخلود في النار مهما فعل، أو أن يقولوا إنّها تحبط فقط سوابق الصالحات. فإن كان الأوّل لم يصحّ هذا الشرط، وإن كان الثاني، فإن أهل السنّة يقولون إن بعض الأعمال تحبط جميع العمل الصالح كما في ظاهر بعض الآثار، ويقولون إن المرء يمكنه أن يعوّض ما فاته من التقصير بالتوبة والعمل والقضاء ونحوه، ويمنعون مع الإيمان النقيّ من دنس الشرك الخلود في النار، فأيّ معنى لهذا الشرط عند قولهم بأنّ العلّة الموجبة للخلود هي انحباط العمل المعلول عن فعل الكبيرة؟ هذا ما أشرت إليه بكلامي السابق. والمعنى أنّي لا أسلّم لهم السببيّة الموجبة بين فعل الكبيرة وانحباط جميع العمل، ولو سلّم على العادة فلا يسلّم لهم التلازم السببيّ الموجب بين انحباط العمل والخلود في النّار. ولو سلّم على العادة أو حتّى على الإيجاب فقد ظهر الاضطراب. وظهور الاضطراب في قولهم ناشئ من تنافي قولهم بأن الكبيرة موجبة للإحباط والإحباط موجب للخلود، وقولهم فعل خير أكثر ثواباً من الكبيرة يمنع الخلود ويدخل الجنّة. من جهة أن الجمع بين القولين يقتضي طرح وجوب الخلود، وإمكان التعذيب فترة ثم المآل إلى الجنّة لمن لم يتب، وإمكان المغفرة بالشفاعة للتائبين ودخول الجنة بلا عذاب، وهذا يؤول إلى تصحيح قول أهل السنّة بعدم وجوب شيء من ذلك لذاته، بل كلّ شيء بإرادة الله تعالى ولا يجب عليه تعالى فعل شيء. تأمّل.

    قولك: (حسن أن خصصت الكلام بقولك "عندي" إذ قد ينازع في ذلك بعضهم)
    أقول: نعلم أن المعتزلة ينازعون، ولكنا نقول إن ما قرروه من كلامهم في المنازعة لا يفيدهم، لأن استدلالنا لا يلتفت إلى كلمة أبداً كما بيّنته. لأدائها عندنا نفس المعنى الذي يريدونه من الخلود، ولكن ما تفيده من حكم التخليد ليس بواقع على غير المشركين بألوهيّة الله تعالى. فماذا تريد أنت من قولك: (إذ قد ينازع فيه بعضهم) من أي جهة ينازعونني، إنني أسلم لهم زمخشريّة أبداً كلنّهم، فماذا يفيدهم التأكيد إذا سلمته لهم وخالفتهم في محلّه. فعليك إذا كان لك معارضة أن تنصبّ على إثبات أن حكم أبداً عامّ لا في كلّ معصية مطلقاً بل عام في الكبائر خاصة وهو صعب المجتنى عليك وعليهم. فإننا نقول إن المعصية ههنا هي الشرك بالله، والخوارج قالوا هي مطلق المعصية وقولهم أقرب عندي بالنظر في هذه الآية وحدها من قول المعتزلة، والمعتزلة قالوا هي الكبيرة بما فيها الشرك. ودليلنا خصوص هذا العموم بآية ما دون ذلك، ودليل الخوارج عموم المعصية لكل المذكور، فكيف ظهر للمعتزلة أن (يعصِ) هي في الكبائر؟ إنّهم لجأوا أيضاً إلى التخصيص من آية (إن تجتنبوا) فكيف تنكر علينا تخصيص هذا العام كما سيأتي، ولا تنكره على حضراتهم؟
    ثمّ قل لي: ماذا تتبنّى أنت في فاعل الكبيرة أو المعصية مطلقاً، أهو مؤمن أم لا؟ أهو خالد في النار أم لا؟ أم أنّك تقول إن جميع هذه الأقوال صحيحة؟ أم تقول إن أحدها صحيح ولا يمكننا أن نعرفه؟ أم تقول إنّ بعضها صحيح وكان يمكن معرفته في الزمن الذي نزل فيه القرآن، ثمّ الآن علينا أن نفهمه فهماً جديداً مناسباً لهذا العصر؟ وإن لم يكن شيء مما ذكرنا، فبيّن لنا ما قولك.

    قولك: (هلا بينت الاحتمال الذي بطل به الاستدلال؟)
    أقول: نعم. هذا الاحتمال مأخوذ من سياق الآية محل البحث، قال الله تعالى:
    (قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً. قل إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً. قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحداً. إلا بلاغاً من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنّم خالدين فيها أبداً)
    والمعنى أنّا إذا نظرنا إلى جري الحديث نجده في التبليغ عن الله تعالى، فلم لا يكون معنى رسول الله جبريل، ومعنى (يعص) أي من الرسل في تبليغ رسالاتهم وأداء ما أمروا بتبليغه. وهذا الوجه الذي يظهر الله تعالى فيه سلطانه وجبروته وقهره وربوبيته حتى على أشرف الخلق محمد صلّى الله عليه وسلّم، ليس ببعيد، وهو موجود في القرآن الكريم كقوله تعالى: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا). وقوله: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا). وقوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فمنا منكم من أحد عنه حاجزين) وغيرها من الآيات، فهذا الأسلوب من خطاب الله لأنبيائه الكرام موجود في القرآن الكريم معلوم للمتدبر. فإذا جاز أن تحمل الآية على هذا المعنى بطل استدلال المعتزلة الذي جعلوه أصلاً من أصول الدين. وغايته ظنّهم لذلك المعنى. وعندي وجوه أخرى متعدّدة كما ذكرت لك سابقاً، لا أريد أن أذكرها لك الآن. وحين يأتي حينها سأجيبك عن كلّ الوجوه والعمومات التي تمسّكوا بها. فأمهلنا حتّى يبلغ الهدي محلّه.

    قولك: (نعم وأظن هذا أحسنَ أجوبتهم، والإشكال عليه أن ما ظنوه مخصصاً لا يصلح للتخصيص ومثاله الآية الكريمة: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، وسيأتي الكلام عليها قريبا. والجواب العام على كل هذه المخصصات المذكورة في القرآن أنها مخصوصة فلا تصلح للتخصيص. ثم إني أرجو منك حتى أزيد في توضيح الكلام أن تذكر الأدلة القرآنية على التخصيص. إذ سيأتي الكلام لاحقا على أدلة السنة وغيرها)
    أقول: قد ذكرت أولاً أن هذه الآية (إن تجتنبوا) لا يصحّ احتجاجهم بها لما بيّنته من المآخذ على استدلالهم ثمة في رسالتي الأولى، فلا يصحّ أن تعود إلى اعتبارها دليلاً ههنا حتّى تردّ كلامي هناك، وأنت لم تفعل بعد. ثمّ لماذا تقول إن آية (ما دون ذلك) لا تصلح للتخصيص لأنها مخصوصة والمعتزلة فعلوا نفس فعلنا كما ذكرته لك. ثمّ بيّن لنا كيف تردّها كمخصص بكلام مفيد، فإن سلّمناه لك أتيناك بغيرها من القرآن والسنّة.

    على قولي: (وردّ أهل السنة استدلالهم بوجوه أخرى إن شئت استعرضتها وإياك)، قلت: افعل.
    فأقول: قلت لك إني سآتيك بكلّ شيء في أوانه، ولكن عليك أن ترد ما أستدلّ به بشكل واضح قبل أن أفعل ذلك، لا أن تتكلّم بكلام علام دون أن تفصّل دليلك، وتطالبني دائماً بأن آتي بالمزيد من الأدلة قبل أن تفسد عليّ استدلالي بأدلتي الأولى. فهذا لا يتفق مع آداب البحث. ثم اعلم أنّي أفكّر فيما أقول قبل أن أكتبه، ولا أدّعي ما لا أملكه. فأرجو أن تدع هذه الطريقة الاختباريّة في الكلام معي، وتتواضع لا لي ولكن للبحث والقرّاء فمنهم الشيخ العلامة سعيد فودة على الأقل الذي تشهد أنت بأستاذيّته، وذكائه. فأعط البحث حقّه، وعلّق على مفاصل كلامي، وتكلّم في الأدلّة، وستجدني إن شاء الله في غاية السخاء معك ومع القرّاء. واعلم أنّه لا يلزمني أن أفيض في التوضيح كما هو معلوم، بل أن آتي فقط بالمطلوب دون إخلال. ولكنّي أجيبك عما تسأل بكلام مفهوم لك، مراعياً ما استطعت من يقرأنا ويتابعنا. والخبير في الكلام يعلم مفاصله، وما يعنيه منه، وما يجدر به أن يعلّق عليه ويتعلّق به. وما لا طائل من التشبّث به.

    على قولي: (ولا يظنّ ظانّ أن هذا هو الدليل الوحيد لأهل السنّة على قضيّتهم هذه). قلت: (لم يقل أحد هذا، وأنا أنتظر أن تبين أدلتهم على هذه القضية)
    أقول: وأنا لم أقل إن أحداً قال بذلك. بل غايته رفع الظنّ الفاسد وما دونه من شك ووهم وتكذيب عمّن قد يخالجه من عدم كلامي في غيره من الأدلّة. أما الأدلّة فعجل لنا في الجواب عما قلناه حتّى الآن، نعجّل لك في بيان غيره. ولعمري ما سرّ هذا التعطّش لمعرفة الأدلّة في مسألة صاحب الكبيرة والأمر كلّه لا يعني من لم يرى أنّه مكلّف بشيء من الله. لا بل إن من سقط عنه التكليف لا يعنيه حتّى أوّل الواجبات وهو معرفة الله تعالى في الأصح. فحريّ بك أن تحقّق هذا المقام لنا كما سألتكه من قبلُ، وحريّ بنا أن نسأله لشدّة داعيته.
    على قولي: (ولكنّا في سائر هذه المناقشة سوف نجاري الكاتب لنحرر مواضع الاتفاق والاختلاف بيننا وبينه، ونبين للقارئ الكريم ما نسلمه من كلامه سواء على إطلاقه أو مع تقييده، وما نعترض عليه بعندنا أو بمجرد الاحتمال القادح في صدق قوله مطلقاً). قلت: (أرجو أن ينصب كلامك على الأجوبة والمناقشة العلمية)
    أقول: ألا تقول لنا ما يزعجك في هذه العبارة. إنني أراها في صلب المناقشة العلميّة. إذ معلوم أن تحرير محل النزاع، ومحل الاتفاق مما يسلّم مطلقاً أو بقيد أو شرط، وكذا محلّ الاختلاف مطلقاً بدليل يبين فساد القول أو من وجه ما مع تصحيح وجه آخر.. إلخ من هذه الأشياء لهي أوّل ما يجب البدء به قبل المناظرة، لكي تتوارد الأحكام من المتناظرين جميعاً على محلّ واحد.

    قولك: (تأمل عظيم ملاطفتك "فلا يلزم الحمر المستنفرة شيء منه")
    أقول: نعم الحمير ليست بمكلّفة فلا يلزمها شكر المنعم. فلم أقل إن كلّ من سقط عنه التكليف ولا كلّ من اعتقد بسقوط التكليف فهو حمار حقيقة أو مجازاً. فتدبّر.
    قولك: (فهل دفعت للجمارك شيئاً على كذبك هذا على الله تعالى؟)
    أقول: أنا أعتقد أن من قال إن الله أسقط التكليف عنه فهو يكذب على الله تعالى. فحريّ بك أن تقول لي إنك لا تكذب على الله تعالى بدليل كذا وكذا، وأنك على أيّ حال لم تدفع كمركاً على هذا القول. كما لم أدفع أنا كمركه الآن. ولكنّا جميعاً سوف نسأل من الله تعالى عن كلّ ما نقوله، حيث لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به. اللهمّ اجعلني خصيم كلّ من يقول بهذا القول في الدنيا، وشاهداً على ما قال به عندك يوم يقوم الحساب. واهد أمّة محمّد صلى الله عليه وسلّم لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك.
    أما قولك: (فهل هذه هي الملاطفة التي وعدت بها! وأنا إن كنتُ معتدياً فإني ما تفوهت بشيء يقرب من ملاطفتك، وربُّكَ يقول:"من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان اليهود يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عليك السام ففطنت عائشة لقولهم فقالت عليكم السام واللعنة فقل النبي صلى الله عليه وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله فقالت يا نبي الله أولم تسمع ما يقولون قال أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم" على أن ربَّ فادي ربٌ رحيم وخصم فادي خصمٌ كريم فما شأنك بيننا سامحك الله)
    أقول: لا ليست هذه الملاطفة التي وعدت بها، بل الملاطفة التي وعدت بها هي أن لا أقهر قول الخصم بكلّ ما لديّ من أدلّة دفعة، بل أتدرّج في قوة الاستدلال وبيان تهافت قول الخصم حتى يعلم كلّ منصف أنه ما يأتينا بحديث إلا ونأتينه بأحسن منه أو بمثله. أما أنّ ربّ فادي ربّ رحيم فوالله إنّ. وما أنت بأعلم منّي بخصم فادي. وأما شأني بينكم فليس أزيد من شأن واحد بصديقه العزيز وأخيه في الله. ولعلّ ما قاله الشيخ كان فصل الخطاب، ولربما كان الأولى أن أنظر الله تعالى يدافع عن الذين آمنوا. والأخذ به لم يكن واجباً عليّ. فإن صفحت ودعوت فخلق من استشهدت بقوله فلا تنه وتأتِ، وإن أبيت وتمنّعت فإنا سائلوها أكرم الأكرمين الذي يعلم ما في نفسي مما أتوسّل له به.

    قولك: (هذا إن سلمنا أن الشرك حقيقة فيما ينافي التوحيد فقط، وللمعتزلة أن يخالفوا في هذا، أما من حيث اللغة فإنه ظاهر أن الشرك ليس موضوعا في أصل اللغة للدلالة خصوصا على منافاة التوحيد، وأما بالشرع فإن الشارع قد سمّى عظيم المعصية شركاً... فالشارع الحكيم أطلق الشرك على ما ينافي التوحيد وعلى عظيم الذنب فحمله على أحدهما دون الآخر في الآية الكريمة تحكم دون دليل)
    أقول: قولي إن الشرك حقيقة أي شرعيّة أي وضع من الشارع. سلّمنا أن الشرك في اللغة لم يوضع للكفر بالله بالشريك الأعمّ والشبيه والقسيم أي الإيمان بمشارك في الذات أو الصفات أو الأفعال، ولكنّنا لا نسلّم أن هذا ليس هو الوضع الشرعيّ. ثم الشارع نقله إلى بعض الكبائر مبالغة في تعظيم أمر من أذنبها. ولقائل أن يقول أيضاً إن المثالين المذكورين وكل ما سمّاه الشارع شركاً إمّا أن يكون شركاً على الحقيقة الشرعيّة وكما سننوعه الآن، أو أنّه ظاهر في تجوّزه فيه لوضوح علاقة المجاز فيه بين المعنى المراد وبين معنى الشرك الحقيقي. قال أبو البقاء: الشريك المشارك. قلت: وهو لا ينفعك ههنا. وقال: أكثر الفقهاء يحملون المشركين على الكافرين جميعاً. وقيل هم عدا أهل الكتاب لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذي هادوا والصابئين والنّصارى والمجوس والذين أشركوا) فأفرد المشركين عنهم. والشرك أنواع: شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس. قلت: أي لقولهم بوجود إلهين إله للنور تأتي منه الخيرات وإله للظلمة تأتي منه الشرور. ثم قال: وشرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. وشرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرّب إلى الله زلفى، كشرك متقدّمي الجاهليّة. وشرك التقليد: عبادة غير الله تبعاً للغير كشرك متأخري الجاهليّة. وشرك الأسباب وهو إسناد التأثير للأسباب العاديّة، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك. وشرك الأغراض وهو العمل لغير الله تعالى.
    قلت: وكلّ كلامه أدلّة لي كما ترى. أما الطيرة ففي معنى الشرك الحقيقي من اعتقاد تأثير بعض الأشياء في تغير مجريات الأمور والأقدار. وكانوا ينهرون الطير فإذا طار يمنة فعلوا لاعتقادهم أن مآل الأمر خير، وإن طار يسرة أعرضوا عن عزمهم لاعتقادهم أنه ما دام الطير سعى شمالاً فلا بد أن عاقبة الأمر سوءاً، وهذا ما أنزل الله به من سلطان، إذا لا مدبّر ولا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى. وأمّا ترك الصّلاة فدليل لنا، إذ لولا ظهور الشرك في الكفر وتبادره عند إطلاقه علامة على هذه الحقيقة الشرعيّة لما اشتبه على بعض الفقهاء تكفير تاركها مشياً مع الظاهر. وعلى قولنا بالمجاز عن عظيم الذنب المرتكب فعلاقته مسببيّة لأن من كفر ترك الصلاة، وقد يقال غير ذلك من علاقات المجاز.
    يتبع إن شاء الله تعالى ...
    وصلّى الله وسلّم وبارك على خير ما اكتحلت بمرآه العيون، سيدي ونور قلبي محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرّحيم
    القسم الثاني من مناقشتي لردّ فادي على مناقشتي العامة لمقالته (إشكالية فهم النصّ القرآني)
    قوله: (على أنني لو سلمت أن هذا الكلام غير صحيح فلن أسلم لك أن الآية غير متشابهة)
    أقول: قوله: (إن هذا الكلام غير صحيح) يعني لو أنّه سلّم أنّ الشرك ليس حقيقة في ضد التوحيد فإنه لا يسلّم أن الآية محكمة غير متشابهة. وكلامه في قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). فدعونا نتأمل هذه الآية من وجوه عدّة لنرى هل معنى الشرك ههنا هو ضد التوحيد وأنّه ظاهر فيه لكونه المتبادر والحقيقة الشرعية له أم أنّها تحتمل معنى الكبيرة كما يدّعي فادي وينسبه إلى المعتزلة احتمالاً راجحاً أو على الأقل مساوياً، بحيث ينكر ظهور ضد التوحيد ويقرر إجمال الآية على الأقل أي احتمالها لكلا المعنيين احتمالاً متساوياً. فأقول إن الشرك ككلمة مفردة مستقلّة عن سياقها، وباعتبار سياقها هذا فإنها حقيقة شرعيّة في ضدّ التوحيد، ولنا على ذلك وجوه:
    أولاً: أنّ المعتزلة أنفسهم لم يخالفوا في هذه الآية بأن الشرك ههنا ليس ضدّ التوحيد، انظر صاحب الكشاف يقول في تفسيره لقوله تعالى: (ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين..) البقرة 105: (.. لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون، كقوله تعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين). وقال عند تفسيره للآية السابقة: "فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفيّ والمثبت جميعاً موجّه إلى قوله تعالى (بمن يشاء) كأنّه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأوّل من لم يتب، وبالثاني من تاب. ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء. تريد: لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله". اهـ بتمامه.
    فأقول: أما الموضع الأول من كلامه فواضح. وأما الثاني الذي حاول فيه أن يحرف الآية عن معناها المتبادر الظاهر كما سيأتي تفصيله فهو ههنا ينصّ فيه نصّاً على أن الشرك هو ضد التوحيد. فالمعتزلة لم يستطيعوا أبداً أن يدّعوا ههنا بأنّ الشرك في هذه الآية هو الكبائر لشدّة ظهور معناه في ضدّ التوحيد، فلا أدري هل تتوهم أن صاحب الكشاف في هذا الموضع يقول ذلك. وسيأتيك على أي حال تعليق عليه عمّا قليل يظهر لك ضعف تفسيره. ولقد تابعته في أكثر وأهم المواضع التي وردت فيها كلمة الشرك أو أحد مشتقاتها في القرآن الكريم فلم أجده أشار ولو إشارة أن الشرك حقيقة في الكبائر فلعلّك تدلّني أين قالها.
    ثانياً: إن الكبيرة أعمّ من الشرك قطعاً. وغير الشرك من الكبائر هو دون الشرك معصيةً وذنباً، يوافقنا على ذلك الزمخشريّ نفسه حيث بين أن مما هو دون الشرك الكبائر: (دون الشرك من الكبائر). وهذه الآية قد ذكرت فيها جميع الذنوب بالاتفاق، فصار المعنى إن الله لا يغفر الشرك وحده ويغفر كلّ ذنب دونه إذا شاء. والآية لم تذكر التوبة أبداً فصار كل منصف يعرف ما ينبغي أن يكون موضع اتفاق بيننا وبين المعتزلة ألا وهو: أن الله لا يغفر للمشرك الذي لم يتب، وأنه إذا أراد أن يغفر للمؤمن الذي ارتكب ما دون الشرك والذي منه الكبائر فعل، وإذا شاء لم يفعل. أما إدخال الزمخشريّ للتوبة وتقسيمه المذكور بأعلاه، فتحكّم من محض رأيه. وتخصيص لمعنى الآية بلا وجه حقّ إذ لم ترد التوبة في سياقها فيعلم أن الأصل أن الكلام فيمن لم يتب، فلا جرم طالبناه بدليل على قسمته هذه التي جعل مقسمها التوبة، وهو لو كان مقصوداً لكانت البلاغة تقتضي ذكره لكونه أساس فهم التقسيم.
    ولا يخفى أن تفسيره يقتضي تقدير محذوفين هما (من لم يتب) وقصد به المشرك، و(من تاب) وقصد به من تاب على ما قيّده. وفهم الآية بلا تقدير محذوف أولى من فهمها مع تقديره. لأن الأصل عدم التقدير.
    ثمّ إن الزمخشريّ راوغ أو أنه ذهل عن أصل المعتزلة في إيجاب المغفرة والعقاب على الله تعالى، لأنه على أصلهم فإن التوبة سبب موجب في المغفرة، وفعل الكبيرة سبب موجب للإحباط والخلود في النار، فتعليقه نفي المغفرة وإثباتها على المشيئة لا معنى له البتّة. فإن المعتزلة يوجبون عليه تعالى المغفرة للمطيع وإثابته وعقاب العاصي على فعله على أصلهم في العدل والتوحيد. فكيف يعلقها على المشيئة ههنا؟! أجبنا أنت عنه إن كنت تؤيد قولته.
    وتأمل تجد معنى كلامه: إن الله لا يغفر للمشرك الذي لم يتب إذا شاء، ويغفر للتائبين من غير المشركين ما كان دون الشرك إذا شاء. فكيف يستقيم هذا الكلام وهم القائلون بأن المشيئة لا يمكن أن تتعلق بخلافها. وهذا موضع غاية في الأهميّة ومن يفهمه يعلم قدر تهافت كلامهم في هذا المحلّ، وسأشرحه إن شاء الله قريباً شرحاً لا يبقى معه شكّ في اضطراب كلامهم وفساده.
    وقولهم إن الله يجب أن لا يغفر للمشرك الذي لم يتب، فما معنى قولهم ههنا إذا شاء لا يغفر. إننا لا نفهم من هذه المشيئة إلا أنّه تعالى إذا شاء غفر وإذا شاء لم يغفر. وهذا يقتضي أن يغفر الله إذا شاء للمشرك الذي لم يتب، وهو باطل على أصل المعتزلة كما بيناه، كما أنه باطل على أصلنا لا لعدم جوازه عقلاً عندنا بل لأنّه خلاف قول الله تعالى المحكم (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنّم خالدين فيها أولئك هم شر البريّة) وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) والمشركون كافرون بالإجماع والاتفاق. وقوله تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) والمشركون من هؤلاء بالإجماع والاتفاق، لأن الشرك أعظم معصية، وهو أعظم كبيرة حتى على قول المعتزلة بأن المقصود بالمعصية ههنا الكبائر. فقد علمنا من قول الله القاطع الدلالة مشيئة الله تعالى في المشركين محلّ الكلام وهم من لم يتوبوا اتفاقاً من هذا الخبر المستيقن، وهذه المشيئة هي خلودهم في جهنّم، فلا معنى لقول الزمخشري ههنا إذا شاء، لأنّها تقتضي أن الأمر غير معلوم لنا، فبان ضعف تعليقه النفي الوارد بالمشيئة لكونه معلوماً قطعاً. فيكون المعلّق على المشيئة المعنيّ بهذه الآية هو غفران ما دون الشرك بما فيه الكبائر الأخرى. فإن قيل فإن كلّ فعل فهو متعلّق بمشيئة الله تعالى، فلم تمنعون تعليق النفي والإثبات على المشيئة؟ قلنا: نعم إن الكلّ بمشيئة الله، ولكنّا نفهم من قوله تعالى (لمن يشاء) أن الأمر مردود إلى الله وإن كانت مشيئته قديمة، وإن كان المعلوم لنا أنّه قطعاً سيغفر لبعض أهل الكبائر من دليل آخر، ولكنّا لا نستطيع أن نعرف هل سيغفر لكلّ واحد واحد أو لواحد معيّن أم لا، وهذا هو المعني بقوله (لمن يشاء) وجعلها في عقب قوله (ويغفر ما دون ذلك) أي يغفر لمن يشاء ممن فعل دون ذلك. وهذا الخلاف في المشركين من غير أصحاب التوبة وإلاّ لو جاز دخولهم في المغفرة على قول الزمخشري كما فهمه بتعليقه النفي بالمشيئة لناقض مقطوعاً به أو لم يفد تفويض الأمر لعدم المعلوميّة للكلّ أو لواحد على التعيين كما أفاده في صاحب الكبيرة، والله تعالى أعلم بكتابه. فتأمّل. وقد تأملته والحقّ أن تعليق الأمرين على المشيئة مستقيم على مذهب السنّة لا على مذهب المعتزلة القاضي بالإيجاب، ونفي الاختيار عن الله تعالى. ولعلّي أبين هذا الموضع لاحقاً عند بحث أصولهم.
    والكلام نفسه يجري في فاعل الكبيرة فهو يقول ما معناه: إن فاعلي الكبائر وغيرها مما هو دون الشرك إذا تابوا فإن الله يغفر لهم إذا شاء، وهذا جزء قول أهل السنّة فإننا نقول إن الكبائر وبأولى ما دونها جائز أن تغتفر بالتوبة والشفاعة إذا أراد الله ذلك فعفا سبحانه عن العبد. ولا يجب بالشفاعة ولا بالتوبة العفو. فكيف يستقيم هذا الكلام مع قول المعتزلة بوجوب الثواب والعقاب على الله. والحاصل أنه لا معنى لتعليقه النفي والإثبات بالمشيئة على أصله فيسقط تمسّكه به. ومن جملة قوله يؤخذ أنه يمكن أن يغفر الله تعالى للمشرك الذي لم يتب، ولا يغفر للمؤمن فاعل ما دون الشرك إذا تاب، وهذا القول لا يرضاه واحد من المعتزلة. تدبّر.
    وتطبيق الآية على نظيره الذي أتانا به لنفهمها من خلاله، يقتضي أن يكون معنى القنطار هو الشرك والدينار هو الكبيرة وما دونها، والبذل المغفرة. أي: إن الله لا يغفر الكبيرة لمن لا يستأهل تلك المغفرة، ويغفر الشرك لمن يستأهل المغفرة على حدّ قيده بالاستئهال. فنسأله ما معنى استئهال المغفرة إذا لم يكن هو التوبة. فإن سلّمه، فالمعنى: إن الله لا يغفر الكبيرة لمن لم يتب منها، ويغفر الشرك لمن تاب منه. أما في الشرك فمسلم قوله فيمن كان مشركاً وتاب على الجواز لا الإيجاب الذي يقتضيه قوله بالتأهّل، وأما في الكبيرة فلا نسلّمه لأنّا نقول يجوز شرعاً أن يغفر الله لصاحب الكبيرة وإن لم يتب، وليس هذا إرجاءً لأن المرجئ موجب ونحن نفوّض الأمر إلى الله ونتعلّق بمطلق الجواز تصديقاً لقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وغير ذلك من الآيات والأحاديث. فإن أراد بالقنطار دون الشرك وبالدينار الشرك لم يسلّم له التشبيه. ولئن سلّم صار المعنى: إن الله لا يغفر الشرك لمن لم يتب منه، ويغفر ما دونه لمن تاب منه. ولا يسلم أنّه يشترط التوبة لحصول المغفرة في ما دون الشرك كما قلناه. لأن مدار كلامهم على الإيجاب والاستحقاق، وليس ثمّة حقّ للعبد على الله تعالى، فإنه إن شاء عذّبه عدلاً، وإن شاء غفر له فضلاً. فكيف يجمع لنا الزمخشريّ بين قوله (إذا شاء) وقوله (الذي يستأهل ولا يستأهل) فضلاً عن اشتراطه التوبة! وعلى أيّ حال فربما لن يتضّح معنى هذه الإلزامات بما يكفي إلا إذا فهم الواحد أصول قول المعتزلة. فالمسألة في نظري ليست كما يصوّرها فادي أن المعتزلة وغيرهم من المبتدعة نظروا في الشريعة فظهر لهم هذا القول الذي يمسّكون به، بل الواقع أن لهم أصولهم العقليّة التي خرّجوا عليها بأوهامهم وظنونهم هذه المقالات ثم صاروا يتعلّقون بالقرآن الكريم ويدّعون التشابه في المحكم، ويتعلّقون بالمتشابه، ويلبسون الآيات والأحاديث الظاهرة خلاف ظاهر معانيها ليحتجوا لأقوالهم. وبياناً لهذا الأمر سأعقد فصلاً لتبيين أصل الخلاف بين المعتزلة وأهل السنّة، ومنشأ أقوال المعتزلة ليطمئن قلب فادي أن المعتزلة لم يبدؤوا بفهم القرآن الكريم والسنّة الشريفة فظهرت لهم هذه المقالات استنباطاً منها، بل قرروا مقالاتهم باستدلالات عقليّة فيها من الضعف ما لا يخفى للمنصف المتأمّل ثم ألبسوها للقرآن والسنّة، وليت استدلالاتهم كانت قطعيّة، فلو كانت كذلك ما عارضت الكتاب ولا السنّة أبداً. فلنرجي الكلام في هذا إلى محلّه فسيأتي إن شاء الله.
    ثالثاً: أن ضدّ التوحيد لغة الإشراك وليس ترك الصلاة أو الزنا أو شرب الخمر وغير ذلك من الكبائر تصلح لأن تكون ضدّاً. كما أنّ ضدّ الإيمان الكفر. وبضدّها تتميّز الأشياء. فصار المعنى الشرعيّ الحقيقيّ للشرك هو ضد التوحيد، فحمله على المعنى المجازي تأويل يحتاج إلى دليل منفصل إمّا أن يكون لفظيّاً أو عقليّاً. وهذه المسألة ليس لهم عليها دليل عقليّ قطعيّ كما هو معلوم، وغاية ما يأتونا به بعض الأدلة العقليّة الهزيلة أو اللفظيّة التي لا تسلّم لهم. ولو سلّمت لكان غايتها الظنّ كما تقرر في علم الأصول أن الدلائل اللفظيّة موقوفة على نقل اللغات ونقل وجوه النحو والصرف وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقليّ والعقليّ، وكلّ ذلك مظنون، فالموقوف عليه بأولى أن يكون مظنوناً. فغاية ما يستطيعه المعتزلي أن يجد دليلاً ظنيّاً لشيء يدّعيه أصلاً في الدّين، والاستدلال بالدليل الظنّي على أصول الدّين لا يجوز. وهذا المحلّ من إيجاب القطع على الناس فيما غايته الظنّ أحد أهمّ وأكثر مزالق المعتزلة التي أوقعتهم في البدع.
    رابعاً: قال أبو البقاء: "والظاهر والمفسَّر والنصّ سواء من حيث اللغة لأنّ ما هو معنى اللفظ في الكلّ –قلت: أي مشترك في أنه- لا يخفى على السامع إذا كان من أهل اللسان" اهـ وأقول إن كل إنسان يعرف العربية إذا سألته ما معنى الشرك؟ أشار لك بما هو ضدّ التوحيد والإيمان ولم يذكر كبائر المعاصي. وقال الجوهريّ: الشرك الكفر. وفي اللسان بحث الشرك بحثاً طويلاً لم أجد فيه شاهداً يذكر على ما تقول، ومثله القاموس، والفروق لأبي هلال العسكري، وكذا الراغب، وغاية ما أشار إليه الراغب ونقله عنه صاحب اللسان الشرك الخفيّ من الرياء وأشباهه وهو لا ينفعك لأنه من جنس عدم التوحيد على التنويع الذي ذكرناه فيما مضى. وقد بحثت فيما لدي من كتب لأجد واحداً من العلماء يقول بأن الشرك حقيقة في الكبائر فلم أجد، فإن كنت تعرف محلاً تدلّني عليه فاذكره ولك من الله خير الجزاء.
    ولكي لا أطيل أود الاكتفاء ههنا بعرض الآيتين الكريمتين التي ورد فيهما (دون ذلك) في سياقهما في سورة النساء، وفائدة ذلك أنّه لو سلّم لك أن لفظة يشرك تطلق إطلاقاً شرعياً حقيقياً بالاشتراك على ضد التوحيد وعلى الكبائر، ولا أسلّمه، فعلى فرض هذا التساوي في الإطلاق فدعنا ننظر في سياق الآيتين ونتدبر القرائن اللفظية المحتفّة بالكلمة لنرى ما هو المعنى الذي يظهر لنا من كلمة (يشرك) هل هو فعل الكبيرة أم ضد التوحيد.
    في السياق الأول، قال الله تعالى:
    (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (44) وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا (45) مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا).

    وفي السياق الثاني في سورة النساء، يقول تعالى:
    (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (118)
    ومن يفهم العربية ويتجرّد للإنصاف يظهر له أن سياقي الآيتين في الكفار وليس في المؤمنين. وهذا ليطمئن القلب فإن قيل إن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب. قلنا هذا حقّ، ولكنّ هذا العموم المدّعى معارض بكثير من العمومات الواردة في الوعد، وكل متدبّر للقرآن يعلم أن آيات الوعد التي فيها عمومات صريحة أكثر بكثير من آيات الوعيد، وكثرة الأدلّة دليل معتبر في الأصول على رجحان القول. فهذا دليل يحسب لنا. فضلاً عن أن هذه العمومات أنفسها التي تعلّق بها المعتزلة لم يسلّم لهم شيء منها وقد أجاب متكلّموا أهل السنّة عن كلّ موضع تعلّقوا به، وإذا يسّر الله تعالى من الفراغ ما يكفي نقلناها وفنّدناها على ما وعدنا.
    قوله: (إذ غاية ما يمكن أن تثبته هو أن الدلالة في الآية على ما ذكرت دلالة ظاهر لا نص، وهذا الظاهر معارض بظاهر الآية التي استدل بها المعتزلة وهي قوله تعالى: "ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً" وتخصيص هذا الظاهر بظاهر معارض تحكم بلا دليل، فإنا إن عكسنا وخصصنا الآية التي استدل بها الأشاعرة بالآية التي استدل بها المعتزلة لكان صنيعناً بمنزلة صنيع المخالف، فهلا بينت لي كيف يمكن أن تحل هذا التعارض بناء على أصولك المنضبطة؟)
    أقول: إذا سلّمت أنت أن آية (ويغفر ما دون ذلك) ظاهرة في جواز مغفرة الكبيرة وعدم الخلود في النار كفاني ذلك لاعتبارها محكمة لا متشابهة، فإن قلت إن آية (من يعص) متشابهة وجب عليك أن ترد المتشابه إلى المحكم فتحمل عموم الثانية على خصوص الأولى. وإن قلت إنّها ظاهرة في الكبائر لم يسلّم لك ذلك لا المعتزلة ولا نحن ولا أحد من العقلاء. فإن الظاهر هو الذي يدلّ على معنى راجح، فكيف تدلّ المعاصي على الكبائر ههنا بالرجحان. فإن كان من جهة لفظ المعاصي فإنها حقيقة في كلّ ذنب صغير وكبير، فلا ينفعك ذلك في ادعاء ظهورها في الكبيرة فحسب، وإن كان لقرينة الخلود صار مصادرة على المطلوب، وبناء منك على قول لم يسلّم لك، لأن مطلوبك إثبات الخلود لفاعل الكبيرة، فكيف تسدل على كون المعاصي ههنا بمعنى الكبيرة باقتران الخلود جزاء لفاعلها. وحاصل الكلام أني لا أسلّم لك أنّ تخصيصنا هو تخصيص ظاهر بظاهر مطلقاً بل إنا ندّعي أن الآية نصّ في جواز المغفرة لأهل الكبائر والمعاصي وخلود المشكين في النار يبيّن مجمل قوله تعالى (من يعص) بأن المقصود منه أهل الشرك ممن لم يتب. ثم إني أريد أن أسلّم لك أنها تتناول صاحب الكبيرة فلم لا يقال على سبيل المعارضة إن المراد بالخلود والتأبيد ههنا المكث الطويل في النار، سواء كان معه دوام أو لا احترازاً عن المجاز أو الاشتراك، أي إن يعص إذا قلنا إنها تناولت صاحب الكبيرة والمشرك اللذين لم يتوبا على قول المعتزلة وتناولت المشرك الذي لم يتب على قولنا، فلم لا يكون الخلود حقيقة في طول المكث، فيكون طول المكث لفاعل الكبيرة كما يقال حبس مخلّد ومؤبّد، وخلّد الله ملكه أبداً، ووقف مؤبّد ومخلّد أبداً.. إلخ، والمراد طول المكث في الاستعمال الشايع بالاتفاق. ويكون الكلام صحيحاً في المشرك بمعنى أنّه خالد على الدوام اتفاقاً. لأنّ طول المكث قدر مشترك فيهما، فهذا حلّ للإشكال. أفلا تأمّلته.

    على قولي: (ثم إن دليل أبي القاسم الكعبي هذا بعد تضافر أدلّة...) قلت: (كلام صحيح لا ينبغي أن يفكر بالاعتراض عليه غير أنه غير لازم لي إذ لم أستدل به، وقد بينت لك سبب ذكر الآية)
    أقول: إن ما أوردتُه على استدلال المعتزلة بآية (ومن يعصِ) مسقط لظهور المعنى الذي يريدونه فيها، وأنت ما زلت تتعلّق بهذه الآية وتستخدمها في محالّ النزاع، فكيف تفعل ذلك وأنت ترى أن اعتراضي على استدلالهم بها صحيح تماماً ولا يفكّر في الاعتراض عليه. فإما أن تجيب عما توجّه عليها من إيرادات لكي يحقّ لك أن تتعلّق بها في كلامك في محلّ النزاع أو أن تضرب عن ذلك صفحاً فلا تعود لاستخدامها. ثمّ إن سبب إتيانك بها هو تسويغ قول المعتزلة، لكي تقول بعد ذلك هذا موضع من القرآن مشتبه يحقّ لكلا الفريقين أن يتعلّقوا به، وبإفسادنا لاستدلالهم لم يعد هذا الموضع مشتبهاً، فائتنا بغيره للنظر فيه إن كنت لا ترغب في ردّه.
    يتبع......
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم

    القسم الأخير من مناقشة ردّ فادي على تعليقاتي على كلامه

    قولك: (أما خلاصة الخلاصة فهي أن إمكان فهم الآية الأولى وهي (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) على خلاف فهم المخالف مازال قائماً)

    أقول: إننا في كل ما مضى من الكلام استدللنا على أنّ هذه الآية ظاهرة في المعنى الذي نقوله وهذا المعنى مدعّم بكثير من الأدلّة الأخرى في القرآن الكريم والسنّة. ونحن نتحدّى أن يأتينا المعتزلة باستدلال لا نقوى على ردّه. ولكنّك حين تقول هذا الكلام فإنك لا تستدلّ عليه. أي إذا كنت تقول إن الآية السابقة تحتمل أن الشرك هو الكبائر وما دون ذلك هو الصغائر فاستدلّ لهذا القول. ثم اعلم أنّا لا نحتاج إلى غير إثبات أنها محكمة في المعنى الذي قررناه أي أنّ مجرّد كونها محتملة لو سلّمناه فلا يفيدك، فنحن لا نحتاج لكي نثبت أنها نصّ في غفران الكبائر ليتمّ كلامنا بل يكفينا ظهور هذا المعنى للتعلّق بها كقول محكم نفسّر ونبيّن به ما أجمل وأشكل من المتشابهات الأخرى، أمّا أنت فهل يمكنك أن تثبت أنها ظاهرة في عدم مغفرة الكبائر؟ أو هل يمكنك أن تردّ استدلالاتنا على ظهورها في المعنى الذي قررناه؟ أو هل يمكنك أن تأتينا بنصّ أو دليل عقليّ يفهم منه ما تريد؟ هكذا يكون النظار لا أن تقول قولتك هذه: (أما خلاصة الخلاصة...إلخ) فإن هذا الكلام لا وزن له. فكأنك تقابل استدلالنا بقولك: هذا الكلام غير مقنع لي، دون أن تأتينا بما يردّه. فزد من بحثك ونظرك وقل لي ماذا ترى؟

    قولك: (إن كنت تقصد بقولك "بتشابه الكلام" القرآن فالمقالة تدور على عدم وجود الضابط المضبوط ونحن لا زلنا نبحث فيما تدعيه من ضوابط)

    أقول: ذكرنا لك ضابط المتشابه والمحكم فيما مضى، وقلنا إن المتشابه هو المجمل والمأوّل مما يمكن علمه احترازاً عن موعد الساعة وكثير من الغيوب والحقايق التي لا يمكن النفاذ إلى معرفتها بالنظر إجماعاً، والمحكم هو النص والظاهر. وهذا القدر كاف للتميز بين المحكم والمتشابه. إذا علم أنه يجب ردّ المتشابه إلى المحكم إجماعاً. لأنّ النص ما لا خلاف فيه. والظهور له ضوابطه وأسبابه، وكذا الإجمال والتأويل. ولا تخرج نصوص الشريعة عن ذلك لتمام القسمة التي ذكرناها فيما مضى. فإن اتفق على ظهور معنى سلّم ظهوره وعلى من يدّعي إمكان ظهور خلافه فليأت بمرجح لظهور ما يدّعي ظهوره. ونحن نبين المجمل على مذهب أهل السنّة فمن أراد أن يبيّنه على نحو يخالفهم فيه فليأتنا بأدلته لننظر فيها، وكذا الكلام في تأويلات علمائنا رحمهم الله تعالى. ولا عبرة بالكلام العام، فكلّ موضع تستشكله من كلام علماء أهل السنّة فائتنا به، وسنجتهد في توضيحه ومناقشته إن شاء الله. نحن لا ننفي أن كلّ من خالف أهل السنّة والجماعة في الفهم وبخاصة في المسائل الاعتقاديّة فقد تعلّق بآيات جعلها محكمة وبأخرى جعلها متشابهة على نحو يخالف نظرة أهل السنّة لها، ولكنّا نقدر على بيان فساد نظره، وعدم استقامته في طريقته، وعدم اطراده مع أصوله، فلذلك قلنا إنه لا يسلّم قول كل من قال إن هذه الآية متشابهة وهذه محكمة حتّى تكون منضبطة مع ما ذكرناه. ولا نقول إننا لا نسلّم ذلك تشهّياً، بل لأن ما لا نسلّمه من القول ضعيف أو مردود. فلا يقال وهم لا يسلّمون لكم ذلك، فاستوى حالكما. لأنا نقول: بل إن بيننا وبين من يخالفنا الدليل، فهات ما تريد من المسائل وللنظر هل يمكنك أن ترد أدلتنا أوْ لا يمكنك. ومن لا يريد الاحتكام إلى الدليل فلا كلام لنا معه، كما هو معلوم، لأنّه إنما يتّبع هواه. وسنزيد الأمر بياناً ونشرح المحكم والمتشابه وضابط ذلك بما فيه الشفاء إن شاء الله تعالى قبل أن نشرع في بيان أصل الخلاف في هذه المسألة، فانتظره.

    على قولي: "وإلاّ لم ينضبط علم ديني مطلقاً" قلت: (هذا اللازم الذي جعلته دليلا مُلتَزَمٌ، فالمقالة تدور على عدم انضباط فهم القرآن بناء على الطرق التقليدية في الفهم فتأمل! )

    أقول: يبدو أنّ عليّ أن أفصّل في كلّ دليل دليل لكي لا يشتبه عليك المراد من كلامي. فإنك لم تدرك المقدمات الناقصة من هذه العبارة الموجزة فسارعت بالتزام شيء في غاية القبح، وهو عدم انضباط شيء من العلوم الدينيّة. وتمام الدليل أن يقال: إنّ الله تعالى وصف كتابه كلّه بأنّه محكم فقال: (تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال: (كتاب أحكمت آياته)، ووصف كتابه كلّه بأنّه متشابه فقال: (كتاباً متشابهاً مثاني) والمعنى ههنا أنّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن، ويصدّق بعضه بعضاً، وهو المشار إليه بقوله تعالى: (لوجدوا فيها اختلافاً كثيراً). ووصف كتابه بأنّ بعضه متشابه وبعضه محكم، فقال: (منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات). وهذا بالاتفاق. وسنأتي إلى بحث هذه الآية بتفصيل إن شاء الله تعالى.
    ونحن ندّعي أنّه حين يجتهد أصحاب المذاهب في البحث تصير المحكمات مفسّرة للمتشابهات، فيتخلصون من الباطل ويصلون إلى الحق.
    فلو تعلّق واحد بأنّ القرآن كلّه متشابه بمعنى أنّه غير مفهوم ولا معلوم المراد منه على التعيين، لم ينضبط علم ديني، ولكنّ الواقع بخلافه، فإنّا نعلم معلومات دينية يقينيّة مأخوذة من القرآن بالاتفاق، إذاً فاللازم باطل، فالملزوم مثله. فثبت أنّه لا بد أن لا يكون كلّ القرآن متشابهاً قطعاً. فمنه المحكم الذي يفسّر المتشابه. وهذا القدر ضروري واضح متفق عليه بين المذاهب. فكيف تقول بأنّك تلتزم أنّه لا ينضبط علم دينيّ البتّة، ولا تجد في نفسك غضاضة بالتزام هذا القول الشنيع. وإن كان هذا هو دليلك في إسقاط الكلفة عن نفسك فإني أعظك أن تكون من الجاهلين فقد بيّنا لك فساده وما ذكرنا بعد إلا القليل. وقد سمعت من بعض الناس شيئاً قريباً من هذا كيف يكلّف الله المبالغ في اجتهاده إذا لم يهتد إلى الإسلام ولم تلح له دلائل الحق، فإنّه معذور. فإن كان هذا ما تتعلّق به فإني لا أسلّم أنّك اجتهدت في البحث بما يكفي وأنه لم يقع منك التقصير. والكلام في ذلك يطول وقد عرضت عليك من قبل وأكرر ذلك الآن أنه يسعدني أن أتباحث معك في هذا الأمر في موضوع مستقلّ. فاكتب في ذلك لأني أراه من أهمّ المهمات، ولا أرى من كان مثلك معذوراً أبداً، فثب لرشدك هداك الله تعالى.

    على قولي: (ألم تر إلى البعض يدّعي التشابه في قوله تعالى (خالق كلّ شيء)، وفي قوله تعالى (ليس كمثله شيء)، فهل يعتدّ بهذا الفهم وهذا الخلاف) قلت: (الكلام ليس في هذه المسائل على أن الأدلة عندي متكافئة فيها أيضاً بالنظر إلى طرق الاستدلال التقليدية.)

    أقول: نعم الكلام ليس في هذه المسألة، وإن أردت أن لا نتكلّم فيها لم نفعل تقليلاً للانتشار. ولكن لتعلم أن الدليل العقليّ القطعيّ قام على استحالة التشابه بين الخالق والمخلوق، وهنالك أدلّة تنصّ على أنّه تعالى ليس له شبه ولا عدل، فكيف تدّعي أنّ الأدلّة في هذا الأمر متكافئة؟ ثمّ إن من شبّه الله بخلقه مستنداً إلى هذه الآية قال إن الله تعالى نفى المثل ولم ينف الشبيه. واعلم أنّه لو اجتمع أهل الأرض والسماء منذ خلق الله الخلق إلى اليوم وأنت معهم وابن تيميّة من جملتهم فلن يتمكّنوا من إثبات شبيه لله تعالى لاستحالة ذلك عليه سبحانه، فما وجه قولك إن الآية متشابهة؟ إن كان ميلاً إلى تسويغ القول بالشبيه فانثر ما في كنانتك من أدلّة لنريك كيف يكون الكلام والاستدلال.

    أمّا قولك: (بالطرق التقليدية) فهذا الوصف ماذا تريد منه فإني لا أهضمه. إن الطريق العلميّ يبقى حجة قائمة سواء كان تقليدياً جرت الناس عليه من ألف عام أو كان من بنات أفكار هذه اللحظة. فلِمَ تُوسَمُ الأشياء بالتقليدية على جهة الذمّ وعدم الصلوح؟ إن كان من نقض أو نقد متّجه لبعض طرائق العلماء في البحث والنّظر فليتكلّم فيه، وإن لم يكن فلا حاجة لأمثال هذا الكلام الذي لا فائدة فيه. ثمّ إن من يعارض طرقنا فليقدّم البديل. فما هو البديل غير التقليدي الذي تقدّمه لنا لنفهم الدين بدلاً لقواعد علم أصول الفقه، أهو قاعدتك الكليّة للمصلحة فقط؟ فمصلحة من؟ فإن تعارضت المصالح؟ ثم إن تعارضت المصلحة مع الدليل؟ فما العمل بحسب طريقتك غير التقليدية؟ وإنّا لا ندّعي أن أيّ علم من العلوم الحادثة فهو كامل تام لا يتطرّق إليه النقد والتنقيح في جملته، فلا تحسبنّ أنّي ضد البحث في قواعد العلوم وزيادة تحريرها وتنقيحها وتقعيدها وتعميمها .. إلخ وهذا ما أسمّيه بالتجديد، وليس التجديد طرح ما ثبت علماً قطعاً. ولا أظنّ أن عالماً من علماء أهل السنّة ادّعى كمال البحث في علم من العلوم الشرعيّة، وإنّا إن شاء الله سائرون على طريقهم نبذل جهدنا، ونأمل أن نشارك في هذه العلوم ولو بإضافة يسيرة نشرح بها كلمة صغيرة، ولا نقف موقف المرجفين المشككين طابوراً خامساً نكثر من الكلام في النقد السلبيّ ولا نشارك في العمل البنّاء، فمن كان لديه اقتراح فليأتنا به، ويدفع في سير هذه العربة ولو بخطوة صغيرة للإمام، وإلا فليصمت. وليس الكلام موجّهاً إليك فتعود علينا باللوم وتدعو لنا بأن يسامحنا الله على ما نتهمك، فكلّ إنسان يعرف نفسه إن كان مقصوداً بهذا الكلام أو لا. والله تعالى الموفق.

    قولك: (أظن أن في الكلام سقطاً وصوابه أن تقول والأول إما أن تكون دلالته على الغير راجحة أو مساوية أو مرجوحة. الأول الظاهر، الثاني المجمل ، والثالث المؤول. أليس هذا الذي قصدته؟)

    أقول: نعم كلامك صحيح، فقد نسيت الظاهر في القسمة.

    على قولي: (فالمشترك بين النصّ والظاهر المحكم، وبين المجمل والمؤوّل هو المتشابه. وعليه فقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ظاهرة في الشرك المكفّر فتكون آية محكمة، ويؤخذ منها جواز غفران ما دونه ومنه الكبائر لأنها دون الشرك معصية بالاتفاق) قلت: (... سأجيب مستعينا بالصبر فأقول مضيفا إلى ما سبق إن الله قيد مغفرته لما دون الشرك بمشيئته، ولم يخبرنا في الآية إن كان شاء أم لم يشأ بعدُ أن يغفر لمرتكب الكبيرة فإن كان قد شاء أن لا يغفر له ولم يخبرنا فكيف تقول إنه يجوز أن يغفر له؟ كان حرياً بك أن تتوقف لا أن تجوز؟ ألم تر إلى قوله تعال: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)

    أقول: أما هذا الكلام فمن العجب العجاب. فإننا لا نتألّه على الله تعالى ولا نقول إنه يجب أن يعفو ويغفر ويثيب ويعاقب، بل نعتبر في ذلك كلّه مشيئته تعالى ولا نوجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات بخلاف المعتزلة. وعلى أي حال، نعم نحن لا نعلم أن الله تعالى هل شاء مغفرة ذنب ما لفلان من الناس أو لم يشأ، ونتوقّف في تعيين ذلك أي لا نقول بأن الله تعالى لا بدّ أن يغفر لفلان أو لا بدّ أن لا يغفر له، لأنّ هذا تألّه على الله تعالى. ولكننا مع ذلك لا يجب أن نتوقف في قولنا إنّه تعالى يجوز أن يغفر لفلان كما يجوز عليه أن لا يغفر له، وكذا أن نقول: إنه إن شاء غفر الله له، وإن شاء لم يغفر وعذّبه. وليس حريّاً بنا أبداً أن نتوقّف في هذا الأمر لأنّه من الجائزات على الله تعالى، أمّا عقلاً فالبديهة لأنه فعل جائز في نفسه، وكل ما كان كذلك فهو جائز على الله تعالى أن يفعله، وأمّا شرعاً فلما سقته من كلام الله تعالى: (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)، ولقوله تعالى: (ولا تيأسوا من روح الله)، و(لا تقنطوا من رحمة الله)، و(إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، و(توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم ترحمون)، ولو لم يكن للتوبة فائدة في جواز المغفرة بل كان بمجرّد فعل الكبيرة يختم على عمل المرء ويحبط ويدخل في النار خالداً مخلّداً فيها لما كان إلى غير القنوط من سبيل، ولما كان لأمره تعالى عباده بالتوبة من فائدة. أفتأخذ علينا تصديقنا لقول الله تعالى، وتدعونا للتوقف فيما قرّره الله تعالى في محكم كتابه؟

    قولك: (ثم أخبر جل شأنه أنه شاء أن لا يغفر للمشركين، فهل يجوز لأحد أن يقول إنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟ وللمعتزلة أن يقولوا أنه أخبرنا بأنه لن يغفر لهم وذلك في الآية التي استدلوا بها على خلود العصاة، ومن هنا يتبين أن الآية لا تصح دليلا لمذهب الأشاعرة)

    أقول: نعم إن الله تعالى أخبرنا أنّه لا يغفر للمشركين، ولكنّ محلّ الكلام في من لم يتب من شركه سواء كان كافراً ثم تاب بالإيمان والمداومة عليه وعلى الإسلام، أو كان مؤمناً ثم أشرك ولم يتب من شركه، بالاتفاق بيننا وبين المعتزلة.

    سؤالك: (فهل يجوز لأحد أن يقول إنه يجوز أن يغفر للمشركين -وقد شاء خلاف ذلك- قبل أن يعلمنا عن مشيئته؟) فجوابه لو كان شاء بالفعل أن لا يغفر لهم ولم يخبرنا بذلك فإننا نبقى على أصلنا العقليّ في مطلق التجويز وعدم القطع والتعيين، ونفوض أمر هؤلاء إلى الله. لأن مطلق المغفرة جائزة عقلاً، ولكنا أيضاً إلى جانب ذلك نرى المغفرة ثابتة شرعاً لكلّ من كان مشركاً بالله ثم أسلم، لأنّ الإسلام يجب ما قبله بالاتفاق. وقد كان عمر وأبو بكر وعثمان وأبو عبيدة وغيرهم مشركين ثم تابوا فتاب الله عليهم. وشهد لهم الرسول الكريم بالجنّة. وأما من بقي على شركه، أو أشرك بعد إسلامه ولم يتب، فقد أخبر الله تعالى في محكم كتابه بأنّه لا يغفر له فمع قولنا بجواز ذلك عقلاً جوازاً محضاً إلاّ أننا لا نمنعه للخبر. وأمّا من أشرك بعد إسلامه وتاب من شركه، فإن أمره إلى الله تعالى إن شاء قبل منه توبته وغفر له وأدخله الجنّة، وإن شاء لم يفعل. فأين الإشكال في هذا الكلام؟

    قولك: (الفاضل بلال أقترح أن ننهي الكلام في دلالة القرآن قبل أن نشرع في الحديث عن السنة، فإن كان عندك دليل محكم من القرآن يبين عدم تكافؤ خلود مرتكب الكبيرة في النار فبينه وإلا انتقلنا للحديث عن سائر الأدلة، فما رأيك؟)

    أقول: مع أنّ الأصل أن ينظر في جميع أدلّة الشريعة من كتاب وسنّة وإجماع وقياس ولزوم الأخذ من مجموعها، ولا يلزمني أن أقبل ذلك إلا أنني موافق، وليس عندي أي مانع. وقد ذكرت طرفاً من عدم تكافؤ الأدلّة حتّى الآن، وأنتظر جوابك عليه، وحين يأتيني، فإني بحول الله سأعرض جميع أدلّة المعتزلة وأردّها، وآتي بأدلّة أهل السنّة في عرض مبين إن شاء الله تعالى.
    وبهذا نكون قد انتهينا من مناقشة كلّ ما كتبته حتّى الآن، وأتمنّى أن تتفاعل معنا يا فادي ولا تبقى صامتاً، وأن تكتب رأيك فيما قرأت حتّى الآن. ولكن سواء فعلت أم لم تفعل فإني إن شاء الله سأنشر ما وعدت به من تحقيق مذهب المعتزلة وذكر أصولهم فيه ونقضها، وبسط مذهب أهل السنّة حين أنهي كتابته. والله تعالى الموفّق.
    وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. والحمد لله ربّ العالمين.
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    الفاضل جلال،
    قبل الشروع في إتمام التعلق على ما تفضلت به، أحب أن أنبه على النقاط التالية:
    1- عليك أن تستحضر أن المقالة لا ترد على من ينتسب إلى الأشاعرية أو أهل السنة فقط، وإنما على كل من ينتسب إلى الإسلام مدعيا أن الشريعة يمكن أن تفهم بناءا على العلوم الإسلامية السابقة كأصول الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث بل والعقائد، فهي موجهة للمعتزلة والإباضية بل وحتى اليسار الإسلامي، وعليه فإن ذكر قول في المسألة لا يلزم منه أن يكون قول للأشاعرة وما يمكن أن يكون اعتراض على أحدهم لا يجب بالضرورة أن يكون اعتراضا عليك والعكس صحيح، ثم إن ذكري لدليل أحدهم لا يلزم منه ضرورة أن أكون مؤيدا له، وإنما يمكن أن أذكره إشارة إلى تكافؤ الأدلة فتنبه.
    2- المقالة تدور حول عجز العلوم الإسلامية عن فهم الشريعة، ولإثبات هذا سلكتْ طريقين الأول بيان أن تطبيق العلوم الإسلامية كأصول الفقه لفهم النص لن يؤدي إلى حل جميع أنواع التعارض الظاهري بين النصوص الشرعية وإن أدى إلى حل البعض، وعليه فسيثبت المطلوب وهو قصور هذه العلوم. الثاني أننا لو سلمنا إمكان رفع الإشكال عن جميع النصوص المتعارضة بالاستعانة بالعلوم الإسلامية وهو غير مسلم، فلا يلزم من هذا بالضرورة أن تكون هذه العلوم صالحة لفهم النص إذ إنها قد أهملت أمورا أخرى ذكرت في المقالة يجب مراعاتها للوصول إلى الفهم الصحيح. وعليه فلا يلزم من بيان فساد الطريق الأول فساد الثاني والعكس صحيح.
    وها أنا أشرع في إتمام الإجابة فأقول:
    قلتَ (قوله: (قد يسارع البعض ...
    أقول: هذه مغالطة ظاهرة. إذ الكلام في أنّه هل من شأن السنّة بيان المجمل ورفع الإشكال وتوضيح المبهم أو لا، وليس الكلام في أنّ مجمل السنّة فيها جملة من التعارضات الموهومة.)
    السؤال في هذا القسم من المقالة هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟ الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة اللتي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة اللتي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟ فأين المغالطة اللتي تتكلم عنها؟ وما هو جوابك عن الإشكال؟

    قلتَ (وقوله: (نصوص السنّة فيها ذات التعارض) يوهم أن القرآن متعارض حقيقة ولا يسلّم، ويوهم أن السنّة متعارضة حقيقة ولا يسلّم.)
    غاية ما ذكرته المقالة أن السنة فيها ذات التعارض أما إن كان هذا التعارض حقيقيا أو متوهما فهذا شأن آخر، ولا أدري كيف فهمت هذا من العبارة!

    (وتعميمه عدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً إن سلّم عدم صلوحها لتفسير بعض مواضعه، تحكّم ظاهر. وينبغي أن نحرر موضع النزاع أكثر قبل الاستطراد في الكلام. فهل كلام بديع الزمان في كلّ آية من آيات القرآن، أنها لا يمكن شرحها بالسنّة. أم في المتشابه من القرآن فحسب. الأول ظاهر الفساد. فإن كان الثاني أو بعضه فلم يطلق الحكم بعدم صلوح السنّة لذلك؟)
    أرجو أن تأذن لبديع الزمان أن يسأل إمام العربية وخطيبها ومن إليه المنتهى في معرفة بلاغتها أين عمم بديع الزمان حكمه بعدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً؟ وما هي العبارة اللتي فهم منها إطلاقه لهذا الحكم؟
    قلتَ (لا نقول كلّ موضع مشكل فقد حلّه نصّ واضح من السنّة، ولكنّا نقول إن الآثار حلّت وشرحت بعض القرآن على الأقل، ولا ندّعي أن الآثار وحدها كافية لتفسير القرآن الكريم –كما سيأتي الكلام فيه- ليحتجّ علينا بهذا الكلام الركيك. ثم إن سياق الكلام يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه. وهذا كذب ظاهر منقوض بشواهد كثيرة جدّاً، وهو مناف للموضوعية المطلوبة من الباحث.)
    الفاضل بلال الكلام فيما إن كانت السنة يمكن أن تبين أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، وليس الكلام فيما إن كانت السنة تصلح لتفسير مجمل ألفاظ القرآن، ولو قرأت المقالة بإنصاف لظهر لك هذا بوضوح، والقول بأن السنة لا تصلح لهذا هو مذهب الأحناف كما لا يخفى عليك، نعم الأحناف يقبلون الترجيح بين ظواهر القرآن المتعارضة بالسنة المحكمة، وهذا غير مقبول في المسالة المطروحة (حكم مرتكب الكبيرة) لما سبق. ومن زعم أن السنة تصلح لهذا فليأت بمثال يصلح دليلا على ما يدّعيه. فتبين المراد قبل أن تقول أن الحكم كذب ومناف للموضوعية. على أن الحديث عن موضوعية الباحث أمر ليس هذا محل الكلام فيه. ثم إن إطلاق الكذب على من خالف الصواب أمر غير مقبول عند الفضلاء وحريٌّ بهم أن يقولوا خطأ أو مجانب للصواب، وليس مثلي من سيعلم أديبا مثلك حسن الكلام، وأنا مذكِّر لك بما تفهمه من قوله تعالى: (قل لعبادي يقولوا اللتي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم).

    قلتَ (ثم إنا نقول إن المواضع المشكلة في القرآن الكريم والسنة النبوية لو طرحت جميعها، أعني أن الإنسان لو قرأها وفوّض علمها تفويضاً مطلقاً لله تعالى ولرسوله، لاستطاع أن يجد فيما تبقى له من هذين الأصلين التشريعيين وهو القدر الأعظم منهما ما يكفيه للاعتقاد والعمل. وأتحدّى صاحب الزمان أن يأتي لنا بموضع مشكل في القرآن أو السنّة يحتاج إليه أي يتوقف عليه معرفة عقيدة أو عمل أمر المكلفون باكتسابه، ووقف فيه أهل السنّة حائرين في تلك العقبة الكأداء؟ هل سمعتني أتحدّاك!)
    أما أن أهل السنة وقفوا حائرين فهذا ما لا أقوله ولا غيرهم من الفرق وقفوا حائرين بل ولا النصارى ولا اليهود، ولا يلزم من ذلك أنهم مصيبون فيما فهموه، أو توهموه صالحا لحل الإشكال، أما أن آتي بأمر من العقيدة فقد فعلت وليس هذا هو الموضع الوحيد بل أضف عليه القول في الأسماء والصفات، وتعذيب الكفار في نار جهنم بل أضف أصل الأصول وهو معنى كلمة التوحيد، وغيرها من المسائل اللتي لا يمكن القطع بمعرفة حكم الله فيها إن فهمنا الشريعة مستعينين بالعلوم الإسلامية ، وأما الفقه فلا تسأل عن عدد الأحكام اللتي تشكل كوجوب الحجاب وحكم النبيذ المسكر وتعدد الزوجات وزواج المتعة والزواج من الكتابية والجهاد والسحاق وغيرها من الأحكام اللتي لا حصر لها على أنني أرجئ الكلام في كل هذا لحين الفراغ من مسألة مرتكب الكبيرة. أما عن التحدي فأربع على نفسك يا أخي فوالله ما شاركت في هذا المنتدى لأتحدى أحدا، ولكن أعرض ما عندي وأقرأ ما عند غيري ، فإما أن أخضع لقول المخالف وأفرح به أو أفرح بما منَّ الله علي من علم.

    قلتَ (فما بالك توهم بكلامك أن العلماء يتخبطون ولا يعرفون الكثير عن هذا القرآن وهذه السنة بالقدر الذي يكفيهم في الاعتقاد والعمل، ثمّ أنت تريد أن تجد لهم الحلّ، فتدلّهم على الطريقة المثلى لفهم القرآن والسنّة، ومئات الألوف من أساطين الفكر والعلم من عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم إلى اليوم غافلون عنها؟ )
    أنا لا أقول أن العلماء يتخبطون، وأعجب كيف توهمته! بل بينت أنهم يعتقدون أن أصولهم صحيحة لا غبار عليها، وليتهم تخبطوا إذ لو فعلوا لبحثوا وما ركنوا، ولكن الله يفعل ما يريد.

    قلتَ (قوله: (فنحن نقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من تجرع سما فسمه في يد يتجرعه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا". كما نقرأ أحاديث الشفاعة التي تتكلم عن خروج مرتكبي الكبائر من نار جهنم فكل طرف يستدل بالحديث الذي يؤيد مذهبه ويجعله محكماً بينما يأوّل الحديث الآخر ويجعله متشابها)
    أقول: أجبنا عنه فيما مضى بأنه لا يسلّم قول كل من قال بالتشابه. ثم ننقل الكلام في كلّ مسألة مسألة. فإن كان لديك موضع في القرآن الكريم أو السنّة المشرّفة تريد أن تتناوله بالبحث فهاته مثالاً على كلامك، والأدلّة بيني وبينك. وإلا فلا طائل من كلّ كلامك الذي تطلقه. وإن أردت الكلام في هذه المسألة بالذات أعني مصير قاتل نفسه وتفاصيلها فقرّرها على نحو يظهر التعارض في أخبارها لأحلّ لك أي إشكال عندك فيها.)
    قد أتيت بالموضع وذكرت مسألة مرتكب الكبيرة ثم أتيت بمسألة قاتل نفسه لأنها تندرج تحت هذه المسألة وذكرت بعض النصوص المتعارضة فيها، ولا أظنك تجهل أحاديث الشفاعة، فهلا أزلت الإشكال بدلا من أن تطلب بيان ما قد بُين، أما إن كانت لا تدرك وجه التعارض بين حديث قاتل نفسه وأحاديث الشفاعة فإن الأول ظاهر في خلود كل من تجرع سما في نار جهم، وأحاديث الشفاعة تخرج كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فهل سنقول أن كل من قتل نفسه مهو مخلد في النار حاشا من كان مؤمنا لما جاء في أحاديث الشفاعة؟ أم سنقول ان كل من كان مؤمنا فسيخرج من النار إلا إن كان قاتلا لنفسه بتجرعه السمَّ كما جاء في حديث تجرع السمِّ؟ أم لا هذا ولا ذاك فبينه؟

    يتبع لطول الرسالة

    تكملة....

    قلتَ (قوله: (هذا بالإضافة إلى أن من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها! هذه نقطة)
    أقول: هذه مغالطة أخرى، فإنا نقول إن خبر الواحد من حيث هو كذلك لا يثبت به أصل من أصول الدين، فلا بدّ للأصل لكي يكون كذلك أن تدلّ عليه القواطع دلالة قطعية. ويتعجب الكاتب من فعلنا لأمر لا نفعله، عجبا! )
    ليس الكلام مع من لا يستدل بخبر الآحاد في إثبات الأصول فليس هناك أي مغالطة فتنبه! ولا أظنك تجهل أن من أهل السنة من يستدل بخبر الواحد في العقيدة. بهذا يعلم الجواب على ما ذكرته فيما بعد وقد أطلت الإجابة مأجورا من غير عظيم فائدة، ولو اختصرت وقلت: لا نقول به فلا يلزمنا لكفاكَ.

    قلتَ (وفصّل العلماء في كل حالة بالقسمة. فقالوا: إن استوى المعنيان في الظهور والخفاء والاستعمال فيهما حقيقة لكنه في أحدهما لغوية أو عرفية وفي الآخر شرعية قدّمت الشرعية عليهما إلا أن يدل دليل على إرادة اللغويّة، ولو كان في أحدهما عرفية وفي الآخر لغوية، فيحمل على العرفية، وإن اتفقا في ذلك، فإن لم يمكن إرادتهما باللفظ الواحد اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالّة عليه، فما ظنّه فهو مراد الله في حقّه، لا أنّه مراد الله في نفس الأمر فانتبه للفرق. وإن لم يظهر له شيء فهل يتخيّر في الحمل أو يأخذ بالأغلظ حكماً، أو بالأخف حكماً. أقوال. والمحققون منا على أنه إن أمكن إرادتهما معاً فالحمل عليهما. وكل ذلك بأدلته مفصّل في محلّه.
    وإذا أردت مناقشة هذه الأقوال بالتفاصيل، فلا مانع لديّ، فإنا لم نقل شيئاً بعد من تحقيقات فحول علماء الأصول. )
    لو كان كلامي معك في هذا لبينت ما أختلف معك فيه، ولكن سأتركه لحينه طالما أنك ستستمر في المناظرة إلى حين دنو الأجل كما ألزمت نفسك.
    قلتَ(فقوله (هذه نقطة)، ففي عين كلامه، ولم تبلغ أخمصنا. )
    بل في عين كلام من يستدل بالظني في إثبات الأصول.

    قلتَ (قوله: (بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق أن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة، هذا هو الإشكال الأول حول جعل السنة هي الحاكمة في تحديد ما هو المتشابه وما هو المحكم من القرآن)
    أقول: قد بان للعاقل مما مضى أن هذا الكلام في غاية الركاكة. فلا نزيد. )
    ولن أزيد أنا كذلك.

    قلتَ (أقول: كونه عربياً مبيناً وهادياً إلى الحق لا ينافي كون بعضه غير واضح الدلالة. وكذلك لا تلازم بين كونه كذلك وبين كوننا بحاجة إلى علم التفسير لنفهمه، وهو علم كباقي العلوم وله استمداده. ومن يقول خلاف ذلك فهو لا يعرف ما هو القرآن. )
    أسلم لك صحة كل هذا.

    قلتَ (وإذا كنت تتمسك بلفظ المبين فلم لا يحمل على أنه مبين لطرق الهدى من طرق الضلالة، ومبين لما تحتاجه الأمة، أو مبين خيرة وبركته، أو مبين الحق من الباطل والحلال من الحرام، أو مبين نبوة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، ومبين قصص بعض الأنبياء والأمم السابقة. وغيرها من المعاني التي ذكرتها الآيات التي ذكر فيها لفظ البيان. )
    اعلم أن الحجة مركبة من كونه مبينا ومن كونه هاديا، والأعتراض موجه على وجه الخصوص إلى أنه هل من شأن السنة أن تخرج القرآن عن ظاهر لفظه وتحيل محكمه إلى متشابه، فإن أجبت بنعم خرج القرآن عن كونه مبينا وهاديا، بل قولك هذا سيجعله خفيا مضلا، وذلك لأنه بيّن أمرا وأفهم حكما غير مراد له. وما ذكرتَه من وجوه للإبانة إما أن يكون قد أفهم غير الظاهر فيها فلا يسلم لك كونه مبينا هاديا وإما أن يكون أراد الظاهر منها ولم يرد الظاهر في بعض ما سواها من الأشياء اللتي لم تذكرها فلن يكون القرآن مبينا ولا هاديا ولا أحسن الحديث ولا أفصحه وأبلغه بل لا يكون بليغا في هذا البعض إذ أفهم خلاف مراده وعجزنا عن فهم مراده حتى احتجنا إلى السنة، فهل تلتزم هذا أم ماذا تجيب؟

    قلتَ (ثم إن الله تعالى يقول (ليدّبروا آياته) ولو كان بيّناً بالمعنى الذي تقوله بمعنى أنه يفهمه كلّ أحد بمجرّد معرفة لغة العرب بالمتبادر من سياقاته لم يكن بحاجة إلى تدبر.)
    المعنى الذي أقصده من البيان أنه لا يفهم المخاطبين به خلاف مراده حتي نحتاج إلى غيره كالسنة حتى تبين لنا أن ما أفهمنا إياه خطأ أو ضلال أو كفر. أما التدبر فيجب على المخاطبين أن يتدبروه ويستنبطوا المعاني والأحكام على أن لا يكون شيئ من ذلك مخالفا لظاهر القرآن أو لظاهر شيئ منه وإلا لزم أن لا يكون ذلك الجزء مبينا ولا هاديا فضلا عن أن يكون فصيحا بليغا. أما أن يفهمه كل أحد بمجرد معرفة لغة العرب بالمتبادر من سياقاته فلا شكَّ أن زيادة المعرفة بلغة العرب ستزيد من معرفة دقائق النظم، ولا نقول أنها ستقلب المعنى الظاهر وتبين أنه غير مراد.

    قلتَ (ثم إن في القرآن متشابه بالاتفاق. وهو إما أنه لا يعلمه إلا الله أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وهذا ينافي كونه بيّنا لكل أحد لأن الراسخين في العلم أخصّ من أهل اللغة أو علمائها.)
    لم يقل أحد أنه بين لكل أحد بهذا الإطلاق، ووالله إني لأعجب منك تخترع القول وتضعه في سياق دعوى المخالف ثم ترد عليه! سامحك الله.

    قلتَ (ثم دعني أسلّم لك أن القرآن كلّه من أوله إلى آخره مبين بنفسه عن مرادات الله تعالى دون الحاجة إلى شيء غير العربية لفهمه مع أنه لا يجوز تجاهل أوضاع الشريعة في فهم القرآن)
    هذا اللذي سلمته لي لا أقول به، بل لقد بينت أم في القرآن مجملا، على أنني إن كنت قلته فأنا أرجع عنه حتى لا أطيل النقاش من غير فائدة.

    قلتَ (فأقول: إن البيان مشكّك ويشهد له قوله تعالى (لا يكاد يبين)، فلا مهرب من التسليم بأنه يفهم على مستويات متفاوتة بناء على ما لقارئه من ملكات وما يملكه من أدوات الفهم، مع القطع بأن هذه الفهوم المتعدّدة لا يمكن أن تتعارض على الحقيقة، لقيام الدليل على عدم الاختلاف. فيكون القرآن في غاية الإبانة عن نفسه. وليمكنه أن يحمل كلّ هذه المعاني الكثيرة جدّاً جعله الله تعالى في غاية البلاغة. فاحتيج إلى آلات قوية ودربة عظيمة لاستكناه معانيه، وتبيّنها.)
    أوافق على جميع هذا، وأنبه إلى أن تفاوت إدراك البيان لا يعني أن نفهم خلاف الظاهر، وأن نعتقد الضلال في المعنى الظاهر.
    قلتَ (ثم كلامك هذا يقتضي أن يكون القرآن نصّاً بالمعنى الأصوليّ، ولا أعرف عاقلاً يقول بذلك. والمشهور أن الحكمة في أن العلم بمراد الله تعالى مستنبط بأمارات ودلائل من القرآن الكريم نفسه ومن العلوم الأخرى التي سأذكرها عمّا قليل، وذلك لأن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده بكتابه، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص على المراد في جميع آياته، ولا يخفى أنه لو فعل لانسدّ باب الاجتهاد والنظر والتدبّر وغير ذلك مما لا يخفى. )
    كيف يقتضي هذا وأنا أقول أن السنة تبين مجمل القرآن، أيقتضي تصريحي بوجود المجمل في القرآن أن يكون القرآن نصاً!

    قلتَ (قوله: (وعليه فكيف سنجعل من السنة مبينا للقرآن ... وما أود زيادته ههنا أن قصر بيان السنّة على تبيين المجمل تحكّم ظاهر. ولا يستقيم مع قوله فيما سيأتي ظاهر لغة العرب، إذ ظاهر لغة العرب التي يتحدّث عنه تشرح البيان بأعم من كشف المجمل بحيث يمكن بناء العمال عليه. تأمّل. ثمّ إن النظر في علم الأثر لفهم القرآن لا يقول إنه يزيد الإشكال إلا جاهل، وكل من يقرأ في التفاسير يعرف مقدار تهافت هذا الكلام. )
    صدقتَ لا يجوز قصر بيان السنة على ذلك وكان صواب العبارة أن أقول (وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات وتشرح ما هو مبين في القرآن لا أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.

    قلتَ (أريد منك أن تحقق لنا معنى قولك: (لا أنّها تبيّن أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) التي يبدو أنك تلمز بها تفسيراً معيّناً لآية ما.)
    اعلم أن القرآن نزل منجما مفرقا وعليه فما كان أحد زمن التنزيل يفهم القرآن بالنظر إلى مجموع آياته فإنها لم تكن قد أنزلت بعدُ، وعليه فما كان يفهمه السامع من المعنى الظاهر في الآية عندما تتلى عليه هو مراد الله منها دون الحاجة إلى النظر في غيرها، ونخن إن نظرنا إلى القرآن على أنه كلٌّ متكامل خالفنا ما كان عليه الحال زمن التنزيل. وعليه فكل فهم يخالف المعنى المفهوم من الآية إن وضعت في سياقها القرآني والتاريخي اللذين نزلت فيهما فهو فمهم مجانب للصواب. عليه فآيات العقيدة كآيات الصفات وآيات الأحكام وغيرها كلها على ظاهر المعنى المفهوم منها، ومن زعم أن شيأ من ذلك يحتاج إلى آية أخرى نزلت فيما بعد أو حديث نبوي حتى يفهم فهما صحيحا، وأن ظاهر المعنى سيكون خطأ أو ضلالا أو كفرا من غير ذلك، فهذا يلزمه أن الصحابة الكرام قد فهموا الآية فهما خاطأ وما زالوا قائمين على هذا الفهم لا يمكنهم معرفة أنهم مخطؤون حتى نزلت الآية الأخرى أو جاء الحديث، ويلزم منه أيضا أن لا تكون الآية بليغة إذ إنها أفهمت غير المراد منها.

    قلتَ (ثمّ إنا بيّنا فيما مضى على أنه لا تلازم بين كونه بيّناً وبين النظر في علم الأثر لفهمه. فنسألك أين التلازم بين كون السنّة مما يستمدّ منه علم التفسير وبين كون الكتاب كتاب تلبيس وإضلال؟ ثم ألا ترى أنّه يلزمك أن تردّ كلّ حديث صحيح ورد في تفسير آية؟)
    قد بينت متى يكون الكتاب كتاب تلبيس وإضلال فلا أزيد، أما ردُّ الأحاديث الصحيحة اللتي تفسر القرآن، فأقول إن كان هناك حديث صحيح يبين أن ظاهر آية من القرآن غير مراد فإني سأقطع بضعف هذا الحديث إذ إنه قد جعل الآية مضلة لمن يقرأها من المخاطبين بها، هذا لو سلمنا وجود حديث هذا شأنه ليس على إسناده غبار. أما إن أردتَ غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي وردت في تفسير آية فهذا غير لازم لي.

    قلتَ (ثمّ ما معنى التلبيس والإضلال وقد سقط عنك التكليف؟)
    قد بينتُ المعنى (بقولي إذ إنه أفهم المخاطبين به خلاف مراده)، وقولك (وقد سقط عنك التكليف) فإني أقول على سبيل المعارضة: إن كنت فهمت هذا من قولي (الحمد لله أن أسقط التكليف) فإني لم أصرح في العبارة لا من قريب ولا من بعيد عن المخلوقات التي أسقط الله عنها التكليف، أفلا يجوز أن أكون مريدا لمن فقد عقله، على أني لو أردت نفسي كما فهمتَهُ أنت من العبارة فهل تظن أني لا أنام ولا يغمض لي جفنٌ، فلا شك أن الله أسقط عني التكليف حينها، وأنت فهمت من الفعل الماض أسقطَ أنهُ جلَّ وعلا مازال مسقطا للتكليف في كل وقتٍ، فهلا بينت لي كيف فهمت هذا، وإني والله لأعجب من اعتراضكم على حمدي الله على إسقاطه التكليف! وأنا عندما طلبت من الفاضل جلال أن يفهم العبارة مستعينا بأصول الفقه ما كنت أقصد استخفافا ولا استهزاءا، وإنما أردت أن أبين أنه يمكن أن نحمل العبارة على محامل كثيرة موافقة لما يفهمه وتفهمه من ديمومة الشريعة، وبقاء التكليف.

    قلتَ (ثمّ على سبيل المعارضة أقول: أهل اللغة يقولون هذا أمر بيّن وسنزيده بياناً، فما معنى قولهم سنزيده بياناً وكيف وما الحاجة إلى ذلك؟ فعلى تسليم أنه بيّن بنفسه فلم لا يقال تزيده السنّة بياناً؟ وهل زيادة المبيّن بياناً يلزم منها الإضلال، وإفهام المخاطبين بخلاف المراد؟)
    إن كانت السنة ستزيده بيانا بتأكيد معناه أو شرحة فحق وإن كانت ستزيده بيانا بأن تبين أن ظاهره غير مراد أو أن الظاهر ضلال أو كفر فلا أسلم أنه يجوز أن نقول أن السنة ستزيده بيانا إذ ليس هو ببيّن في شيئ من ذلك حتى تزيده بيانا.

    قلتَ (ثم إنّك تفضّلت علينا قبل سطور بشرح المراد من قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فهل ترى في تفسيرك لها إضلالاً لنا، وإفهاماً على خلاف المراد. ولمَ لم تنزّه كلام الله تعالى عن بيانك؟)
    قد بينت ما أخطأتُ فيه، فلا يلزمني الإجابة عن هذا الاعتراض الآن.

    قلتَ (أقول: إن هؤلاء الصحابة يساعدنا فهمهم أيضاً على تفسير القرآن لأنهم ورثة العلم بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم، كما هي حال علماء الدّين من الأئمة في كلّ زمان، فإن لم تجد عندهم الحكمة التي أوحاها الله تعالى إلى نبيّه فأين تجدها؟ وكونهم غير معصومين لا مدخليّة له في جواز الأخذ عنهم، والاستنارة بمروياتهم عن رسول الله واعتبار أقوالهم وفهومهم، لا سيّما مع معرفتنا بشدّة ورعهم عند الكلام في الدّين، على خلاف أهل هذا العصر،)
    الكلام هنا على وجهين الأول: فيما إن كان فهم الصحابة حجة في الدين، فهل تعتقد حجية قول الصحابة وأنه قاطع للنزاع؟ فإن أجبت بالإيجاب فيلزمك الدليل وإلا صرت إلى قولي ولا خلاف بيننا، وأنا سأسلم تنزلا أن إجماعهم حجة بشرط أن يثبتَ الإجماع من يدّعيه
    الثاني: أنا لو سلمنا أن قول آحادهم حجة فهو لن ينفعنا فيما نحن بصدده إذ إن كثيرا مما وقع فيه الخلاف لا يعلم للصحابة رأي فيه مثل القول في حكم مرتكب الكبيرة، ومعرفة الآية المحكمة من المتشابهة في ذلك. وعليه فلن يكون قول الصحابي معين في فهم جميع مختلف القرآن إن سلمنا أنه صالح لبعضه.
    أما معرفة شدة ورعهم عند الكلام في الدين فإن قصدت جميعهم على التعريف المشهور في علم الحديث للصحابي وهو من لقي الرسول صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك فلا يسلم لك وأطلب منك دليلا عليه وأنا وإن كنتُ لا أنفي ما ذكرتَه غير أني لا أثبته ولا أقول ما لا أعلم، وإن كنت تقصد غيره من التعاريف فبينه وبين كيف أثبتَّ شدة الورع المذكورة.

    قلتَ (حيث يمكن لتارك صلاة لم يحقق بعد أي علم من العلوم، كان بالأمس سلفياً، وأضحى مجترّاً لسقط متاع سوقة الأدب والفكر في زمن رجالات عبده، أن يتكلّم في القواعد الكليّة لتفسير القرآن العظيم، ويكذب على الله جهاراً، وفيما مضى من التفصيل في كفاية لمن كان له قلب ليميز أن هذا الكلام متهافت لا يلتفت إليه. )
    من قصدتّ بذلك؟ ولماذا لم تقل كان في البداية أشعريا وبالأمس سلفيا ... أم أنك تظن أن الأشاعرة لا يتركون مذهبهم لمذهب آخر. رحم الله الإمام الغزالي حجة الإسلام.
    الحمد لله أن أسقط التكليف

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    تابع الرد على كلام الفاضل بلال

    قلتَ (أقول: لا تلازم بين فهم القرآن بالعقل واستقلاله ببناء العقيدة. لأنّه أوّلاً ليست كلّ عقيدة فهي مذكورة تفصيلاً في القرآن الكريم ومن أين يجب أن تكون كذلك. وبفساد اللازم فسد الملزوم.)
    الكلام هنا على العقائد المذكورة في القرآن هل يجوز فهمها ومعرفتها بالعقل ثم الرجوع إلى كتاب الله فإن كان اللذي فيه موافقا أخذنا به وإن كان مخالفا أوّلناهُ، فإن قلتَ بهذا والأشاعرة قائلون به فيلزمكم أن لا تكون الهداية آتية من القرآن بل من الأدلة العقلية اللتي قبلتموها، مثال ذلك القول في وصف الله بأن له يدا ووصفة بالمجيئ والعلو ونحوه. ويكون اللذي جاء من النص القرآني التلبيس والإضلال، ولا يكون القرآن هاديا ولا مبينا بنفسه. وليس الكلام عن كل عقيدة كما ظننتَ. فإن زعمت أن الأشاعرة أوّلوا ظاهر هذه الآيات لمخالفتها للنص في آيات أخرى كقوله تعالى: (ليس كمثله شيئ) فلنا حديث عن هذه الآيات بعد أن تسلم لي عدم جواز التأويل لمجرد مخالفة الدليل العقلي.

    قلتَ (وثانياً أن الدليل العقلي من أدلّة الشرع، لما أن الشرع ثبت به ثمّ أناط به التكليف، ولاستحالة تنافيهما لأن العلوم لا تتنافى.)
    أسلم أنه من أدلة الشرع.
    أما أن الشرع ثبت به فإن أردت أنه ثبت بأدلة المتكلمين على وجود الله واللتي ألزمتهم تأويل آيات الصفات فلا أسلم لك صحة الأدلة وعليك الإثبات، لكن لا أطالبك به الآن حتى لا نشعب المسائل، وإن أردت أنه ثبت بإثبات صدق الرسل عليهم صلوات الله وسلامه فإن سلمتُ صحتَ الدليل العقلي هنا فإنه لا يلزم منه أن نخرج الآيات عن ظاهرها إن استعنا به.
    أما أنه أناط به التكليف على وجه أنه آلة الفهم عن الله لا على وجه تأسيس العقائد والأحكام وبنائها وإن كانت مخالفة لظاهر القرآن فمسلم إلا أنك لا تقصره على ذلك.
    وأما أنه لا تنافي بين العلوم فهو مسلم لكن لو وقع التعارض في عندنا لا في الواقع فهل نتهم القرآن بعدم البيان ونزعم أن ظاهر معانيه كفر وضلال، ونخرجه عن بلاغته ونتبع ما ظنناه دليلا عقليا صحيحا ملتزمين القول بأن القرآن لم يبين أمور العقيدة بيانا شافيا وأنه لا يكفي لمعرفة الصواب من الخطأ فيها أم نتهم دليلنا العقلي اللذي اختلف فيه كبار المتكلمين والفلاسفة ونسلم للشرع بعد أن ثبت صدقه بأدلة عقلية غير اللتي عارضت ظاهره، ونفهمه على ظاهره معتمدين عليه في فهم العقيدة وبناءها؟
    قلتَ (وثالثاً لأن العقل حين يفسّر للقرآن فهو ههنا آلة للفهم، فلا يفرّخ العقايد من تلقاء نفسه، بل يدرك الموجود، ...تخبطك ههنا.)
    ليس هذا محل الخلاف ولا عليه الإعتراضُ وهذا مقبول عندي إلا أنك لا تعتبر العقل مجرد آلة لفهم القرآن بل هو يفرخ العقائد من تلقاء نفسه ويؤول النصوص اللتي لا توافق تفريخه. وقد تأملت فلم أر تخبطا.

    قلتَ (قوله: (ليس للعقل قدرة على الحكم فيها بشكل قاطع..). أقول: العقل عندما ينظر في تفسير القرآن لا يستقلّ بفكره ليقول في المسألة المفروضة حكمه .... وهذا وإن كان متصوّراً حصوله في تفسير بعض الآيات إلا أنه لا يمكن حصوله دائماً.)
    ليس هناك أي مغالطة فقد قالت المعتزلة أن العقل يؤسس حكم مرتكب الكبيرة ويدركه، والكلام للرد عليهم، وزعمت الأشاعرة أن العقل يدرك نفي حلول الحوادث في الله وغيرها، وأوَّل الفريقان آيات القرآن اللتي تعارضت مع العقائد اللتي أسسوها بعقولهم. وأنت يا صاحب الأشعري تنكر معرفة حكم مرتكب الكبيرة بالعقل إلا أن يكون فاهما عن الله هذا الحكم، وحتى يتم لك هذا الفهم عن الله تستعين بالعلوم الإسلامية كأصول الفقه وأنا أنفي أن تصلح هذه العلوم آلة عقلية صحيحة للإعانه.

    قلتَ (وأخيراً أقول إن النظر إلى السنة أو أقوال الصحابة أو غير ذلك مما ذكرت، إن كنت تقصد به أن أيّاً منها ... وغيرهما مما ذكر في محلّه. )
    بل أقول إن مجموع هذه العلوم اللتي ذكرتها لا يكفي لاإزالة التعارض الظاهر بين بعض آيات القرآن، وقد تكلمنا على ذلك وأنا أنتظر جوابك، ولو سلمنا أن مجموع هذه العلوم يكفي في إزالة كل تعارض فإنا لا نسلم أنه سيحصل بتحصيلها فهم صحيح وهو ما سنتكلم عليه قريبا.

    قلتَ (وبقية كلامك ههنا لا قيمة له. وهكذا أكون قد استعرضت ... فانتظره. )
    أما أنه لا قيمة له فحري بمن يجيب بهذا أن يحرم بيان الحجج في لكلام، وقد استعرضت جوابك أيضا وسأستعرض القسم الثاني منه كذلك فانتظره.

    قلتَ (وكنت آليت على نفسي أن ألتزم معك الأدب .... أن مائة ممن هم بسعرك لا يعدلون عشر معشار ما عنده من علم وأدب.... فيه)
    سامحك الله ، وأما أني لا أعرف ما عند الفاضل جلال من علم وأدب فحقٌ، ولا أنت تعرف ما عندي منهما فلا ينبغي لك أن تطلق الحكم على هذا الوجه)

    قلتَ (وأنا ردّاً لاعتبار مولاي الشيخ جلال على الجهاني أمتع الله الخلايق بعلمه وصحبته أدعوك للمناظرة في أي مكان وزمان تريده، كتابة أو وجهاً لوجه، في هذا المنتدى أو غيره، وعلى رؤوس من تشاء من الأشهاد، وأتحداك بأن تثبت أن الله تعالى أسقط التكليف سواء عنك وحدك، أو عنك وعن غيرك من ... وإن كنت رجلاً اقبل التحدّي والمناظرة .... تقوله)
    وأنا قبلت المناظرة وقد جعلتَ أمر مكانها وزمانها على وفق إرادتي فإني أدعوك إلى المناظرة في مدينة يونسو الكائنة في فنلندا في بناية أرورا التابعة لجامعة يونسو عند المدخل الرئيسي وذلك في آخر يوم من هذه السنة الميلادية 2003 في الساعة الخامسة بعد منتصف النهار. وإن كنت رجلا الزم كلامك. هوّن على نفسك هوّن على نفسك يا أخي، سامح الله أخي بلال فقد كلف نفسه ما لا يطيق أو ما يشقُّ عليهِ. ووالله ما ذكرتُ هذا الموعد هروبا من مناظرتك ولا ستهزاءا بك، ولكن لأقول لك بعد اللذي رأيته من حرصك على نصرة دين الله وهو ما أعظمه وأجله أربع على نفسك فها نحن نتحاور والله عظُمت رحمته يقول: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ويقول: (يريد الله أن يخفف عنكم) فسبحانه من إله يُحَبُّ.

    قلتَ (وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.)
    وعلينا وعلى جميع المسلمين.
    الحمد لله أن أسقط التكليف

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    تابع الرد على كلام الفاضل بلال
    القسم الثاني من التعليق على إشكالية فهم النص القرآني
    بسم الله الرحمن الرحيم

    قلتَ ( وليت شعري أليس قبل سطور قال: (وإذا كان الخطأ جائزا على الصحابة فلا حجة في قولهم). أما هو فتصوّره للحل سيكون لكم أيها المسلمون فصل الخطاب. لأن فادي لا يجوز عليه الغلط. أفهكذا تورد الإبل؟ إنّ أهل السنّة يقولون من قبل أن تفيض عليهم: إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ. ولكن مجرّد جواز الغلط ليس بداعية كافية لردّ الكلام. وهذا موقف سقط فيه الشّيعة القائلون بعصمة الأئمة أيّما سقوط. ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. وعليه فالمسوّغ الوحيد عندنا لقبول القضايا أو ردّها هو مقدار علميّتها، فكلّما قوي الدليل ازداد اعتدادنا بالمدلول. وكلّ ما قام عليه الدليل القاطع اندرج في العلوم، وكلّ ما ثبت علماً فلا يجوز عندنا القول بخلافه. وأمّا القضايا التي قامت على إثباتها أو نفيها أدلّة ظنيّة، فالخلاف فيها سائغ، ولكن بشروط وقيود وليس على إطلاق هذا القول كما هو مبحوث في محلّه. )
    الفاضل بلال أنت تغالط مغالطة بينة، وذلك أن الحديث عن حجية قول الصحابي إنما هو من حيث أنه قول للصحابي لا من جهة أنه مقترن بدليل، وبما أنه يجوز الخطأ على الصحابة فلا يجوز قبول قولهم لمجرد أنهم هم القائلون به، أما إن كان هناك دليل على قولهم فإننا سنقبله لا لأن الصحابة قالوا به ولكن لما رافقه من دليل صحيح وعليه فنحن في حقيقة الأمر نقبل دليلهم وهنا لا يكون هناك فرق بين الصحابة وغيرهم ممن لهم دليل على صحة قولهم، وعلماء الأصول عندما يتكلمون عن حجية قول الصحابي فنهم يناقشون ذلك بناءا على أن ول الصحابي حجة بنفسه وأصل من الأصول اللتي نبني عليها الحكم الشرعيَّ، لا من حيث قبول قولهم إذا اقترن بدليل صحيح، وأنت تغالط وتخلط بين هذا وذاك وتنسب إلى القول برد كلامهم إذا اقترن بدليل لمجرد أنه يجوز الخطأ عيهم، وتلزمني القول بعدم جواز الخطأ عليّ لأني أقول أن بوجوب الأخذ بقولي إذا اقترن بدليل صحيح!
    ثمّ قولك إن أهل السنة يقولون إنّ كل من لم يجب له الصدق، جاز عليه الخطأ.... ومن جاز عليه الغلط عندنا فلا تقبل منه القضايا إلا مقترنة بالدليل. غير صحيح بهذا الإطلاق إذ أهل السنة مختلفون في حجية قول الصحابي ومن كان له أدنى اطلاع على أصول الفقه علم هذا. فلماذا توهم بكلامك اتفاق أهل السنة على ما تقول به!

    قلتَ (وعلى أيّ حال، لنعد إلى الإشكال الذي طرحه. وهو في الحقيقة إشكال مبني على قضيّة وهميّة، وهي وجود تعارض في القرآن الكريم، أو قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة. فأي مسألة هذه التي تعلّق بها في كتاب الله تعالى حكمان. أهي مسألة عقائديّة أم عمليّة؟ فليأتنا بها حتى ننظر فيها. )
    صواب الكلام أن تقول قضيّة غير مسلّمة عندنا مفادها أن القرآن الكريم قد يحمل حكمين في المسألة الواحدة إذا فهمناه بالعقل المحض وعلوم الآلة. أما المسألة فقد أتيتك بواحدة وسآتيك بغيرها الكثير إن لزم الأمر.

    قلتَ (وإن كان قد بنى كلامه هذا على المثال الذي قدّم به كلامه في صاحب الكبيرة على ما يظهر. فنقول:
    علينا وقبل أن نجيب عن سؤالك أن نستثني كلّ خبر في القرآن من حيث هو كذلك .... فليرجع إليه من أراد الاستزادة. )
    التناقض ليس في خبره ولكن في الطريقة التي تفهم بها خبره، والقول في وجوب الصدق لله ليس هذا محله، وقد رجعت إلى كلامك في الموضع الذي أشرت إليه فما أعجبني ولي عليه مآخذ ليس هذا محل الكلام فيها.
    قلتَ (فصاحب الكبيرة إن كان مؤمناً فهو إما خالد في النار أو ليس بخالد فيها. ولا ثالث بين النفي والإثبات. وكما يستحيل اجتماع هذين الأمرين على القابل لهما، فكذا يستحيل ارتفاعهما عنه، لكون القضية المسلّمة ههنا منفصلة حقيقيّة أي مانعة جمع وخلوّ.)
    إنما يصح هذا الحصر لو كان صاحب الكبيرة شخصا واحدا وكانت الكبيرة غير متنوعة وكلا الأمرين غير صحيح فإنه يجوز أن يخلد الله بعض أصحاب الكبائر ولا يخلد البعض الآخر إما لاختلاف مرتكبيها أو لاختلاف نوع الكبيرة وعليه فيكون بين النفي والإثبات ثالث ورابع.

    قلتّ (فإذن الحق في هكذا مسألة لا يمكن أن يتعدد. ونحن ندّعي أن كلّ من خالف قول أهل السنّة فيها، فقد نظر نظراً فاسداً. فليقرر لنا المخالف استدلاله. وعلينا إظهار فساده. وأنت إما أن تسلّم قولنا فلا يصح بعدُ الاستناد إلى هذه القضية فيلزمك لتثبت الحكم بتوارد حكمين ثابتين في القرآن على محلّ واحد أن تأتي بدليل آخر. أو لا تسلّمه فتنتصر لقول المعتزلة بدليل، ونأتيك نحن بنقضه. فماذا تقول في ذلك؟)
    وأنا أدعي تكافؤ الأدلة في المسألة بناءا على أصول الاستدلال عندكم، وقد بينت استدلالي وما زلنا نتحاور فيه حتى الآن، وأما غير ذلك من المسائل فهي كثيرة جدا وأرجئ الكلام فيها لحين الفراغ من الحديث عما نحن بصدده، هذا إن أظهرت صحة دعواك وإلا فلا حاجة من ذكر غرها من المسائل.

    أما في آيات الأحكام أي العمليّة، فإنا نقول: الحق عند الله تعالى واحد لا يتعدد مطلقاً خلافاً للمصوّبة كما هو مقرر في محلّه. فإن قلت فماذا نفعل بالتعارض؟

    قلتَ (أقول: قبل ذلك، أريدك أن تدقق في عبارة العلامة المحقق صاحب جمع الجوامع حيث يقول: "يتحصّل من النصّين المتعارضين" أي ظاهراً "ستّة وثلاثون نوعاً" أي من أنواع التعارض "لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونا عامّين أو خاصّين، أو أحدهما عامّاً والآخر خاصّاً، أو كلّ منهما عامّ من وجه خاصّ من وجه. فهذه أربعة أنواع كلّ منهما ينقسم ثلاثة أقسام. لأنّها إمّا معلومات أو مظنونات. أو أحدهما معلوم والآخر مظنون. يحصل اثنا عشر. وكلّ منهما إمّا أن يعلم تقدّمه أو تأخّره، أو يجهل. فيحصل ست وثلاثون". )
    أذكر أني دققت في هذه العبارة قبل ما يقرب من خمس سنوات، وتلك أيام ولَّت وانقضت بحمد الله وفضله.

    قلتَّ (وهذه الطريقة من النظر التي اتبعها علماؤنا، وهي القسمة التامّة في كلّ مسألة، لتحصيل جميع الاحتمالات الممكنة، ثمّ البحث في كلّ احتمال....وليكن هذا الاستطراد حاشية على قول فادي: (لكن إذا أتينا إلى واقع الحال فإننا سنصطدم بكثير من المسائل التي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها) اهـ مثل ماذا يا فادي؟)
    عجبي منك يزيدُ كلما قرأت كلامك، فها أنت تعترض على أمر ما كان ينبغي لك أن تعترض عليه لو فهمت العبارة على ما ينبغي أن تفهم، فإن قولي لا يعلم لأحد من الصحابة خوض فيها، لا يلزم منه أنهم لم يخوضوا فيها، إذ يمكن أنهم تكلموا فيها ولم ينقل إلينا كلامهم، فلا أدري كيف فهمت من نفي العلم عدم الخوض! ثم أعجب منك كيف تنتقل من الحديث عن طريقة الأشاعرة في اتباع القسمة التامة عند النظر في المسائل إلى الحديث عن أقوال الصحابة وكأنك تقول أن لصحابة رضي الله عنهم كانوا يستخدمون طريقة القسمة التامة عند النظر في المسائل كما تفعل الأشاعرة، ولا أدري من أين أتيت بأن هذه الطريقة هي طريقة الصحابة! ثمَّ أنت تسأل مثل ماذا يا فادي؟ هلا أخبرتني بالنقل الصحيح ماذا يقول الصحابة في حكم مرتكب الكبيرة وفي مسألة حلول الحوادث في ذات الله و في التسلسل وفي الجوهر الفرد وغيرها من المسائل التي لا يعلم ما قولهم فيها إن كان لهم قول؟

    قلتَ (إن سبر الاحتمالات بالقسمة أمر عقلي محض، وإذا تعلّقت المسألة بأمر نظريّ محض لا يتوقّف تحصيله على توفر أجهزة القياس أو تطوّرها، فلا شكّ أن الباحث سيجد فيه تطوّراً كبيراً جدّاً عند القدماء. بل إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا اليوم)
    كيف تدعي أن سبر الاحتمالات أمر عقلي محض ثم تقول إنهم كانت عندهم علوم ومواهب ليست موجودة لدينا الآن فإن كنت تقصد بالعلوم والمواهب أمرا يتبع النظر العقلي المحض فقد نقضت كلامك، وإن كنت تقصد أمرا غير ذلك فليس هذا مقام الحديث ولا يصلح الاستدلال.

    قلتَ (وإني والله أرى كلّّ الضجّة الفلسفيّة القائمة في العالم اليوم هي تكرار لما بحث في الماضي، ويندر أن يضاف شيء جديد حقيقي، وإن الذين يمكننا أن ننظر في مقالاتهم بالإعجاب والتقدير قليل ما هم، من بين كثير من أدعياء الفلسفة والنظر والتجديد فيها أو في الدين.)
    حُقَّ لي أن أخضع لك وأن يخضع لك كل من أعرف إن بلغ علمك معرفة كل الضجة الفلسفية القائمة في العالم اليوم، ويا فخري أن أحاور رجلا على هذا القدر من العلم والتبحر فهل حقا وقفت على كل ذلك وقرأت المترجم وغير المترجم مما حرره الفلاسفة الكبار في هذا العصر من أمثال غاديمير وبول ريكو وغيرهم الكثير ونظرت فيه واستوعبته فعرفت أنه تكرار لما بحث في الماضي؟ أم أنك تلقي الكلام الخطابي من غير حسيب ولا رقيب؟

    قلتَ (ثم إنّي لا أفتأ أقول إنه من الغريب النظر إلى الصحابة على أنّهم مجموعة من الناس المنعزلين فكريّاً عن كلّ ما سبقهم من الأفكار، وكلّ ما يعاصرهم من الثقافات كأنّهم سقطوا من السماء. فلا تكاد تتكلم بشيء إلا وترى من يقفز لك ليقول إن الصحابة لم يعرفوا بذلك، أو لم يشتغلوا به وغير ذلك من المقالات الغريبة. ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة. )
    ومن هذا الجاهل الذي يقول إن الصحابة كانوا منعزلين عن كل ما سبقهم من الأفكار وكل ما يعاصرهم من الثقافات بهذا التعميم؟ على أنه لايلزم من نفيي لذلك أن أقول بعكسه، بل أقول عرفوا شيئا وجهلوا أشياء، وليس هذا بعيب، فهذا حال كبار الفلاسفة والمثقفين ومن انقطعوا للعلم والقراءة والدرس يجهلون أكثر مما يعلمون. فهل تريد أن تقول لنا أن الصحابة خاضوا في جلِّ المسائل العقائدية والفلسفية التي كانت مطروحة في زمانهم؟ لا أظنك ستقول نعم. إذا فما هي الحاجة إلى مثل هذا الكلام؟
    أما قولك ثمّ إن زمانهم كأي زمان، ما يدوّن من تفاصيله شيء يسير بالنسبة إلى تفاصيله الهائلة. فهو حجة عليك لا لك. إذ إن كثيرا من هذا النذر اليسير اللذي دون يتحدث عن الأحكام الفقهية، فلو كان خوضهم في مسائل الاعتقاد كخوضهم في مسائل الأحكام لنُقل لنا على الأقل الكثير من أقوالهم في أصول الدين كما نقل في غيرها من المسائل بل حريٌّ أن ينقل العلماء أقوالهم في أصول الدين ويعتنوا بذلك أكثر من اعتنائهم بمسائل الأحكام، لخطورة الخطأ في الأولى على خلاف الثانية!

    قلتَ (وعلى أي حال، فقد حقق العلماء هذه التعارضات الظاهريّة بين آيات ......ثمّ أقول إما أنّك تعتقد بوقوع التعارض بالفعل أو لا. فإن كان الأول فبيّنه لنحلّه. وإلا فإنك لا بدّ أن تسلّم معنا الثاني. والحلّ عند وجوده ظاهراً هو فيما ذكرنا في المقالة السابقة وهذه على سبيل الإجمال. )
    قد أتيتك بشيء منه وما زلنا نتحدث فيه. وكلام الفاضل بعد هذا لا حاجة لي بالتعليق عليه.

    قلتَ (أقول: الاختلاف الذي نفاه الله تعالى في القرآن الكريم جاء في معرض الاستدلال على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم. .... وإن أردت أن تناقش المسألة أكثر، فإن ذلك مما يسرّني، إذ لدي وجوه أخرى تتدافع الآن إلى ذهني لأثبتها، وأضرب عن ذكرها صفحاً خشية التطويل.)
    لا أريد أن أناقش المسألة أكثر، فليست هي محور البحث الآن، وربما تكلمنا عليها في المستقبل، وقد ذكرتني بابن حزم رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه وكتبه في الفردوس الأعلى آمين.

    قلتَ (وأختم التعليق على هذا الموضع بكلمة، هي أني أستغرب منك ومن كثير غيرك ممن يحاولون تصوير الخلاف بين العلماء بطريقة توهم أنّ الدين لا يعرف رأسه من رجله، وقد ضاع الحق وتفرّق ولا يعلم أين هو، ولذا فإن علينا أن نعيد النظر لصياغة جميع مسائله، ونحكم فيها أحكاماً تتناسب مع فهمنا الموضوعي وظرفنا التاريخي. وهذا في الحقيقة مغالطة كبيرة جدّاً. ويمكن معرفتها بالبحث عن جواب سؤال صغير، وهو أنه من المعلوم أن أئمة الدين المقلَّدين لهم أقوال في الأغلب الأعم من المسائل الاعتقادية والعملية وفي جميع المسائل التي احتيج إليها في عصرهم مما عرض عليه. وعصرهم لا يختلف كثيراً عن عصرنا كما يحاول البعض إيهامه. فكم عدد المسائل التي قال فيها أحدهم إنها حرام والآخر قال إنها حلال. وكم مسألة قال فيها عالم بقول وكفّره أو فسّقه أو بدّعه عالم آخر... وما هي تلك المسائل، وكم بلغت من الأهميّة والانتشار في حياتنا اليوم. )
    أما أن الدين لا يعرف ما هو فحقٌ وصدق ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن كبار علماء الإسلام اختلفوا في أصوله فما ظنك بفروعه، وعظيم المصاب أن اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع وللنظر مثالا أصل الإسلام وأهم شيء فيه وهو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فقد وقع خلاف عظيم في تفسيرها ومعناها بين العلماء الكبار واختلافهم اختلاف تضاد كما ذكرت لك فالغزالي حجة الإسلام ومن تبعه يقول أن معناها لا واجب في الوجود إلا الله أو لا خالق إلا الله والخالق عنه هو الموجد من العدم أما ابن تيمية شيخ الإسلام فيقول أن معناها لا معبود بخق إلا الله وعليه فلا يكفي عنده لمن أراد الدخول في الإسلام أن يقرَّ بوجود الخالق أو واجب الوجود بل عليه أن يقرَّ بعبادته وأن يقوم بهذه العبادة، وأما ابن رشد قاضي قضاة الأندلس فهو وإن أقرَّ بأنه لا خالق إلا الله إلا أن معنى الخلق عنده هو الصنع ولي هو الإيجاد من العدم وينفي تعلق القدرة بالإيجاد من العدم، وابن حزم إمام أهل زمانه يعتقد أن وجوب الاعتقاد بوحدانية الله ليس لمطابقة ذلك للواقع وإنما لأن الله أمرنا أن نعتقد هذا ولو أمرنا أن نعتقد التثليث أو وجود إلهين لوجب علينا ذلك، أما ما هو الأمر في في الحقيقة فلا يمكن لنا معرفته، وابن عربي إمام أهل الحقائق يفهمها على مذهب القائلين بالوحدة فالعبد ربُّ والربُّ عبد، ولكل من هؤلاء العلماء دليل عقلي ونقلي إلى ما ذهب إليه، فإن كان كبار علماء الإسلام اختلفوا في فهم أصل الأصول وكل منهم يمثل مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي فما بالك بالعوام اللذين تنصَّر منهم أكثر من عشرة ملايين نسمة في أندونيسيا وحدها في السنوات العشرين الماضية، والنصارى يستخدمون حججا من القرآن لإثبات ألوهية المسيح في تنصيرهم ولا أقول أن جميعهم تنصر لأجل ذلك، وأعجب من هذا أني ناظرت إثنين ممن يشتغل بطلب العلم أحدهم أشعري والآخر سلفي في هذه المسألة فما استطاع أيٌّ منهم أن ينفي حجة النصارى بأدلة من القرآن فأي دين هذا اللذي تتحدث عن وضوحه؟ وفي ماليزيا حدثني من أثق به أنه رأى في أحد القرى أن جماعة ممن ينتسبون إلى الإسلام بنوا كعبة يحجون إليها ويطوفون حولها بدلا من الكعبة المشرفة، ولو أردت أن أبين لك أن عوام المسلمين بل وعلماءهم يفهمون الدين بطرق مختلفة لطال بي المقام، فأين هو هذا الدين الواضح البين؟ والله لقد فتحت جرحا انلأم منذ زمن، اللهم إني أسألك بأنك أنت أنت أن ترحمني.
    أما إعادة النظر وصياغة مسائل الدين من جديد فأنا لا أريد هذا ولا أقدر عليه، ولا يريده رب العالمين مني فله الحمد والمنَّة.

    قلتَ (هل فعلاً وجوب احتجاب المرأة أمر مختلف فيه بين العلماء، بحيث لو بعث الأئمة والصحابة الآن من قبورهم ومشوا في شوارع العواصم العربية والإسلاميّة ورأوا هذا السفور والتشليح المقرف في الملابس الذي يصممه مصممون أكاد أحلف أنه ليس لأحد منهم أخت أو زوجة أو ابنة يغار عليها، سينظر هؤلاء الأئمة إلى ذلك بعين الرّضا، ولا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا حرجاً. ويهزون رؤوسهم أن الحمد لله هذا هو دين الله الذي أمر؟ إن كلّ واحد يعلم من نفسه علماً ضرورياً بأنّ ذلك ليس صحيحاً. )
    أما أن جميع الأئمة سيقفون راضين عن هذا فلا أقول به، وأما أن بعضهم سيقف راضيا فممكن، واعلم أن لبعضهم أقوالا أشنع وأبشع في نظر الناس من هذا اللذي ذكرتَه هنا ولا حاجة لي بذكرها. وأما أنك تكاد تحلف فناشدتك الله لا تفعل، واعلم أن مفهوم الغيرة مختلف في بعض الدول الغربية عنه في بلدك، فلا تعجب من أن يكون لأكثرهم أخت وزوجة وبنت.


    الحمد لله أن أسقط التكليف

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    تابع الرد على كلام الفاضل بلال

    قلتَ (أقول: وحدة النص لا تقتضي فهماً واحداً ليسأل عن ذلك. ...)
    وهل من الخطأ أن نسأل، على أن السؤال لم يكن لأجل الاعتراض ولا لأجل الاستفهام بل لتبيه القارئ إلى سبب الختلاف في الفهم فلماذا التعليق؟

    قلتَ (أقول: إذا سلّمنا أن للنص في نفس الأمر معنى معّيناً سواء كان واحداً أو متعدّداً، ولنسمّه المعنى المقصود بصرف النظر عن وحدته وتعدّده، فالسؤال المهمّ .... أمور كلّية على مستوى أعلى بكثير من الذي ستقرأونه الآن في كلام فادي.)
    أما جواب سؤالك اللذي تدق له الأوتاد فهو أنه أسلم وجود أدوات تمكّن من فهم النص لكن لا أسلم أن هذه الأدوات متاحة لنا ولا أن بإمكاننا معرفتها وسيأتي تفصيل ذلك في محله، أما العقل المحض وعلوم الآلة فلا أوافق على كونها كافية في فهم النص وعلى هذا تدور المقالة ومازلنا نتحاور وكلامك هنا عري عن الدليل بل هو مجموعة من الدعاوى. ولو كان موضوع الحديث عن كيفية فهم العقل للأشياء لسمعت مني عجبا وليس هذا محل الحديث كما أخبرتك.

    قلتَ (ثمّ إني أدعو فادي والإخوة القرّاء إلى تناول بعض الكتب التي تتكلّم في البلاغة القرآنية أو الإعجاز أو أصول التفسير، أو مقدّمات بعض التفاسير كعشر مقدّمات الإمام العلاّمة ابن عاشور قبل شروعه في تفسيره التحرير والتنوير. وأنا أعد كلّ من يفعل ذلك أن يجد نفسه أمام عقول كبيرة، ومستوى عال من الفكر في تناول الكليّات...)
    أما الكتب اللتي تتكلم عن بلاغة القرآن وإعجازه فلي من قراءتها حظ لا يستهان به، ولي عليها بعض الانتقادات وليس هذا محل الحديث عنها، أما مقدمات ابن عاشور فلم أقف عليها، وإن كنت قرأت شيئا من تفسيره. وسأحاول الوقوف على المقدمات إن أتيح لي ذلك.

    قلتَ (فتأملوا كلامه: يقول: (منها الثقافة التي فهم القارئ النص من خلالها بالإضافة إلى نفسية القارئ التي تتعامل مع النص ثم طبيعة النص ذاته، فعلى سبيل المثال الثقافة التي يبرز فيها مفهوم الظلم المفتعل من قبل أصحاب السلطة سيؤدي بالضرورة إلى إفراز نمطين من الناس من يعاني من هذا الظلم ومن يؤيده وفي حالة أن كان الطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة فإن كل فريق سيحاول أن يجد في هذه المرجعية ما يدعم موقفه، وسيقرأ في النص رأيه هو، وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله) أقول: نعم يمكن أن يسقط الإنسان ثقافته وأهواءه ومآربه على نصوص الشريعة وخصوصاً القرآن الكريم .... فالقافلة تسير والكلاب تنبح.)
    الثقافة بما تحويه من تيارات فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية ستؤثر في فهم النص وستخلق فهوما متعددة له، وما أظنك تنكر هذا، فهو واقع مشاهد بل أستطيع القول بأن كلامك يتضمن هذا، ومحل النزاع بيني وبينك كما أراه هو أنك تقول أنه لا يجب أن نعتبر الثقافة إذا أردنا أن نفهم النص بل علينا الاعتماد على العقل المحض وأدوات الآلة، وإلا لزم من هذا تعدد الفهوم بناءا على تنوع الثقافات، وقبل الجواب عن هذا أقول عند الحديث عن تأثير الثقافة في فهم النص فإني لا أقصد الكلام عن الذي يفهم النص فهما مخالفا لما يراه صوابا لمجرد تأييد مذهبه، وإنما أتكلم عن تأثير الثقافة الذي يجعل القارئ يظن أن ما هو عليه هو الحق اللذي لا تجوز مخالفته. ولنعد الآن إلى محل النزاع فنقول إنما يجب علينا الاعتماد على العقل المحض وما بني عليه في فهم النص لو سلمنا أن النص لم يراع حين نزل ثقافة الصحابة والأوضاع اللتي كان يعيشها المجتمع وتأثير ذلك في فهم النص، وأنت مطالب بإثبات هذا وإلا بطل قولك فإنه إن قلنا بمراعاة النص لذلك علمنا يقينا أن للثقافة مدخل في فهمه وهو خلاف قولك. أما لازم هذا لقول فإن للخصم أن يلتزمه مقرا بأن التكليف منحصر بما يراه الإنسان صوابا من فهمه للنص. أو يقول لا ألتزم بأنا مكلفون أصلا لاستحالة إثبات وجوب استخدام القواعد المشتركة في فهم النص بمعزل عن الثقافة. أو يلتزم عدم التكليف لعدم معرفة كيفية الفهم الصحيحة. وأرجو أن تكون قد أدركت الفرق بين تأثير الثقافة في فهم النص وهو ما لا أظن أحدا ينكره، وبين اعتبار هذا التأثير عند إرادة الفهم وهو ما تنكره من غير أن تبين دليلا على الإنكار حتى الآن. تأمل.
    أما نباح الكلاب فقد حدثتك بأني لا أحب المناظرة به. وقد جاء في الأثر "المؤمن ليس باللعان ولا الطعّان ولا الفاحش البذيء"
    قلتَ (لأنّ كلّ قول غير مأصّل وغير مقترن بدليل له وجهه فسوف ينتهي به الأمر إلى مزبلة التاريخ، وسيندثر ولن يلتفت إليه أحد. والأدلّة على ذلك من التاريخ لا تكاد تحصى وقصارى الكلام، فليقل كلّ من يشاء ما يشاء، ولكن من يقدر على إثبات مقالاته هو الذي سيخلّد.)
    لو كان الأمر كذلك لانتهى قول النصارى وقول اليهود إلى مزبلة التاريخ، بل لانتهى قول البوذيين والهندوس وغير ذلك من الأديان اللتي سبقت الإسلام بآلاف السنين، إلا أن الأمر ليس على هذا النحو لأن حصرك الدليل بما بني على ما تسميه بالعقل المحض غير صحيح. ولو قرأت كلام علماء اللسانيات في تأثير اللغة على طريقة فهمنا وعقلنا للأشياء، وكلام علماء الإجتماع في تأثير المجتمع على طريقة فهمنا وعقلنا للأشياء، لعلمت خطأ ما تدعيه. وأنصحك بكتاب (الاستعارات اللتي نحيا بها) لجورج لايكوف ومارك جونسون فقد جمع بين الأمرين وفيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    قلتَ (وبكل موضوعيّة، وأمانة، وبلا تعصّب أقول: ... تستدر عطف بعض مشاهديه للانتصار له. )
    أما الموضوعية التي تظن وجودها فهي شيء غير موجود في الواقع البشري، وأقول كما قلت في غير ما موضع لو كان هذا هو محل الكلام على الموضوعية لتكلمت فيها، ولن أجيب عن سائر الكلام إلا بقولي سنتبين من هم العصافير بعد أن نفرغ من النقاش.

    قلتَ (والجواب عن كلامك يتلخّص بكلمة واحدة، وهي أنه سلّمنا أن أصحاب المآرب يحاولون فهم الدين بحسب تلك المآرب، من حيث يشعرون بذلك ويقصدون إليه أو من حيث لا يشعرون ولا يقصدون أي في لا وعيهم كما يطيب للبعض أن يسمّيه، وهي تسمية تحتاج إلى تحقيق. فإنا لا نسلّم إمكان إثبات كلّ مدّع لدعواه، بل نقطع بأنه إذا سلّطنا معايير النقد على هذه المقالات فإنها ستتهاوى تحت معاولنا.)
    ذكرنا وجه الخلاف فيما سبق فلا نعيد.

    قلتَ (فماذا يريد فادي من هذا الكلام، هل يريد تبرير مقالة كلّ قائل مهما كانت خاطئة، لمجرّد أن قائلها يرى أنّها صحيحة. إن كان هذا ما يريده فلا أظنّ عاقلاً في العالم يوافقه على هذا الكلام. لأنّ هذه النسبيّة والعنديّة لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفطائية. وإن كان يوحي لنا بغير ذلك فليبيّنه لنعطي رأياً فيه. )
    أما أني أريد ذلك فلا وأنا حتى الآن لا أريد إلا بيان فساد ما يدعيه الخصم، وأما أن هذه النسبية والعندية لا ينصرها غير فرقة منبوذة من السفسطائية فغير مسلم أبدا، فإن فلسفة ما بعد الحداثة تقوم على هذه النسبية والعندية، ولا أظنه يخفى على مثلك أن الفلاسفة المنسوبين إلى هذه المدرسة كفوكو وديريدا ليسوا فرقة منبوذة، بل هذه الفلسفة هي حاملة لواء الفلسفة الغربية في هذا العصر بعد أن تهاوت فلسفة الحداثة القائمة على تمجيد العقل المحض والموضوعية تحت وطأت الانتقادات التي وجهة لها من تيارات ما بعد الحداثة. بل إن مناهج البحث في المراكز الأكاديمية في الغرب أخذت تميل منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى التركيز على البحوث النوعية لا الكمية بسبب التأثر بهذه التيارات. فإن كنت تعرف هذه الأشياء فلماذا تدعي أنها فرقة منبوذة؟ وإن كنت لا تعرفها فلا تلقي الكلام على عواهنه من غير تحقيق ولا تدقيق. واعم أيها الفاضل الكريم أن العالم أكبر من المحيط اللذي تعيش فيه بكثير. تأمل!
    أم طلبك بيان ما أريد الإيحاء به فإني ما أوحيت ولكن بينت ما أريد وزدتك البيان بيانا فيما سبق.

    قلتَ (أقول: لو كنت في رائق زماني الفائت حين كنت أطرّز القصص، وأديلكتكها لكتبت مسلسلاً .... ومصالحهم الشخصيّة.)
    دعك من تطريز القصص، وكتابة المسلسلات، وتكلم بما يفي بالغرض، وعجبي منك تقول " وكلامه كلّه معارض بالكثير من الشواهد على مظلومين ومقهورين لم يتعلّقوا بالنصوص التي يجب أن يتعلّقوا بها من وجهة نظر فادي" وكأنك تقرأ كلاما آخر غير الذي كتب في المقالة، ألم تقرأ العبارة التالية " وقد يقرأ بعض من يتعرض للظلم الرأي المقابل إذا اشتد الظلم عليه لتبرير استكانته وتخاذله" ومع ذلك فالمقالة لم تقصد حصر قراءة النص بهذه الوجوه بل ذكرت هذه الوجوه كأمثلة على الواقع فاعتراضك ليس في محله، ثم إنك تعاملت مع هذا العامل الثقافي في فهم النص وكأنه العامل الوحيد، فأخذت تعترض عليه بقولك "، وكذا هنالك كثير من أصحاب السلطان قد تبنوا المواقف والعقائد التي تتعارض مع أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة" وليس كذلك بل هناك العامل النفسي أيضا وكأنك لم تقرأ ما جاء في المقالة بعد ذلك " مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ستفرز داخل هذين النوعين أنواعا أخرى كثيرة تميل في أصل فكرتها إلى أحد الطرفين على وفق العامل الثاني وهو الحالة النفسية للمخاطب" وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على تسرعك في الحكم وعدم التدقيق فيما هو بينٌ، فأين الإنصاف يا صاحب الأشعري؟ أهكذا تورد الإبل؟ ثم أنك تريد أن تتعامل مع القرآن كأنه كتاب يخاطب العقل المحض من غير أن يعتني بأحوال المخاطبين وثقافتهم والبيئة التي يعيشون فيها، وإن كان الحال على هذا فلماذا نجد اختلافا بين أسلوب القرآن المكي والمدني؟


    قلتَ (وأقلّ ما يسأل عنه ههنا: كيف تريدنا أن نستخرج من هذا الكلام قواعد منضبطة لفهم الشريعة. أي هل لك أن ترينا كيف نفعل ذلك؟ ثمّ إن كنت قد سقت هذا الكلام لتبرير مواقف الناس الاعتقادية أو العمليّة، فلا نرى في كلامك قاعدة منضبطة يمكن تسليمها كعلم. والنفس الإنسانيّة أعقد بكثير مما حاولت تصويره ههن )
    ومن قال أنني أبني بهذا الكلام القواعد المنضبطة، بل المقالة في هذا الموضع تبين فساد ما ظننته أنت قواعد منضبطة لفهم النص، وإني ما سقت الكلام لهذا الذي ذكرته، أما بشأن النفس الإنسانية فلو دققت في المقالة لوجدت الإشارة إلى شدة تعقيد النفس الإنسانية.

    قلتَ (.أما أن يسوّغ التفسير بناء على حالة المفسّر، أي وجهة نظره من حيث ما هو جزء من تركيبة اقتصادية اجتماعية ثقافية ... إلخ مخصوصة، فأنا أطلب منك أن تقرر قضاياك في الاستدلال على جواز فهم نصوص الشريعة بحسب ما يقتضيه كلّ عصر من مصلحة أو منفعة فرديّة أو عامّة، وسأريك كيف أهدم لك هذا الكلام من أركانه. أريد فقط أن أستمتع بقراءتك تستدل على جواز ذلك، ثم يكون لي الحديث).
    المقالة لا تقول بجواز فهم الشريعة بحسب ما ذكرت هنا، وأعجب كيف فهمت هذا؟ أم أنك تريد الاعتراض لمجرد الاعتراض؟ وعذرا على هذه الكلمة ولكنك تخترع القول وتنسبه لي ثم ترد عليه وهذا لا يقبل من الفضلاء.

    قلتَ (ثم قال: (هذا بالنسبة إلى العامل الأول مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الثقافة ...إلى قوله: بل في شعوره كذلك) أقول: لم يزد ههنا شيئاً جديداً يستحقّ الكلام عليه. فلا يزال يدور حول أثر العامل الذاتي أو النفسي أو البيئة والتربية ومختلف الظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالمفسّر. وقد تكلّمنا في ذلك فلا نعيد. )
    بل زادت المقالة أمورا، ولكن قصر عقلك عن فهمها، وقد بينت شيئا من ذلك فلا أعيد. وأنصحك بأن تعيد القراءة بقلب يقظ.

    قلتَ (هذا الكلام ليس صحيحاً، ولا يسلّم أبداً. فالقرآن الكريم مبين عن نفسه بالتشكيك كما حقّقناه، والفهوم المتفاوتة في شموليتها وخصوصيتها وكلّيتها وجزئيّتها لا تتعارض تعارضاً حقيقياً كما أثبتناه إذا كانت فهوماً صحيحة، فلم يفقد هو مطلقاً صفة البيان. وتعارض الفهوم سببه فساد بعض الأنظار. )
    ومازلنا نناقش إن كان سبب تعارض الفهوم فساد بعض الأنظار أم فساد شيء آخر.


    قلتَ (يتبع... والعذر إذا كنت أتأخر في الكتابة فالبكاد أجد وقتاً لذلك في أواخر رمضان، بارك الله تعالى لنا في أوقاته. وأنا والله أفترص الفرصة لأكتب بعض الملاحظات ثمّ أنشغل، ويمكن لفادي أن يبدأ بالإجابة والمناقشة ولا اطلب منه انتظار كلّ ما سأقوله. فسأوافيه بكلّ ما يريد وزيادة، فلا يعجل عليّ. ثمّ إني في شوق لقراءة رأيه وتحقيقاته فيما كتبنا. )
    أشكرك مرة أخرى على وقتك وهو بناءا على معتقدك في ميزان حسناتك إن شاء الله، وأما أنك ستوافيني بالزيادة فقد عفوت لك عن ذلك ولا أطلب منك إلا موافاتي بما أريد.

    قلتَ (وصلّ اللهمّ على سيّدنا العظيم محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم)
    وعليَّ وعلى جميع المسلمين.

    قلتَ (ملحوظة للإدارة: لقد وجدت خيار إضافة رد ملغى من مقالة فادي فلم ذلك؟)
    نعم لم ذلك؟ فإني أنتظر الجواب.
    الحمد لله أن أسقط التكليف

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,128
    بسم الله الرحمن الرحيم
    يا فادي،
    إنك تدعي: (عجز العلوم الإسلامية عن فهم الشريعة) وتقول إنك سلكت لإثبات هذا طريقين... إلخ)
    فأقول لك: إنني حين أتكلّم فلا أعبّر إلا عن وجهة نظر السنّة فأرجو ألا تحتجّ علي بغير مقالاتهم. ويمكنك أن تتكلّم مع المعتزليّ وغيره في ما ذهبوا إليه، فإن ما ذهب إليه غير أهل السنّة من المقالات إذا أتيت به فإنه لا يلزمني لأنه ليس مذهبي، كما أنك ستجدني أقول بفساد نظرهم فيه فلن تستفيد شيئاً من ذلك. وقد أجبناك عن بعض الأشياء فقلت: إن هذا لا يلزمني وهذا ليس مذهبي وليس بالضرورة أنني أتبنى ما أعرض من مقالات وأدلّة وأنا أنتقد جميع المسلمين ومذاهبهم ولا أخص الأشعرية أهل السنّة. فاعلم أن المناظر عليه أن يقول رأيه في المسألة المطروحة لا أن ينتقد أقوال الآخرين فقط ولا يعرف قوله هو، فإنني بإمكاني أن أبقى دائراً معك بنفس الأسلوب كلّما قلت شيئاً تعلّقت ولو بقشّة وانتقدت كلامك فيه دون أن أبين حقيقة قولي في المبحوث، وعلى هذا النحو لن يكون لكلامنا فائدة.
    فإن قولي هو قول الأشعريّة في الأصلين، وفي كلّ مسألة من المسائل التي تناولناها ورأي الأشعريّة أشهر من نار على علم، ويمكنك بسهولة أن تتطلع عليه من الكتب، وقد قلنا لك بعض أدلّتهم على ما ذهبوا إليه في مسألة فاعل الكبيرة. ونقضنا أدلّة مخالفينا التي أتيتنا بها، فإما أن تبيّن بأدلّة واضحة فساد قولنا وفساد قول المعتزلة جميعاً بما أنّ أساليب فهمنا للنصوص ليست صحيحة أو على الأقل أنها لا تكفي، أو أن تسلّم بقولنا ولا نطالبك عندها بشيء، أو تسلّم بقول المعتزلة فتنصر قولتهم وتحاورنا بالأدلّة، أو أن ترينا كيف يصح قولنا وفي نفس الوقت يصحّ قولهم! فهذه هي الاحتمالات الممكنة في هذه المسألة. وأنت لا تفعل أكثر من الكلام الذي لا يؤدي إلى نتيجة.
    وانظر لنفسك كيف تقول: (إنما يصح هذا الحصر لو كان صاحب الكبيرة شخصا واحدا وكانت الكبيرة غير متنوعة وكلا الأمرين غير صحيح فإنه يجوز أن يخلد الله بعض أصحاب الكبائر ولا يخلد البعض الآخر إما لاختلاف مرتكبيها أو لاختلاف نوع الكبيرة وعليه فيكون بين النفي والإثبات ثالث ورابع) اهـ
    فإن الأقوال في فاعل الكبيرة محصورة فإما أن لا يدخل النار مطلقاً وجوباً لكونه مؤمناً ولا يضره مع إيمانه معصية وهو قول المرجئة، أو يدخل النار قطعاً لكون الكبيرة علة موجة في الإحباط والخلود وإذا تاب وجبت له المغفرة معلّقة على المشيئة والاستئهال وهو قول مضطرب جدّاً على ما بيّنا ومن قرأ تفاصيل كلامهم وجدهم يضعون للتوبة شروطاً كثيرة وبعضها تعجيزيّة يستحيل تحقيقها كوجوب استحضار الندم دائماً وغير ذلك وهو قول المعتزلة، أو أنه كافر وخالد في النار وهو قول الخوارج، أو أنّه ليس بكافر لأنّه لا يخرج العبد من الإيمان إلا جحود ما أدخله فيه وعليه فله من الرسول وغيره من الشفعاء الشفاعة وقد يعفى عنه بها فيدخل الجنة دون عذاب، وقد يعذّب قدراً معيّناً طويلاً أو قصيراً ثم يدخل الجنة ولكنّه لا يخلّد في نار جهنّم. ومحلّ كلامي في الموضع الذي علّقتَ عليه بهذا الكلام هو أنّ في فاعل الكبيرة الذي اتفقنا نحن والمعتزلة والخوارج على دخوله في النار، فهو إمّا أنّه خالد في النّار أو ليس بخالد ولا ثالث بين النّفي والإثبات.. فما معنى قولك هنالك ثالث ورابع.. ما هو الثالث والرابع؟ هل تريد أن ترد لمجرّد الردّ والكلام أم تريد أن تفصح عمّا تريد قوله؟
    أما أن العلوم الشرعيّة عاجزة عن فهم نصوص الشريعة على إطلاق هذا القول فها إنك أنت نفسك لا تسلّمه. فالكلام لا بدّ أن يكون مقيّداً فلنتفق على شيء: عن أي نصوص أنت تتكلّم. إنه على مذهبي فلا يوجد أصل من أصول الدّين لم تستطع آلات العلوم الإسلاميّة أن تستنبطه من جملة الشريعة. فهل كلامك إذاً في فروع الدّين من الاعتقاديّات التي لا يضر الجهل بها ومن العمليّات التي لم يجمع عليها، وما زالت تقبل النظر والاجتهاد فيها؟ إذن يسوغ الخلاف فيها، ويقبل من الواحد أيها يختار سواء كان مجتهداً أو متّبعاً لمجتهد، ولا نفسّق ولا نبدّع من خالفنا فيها.
    وقد قلت لك إن العلوم ما تزال بحاجة إلى مزيد تنقيح وتحرير واستدلال على بعض قضاياها وأنها لم تكتمل بعد، ولن يبلغ علم حادث رتبة الكمال مهما علا. وههنا أمر وهو قولك: (أنه لو سلمنا إمكان رفع الإشكال عن جميع النصوص المتعارضة بالاستعانة بالعلوم الإسلامية وهو غير مسلم، فلا يلزم من هذا بالضرورة أن تكون هذه العلوم صالحة لفهم النص إذ إنها قد أهملت أموراً أخرى ذكرت في المقالة يجب مراعاتها للوصول إلى الفهم الصحيح)
    فأقول: ولا يلزم أيضاً أنه بمراعاة هذه الأمور التي ذكرتها في مقالتك اختلاف فهمنا للنصّ. ولكي يكون الكلام نافعاً، وبخاصة بعدما تحرر موضع النزاع أكثر أن مقصودك إنما هو في بعض المواضع من الشريعة، فأرجو أن تأتي لنا بنصوص شرعية تفهم من خلال علومنا على وجه، ثم باعتبار ومراعاة ما ذكرته في مقالتك تفهم على وجه مخالف يكون صحيحاً استناداً للقدر المشترك من القواعد المسلّمة بيننا، والتي تمكّنّا من خلالها أن نحكم على الأوّل بأنه غير صحيح. وقبل ذلك عليك أن تقول لنا ما هو القدر الذي تسلّمه دليلاً، أتسلّم علّم المنطق أم أنك تعتبره غير صالح للاحتكام له؟ أتسلّم علم الأصول أم تراه غير صالح للاحتكام له؟ أتسلّم علوم العربيّة أم تراها غير صالحة للاحتكام لها؟ وهكذا... قل لنا ما الذي ترتضينا أن نحتكم له وما الذي لا ترتضيه، وإن كنت تسلّم قدراً منها وتردّ قدراً فما هو القدر الذي تسلّمه لكي نبدأ منه، وما هو الذي تردّه لنستدلّ عليه لإثباته، فإن سلّمته زادت قواعد الاحتكام والاتفاق بيننا وإلا اجتنبناه في كلامنا معك.
    وإنك تعلم أنه لا يقبل منك أن لا تسلّم شيئاً مطلقاً، ولا أن تقبل جميع الأقوال. لأن هذين مذهبين سفطائيين يعبر عنهما باللاأدرية والنسبية أو العندية. وليس أحد من المسلمين بعنديّ أو لاأدريّ. بل هما طائفتان لا يمكن أن ينتسبا إلى دين الإسلام لكونهما كافرتين قطعاً. فعليك إذا أن تقول لنا ما الذي تنتقده من قواعد أصول الفقه أو أي علم شرعيّ آخر.
    وبخصوص الحالة النفسيّة للإنسان فعليك أن تفهمنا كيف توظف ذلك بقواعد تفهم بها القرآن الكريم. لأنه لا يقبل من أي واحد أن يفسّر القرآن على هواه. بل لا بدّ أن يأتينا بقاعدة منضبطة تبيّن كيف فهم ذلك المعنى المعيّن من القرآن. وكذلك الحال بالنسبة للثقافة، وقد سألناك على فرض تسليم أن الثقافة لها مدخليّة في تحديد معنى النصوص، كيف تريدنا أن نفهم القرآن على أساس من الثقافات الموجودة الآن، الثقافة العربية مثلاً، أو الثقافة الأمريكية، أو الثقافة الأوروبية، أو أي ثقافة تختار، أرنا كيف يفهم نصّ قرآنيّ من خلال تلك الثقافة أي ما هي مداخل تلك الثقافة في فهم ذلك النص بقواعد نستطيع تعميمها وضبط فهمنا على وفقها؟ وأنت لم تجبنا عن ذلك حتّى الآن، ولا تفعل شيئاً غير التعلّق بكلام لا يفيدك.
    ثم إنك تقول: (السؤال ... هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟ الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة التي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة التي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟ فأين المغالطة التي تتكلم عنها؟ وما هو جوابك عن الإشكال؟)
    فأقول: المحكم بيّن والمتشابه بيّن في القرآن والسنّة بالضوابط التي أعدناها على مسمعك مرّتين. وهي أن النص والظاهر محكم، والمجمل والمؤوّل متشابه. وهنالك ضوابط للنص والظاهر والمجمل والمؤوّل. والآيات والأحاديث الواردة في مرتكب الكبيرة كافية في معرفة أنه إذا كان مؤمناً فهو ليس بخالد في النار ولكنك أنت تتوهم أن شيئاً منها لا يرفع الإشكال. فإنه ثبت أنه سيخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً، وأن الشفاعة ثابتة في الحديث لأهل الكبائر من المؤمنين سواء تابوا أم لم يتوبوا وبفضل الله وبرحمته فقد يغفر للبعض كبائرهم فيدخلون الجنّة. ولغير ذلك من الأدلّة. وأحاديث الشفاعة كثيرة جدّاً، وهنالك شفاعة للأنبياء، وللعلماء، وللشهداء، وللملائكة كلّ بحسب مرتبته ودرجته. أما المغالطة التي تضمنها كلامك فهو أنّه ليس همّك في المقالة بيان أنه هل فاعل الكبيرة خالد في النار أو ليس بخالد، بل مسألة فاعل الكبيرة لا تعدو كونها مثالاً ضربته على بيان أن القرآن لا يمكن فهمه باستخدام العلوم الشرعيّة الحاليّة. فحتّى على تسليم أنّ في السنّة تعارضاً في هذه المسألة، فإنك انتقلت من هذا المثال إلى القول بعدم صلوح السنّة لتفسير القرآن على الأقلّ في متشابهه، وفرق كبير بين قولك (نصوص السنّة فيها ذات التعارض) ثم تعقيبك بالسؤال (فكيف نفهم القرآن) وبين أن تقول: إنني نظرت في القرآن فوجدت الآيات الواردة في شأن فاعل الكبيرة متعارضة ولم أستطع أن أخلص منها برأي، ثمّ نظرت في السنّة فوجدت ذات التعارض هنالك فلم يفدني النظر فيها شيئاً أو على حدّ تعبيرك (زادت الأمر تعقيداً)... وبين تعبيرك الأوّل الذي جاء تحت عنوان (إشكالية فهم النصّ القرآني) ولم يختصّ أصلاً بالمتشابه. وفي المقالة يفهم منك أن تقول: لا يمكن أن يخلص الناظر في القرآن برأي محدد فلا يستطاع فهم القرآن، ويفهم منك أنه يمكن الخلوص منه بكلّ رأي، وأنه لا السنّة ولا أقوال الصحابة ولا قواعد الأصول وغيرها من العلوم تستطيع فهم القرآن وفي نفس الوقت تقول: إن القرآن مبين عن نفسه. وهذه أقوال لا أقدر على جمعهما معاً إلا بتصحيح القول بالسفسطة. فهذا هو المدّعى فلماذا تراوغ وتتهمنا أننا لا نفهم ما تقول، وأننا نقوّلك ما لا تقوله؟

    إنك تنفي أولاً صلوح السنّة للبتّ في أمر المتشابه مطلقاً، وإن كنت تدّعي أن كلامك في هذه المسألة بالذات وأنت تعرف أن في السنّة نصوصاً على خروج أهل الكبائر من النار فلم لا تحمل المتشابه في السنّة على المحكم، وما لنا والنّاس الذين في قلوبهم زيغ ولا يريدون أن يفهموا ويلتزموا بجميع أدلّة الشريعة، إذا كان في حديث ما إجمال بشأن فاعل الكبيرة فهنالك أحاديث تبيّن أنّ المؤمن تاب أو لم يتب فغايته دخول الجنّة سواء دخل النار ثم خرج أو غفر له ولم يدخلها أصلاً.
    ثمّ أنت تقول: (وربما اعترض أحدهم بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فالرسول – صلى الله عليه وسلم – مبين لما في القرآن، وهذا في حقيقة الأمر زيادة للإشكال وليس حلاً له إذ كيف وما هي الحاجة إلى بيان ما هو بين! وجواب هذا أن السنة تبين ما لم يذكر في القرآن من أحكام كأوقات الصلاة أو عدد الركعات لا أنها تشرح ما هو مبين في القرآن أو أنها تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب) ثم تقول: (بالإضافة إلى أن بإمكان كل فريق إن يضعف الأحاديث التي تخالف مذهبه لأنها أخبار رواها الآحاد من الناس خالفت آيات القرآن التي ظن كل فريق أنها محكمة قطعية في الدلالة)، ثمّ إنك تزيد على ذلك بقولك: (من شروط صحة حديث الآحاد أن لا يخالف الأصول وهذا عند الطرفين، فكيف سنستدل به على شرح الأصول أو إثباتها!) فلا تقبلها من هذه الجهة بياناً للكتاب. ثم تقول: (وعليه فلا يمكن أن نلجأ إلى السنة في حل هذا الإشكال – أي في معرفة المحكم من المتشابه في القرآن)
    وتتهمني الآن بأنني لم أفهم كلامك. إنك تنفي أن تصلح السنّة لشيء من بيان المتشابه، وتسأله أنت بالنص فتقول: (السؤال في هذا القسم من المقالة هو هل من شأن السنة رفع التعارض الظاهر بين نصوص القرآن ومعرفة المحكم من المتشابه؟)
    ثم تجيب: (الجواب لا وذلك لعدّة وجوه أُعيدُ بيانها لتوهمك وجودَ مغالطة في الكلام. إن نصوص السنة التي تتكلم عن ذات المسألة فيها ذات الإشكال أي أن نصوص السنة التي تتكلم عن حكم مرتكب الكبيرة ليست بينة في دلالتها فهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها الخلود في النار وهناك من النصوص ما يفهم من ظاهرها عدم الخلود، فكيف سنعرف المحكم من المتشابه في القرآن في مسألة ما (حكم مرتكب الكبيرة) بواسطة السنة إن كنا لا نعرف المحكم من المتشابه في نصوص السنة في ذات المسألة؟)
    وهذا لا يصلح دليلاً على ما تقول أبداً، فأنت أخذت حالة واحدة هي مسألة الكبيرة، على فرض تسليم كون السنّة لا تشرح الكتاب فيها ولا يسلّم ذلك، وعمّمت منها عدم صلوح السنّة لرفع الإشكال عن متشابه الكتاب مطلقاً. وهذا غلط فاحش. وفرق كبير كما قلنا لك بين كون السنّة لا تحلّ بعض المتشابه على فرض تسليمه، وبين عدم صلوحها مطلقاً لحلّ المتشابه. فإن كنت لا تفهم هذا الفرق فهذا غريب!
    قولك: (غاية ما ذكرته المقالة أن السنة فيها ذات التعارض أما إن كان هذا التعارض حقيقيا أو متوهما فهذا شأن آخر، ولا أدري كيف فهمت هذا من العبارة!)
    أقول: بل هو فرع هذا الشأن، من نزّه دين الله تعالى عن التعارض اجتهد في الفهم وفي أن يجد حلاّ لما توهمه متعارضاً لأنّه يحكم على نفسه بالغلط حين يلمح هذا التعارض، ويقول لا بدّ أنني واهم في فهمي، فينثر جميع ما ورد من آيات وأخبار وأقوال في المسألة، ثمّ بتطبيق القواعد الشرعيّة سيصل إلى الحلّ والجواب، وهذه هي طريقة أئمتنا وعلمائنا، ولا يتعلّق بالمتشابه وحده ويذر الكثير من المحكم إلا زائغ، فالله تعالى حذّر من التعلّق بالمتشابه بقوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). ولا يقال لم وضع الله تعالى المتشابه في كتابه، فالله تعالى فعّال لما يريد. ومع ذلك فقد ذكر العلماء حكماً كثيرة لوجود المتشابه، ولخصّ الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية كثيراً منها على وجه حسن. ولم لا يقال كما قال كثير من العلماء إن الله ابتلى بها قلوب العباد، فمن كان في نفسه هوى وزيغ تراه اتّبعها وترك المحكم، ومن أراد الاهتداء والاستقامة على الصراط السويّ ردّ المتشابه إلى المحكم، أو انتهى عن النظر في المتشابه إن لم يكن أهلاً لذلك وخشي الفتنة، فذلك أسلم لدينه، ولو طرح الواحد كلّ متشابه في القرآن والسنّة لوجد في محكمهما مندوحة له ليستقيم على الطريقة المثلى لا يضرّه تركها -مع الإيمان بها على مراد الله- شيء. خبّروني أين توقف الائتمار بأمر الله والانتهاء بنواهيه على متشابه القرآن الكريم؟ وإن لله خيلاً كرّارة في رحاب الشرع فليترك لهم. قال إمامنا الشافعي في الرسالة وهو الحجّة في لغة العرب وأحد أكبر أذكياء العالم: (فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها، على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامّاً ظاهراً يراد به العامّ الظاهر، ويستغنى بأوّل هذا منه عن آخره، وعامّاً ظاهراً يراد به العامّ الخاصّ، فيستدلّ على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامّاً ظاهراً يراد به الخاصّ. وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكلّ هذا موجود علمه في أوّل الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يبيّن أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبيّن آخر لفظها فيه عن أوّله. وتكلَّم بالشيء تعرّفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرّف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها. وتسمّي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمّي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة، وكانت هذه الوجوه التي وصفتُ اجتماعَها في معرفة أهل العلم منها به –وإن اختلفت أسباب معرفتها- معرفة واضحة عندها، ومستنكراً عند غيرها، ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنّة، فتكلّفَ القولَ في علمها تكلُّفَ ما يجهلُ بعضه. ومن تكلّف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب –إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة والله أعلم. وكان بخطئه غيرَ معذور إذا ما نطق فيما لا يحيطُ علمُهُ بالفرقِ بين الخطأ والصّواب فيه) اهـ كلامه رحمه الله
    فهذه هي الحال على ما وصف الإمام.
    وأنت يا فادي تقول إن كتاب الله كتاب مبين بنفسه، فما معنى هذا البيان؟ هل معناه أن كلّ من نظر فيه وفهمه بفهمه الخاص ففهمه صحيح؟ إذا كان كذلك فقد قلت إن المعتزلة فهموا منه خلود فاعل الكبيرة في النار، والسنة فهم خلاف ذلك، فهل يصحّ عندك أن يكون كلا الطرفين مصيب في فهمه؟ إن كان كذلك فما معنى كونه مبيناً؟ أريدك أن تشرح لنا معنى كونه مبيناً من وجهة نظرك أنت.

    قولك: (أرجو أن تأذن لبديع الزمان أن يسأل إمام العربية وخطيبها ومن إليه المنتهى في معرفة بلاغتها أين عمم بديع الزمان حكمه بعدم صلوح السنّة طريقاً لتفسير القرآن مطلقاً؟ وما هي العبارة التي فهم منها إطلاقه لهذا الحكم؟)
    أقول: إن كلامك السابق كما بيّنته لك عام في كل ما تشابه، وهو المجمل والمؤوّل. لأنّك ادعيت أن السنّة في كلّ موضع متشابه لن تصلح لحلّه لأن السنّة متعارضة فيه. وهذا لا مهرب لك منه لأنه تصرّح به بالنصّ، فهذا أوّلاً. ثمّ قصرت فائدة السنّة على بيان ما لم يرد فيه نص قرآني، لأنّك تدّعي أن القرآن مبين بنفسه، ويجب تنزيهه عن أن تبيّنه السنّة فضلاً عن أي كلام آخر من كلام الصحابة أو غيرهم. فمن هذين الموضعين من كلامك يؤخذ من منطوقهما ومن الموافقة القطعيّة ما ألزمناك به. ولعمري إن كانت السنّة لا تصلح للمتشابه، فماذا بقي غير المحكم الذي لا تفيد السنة التي هو أدنى من كلام القرآن بلاغة لبيانه على حسب قولك، وهو أصلاً بيّن بنفسه لكونه محكماً بالاتفاق. فهذا بيان ما فهمنا لتعميمك عدم صلوح السنّة لتفسير القرآن. فإن كنت لا تقصد ذلك، فأنت لا تبين بكلامك عن مراداتك، فتلك مشكلتك.

    قولك: (الكلام فيما إن كانت السنة يمكن أن تبين أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، وليس الكلام فيما إن كانت السنة تصلح لتفسير مجمل ألفاظ القرآن، ولو قرأت المقالة بإنصاف لظهر لك هذا بوضوح)
    أقول: ها أنت تخصص كلامك أكثر، فتدّعي الآن أن مقالتك لا تتناول إلا ما كان ظاهر الكتاب فيه غير مراد أن السنّة لا تبيّنه. وقد قرأت مقالك بإنصاف فلم أجدك تخصص عدم صلوح السنّة لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد وإنما المراد المعنى الخفي، نعم ذكرت مقالتك أن السنة لا تصلح لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد ولكنها لم تخصّه وحده كما ادعيت بل أضافت له أشياء أخرى، ودعني أذكرك بكلامك، فيبدو أنك تنسى ما تكتب، أنت قلت: إن السنة لا تشرح ما هو مبين في القرآن، ولا تبين أن مراد الله خلاف ما يفهم في ظاهر لغة العرب، فإذا أضفنا ذلك إلى قولك بعدم صلوحها لبيان ما هو متشابه كما زعمته، صارت السنّة لا تبيّن شيئاً من القرآن. وغاية ما ألزمناك به في هذا الموضع الذي علّقت عليه أن قلنا: (إن سياق كلامك يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه) وهو كذلك، فلم تدّعي بأنّا نقوّلك لا تقول.
    قولك: (ومن زعم أن السنة تصلح لبيان أن ظاهر القرآن غير مراد فليأت بمثال يصلح دليلا على ما يدّعيه)
    أقول: إن ما قلته هنالك حيث طالبتني بدليل على وجود ظاهر في القرآن بيّنت السنّة أن المراد خلاف هذا الظاهر هو: (لا نقول كلّ موضع مشكل فقد حلّه نصّ واضح من السنّة، ولكنّا نقول إن الآثار حلّت وشرحت بعض القرآن على الأقل، ولا ندّعي أن الآثار وحدها كافية لتفسير القرآن الكريم –كما سيأتي الكلام فيه- ليحتجّ علينا بهذا الكلام الركيك. ثم إن سياق الكلام يفهم منه أنّ كلّ موضع مشكل في القرآن الكريم فإن كلام السنّة فيه متعارض محيّر فلا يصلح لحلّه) والمقصود بالكلام الركيك ما جئت به لتثبت عدم صلوح السنّة لحلّ المتشابه وتفسير القرآن على ما بيّناه من أنك رتّبت دليلك على أن السنة لا تصلح ثم أقوال الصحابة لا تصلح... إلخ، فلماذا تطالبني بدليل على شيء لم أقله موهماً أني أقول إن السنة جاءت لبيان أن بعض الظاهر الكتاب معناه خلاف ما يظهر منه؟
    ثمّ إن ههنا بحث صغير لكي لا يفهم منّا خلاف ما نريد، فقد جاء في القرآن: (وهو معكم أينما كنتم)، و(فأينما تولّوا فثمّ وجه الله)، وغير ذلك من الآيات أمثالها. فهذه لا نسلّم أصلاً أنها تعبيرات تحمل على الحقيقة، بل يجب حملها على الاستعارات والمجاز وهذا تحتمله لغة العرب، وإذا نظر إلى أمثال هذه الآيات في سياقاتها فيفهم أن المراد منها ليس المعيّة المكانية والوجه المعهود في المخلوق، وبذلك يرتفع الإشكال في أنا لا نسلّم أنّ هذا هو المعنى الظاهر منها. وأما إذا قلت بأن هذه الآيات الظاهر منها الوجه الحقيقي والعين الحقيقية والمعيّة المكانية.. إلخ، فعندها نقول على تسليم أن هذا هو الظاهر منها فإن السنّة وغيرها من الأدلّة كالقرآن والأدلّة العقليّة تقتضي صرف هذه الآيات عن معناها الظاهر إلى معنى خفيّ ونسمّي ذلك مؤوّلاً. مع أنّ السياقات على ما استقريته في كثير من المواضع كافية لبيان أن ظاهر الكلام غير مراد.
    قولك: (ولا يلزم من ذلك أنهم مصيبون فيما فهموه، أو توهموه صالحاً لحل الإشكال، أما أن آتي بأمر من العقيدة فقد فعلت ... أضف عليه القول في الأسماء والصفات، وتعذيب الكفار في نار جهنم بل أضف أصل الأصول وهو معنى كلمة التوحيد، وغيرها من المسائل التي لا يمكن القطع بمعرفة حكم الله فيها إن فهمنا الشريعة مستعينين بالعلوم الإسلامية، وأما الفقه فلا تسأل عن عدد الأحكام التي تشكل كوجوب الحجاب وحكم النبيذ المسكر وتعدد الزوجات وزواج المتعة والزواج من الكتابية والجهاد والسحاق وغيرها من الأحكام التي لا حصر لها)
    أقول: أما قولك لا يلزم أنهم مصيبون فيما فهموه فهو مجرّد كلام، كما أقول إن كل أحد غير الأنبياء المعصومين فإنه لا يلزم أن يكون مصيباُ فيما فهمه. فإن لم تستدلّ على أنهم ليسوا مصيبين فلا قيمة لكلامك. وكذا الكلام في قواعدهم التي استنبطوا على وفقها فإن لم تبيّن فسادها فلا عبرة بقولك ربمّا توهّموا، فلغيرك أن يقول ربّما أصابوا، وقطع ذلك يكون بالاحتجاج لا بمجرّد الكلام الذي نراك تكثر منه بلا فائدة. أمّا المسألة الاعتقاديّة التي أتيتنا بها وهي مسألة الكبيرة فقد بينّا لك قولنا فيها، فبين فساد قولنا إن استطعت. وقولك الأسماء والصفات وتعذيب الكفار ... إلخ مما ذكرت فأنت تعرف أن ذلك يطول الكلام فيه جدّاً ولا أظنّك تدعوني الآن لأؤلف كتباً أحلّ فيها الخلاف. ولمثل ذلك وجد الكلام في القواعد والأصول الكليّة، فإن الخصوم إذا اتفقوا على الأصول انحلّت الخلافات المندرجة تحتها. فتكلّم معنا في الأصول. ما هي مصادر التشريع، ما الذي تسلّمه منها وما الذي لا تسلّمه، ولماذا لا تسلّمه؟ ما هو المأخذ الأصولي الذي تأخذه علينا في نظرنا في آيات الصفات، أو في غيرها من المسائل الاعتقادية أو العمليّة. ثمّ إذا اتفقنا على الأصول التي نتحاكم إليها بحثنا في كلّ مسألة بسهولة. فمثلاً إذا كانت حجّتي الوحيدة هي الإجماع على حرمة المتعة، فإن كنت تخالفني في أنّ الإجماع حجّة فسنبقى ندور في حلقة مفرغة ونتحاور حوار الطّرشان. وكذلك الحال في كلّ مسألة مما طرحتها.

    قولك: (أنا لا أقول أن العلماء يتخبطون، وأعجب كيف توهمته! بل بينت أنهم يعتقدون أن أصولهم صحيحة لا غبار عليها، وليتهم تخبطوا إذ لو فعلوا لبحثوا وما ركنوا، ولكن الله يفعل ما يريد)
    أقول: من يعتقد أن أصوله التي يرتكز عليها صحيحة لا غبار عليها في حين لا يُعرف ما إذا كانت صحيحة أم لا فهو هائم على وجهه لا يدري شيئاً. فإن العلماء حين يؤصلون يحتجون لأصولهم بقواطع الأدلّة، وبذا يعلمون يقيناً أنّها صحيحة في نفس الأمر لا أنّهم يعتقدون ذلك فحسب قد يكون عن وهم. وكلامك معناه أنهم لو شكّوا في صحتها واستمرّوا في البحث ربّما تبيّن لهم خلاف ما هم عليه. وهذا الكلام متناقض غير مستقيم، لأن من شرط الأصل أن يكون مستيقناً مقطوعاً به، فكيف تتمنّى أنهم شكّوا في أصولهم حال قطعهم بها. وإنّك لتدور دائماً في كلامك على التشكيك في العلوم الدينيّة، وصحّة الأصول فلماذا لا تبيّن فساد قاعدة من قواعدهم بدل هذا الكلام الذي لا تنتهي.
    يتبع....
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

  13. الاستاذين بلال وفادي
    أتابع حواركما المتميز والعميق ونأمل أن يكون للشيخ سعيد فودة مشاركة في هذا الحوار
    وأرجو من الاستاذ فادي أن يدلنا على مكان طبع الكتاب الذي أشار إليه في الحوار ( الاستعارات التي نحيا بها ) واسم دار النشر وهل ترجم إلى العربية؟

  14. ملاحظة
    أتمنى على الأخوين المتحاورين أن يوثقا ما يعتقداه من أقوال للفرق أو للعلماء من مصادرها فالحوار علمي والتوثيق أمر مهم
    والله الموفق

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2003
    الدولة
    Finland
    المشاركات
    42
    الفضل سعد

    أشكرك ابتداء على مشاركتك واهتمامك

    أما عن الكتاب فقد ترجم إلى العربية بواسطة عبد المجيد جحفة، وقد طبعت الترجمة دار توبقال في الدار البيضاء- المغرب سنة 1996

    أما عن التوثيق فسأوثق ما أقدر عليه، إذ معظم المراجع ليست متوفرة بين يدي في هذا الوقت ولا في المستقبل القريب.
    الحمد لله أن أسقط التكليف

صفحة 1 من 4 1234 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •