النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: مباحثات في دروس المنطق

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    عمان/ الأردن
    المشاركات
    1,117

    مباحثات في دروس المنطق

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله، وأتم الصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنام، وعلى آله الكرام، وأصحابه العظام، وبعد فهذا تطبيق على شيء من مباحث قسم التصورات في المنطق، نتناول فيه كما وعدنا بعض المعرفات ونناقشها، ونزيد بعض التعليقات النافعة إن شاء الله.

    جاء في شرح العلامة عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756هـ على مختصر المنتهى الأصولي للإمام ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة 646هـ: "قال القاضي: الأمر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به"

    رحم الله تعالى هذين العالمين الجليلين. فتلاحظ أن تعريف الأمر ههنا قضية موضوعها الأمر ومحمولها المعرِّف. فيحمل المعرِّف على المعرَّف. ثم إن قوله: (القول) يقوم مقام الجنس في الحد، وتلاحظ أنه لا بد أن يصدق في هذه الحالة أن كل أمر فهو قول. ثم قوله: (المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به) يقوم مقام الفصل في الحد، ويجب أن يصح أيضاً أن كل أمر فإنه يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. وهكذا في كل معرِّف كما أشرنا إليه في الدرس السابق.

    ثم بيّن المصنف والعلامة الشارح رحمهما الله اعتراضين يردان على هذا التعريف بما يلي:
    أحدهما: أن لفظ المأمور الواقع في الحد مرتين مشتق من الأمر، فتتوقف معرفته على معرفة الأمر، لأن معنى المشتق منه موجود في المشتق مع بعض الزيادة، فيكون تعريف الأمر به دوراً.
    وقد ذكرنا أن من شروط المعرِّف أن لا يتضمن ألفاظاً يتوقف معرفةُ معناها على معرفة نفس المعرَّف. وحاصل هذا الاعتراض أن المأمور كيف يتصور إذا نحن لم نتصور معنى الأمر بعد، لأن المأمور مشتق من الأمر، وعليه فلا يصح تعريف الأمر به.
    وثانيهما: أن الطاعة هي موافقة الأمر، والمضاف من حيث هو مضاف لا يُعْرَفُ إلا بمعرفة المضاف إليه وهو هنا الأمر، فكأن نص التعريف قد جاء هكذا: "الأمر هو القول المقتضي موافقة الأمر من المأمور بفعل المأمور به) فوقع الدور مرة أخرى، لأنه توقف تصور بعض أجزاء المعرِّف وهو هنا الطاعة على تصور نفس المعرَّف.

    والحق كما قال العلامة العضد ما معناه أنه يمكن دفع الدور عن هذا التعريف من وجهين:
    الأول: أن نلاحظ أن الأمر خطاب من الشارع فيكون المقصود بالمأمور (المخاطب بذلك الكلام) فيندفع الدور من جهة تكرار لفظ المأمور المشتق من نفس المعرَّف الذي هو الأمر. أي يكون المأمور به هو ما يتضمنه الخطاب، وفعل ذلك المضمون الطلبي هو طاعته. فيصير التعريف هكذا: "الأمر هو: القول المقتضي فعل المخاطب لما يتضمنه الخطاب".
    فلا يعود معرفة شيء من المعرِّف يتوقف على معرفة المعرَّف فيندفع الاعتراض.

    الثاني: أن نقول إن تميز الأمر عند العقل غير تصور حقيقته. وتميزه كاف في معرفة هذه الأمور، والمطلوب هو تصور حقيقته. يعني أن معرفة المأمور والمأمور به والطاعة لا تتوقف على معرفة الأمر بحقيقته، بل على معرفة الأمر بوجه ما بما يؤدي إلى تميزه في الذهن. وعليه فيجوز تعريف الأمر بما مضى من كلام القاضي لأن معرفة المأمور والمأمور به لا تتوقف على معرفة حقيقة الأمر. وهذا هو حاصل الجواب في هذا الوجه، فتأمله.
    وتأمل الآن هل هذا التعريف يصلح أن يكون الحد التام للأمر أم لا؟ بمعنى هل تحققت فيه جميع الشروط التي اشترطناها في الحد. وأول ما تبدأ به هو الطرد والعكس. فهل القول هو الجنس القريب للأمر في نظرك؟ بمعنى أن كل أمر فهو قول؟ ثم هل (المقتضي فعل المخاطب ما تضمنه القول) هو فصل قريب يمنع غير الأمر من الدخول فيه؟ وهل هذا الجنس وهذا الفصل هما جزءا حقيقة الأمر، أي أنهما داخلان في حقيقته غير عارضين له، ولا لازمين من لوازمه؟

    وأريد منك أن تعرف أن هؤلاء العلماء الأكابر حين يدخلون في هذه المناقشات، فليس هذا من باب الترف ومضيعة الجهد والوقت، كما أن الإمام ابن الحاجب والعلامة العضد يعلمان تمام العلم أن من كان في منزلة القاضي الباقلاني لا يخفى عليه مثل هذه التدقيقات، وأنه يعلم أن مثل هذه الإيرادات ليست حقيقية قادحة في التعريف بحيث تزيفه تماماً ولا تبقي له وجه قوة، وإنما المقصود من الإتيان بمجموعة من أهم تعريفات العلماء في مطلع كل مبحث من المباحث، والدخول في أمثال هذه التدقيقات والمناقشات هو تحصيل المعنى المقصود من المصطلح في ذهن القارئ، وتوصيله إلى ما يريدونه بالضبط من ذلك المصطلح من خلال تمييزه تمييزاً دقيقاً عن غيره من التعريفات. ولا يخفى على أمثالكم كم لهذه الطريقة من فوائد في شحذ الأذهان، وتربيتها على التدقيق والتحقيق والنظر.

    وههنا أيضاً أورد لكم ما اختاره المصنف في تعريف الأمر لكي تتحققوا هذه الأمور التي ألمحنا إليها، قال:
    (حد الأمر: اقتضاء فِعلٍ غيرِ كفٍّ على جهة الاستعلاء)
    فههنا جعل اقتضاء الفعل جنساً للأمر وقيّده بقوله غير كف ليخرج منه النهي، لأن النهي اقتضاء فعل نفسانيّ هو الكف، والكف منع النفس من التوجه نحو اكتساب الفعل بتوجيهها إلى اكتساب غيره. لأن الله تعالى وحده إذا شاء فعل وإذا شاء ترك. والخلق لا يقدرون إلا على كسب الأضداد. ولا يقال يكسبون ويتركون كما تقرر في محلّه. فاعتنِ بهذه النفيسة.
    وقوله على جهة الاستعلاء شرطَ به الأمر تحرزاً عن غيره من أبناء جنسه من المقتضيات للأكساب، فخرج به ما اقتضى الكسب على جهة التساوي كقول العبد للعبد ناولني الكتاب، ويسمى التماساً، وخرج به ما اقتضى الكسب على جهة التسفّل ويسمى الدعاء، كقول الأعرابية لأبيها لما كاد يغلبها وزن السقاء فيندلق منها: (يا أبتِ أمسك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها). وليس هذا كقول سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى أنبياء الله جميعاً أفضل الصلاة والسلام لأبيه: (فاتّبعني أهدك) لأن إبراهيم عليه السلام هو الأعلى بجعل الله له رسولاً إماماً آمراً وناهياً بأحكام الله، ورفع الله وإعلائه له فوق باقي البشر في زمانه ومنهم أبوه أو قالوا آزر عمّه. فتنبه إلى الفرق.

    والفرق بين هذا التعريف وتعريف القاضي أن القاضي جعل جنس الأمر القول، وابن الحاجب جعل جنس الأمر نفس اقتضاء اكتساب الفعل. ثم جعل القاضي اقتضاء اكتساب الفعل المفهوم من الصيغة فصلاً لصيغة الأمر عن غيرها من صيغ الكلام، أما ابن الحاجب فأقام شرطاً في المتكلم، وهو أن يصدر منه الكلام على جهة الاستعلاء، ليتميز اقتضاء اكتساب الفعل المفهوم من صيغة الأمر عن غيره من الصيغ المقتضية لاكتساب الأفعال. ولعلك تلاحظ أن الاستعلاء إن كان من صفات الأمر الذاتية جاز جعله فصلاً له، أي أنك تقول: الأمر هو الاقتضاء المستعلي لاكتساب الفعل، وإن لم يكن من صفات الأمر الذاتية كان خارجاً عن حقيقة الأمر لازماً لها، وهو الذي أفهمه من عبارته حيث قال على جهة الاستعلاء حيث جعله شرطاً. وبهذا لا يكون ابن الحاجب قد عرف الأمر تعريفاً حقيقياً بذاتياته. فلا يكون تعريفه حداً، بل هو رسم والله تعالى أعلم. فتأمله.

    وهنالك أمر مهم أود لفت النظر إليه، وهو أنا مثلاً حين نقول في تعريف الجنّيّ: حيوان لطيف شفاف متشكل ناطق. فإن هذا شرح للاسم يفيد في التفاهم بين الناس، بحيث إذا أطلقه واحد عرفنا أنه يقصد ذلك المعنى. ولا يلزم من شرح وبيان معنى الأسماء بالحدود والرسوم وجودها أو عدم وجودها. بل وجودها أو عدم وجودها حكم عليها تابع لتصورها الحاصل ههنا بالقول الشارح. والطريق إلى إثبات كونها موجودة خارج الذهن أو غير موجودة بالفعل هو البرهان الذي سنتناوله في مباحثنا القادمة، وليس القول الشارح. فافهم ذلك.

    وأنا أدلك على طريقة تنفع في اقتناص الحدود ونقدها من خلال مثال. إننا إذا أردنا مثلاً تعريف الخمر، فعلينا أن نلاحظ الخمر ونفكر في ما يتركب منه، فنأخذ فرداً من أفراد المطلوب حدّه، وننظر تحت أي مقولة من المقولات يقع هذا الشيء، وذلك لتحديد الجنس، لأن المقولات هي أعلى الأجناس، ثم بعد أن نعرف تلك المقولة نأتي بأجناس واقعة تحت تلك المقولة وصادقة على المعرَّف بحيث يمكن أن تحمل عليه، ونختار منها الأقرب إلى المعرف الذي يجمع جميع أفراده.
    ثم نأتي إلى تحديد الفصل، فننظر في الصفات الذاتية التي لا بد من تحققها في أفراد ذلك الجنس الذي اخترناه لكي يسمى خمراً. ولا بأس في أن تحصل على أوصاف وصفات كثيرة بادي النظر، فإنك ستحرر وتنقد ما حصلت عليه، لتبقي فقط مجموعة الصفات التي يمكن أن تحمل على المعرَّف والتي تكون مقومة له، وتمنع غيره من أبناء جنسه من الدخول فيه. وعليك عند اختيار الجنس أن تطرح الأعراض واللوازم لأنها ليست من الصفات الذاتية المقومة للمعرَّف، وهي التي لا يكون الشيء نفسَه إلا بها، ثم تحذف ما يغني عنه غيره، وما كررته، وتضيف إليه أخص خصائصه التي توصلت إليها بحسب اجتهادك وطاقتك. فيتركب عندك جنس وفصل. واختبر بعد ذلك حدَّك هل هو مطرد ومنعكس، وهل هو دال على تمام حقيقة المعرَّف؟ وهل تركت بعض الفصول المميزة له عن غيره؟
    ودعنا الآن نطبق هذا الكلام على مثالنا:
    فإنك إذا نظرت إلى صنف من أصناف الخمر وأردت أن تجمع صفاته الظاهرة للعيان، فإنك تراه جوهراً مادياً أي جسماً وسائلاً، وشراباً لأن بعض الناس يشربونه، ومطرباً لأنهم حين يشربونه ينتشون، وتخف أرواحهم، وتجد لونه أحمر، ولكنك حين تلاحظ غيره تجد لونه أبيض فتتناول هذه الصفة بالنقد والملاحظة فتجد من الخمور ألواناً كثيرة جداً، فتعرف أن أي لون منها لا يصح أن يجعل جامعاً لها جميعاً. وتجده مسكراً للشاربين، ومؤثراً في العقل. فيتحصل عندك:
    الخمر: شراب وبقولك هي شراب تستغني عن الجسم والسائل والمادة والجوهر.
    ويتحصل عندك: مؤثرة في العقل ومطربة ومسكرة، ولكن المطرب أعم من المسكر فيحتمل أن يوجد من الشراب مطرباً غير الخمر المعهود منها الإسكار. وكذا المؤثر في العقل فقد قرأت أن الأفيون كانوا يصنعون منه شراباً يؤثر في العقول قديماً ولا أدري الآن. فتجد الإسكار أشد التصاقاً بالخمر، وأكثر تمييزاً لها عن غيرها، واختصاصاً بها لكونه أدلّ عليها. فتقول: الخمر شراب مسكر. ولكني أنظر في السكر فلا أجده صفة للخمر بل وصفاً خارجاً عن حقيقتها ولازماً لها. وهذا اللازم لا بد أن يكون لازماً عن جزء حقيقتها. وهكذا كل لازم لا ينفك عن حقيقة حادثة فلا بد أن تكون حقيقته علة في وجود ذلك اللازم. فما الذي في حقيقة الخمر يلزم منه إسكار الشارب. إنهم يقولون إن الخمر إذا فصل عنها الكحول المتخمر فيها بطريقة طبيعية أو المضاف إليها صناعياً فإنها لا تسكر. فنعلم أن الكحول سبب الإسكار فيها، وهو جزء من تركيبها وحقيقتها. وههنا يجوز لنا أن نقول: الخمر شراب كحولي. فتأمل رعاك الله الأشياء من حولك، وحاول أن تضع لها حدوداً ورسوماً. فكر مثلاً في الحاسوب الذي تعمل عليه، وفي البيت الذي يؤويك، والطاولة والكرسي اللذين تستعملهما، وفي القلم الذي تكتب به، والهاتف الذي تستعمله، إن كل اسم من الأسامي فلا بد له من قول شارح يصوره بحقيقته أو بلوازمه، واعلم أنك لن تستطيع الحكم على شيء من هذه المسميات إلا إذا تصورتها على نحو ما. ولك أن تلاحظ أننا نبذل طاقتنا البشرية لاقتناص الحدود والرسوم للأشياء،وليس مطلوباً أكثر من ذلك. وأن المعرّفات بكثرة نقدها وتداولها والبحث فيها تتنقح وقد يبلغ الحد التام وقد لا يبلغ.
    وأود أن تتأمل حين تقرأ في الكتب في أي علم من العلوم الحدود التي يوردها المألفون للأشياء، وحاول نقد هذه الحدود، وقارن بين حدود العلماء في كتب الأصول والفقه وغيرها من العلوم، وبين كتب المعاصرين في شتى العلوم، لتعلم أن كثيراً من المؤلفين لا يعرف ما هو التعريف قبل أن يؤلف ويعرف الشيء الذي يتكلم فيه، ويحكم عليه.

    وبقي لي أن أقول إن الأسامي إما أن تدل على حقايق بسيطة أو مركبة. وكل من البسيط والمركب إما أن يتركب منه غيره أو لا. فالأقسام أربعة. بسيط لا يتركب عنه غيره وهذا لا يحد ولا يحد به. وبسيط يتركب عنه غيره فلا يحدُّ ويحدّ به، ومركب لا يتركب منه غيره فيحد ولا يحد به، ومركب يتركب منه غيره فيحد ويحدّ به. فمثل عليها من عندك.

    وكنت أود لو أعرض لأمثلة أخرى، ولكن ضاق بي الوقت. فأيكم أيها المثابرون يدرس لنا بعض التعريفات الموجودة في الكتب ويناقشها فيدرب نفسه ويفيدنا.

    ويبقى مثارات الغلط في الحدود وسنأتي على بيانها إن شاء الله حين ننتهي من بحث مبادي ومقاصد التصديقات بحثاً مجملاً كما فعلنا في قسم التصورات، فنجمع معها مثارات الغلط في البرهان. ونعمل تطبيقات مثل هذه.
    فاجتهدوا أيها الطلاب جعلت فداكم في التحصيل،واغتنموا خمساً قبل خمس. ومن لم يفعل وهو أهل لتحصيل العلم ولم يعضّ على العلم النواجذ، فسيأكل يديه ندماً لما فرط وقصّر. وفقنا الله وإياكم. والسلام عليكم.
    التعديل الأخير تم بواسطة بلال النجار ; 30-10-2003 الساعة 10:11
    ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •