صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 22 من 22

الموضوع: شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة + نسخة ووورد للتحميل

  1. #16

    Smile أكرمك الله يا شيخ سعيد

    شَكَرَ الله لك شيخَنا الكريم، وأطال بقاءك ورزقنا صحبتك والإفادة منك، وقدّرنا على حملِ علمك الغزير النافع ونشرِه؛ فهو ـ واللهِ ـ شرفٌ لنا.
    وأدعوه تعالى أن يعينك على التدريس والتأليف وكلِّ ما فيه نفع للأمة وخدمة للعقيدة الحقّة. وأن يجعله في ميزان حسناتك ووالديك.
    إنه سميع قريب.

  2. #17

    Lightbulb شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة (الدرس السادس)

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    فاعلمَ بأنَّ الوصفَ بالوجودِ = من واجباتِ الواحدِ المعبودِ
    [/poet]
    (فاعلم بأن الوصف) أي اتصافه تعالى (بـ) صفة (الوجود)، ويصح أن يراد أيضاً بالوصف الصفة: الفرق بين الوصف والصفة: وَصَف يصِف وصفاً هو اللفظ الذي يطلقه الإنسان على أمر، أقول: المسجل موجود، أنا وصفتُ المسجلَ بالوجود، لم أعطِ الوجودَ للمسجل ولكن وصفت المسجل بالوجود، فالوصف هو قولي عنه إنه موجود.
    أما الصفة فهي الكلمة الدالّة على نفس المعنى القائم بالذات، ليست هي الكلمة الدالة على صدور هذا الوصف مني.
    (الوجود) صفة وليس وصفاً، لكن نسبتي الوجود إليه هو وصف مني له.
    فقوله: (واعلم بأن الوصف بالوجود): يمكن أن يراد بالوصف الصفة. أي اعلم بأن الوجود نفسه.
    والباء للتصوير والتفسير، أي بأن الصفة المفسَّرة بالوجود: الباء التي في (بالوجود).
    إذا قلنا إن (الوصف) مراد به الصفة، يصبح الكلام: واعلم بأن الصفة بالوجود، (فما مدخلية الباء هنا؟) للتصوير والتفسير .
    (من واجبات الواحد المعبود) أي بعض الصفات الواجبة له تعالى، وهي كثيرة لا تنحصر فيما ذكر هنا، لأن صفاتِه تعالى الكماليةََ لا تتناهى إلا أنه لا يجب علينا تفصيلُ ما لم يقم عليه الدليل بالخصوص، بل الواجب أن نعتقد أن كمالاتِه تعالى لا تتناهى على الإجمال: الصفات التي يجب أن نثبتها لله تعالى محدودة ومعروفة، ولكن هذا لا يستلزم أن كمالاتِ الله سبحانه في ذاته محدودة، ولكن غاية ما يستلزمه أن ما يجب علينا أن نعرفه هو المحدود، لأننا لا نستطيع أن نحيط بكمالات الله، لكن الله أوجب علينا أن نعرف بعض صفاته، هذه الصفات هي التي تكفي لبناء العبودية عليها.
    وأما ما قام عليه الدليل بخصوصه فيحب اعتقاده تفصيلاً وهو ثلاثة عشر صفة، وأضدادها بناء على مذهب الأشعري والمحققين من أن المعنوية ليست بصفات زائدة على المعاني، وأن الحق أن لا حال، وعليه فالوجودُ عينُ ذاتِ الموجود وليس بصفة زائدة عليها: الحال عبارة عن أمر ليس موجوداً وليس معدوماً في ذاته، ولكنه عبارة عن شيء تابع للموجود أو هو حال للموجود.
    يقول هنا المصنفُ إن المعتَمَدَ عند العلماء هو نفيُ الحال، إذا قلنا إن الأصحَّ أنه لا حال، والوجودُ عند الإمام الأشعري هو عينُ الموجودِ، فكيف قلت إن الله سبحانه متصف بالوجود؟ فإذا كان الوجود هو عين الموجود فهل يتصف الواحد بنفسه؟
    قال المصنف: فاعلم بان الوصف بالوجود من واجبات الواحد المعبود، فالوصف بالوجود أمر ثابت لله تعالى، إذا كان الإمام الأشعري يقول: إن الوجود هو عين الموجود فكيف تقول إننا نصف الله بالوجود؟
    يقول الدردير: وفي عَدِّه من الصفات تسامح باعتبار أن الذات توصف به في اللفظ فيقال: ذات اللهِ موجودة، فليُتأمل. وصفنا اللهَ تعالى بالوجود من باب التسامح اللغوي؛ لأننا نطلق أن الله موجود فنحمل لفظ الوجود على الله، فكأن هذا يصبح وصفاً لله.
    ومعنى كون وجوده واجباً أنه لا يقبل الانتفاء أزلاً وأبداً، أي لا يمكن عدمه لما مرّ في تعريف الواجب.
    ثم برهن على وجوده تعالى بوجود صنعته جلّ وعلا فقال:

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    إذ ظاهرٌ بأنّ كلَّ أثرِ = يهدي إلى مؤثِّرٍ فاعتبرِ
    [/poet]
    (إذ ظاهر بأن كل أثر) أي لظهور ان العالم أثر أي صنعة لما مرّ من أنه حادث: عرفنا أن العالم أثر من آثار الله بالدليل الماضي، وهو أن الأثرَ ناتجٌ عن مؤثِّر، فالدليل السابق يدل على أن العالم أثرٌ، والأثرُ يهدي إلى مؤثِّرٍ، وهذا المؤثِّرُ الذي هدانا إليه النظرُ في العالم يستحيل أن يكون ممكناً أو معدوماً، فيجب أن يكون موجوداً. استطعنا أن نقول بوجوب وجودِ الله بالنظر في العالم.
    وكلُّ أثرٍ (يهدي) بفتح الياء (إلى مؤثِّر) أي يدلّ على صانعه؛ إذ لا يعقل صنعة بدون صانع، وإلا لزِم الترجيح بلا مرَجِّح، وهو محال لِما مرّ.
    وإذا علمتَ أن كلَّ صنعة تدلّ على وجود صانعها (فاعتبرِ) أي تأمّل في ملكوتِ السموات والأرض ودقائقِ الحِكَم لتعلمَ بذلك أنه الواجب الوجود المالكُ المعبود القادرُ الودود العليُ العظيم العليم الحكيم، فتهتدي إلى ما خُلقتَ لأجله، ثم تترقى إلى وفورِ حُبِّه وشكره، فيترتب على ذلك تفجيرُ ينابيع الحكمة من قلبك، وتقعد في مقعد صدق عند ربك.
    ولنذكر لك شيئاً من ذلك لتقيس عليه غيرَه، فنقول: قال الله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" فأنت إذا نظرتَ إلى مبدأ خلقك وجدتَ ربك سبحانه وتعالى قادَ والديك بزمام الشهوة مقهورين في صورة مختارين مع تمام البسط والأُنس. وفي هذا المقام أسرار عجيبة يدركها أرباب الكشف من أهل الله تعالى حتى إذا حصل الوقاع صانك الله في قرار مكين، فخلق تلك النطفة علقة، ثم خلق العلقة مضغة، ثم مدّها وصوّرها في أحسن صورة فجعل الرأس في أحسن خِلقة، وخلق العين والأذن والأنف، وصوّر الوجه في أحسن صورة وأودعها من الجمال والكمال ما لا يخفى، ثم أودع البصر في العين والسمع في الأذن والشمّ في الأنف، وخلق الفم وزيّنه بالشفتين، وخلق اللسان وخلق فيه الذوق وجعله جنداً من جنوده تعالى يترجم عما في الفؤاد من العلوم والمعارف، وجعل الرقبة حاملة لعرش الرأس في حسن بديع وجعل فيها المنفذ الموصِل الأكلَ والشرب إلى المعدة، وأودع البطن والأمعاء والمصارين والقلب والكبد وغيرها مما لا يعلم حقيقته إلا هو تعالى. وخلق الأيدي وخلق فيها الأكفّ والأصابع وجعلها مفاصل، وأبدعها، والأرجل كذلك، وخلق العظام وكساها لحماً ثم نفخ فيك الروح وهي سرّ عظيم عجيب من أسراره تعالى، فتحركت في بطن أمّك وما زال بك رؤوفاً رحيماً حافظاً لك في أضيق مكان يوصل لك غذاءك وأنت لا تعلم شيئاً حتى إذا تمّ خلقك أنزلك من الرحم من أضيق محل، فلطف بك وبأمّك، حتى إذا برزتَ ألهمك بمجرد النزول إلى ثدي أمك، وأجرى فيه اللبن، وأنزل في قلبها الرأفة والرحمة، حتى أنها ترى بولك وغائطك من أحسن ما يكون. والمنّة له تعالى في ذلك، ولمّا آن أوان الأكل خلق لك الأسنان والأضراس ورتّبها ترتيباً عجيباً مع ما فيها من كمال الزينة والجمال والكمال، ثمّ لمّا قرُبَ بلوغك وكانت هذه الأسنان ضعيفة أسقطها وأبدلها بأقوى منها، ثم إذا أكلت فجّر الله في فمك عيناً جارية، وهي الريق لا ينقطع جريانها ما دمت تأكل؛ لتبتل اللقمة بها يسهل بلعها لا تملّها النفس ولا تجري على الدوام، ولا تنقطع. فانظر إلى هذه الحكمة العجيبة التي أنت في غاية الافتقار إليها، وليس في قدرتك إجراؤها ولا منعها بالضرورة، فإذا نزل الطعام والشراب في المعدة صرفه إلى ما يشاء، فبعضه يتربى به اللحم، وبعضه يتربى به العظم، وبعضه يتربى به الشحم، وبعضه يتربى به الدم مع كمال اللذة حال الأكل وبعده، ثم ما فضل عن ذلك وكان فيه الإيذاء للبدن على تقدير إبقائه في البطن أخرجه من مخرجيك. وانظر لهذين المخرجين وبديع حكمتهما وإلى إقدارك على مسكهما عند تهيؤ الفضلة للخروج، وبالجملة فلم يزل سبحانه بك رؤوفاً رحيماً ودوداً كريماً في كلّ لحظة. وأنت غافل عن نفسك، وانظر إلى خروج النَّفَس ودخوله الذي به قوام الروح حالة اليقظة والنوم والصحة والمرض. ومن أكبر عبره العقل الذي به التمييز والتدبير وإدراك العلوم والمعارف وما يضرّ وما ينفع. "وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها"، "فتبارك الله أحسن الخالقين".
    فياليت شعري أهذا ينبغي أن يعصى فيما أمر ونهى ؟ ! ثم إذا نظرت إلى السماء وكواكبها والسحاب وتسخيرها والرياح وتصريفها، وإلى الأرض وأنهارها وإلى الأشجار وأثمارها لأفضى بك إلى العجب العجاب، وعلمتَ أنه المحسن الوهاب.
    اللهم وفّقنا لما فيه رضاك واقطعنا عن كلّ شيء سواك. واملأ قلوبنا من حبّك وحبّ رسلك، وأذقنا لذة الوصل من فيض فضلك، وخذّ بأيدينا إنْ زللنا وسامحنا إنْ أخطأنا؛ إنك أنت الجواد الكريم الرؤوف الرحيم.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وذي تُسمّى صفة نفسيّه = ثمّ تليها خمسةٌ سلبيه
    [/poet]
    (وذي) أي وهذه الصفة أي صفة الوجود (تسمى صفة نفسية) نسبة إلى النفس، أي الذات. والصفة النفسية هي التي لا تُعقل الذات بدونها: لا يمكن تصوّر الماهية بدون أن ينسب إليها صفة الوجود. لذلك سمي الوجود صفةً نفسية؛ لأن الوجود نفس الذات.
    وهي صفة ثبوتية يدل الوصفُ بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها: لا على صفة زائدة عن الذات. ويقال أيضاً هي الحال الواجبة للذات ما دامت الذاتُ غيرَ معللة بعلة، وذلك كالوجود والتحيّز للجرم، وكون الجوهرِ جوهراً والشيءِ شيئاً، فهذا تعريف للنفسيّة مطلقاً قديمة كانت أو حادثة. وقوله في التعريف الثاني: غير معللة بالنصب على أنه حال من الحال أو من الضمير في واجبة. واحتُرز به من الحال المعنوية ككون الذات عالمة أو قادرة أو مريدة؛ فإنها معللة بقيام العلم والقدرة والإرادة بالذات، فليُتأمل:
    هذا التعريف الثاني بناء على إثبات الحال. إذا فكّّّر الإنسان في أيّ ذات من حيث ما هي متقدَّرة لزمه أن يثبت وجود الذات، فقبل نسبة الوجود إلى الذات لا يمكن الكلام على الذات مطلقاً، ولكن يمكن للإنسان أن يفكر في الذات من حيث ما هي عالمة، فهي أولاً موجودة. ثم متصفة بالعلم فتصير عالمة، فوصف الذات بانها عالمة مترتب على قيام صفة العلم بالذات. كون الذات عالمة هي حال ثابتة للذات ما دامت الذات معللةً بعلة التي هي العلم. فوصف الذات بالعالِمة مترتب على قيام العلم بالذات، أما وصف الذات بالوجود فليس مترتباً على قيام أيّ علة بالذات، هذا على مذهب القائلين بالأحوال لكن ليس هو المذهب المعتمَد.
    العلة هنا بمعنى الملازِمة لا بمعنى المؤثِّرة. فالعلة في مقام الكلام على التعليل بين الصفة والحال هي الملازِمة وليس المؤثِّرة والموجِدة.
    ما دامت الذات متصفة بعلة ـ هكذا يقولون ـ ما دامت الذات متصفة بصفة العلم فهي عالمة، إذا انتفت صفة العلم عن الذات لا تكون عالمة.
    وجَعْلُ الوجود صفةً نفسية إنما يصح عند من يثبت الأحوال، فيكون صفةً زائدة على الذات غيرَ موجودة في نفسها ولا معدومة. وأما عند من لم يثبت الأحوال فليس بصفة أصلاً وإنما هو عين ذات الموجود كما مرّ: الأشعري يقول إن الوجود هو عين الذات، بينما الإمام الرازي يرى أن الوجود أمر زائد على الذات، فالذات عند الإمام الرازي هي الماهية مجردة عن الوجود ومجردة عن العدم، إذا نسبتَ الوجودَ إلى الماهية تصبح الماهية موجودة.
    عند الإمام الأشعري ـ حسب المنقول عنه ـ لا يوجد وجود زائد على الماهية. ولكن خلاصة الطريقتين أنهما ترجعان إلى أمر واحد، وهو أن الأمر في الخارج واحد، فمثلاً حين نقول: زيد، ليس هناك أمران: زيد ووجوده، ولكن هناك زيد الموجود، وجوده ليس أمراً زائداً على ماهيّته، فوجوده هو عينه.
    أما في الذهن فالعاقل إذا فكّر في زيد يشتق من زيد وصفَ الوجود ويشتق الماهية، ففي الذهن يصبح هناك تغايرٌ وتمايزٌ بين أمرين.
    هذا هو التحقيق أن يجمع بين المذهبين بهذه الطريقة.
    فإن قلتَ: إذا كنتَ قد بنيتَ هذه العقيدة على مذهب الأشعري القائل بنفي الأحوال فالوجهُ حذفُ الوجود ولا حاجة إلى ارتكاب التسامح: إذا كان قولك إن وصف الذات بأنها موجودة هذا فقط صحيح على مذهب القائلين بالأحوال، فأنت قد بنيت هذا الكتاب كلَّه على مذهب الإمام الأشعري، والأشعري ينفي الأحوال، فلماذا قلت إن هناك صفةً اسمها الوجود، ثم بعد ذلك قلت إن هذا مبني على التسامح اللغوي، لماذا لم تنفك عن هذا الأمر وتقول: إن الوجود هو عين الوجود، فلا تلجأ إلى التسامح؟
    قلتُ: لمّا كان معرفة الوجود يُحتاج لها لينبني عليها غيرها من الصفات اعتبرتُ الوصف الظاهري في قولنا: ذات الله موجودة، وارتكبتُ التسمّحَ: عندما يقول الناسُ: ذات الله موجودة فهذا وصف ظاهري، وهو في الحقيقة ليس وصفاً، فالقول إن ذاتَ الله موجودةٌ لا يعني أن الوجودَ قائمٌ بالذات، فليس الأمر كذلك، ولكن من حيث الاستعمالُ اللغويُّ يصبح هذا القول كأنه وصفٌ للذات، فهو من هذا الباب ارتكب التسمّح.
    على أن التحقيق أن الشيخَ ولو نفى الأحوالَ لا ينفي الاعتبارات؛ لظهور زيادتها ذهناً، وإنْ لم يكن لها ثبوت خارجاً: إن الشيخ الأشعري لو نفى الأحوال التي هي أمور ليست موجودةً ولا معدومةً إلا أنه لا ينفي الاعتبارات، فيرجعُ كلامُه إلى كلام الإمام الرازي.
    بل قال العلامة التفتازاني: لا خلاف أن الوجود زائدٌ ذهناً بمعنى أن للعقل أن يلاحظ الماهية بدون الوجود وبالعكس ونتعقل الماهية ونشكّ في وجودها أ.هـ. هذا ما قلناه قبل قليل من الجمع بين طريقة الإمام الأشعري والإمام الرازي.
    قال التفتازاني في شرح العقائد النسفية: للعقل أن يلاحظ الماهية منفكةً عن الوجود كما أنها منفكة عن العدم.
    هذا مبني على أن الماهية عبارة عن مجموعة أوصاف ثابتة في الذهن، والذهن يجمع بين مجموعة من الأوصاف يسميها ماهية، ليس واحداً من هذه الأوصاف وصف الوجود. فالوجود أمر آخر.
    (ثم تليها) في الذكر (خمسة سلبية) نسبة للسلب، أي النفي إذ مدلول كلِّ واحد منها سلب أمر لا يليق به سبحانه.
    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وهي القِدَمْ بالذاتِ فاعلمْ والبقا= قيامُه بنفسِهِ نِلْتَ التُّقى
    [/poet]

    (وهي) أي الصفات السلبية، (القدم بالذات فاعلم) أي القدم الذاتي بمعنى أنه تعالى قديم لذاته لا لعلة قديمة اقتضت وجوده ـ تعالى عن ذلك ـ وليس المراد بالقِدَمِ الذاتي ما قابل القِدَم بالغير كما يقول الفلسفي لقيام البرهان القاطع على أنه لا شيء قديمٌ بالغير وأن كلّ ما سوى الله وصفاته حادث كما تقدم : ليس هناك علة أوجبت قِدم الله، فالله سبحانه قديم لذاته، ليس مثل العالَم، فالفلاسفة قالوا إن العالَمَ قديمٌ بسبب ذاتِ الله، فعلةُ قِدَمِ العالَمِ هو وجودُ الله، لا أن العلة هي العالم.
    يريد الإمام الدردير هنا أن ينفي الصورة التي قال بها الفلاسفة في حق العالم، فأراد أن يقول إن الله قديم لذاته لا لعلة أوجبت قِدمه تعالى.
    فقوله: (وليس المراد بالقدم الذاتي ما قابل القدم بالغير): القدم بالغير مثل قدم العالم، أي قدم العالم بسبب غيره، على قول الفلاسفة.
    ومعنى القدم سلب الأولية: أي نفي الأولية، فإذا قيل عن الله سبحانه إنه قديم، فهذا لا يعني أنه موجود منذ القِدَم، ولكن معناه لا أول لوجوده، ولا يعني القِدَم أنه طرأ على الله أزمان لا نهاية لها، معنى ذلك أن القِدَم لله ليس جزءاً من الزمان كما أن علو الله سبحانه ليس جزءاً من المكان.
    أي أنه تعالى لا أول لوجوده؛ إذ لو لم يكن قديماً لكان حادثاً تعالى عن ذلك، فيلزم افتقاره إلى مُحدِث لما مرّ، ثم مُحْدِثُه كذلك لانعقاد التماثل بينهما، وذلك مفضٍ إلى الدور أو التسلسل؛ لأن المماثل الثاني مثلاً إن كان المُحدِث له هو الأول فالدور، وإن استمر العدد إلى غير نهاية فالتسلسل وكلاهما محال: الدور كما تقول: (ب) أوجد (أ)، والذي أوجد (ب) هو (ج)، والذي أوجد (ج) هو (أ).
    (ج) أوجد (ب)، و(ب) أوجد (أ)، و(أ) أوجد (ج)، فتصبح (أ) سابقة على (ج) ومسبوقة له. وهذا اسمه دور. وهذا باطل.
    أما التسلسل فأن تقول: (أ) أوجده (ب)، و(ب) أوجده (ج)، إلى ما لا نهاية وكلاهما مستحيل.
    أما استحالة الدور فظاهرة؛ لأنه يلزم عليه تقدم كلٍّ منهما على صاحبه وتأخره عنه، وهو جمع بين متنافيين، بل ويلزم عليه أيضاً تقدم كلّ واحد منهما على نفسه وتأخره عنها. وهو جليّ البطلان.
    وأما التسلسل فلأنه يؤدي إلى وجود آلهة لا نهاية لها، كلٌّ منها متصف بالحدوث والعجز والافتقار، وهو باطل قطعاً لأنه مناف لمقام الألوهية من القدرة والغنى المطلق، إذ العاجز الفقير لا يصحّ أن يكون خالقاً للعالم البديع الإتقان. وما أفضى إلى المحال وهو عدم القدم محال؛ إذ استحالة اللوازم تقتضي استحالة الملزومات، فثبت القِدَم، وهو المطلوب:
    إذا قلنا إن قِدَم الله ليس لذاته بل لغيره وغيره إله آخر، هذا الإله الآخر إما أن يكون قديماً أو حادثاً، إذا قلنا إنه قديم فقد انتهينا وأما إذا قلنا إنه حادث، فمن الذي أوجده؟ وهكذا . .
    فإما أن نبقى . . إلى ما لا نهاية وإما أن نرجع إلى الدور.
    فالتسلسل يلزم منه وجود آلهة كثيرة، وكلٌّ منها محتاجٌ فقير، فالقصد أن الدورَ والتسلسلَ اللذين هما لازمان عن افتراض أن الله تعالى ليس قديماً ما دام كل منهما مستحيلاً، فإذن الفرض أصلاً مستحيل وهو القول بأن الله ليس قديماً، فنقيضه هو الصحيح وهو أن الله قديم، هذه طريقة الإثبات عن طريق فرض النقيض، إذا أردنا أن نثبت قضية نفرض نقيضها، وإذا فرضنا نقيضها يلزم عنه المستحيل، إذا استحال النقيض وجب الأصل.
    قوله: (إذ استحالة اللوازم تقتضي استحالة الملزومات): اللازم وجود آلهة كثيرة وهذا باطل، وافتقار الآلهة الكثيرة باطل، أيضاً يلزم عن افتراض عدم قدم الله سبحانه وتعالى التسلسل والدور، والتسلسل والدور باطلان، إذن الملزوم عنه وهو افتراض عدم قدم الله مستحيل، (الملزوم عنه) يقولون عنه (الملزوم) تخفيفاً.
    اللازم هو الدور والتسلسل، ويلزم عن هذا آلهة كثيرة كلها محتاجة أيضاً هذا لازم.
    لزم التسلسل عن افتراض عدم قدم الله، وعن التسلسل يلزم وجود آلهة كثيرة مفتقرة، إذن هذا لازم ثان عن اللازم الأول وكلاهما باطل إذن الملزوم عنه باطل وهو افتراض عدم قدم الله، إذن نقيضه هو الصحيح وهو أن الله قديم وقدمه لذاته لا لغيره وهو المطلوب.
    (و) ثاني الصفات السلبية (البقا) بالقصر؛ للضرورة، وهو سلب الآخرية، أي نفيها، أي أنه تعالى لا آخر لوجوده تعالى؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه، وإلا لجاز عليه العدم، فيحتاج إلى مرجِّح فيكون حادثاً لا قديماً، كيف وقد ثبت قِدَمه.
    (و) ثالث الصفات السلبية (قيامه) تعالى (بنفسه) بمعنى سلب الافتقار إلى المحل أو المخصص أي الفاعل. أما أنه تعالى لا يفتقر إلى محل يقوم به قيام الصفة بموصوفها؛ فلأنه لو افتقر إلى ذلك لكان صفة لا ذاتاً؛ إذ الذات لا تقوم بالذات، لكن كونه تعالى صفة محال؛ إذ لو كان صفة لاستحال قيام الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة والإرادة به تعالى؛ إذ الصفة لا تقبل صفة أخرى تقوم بها، وإلا لزم أن لا تخلو عنها أو عن مثلها أو عن ضدّها، ويلزم مثل ذلك في الأخرى التي قامت بها، وهكذا إذ القبول أمر نفسي لا بدّ أن يتّحد بين المتماثلين أو المتماثلات وهو محال؛ لما يلزم عليه من اتّصاف الصفة بمثلها أو بضدّها أو بخلافها، فيكون العلم عالماً وجاهلاً وقادراً وكذا العكس وهو باطل:
    يستحيل أن يكون لله أول ويستحيل أن يكون له آخِر، فثبت القدم وثبت البقاء. يستحيل أن يكون صفة لأنه لو كان صفةً لوجب قيامُه بغيره، ولكنّ قيامَ الله بغيره مستحيلٌ؛ للزوم افتقاره في هذه الحالة.
    ولو كان صفةً أيضاً لاستحال اتصافُه بالصفات من ناحية ثانية، الله سبحانه متصف بالعلم والقدرة وغير ذلك، لو كان الله صفة واتّصف بالعلم لأصبحت الصفة قائم بها صفة أخرى ولكن هذا مستحيل، لأنه لو كانت الصفة تقبل الصفة للزم من ذلك قبول الصفة لنقيض الصفة أو منافيها أو مثلها، فيلزم على ذلك أن العلم ـ مثلاً ـ يجوز أن يتصف بالعلم، فنقول: العلم عالِم، وهذا باطل، أو نقيضه فنقول: العلم جاهل، أو منافيه فنقول: العلم قادر أو مريد، وهذا كله غيرُُُ صحيح وفيه نوع من السفسطة. إذن الله سبحانه لا يمكن أن يكون صفة، إذن فهو ذات تقوم بها الصفات.
    ومن دخول ما لا نهاية له من الصفات الوجودية على أن الصفة لو اتصفت بأخرى للزم الترجيح بلا مرجِّح؛ إذ جعلُ إحداهما موصوفة والأخرى صفة لها دون أن تكون صفة للذات التي قامت بها الموصوفة، ودون أن تكون الموصوفة هي الصفة للأخرى تحكّم فليتأمل: لو فرضنا أن اللهَ ـ تعالى ـ صفةٌ وقامت بها صفةٌ أخرى، فما الذي أوجب أن تقوم الثانيةُ بالأولى، لمَ لا تقوم الصفة الأولى بالثانية، فهذا ترجيح بلا مرجح. ولكن حين نقول إن اللهَ ذاتٌ قامت به صفة فهذا متسق مع العقل؛ لأن الصفة هي التي تقوم بالذات لا العكس.
    قوله: (إذ جعل إحداهما موصوفة والأخرى صفة . . . تحكم): إذا كانت الصفة الثانية التي قامت بها الصفة الأولى قائمة بالذات، فلماذا لا نقول إن الصفة الأولى والثانية كلٌّ منهما قائمة بالذات؟ لماذا نقول إن الصفة الأولى قائمة بالثانية والثانية قائمة بالذات . . يصبح هنا في القسم الأول من الكلام ترجيح بلا مرجح وتحكم.
    وهو تعالى قد ثبت أنه قامت به الصفات الثبوتية فلا يكون صفة لغيره فوجب أن يكون ذاتاً فلا يفتقر إلى محل وهو المطلوب: لو كان صفة لافتقر إلى محل، والافتقار مستحيل على الله سبحانه وتعالى.
    وأما أنه لا يفتقر إلى مخصِّص أي موجِد ومؤثر فلما يلزم من الحدوث كما مرّ في القِدَم: لأنه لو احتاج إلى مخصِّص لصار مفعولاً، يعني لصار مخلوقاً وهذا مستحيل حيث إنه من المستحيل أن يقبل العقل أن الإله مخلوق لأنه تناقض.
    (نلتَ) أي أدركتَ (التقى) أي التقوى، وهي امتثال المأمورات فعلاً والمنهيات تركاً. قال الإمام الرازي: التقى والتقوى واحد، وهما لغةً بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية، أي ما يقي الشخص يعني يحفظه ويحول بينه وبين ما يخافه مثل الترس ونحوه من الأجسام. فكان المعنى جَعْلُ بينه وبين المعاصي وقاية تحول بينه وبينها من قوة عزمه على تركها، واستحضار علمه بقبحها. نقله الشيخ عبد السلام اللقاني في شرح الجزائرية. وهذه الجملة إنشائية في المعنى قصد بها الدعاء لمن حاول معرفة صفات الله تعالى، وتكملة البيت كأنه قال: اللهم اجعله مُحَصِّلاً للتقوى.
    يتبع ...

  3. #18

    تابع الدرس السادس

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    تخالفٌ للغيرِ وحدانيهْ = في الذاتِ أو صفاتِهِ العليّهْ
    [/poet]

    (و) رابع الصفات السلبية (تخالف للغير) أي مخالفته تعالى لغيره من الحوادث، ومعناها عدم الموافقة لشيء من الحوادث، فليس تعالى بجوهرٍ ولا جسم ولا عَرَض ولا متحرك ولا ساكن، ولا يوصف تعالى بالكبر ولا بالصغر: المقصود هنا كبر الحجم، فلا يوصف بأنه كبير الحجم ولا صغير الحجم، بل هو ليس له حجم أصلاً. ولا بالفوقية ولا بالتحتية ولا بالحلول في الأمكنة، ولا بالاتحاد ولا بالاتصال ولا بالانفصال، لا باليمين ولا بالشمال ولا بالخلف ولا بالأمام، ولا بغير ذلك من صفات الحوادث؛ إذ لو كان مماثلاً لها لوجب له تعالى ما وجب لها من الحدوث والافتقار وذلك محال لما مرّ.
    واعلم أن العالَم وإن عظُم في نفسه فهو بالنسبة لِعِظَمِ قدرتِهِ تعالى ليس بشيء:
    بالنسبة لِعظم قدرته لا لِعظم ذاته خلافاً للمجسمة الذين يقولون إن الله تعالى كبيرٌ جداً جداً، والعالم بالنسبة له كالسمسمة أو الحمصة، وأهل السنة يقولون: لا نسبة بين الله وبين العالم في شيء مطلقاً، لا يوجد هناك اشتراك مطلقاً بين الله وبين العالم.
    المجسمة يقولون: هناك اشتراك ولكن نسبة التفاوت كبيرة جداً. وهذا كلام باطل.
    فالمصنف حين يقول: (تخالفٌ للغير)، وفي بعض النسخ (مخالفٌ للغير) يعني من كل حيثيات الغير، إذا كان الغير الذي هو العالم محدوداً، فالله سبحانه ليس محدوداً، إذا كان العالم كبيراً أو صغيراً فالله ليس بكبير ولا صغير.
    وهكذا في كل النواحي؛ لأن كل هذه الصفات التي يتصف بها العالم تدل على نقص يتصف به العالم، فالحركة تدل على سبب للحركة، والسكون كذلك، والفوقية والتحتية تدلان على المحدودية والحدّ يدل على الافتقار والمخصِّص . . وهكذا، فكل هذه الصفات تدل على احتياج وافتقار والله سبحانه لا يتصف بذلك مطلقاً.
    فكيف يكون العليّ الكبير القديم القدير حالاً أو متصلاً أو منفصلاً أو مستقراً أو على جهة لهذا الشيء الحقير الحادث الفقير.
    وخامس الصفات السلبية (وحدانية) وهي عبارة عن سلب الكثرة في الذات والصفات والأفعال، أي عدم الإثنينية (في الذات) أي في ذاته تعالى اتصالاً وانفصالاً، فوحدانية الذات تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل، أي تنفي العدد في الذات متصلاً كان أو منفصلاً، فتنفي التركيبَ في ذاته تعالى ووجودَ ذاتٍ أخرى تماثل الذاتَ العليّة، أي أنه تعالى ليست ذاتُه مركبةً من أجزاء متصلٍ بعضها ببعض، وإلا لكان مماثلاً للحوادث من حيث التركيب، فيحتاج إلى مَن يركبه ، وهو محال.
    يبين هنا القسم الأول من الوحدانية وهو عدم الإثنينية في الذات اتصالاً وانفصالاً. معنى (اتصالاً) نفي الإثنينية عن الله اتصالاً، مثلاً: ذاتُ الإنسان فيها كثرةٌ متصلة، فهي عبارة عن يدين ورجلين ورأس وجسم . . هذه تسمى كثرة متصلة، فذات الإنسان مُتكثّرة ولكنها واحدة في الشخص.
    أما ذاتُ الله سبحانه فليست كذلك، فلا يوجد في ذات الله اتصال بين أجزاء، فلا جزء له. أما الكثرة المنفصلة بمعنى أنه لا يوجد إله آخر.
    وليس له نظير في ذاته (أو صفاته العليّة). أي وعدم الإثنينية في صفاته العلية اتصالاً أو انفصالاً أيضاً، فوحدانية الصفات تنفي عنه تعالى الكم المتصل والمنفصل فيها، أي تنفي العددَ في حقيقة كل واحدة منها متصلاً كان أو منفصلاً، أي أنه تعالى له حياة واحدة وعلم واحد، وهكذا لا أكثر، وليس ثَمَّ مَن يتصف بصفات الألوهية سواه تعالى. انتهى من الكلام على الوحدانية في الذات، والآن يتحدث عن الوحدانية في الصفات، فقال إن الوحدانية في الصفات تنفي الكمَّ المتصل والمنفصل، والكمُّ المتصل هو أن يقال إن الله تعالى له قدرتان أو ثلاث قدرات، والحق أن الله تعالى له قدرة واحدة متعلقة بجميع المقدورات، وله علم واحد كاشف عن جميع المعلومات.
    وسَّموه كمَّاً متصلاً؛ لأن الكلام عن افتراض أكثر من صفة في الذات كأنهم يقولون إن هناك قدرتين في الذات الإلهية فاتصلت هذه القدرة لكونها محمولةً في الذات الإلهية.
    فهذا الكمُّ المتصل بذاته مستحيل، أما الكمُّ المنفصل يعني أنه لا توجد صفةُ قدرة وصفة علم كصفته تعالى لذات أخرى غيرِ ذاته، أي منفصلة بالذات.
    فكما نقول إن الله متصف بقدرة متعلقة بجميع المقدورات، فكذلك نقول لا يمكن أن يتصف بمثل هذه القدرة غيرُه . .

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    والفعلِ، فالتأثيرُ ليس إلا = للواحدِ القهّارِ جلَّ وعلا
    [/poet]
    (و) وحدانية أي عدم الإثنينية في (الفعلِ) يعني أنه تعالى متصف بوحدانية الأفعال، فليس ثََمَّ من له فعلٌ من الأفعال سواه تعالى، إذ كل ما سواه عاجز لا تأثير له في شيء من الأشياء: وحدانية الفعل أي في الخلق والتأثير، فليس الخلق والتأثير لأحد إلا لله سبحانه وتعالى. هذا هو معنى وحدانية الأفعال، أي لا فاعلَ في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى، أي لا خالق إلا الله ولا مؤثر إلا الله، ولكن هذا لا يستلزم أنه لا يوجد فعلٌ آخر غير الخلق لغير الله، لأننا فاعلون ولكن فعلنا اكتساب وليس خلقاً، كذلك صفاتنا ليست كصفات الله سبحانه، فنحن ـ مثلاً ـ عالمون ولكن علمنا ليس كعلم الله، فعلم الله ليس انفعالياً ولا فاعلياً فليس حادثاً، ولكن علمنا حادث طارئ متجدد بخلاف علم الله.
    إرادتنا عبارة عن ميل نفساني بخلاف إرادة الله.
    فهذا اشتراك في الألفاظ فقط ولكن الحقائق مختلفة، كما نقول نحن موجودون والله موجود، لكن حقيقة الله غير حقيقتنا ولكن الاشتراك في الاسم، وبالأسلوب نفسه نقول: لا فاعل في الوجود إلا الله، بمعنى أنه لا خالق ولا مؤثر إلا الله، لا بالمعنى اللغوي للكلمة.
    والمشهورُ في إثبات الوحدانية برهانُ التمانع المُشار إليه بقوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وحاصله أنه لو أمكن التعدّد لأمكن التمانع بينهما بأن يريد أحدهما حركةَ زيد مثلاً، والأخرُ سكونَه، إذ كلٌّ منهما أمرٌ ممكن في نفسه، وكذا تعلّق الإرادة بكلّ منهما، وحينئذٍ إما أن يحصل الأمران، فيلزم اجتماع الضدّين أو لا فيلزم عجزهما أو عجز أحدهما، وهو أمارة الحدوث والإمكان لما فيه من شائبة الاحتياج، فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال، فيكون التعدد محالاً، وبما ذُكر اندفع ما يقال إنه يجوز أن يتفقا من غير تمانع: المشهور في الاستدلال على أن لا فاعل في الوجود إلا الله هو برهان التمانع، هذا يعني أن هناك أدلة أخرى تُستعمل في هذا المطلب لكن المشهور عند العلماء هو برهان التمانع.

    سيتم الحديث عن برهان التمانع بتفصيل وافٍ في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

  4. #19

    Thumbs up شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة (الدرس السابع)

    برهان التمانع:
    لو فرضنا أن هناك فاعلاً غير الله سبحانه، فلو فرضنا وجودَ فاعِلَيْن، وعَرَض لهذين الاثنين خَلْقُ شيء، كلٌّ من هذين الفاعِلَيْن إذا تصورناه وحده يمكن أن يوجِد هذا الأمر ويمكن أن لا يوجده، هذا يعني أننا لو فرضنا أن الإله الأول هو الموجود وعرض له هذا الأمرُ الممكن، فالعقلُ يحكم بإمكان خلقه وبإمكان عدم خلقه. وكذلك الإله الثاني لو فرضناه وحدَه، وعرض له هذا الأمرُ لحكم العقلُ بانه يمكن أن يوجدَ ويمكن أن لا يوجِد.
    محلُّ الكلام أنه يوجد هناك خالقان، لو فرضنا وجودَهما معاً، ألا يستلزم ذلك أن كلاً منهما يمكِن أن يوجِد هذا الأمر أم لا؟ بلى يمكن.
    لو تعلقت إرادتُهما به فإما أن يُوجِده الأول ويعجز الثاني، فيكون الثاني ليس إلهاً، وإما أن يوجده الثاني ويعجز الأول، فيكون الأول ليس إلهاً، وإما أن يوجداه معاً وهذا مستحيل لأن الأمر الواحد لا يمكن أن يكون مخلوقاً لخالِقَين؛ لأن الفعل الواحد لا يصدر عن فاعِلَين.
    فيبقى الاحتمال الأخير، وهو أن لا يوجِد هذا الأمرَ أحدٌ منهما، ويلزم على هذا أنهما ليسا بإلهين.
    هذه هي الاحتمالات الأربعة التي تحصل عند تقدير أكثر من إله، وما دامت هذه الاحتمالات الأربعة مستحيلة، إذن تقدير أكثر من إله مستحيل.
    قد يقال: لماذا لا تفرض اتفاقهما؟
    نقول: هذا البرهان مبنيٌّ على إمكان الاختلاف لا على حصول الاختلاف، والاختلاف ممكن بالدليل السابق. فحتى لو اتفقوا يبقى الاحتمال باختلافهما قائم.
    قد يقال: لماذا لا يقتسمان العالم؟ فيدبر كلٌّ منهما جزءاً من العالم؟
    نقول: الأصل في الإله أن تكون قدرتُه متعلقةً بسائر الممكنات، فاقتسام العالم يلزم عنه أن تكون هذه القدرة متعلقة ببعض الممكنات.

    برهان التمانع بشكل مفصّل:
    حاصل دليل التمانع بشكل موجَز وبشكل ملخّص أن المطلوب هو إثبات أن الله سبحانه وتعالى واحد، المُدّعى أن الله واحد، لكي نثبت هذا المُدّّعى نفرض وجودَ أكثر من واحد، وأقل عدد أكثر من واحد هو اثنان فلنفرض وجود إلهين.
    لو صحّ هذا الفرض يجوز أن يوجد إله آخر، ولكن لو امتنع هذا الفرض يستحيل أن يوجد إله آخر، إذن دليل التمانع مبنيٌّ على أننا نقول: يستحيل وجود أكثر من إله.
    لو لزم عن فرض وجود إلهين لوازمُ باطلةٌ ومستحيلة، إذن يكون هذا الفرض مستحيلاً؛ لأن اللوازم المستحيلة تلزم عن الشيء المستحيل، فيكون نقيض هذا الفرض واجباً، إذن نرجع إلى إثبات أن الله واحد ويستحيل أن يكون هناك أكثر من إله، هذه هي الطريقة الكلية لإثبات الوحدانية.
    دليل التمانع له مبادئ ومقدمات لإثبات حجيّته ودلالتِه على الوحدانية، لو أخذنا كلَّ إله من هذين الإلهين المفروضين وحده، كلُّ إله من هذين الإلهين يصح أن تتعلق قدرتُه وإرادته بأيّ ممكن من الممكِنات، لو فرضنا أن الممكنات لم يكن لها عدد محدود، فيصح أن تتعلقَ القدرةُ الإلهية لكلٍّ من هذين الإلهين المفروضين في كلّ ممكن من الممكنات.
    لو فرضنا هذين الإلهين، وتبيّن لنا أنه يستحيل تعلّقَ إرادةِ هذين الإلهين بكلِّ واحدٍ من هذه الممكنات، إذن فرضُ تعددِ الإله يكون مستحيلاً، لأنه لزم عن هذا المستحيل عدمُ صحة تعلق الإرادة بكل واحد من الممكنات.
    أيضاً هذا هو المنطق الإجمالي لبرهان التمانع.

    كيفية إجراء هذا الدليل:
    نفرض وجود إلهين، أولاً ننظر إلى كل إله وحده، فنقول: أول مقدمة: يصح أن تتعلق إرادةُ كل واحد منهما بكلِّ ممكن من الممكنات، لا يوجد هناك مانع من أن تتعلق إرادةُ كل واحد منهما بكل ممكن من الممكنات.
    هذه المقدمة متفق عليها؛ لأنه لو أخذنا كل واحد وقلنا بامتناع تعلقِ إرادة هذا الإله ببعض الممكنات وصحّحنا تعلقَها بالبعض الآخر، فهذا يستلزم أن تكون إرادة الإله غيرَ كاملة وغير شاملة، وتستلزم أن تكون قدرتُه غيرَ متعلقة بجميع الممكنات، وهذا يعود بنقص كونه إلهاً، لأن الإله يجب أن تكون قدرتُه عامّةَ التعلق ويجب أن تكون إرادتُه عامةَ التعلق.
    هذه المقدمات التي يُعتمد عليها في إجراء دليل التمانع.
    لنفرض الآن وجودَ أكثر من إله ولننظر الآن في بعض الممكنات، عادة العلماء يمثّلون على هذه الممكنات بالجوهر الفرد، يقولون: لنفرض أن هناك جوهراً فرداً يُراد له أن يوجَد، فلو قلنا إن الإله الأول هل يصح أن تتعلق قدرتُه بإيجاد هذا الجوهر؟ نعم يصح وحده.
    والإله الثاني وحده هل يصح أن تتعلق قدرته بهذا الجوهر؟ نعم يصح.
    الآن لو فرضناهما معاً لا منفصلين، فهل يصح أن تتعلق إرادتُهما بهذا الجوهر؟
    لا يصح.
    بيان ذلك: أن هذا الجوهرَ لو فرضنا أنه سوف يوجد، وفرضنا تعلقَ إرادة كل واحد من هذين الإلهين بهذا الجوهر، فإما أن يوجِد الإلهُ الأول هذا الجوهرَ ولا يوجِده الآخر، فيستلزم أن الآخر ليس بإله لأنه لم يستطع إيجادَ هذا الممكن. أو يوجِد الإلهُ الآخر هذا الجوهرَ ويعجز الأولُ فأيضاً يكون ليس بإله.
    أو لا يوجده أيُّ واحدٍ منهما، فأيضاً لا يكون أيّ منهما إلهاً، أو أن يوجداه معاً وهذا مستحيل، لأن الإيجاد هو فعل واحد ويستحيل أن يقع هذا الفعل الواحد من فاعِلَيْن كل واحدٍ منهما مستقل بالإيجاد.
    لا يوجد هناك احتمال آخر لهذه الحالة، فهناك أربعة احتمالات، وكلّ احتمال منها باطل، إذن لزم على فرض وجود إلهين أربعة احتمالات، كلها باطلة ولا يوجد غيرها.
    ما لزم عن هذا الفرض كله مستحيل، إذن فالفرض مستحيل. إذا كان الفرض أصلاً مستحيلاً، فيستحيل إذن تعددُ الإله فيلزم من ذلك وجودُ إله واحد وهو المطلوب.
    نحن انتقلنا من إثبات حدوثِ العالم إلى إثبات وجوبِ وجود الإله، بعد أن أثبتنا وجوبَ وجود الإله، نسأل: هل الإله أكثر من واحد، أم هو إله واحد؟ فنثبت وحدانية الإله بدليل التمانع.
    بدليل الحدوث أثبتنا وجوبَ وجود الله، وبدليل التمانع أثبتنا وحدانيته. هذا هو ملخص دليل التمانع.
    لو قلنا الان: لماذا لا يتم اتفاقٌ بين الآلهة فيوجِد كلُّ واحد منهما بعضَ الممكنات ؟
    وهذا الاعتقاد موجود كما يفترض الكفار، فهناك من الناس من يعتقد وجودَ آلهة عدة، وكلُّ إله يتعلق ببعض الأفعال. لذلك فالعلماء بحثوا عن أدلة لإبطاله:
    والجواب: لو فرضنا وجودَ حصة أو قسمٍ من العالم لكلِّ إله يلزم على ذلك أن تعلقات الإرادة الإلهية تتخصص، أي أنها غير كاملة وغير شاملة وهذا مستيحل، لأن التخصيصَ تحديدٌ، والتحديد نقص، واللائق بالإله هو الكمال وليس النقص.
    إذن تخصيص الإرادة ببعض المتعلَّقات دون البعض الآخر فيه إثبات النقص للإرادة، ونقص الإرادة معناه نقص الإله وعدم كماله وهذا باطل.
    لمَ لا يقال إن هذا التحديد الذي فرضناه لم يكن نتيجةً لإجبار الإله الأول للإله الثاني، بل الإله الثاني بمحض إرادته هو الذي اختار هذا الأمر؟
    الجواب على هذا الاحتمال هو نفس الجواب على الاحتمال الأول؛ لأن الجواب على الاحتمال الأول لم يتم النظر فيه إلى من هو المخصِّص.
    بل نظرنا فيه إلى أصل التخصيص.
    الإمام السنوسي عبّر عن هذه الحالة بحالة الاقتسام، هنا حالة التمانع وهناك حالة الاتفاق.
    حالة الاتفاق إما اضطراراً أو اختياراً، إما أن يضطر كلُّ إله للاتفاق مع الآخر أو يختار اختياراً.
    في حالة الاضطرار فليس واحد منهما بإله؛ لأن الاثنين يكونا ناقصين. أما في حالة الاختيار فهذا محل الخلاف، فإما أن يكون الاختيار من نفس الإله أو من الإله الآخر، وكلاهما يعود بالتخصيص على تعلقات الإرادة، وأصل تخصيص تعلقات الإرادة مستحيل؛ لأنه يلزم منه تحديد تعلقات الإرادة، إذن على كل الأحوال سواء أكان في حالة الاقتسام الاضطراري أو في حالة الاختياري تكون النتيجة واحدة واللازم واحد وهو لزوم التخصيص على القدرة الإلهية والإرادة الإلهية بغض النظر عن السبب هل هو اضطراري أم اختياري.
    الاقتسام الاضطراري من الواضح بطلانه لأمرين، الأول لأنه مضطر والثاني للزوم التخصيص.
    ولزوم التخصيص يلزم أيضاً على الاقتسام الاختياري، فلزوم التخصيص عبارة عن لازم باطل يلزم على كلٍّ من الاحتمالين سواء الاقتسام الاختياري أو الاقتسام الاضطراري، ولكن الاضطراري يزيد على حالة التخصيص بالإجبار فتكون أوضح في البطلان.
    هذا هو دليل التمانع بكل احتمالاته.
    وهذا الدليل أشار إليه كثير من المتقدمين، بل جميع المحققين منهم ولكن توضيح هذه الحالات بهذه الطريقة ظهرت في وقت متأخر في القرن السابع والثامن.
    أما في زمن الإمام الأشعري فكان يشير إليها إشارة، فكان يعبر عنها بعبارات تحتاج للتوضيح.

    من الناس الذين غابت عنهم علةُ بطلان الاقتسام الاختياري (ملحم قربان) أحد الباحثين السياسيين، تكلم في كتابه (الإشكالات) على برهان التمانع، وقال إن المتكلمين لم يلتفتوا إلا إلى حالة التمانع، فقد أخذها من ظاهر اللفظ، فقال: لماذا أخذتم فقط حالةَ التمانع ؟ ألا يجوز للآلهة أن تتفق ؟
    تصوَّرَ أن العلماء لم يجيبوا على هذا ولم يبحثوه، والحقيقةُ أنهم بحثوه بكل احتمالاته سواء أكان الاقتسام اضطرارياً أم اختياريّاً، ثم قال فلا بد من إعادة النظر في علم الكلام .

    ملاحظة مهمة :
    تقدم القول إن دليلَ التمانع مبنيٌّ على مجرد تصحيح إمكان التمانع وليس مبنياً على وقوع التمانع؛ لأن وقوعَ التمانع مبنيٌّ على تصحيح إمكانه، الدليل العقلي لا يُبنى على الوقوع نفسه بل على الإمكان.
    هدفنا هنا هو إثبات استحالة إمكان التعدد، فإذا استحال إمكان التعدد استحال وقوع التعدد.
    التمانع نفسه المبني على فرض التعدد لا يشترط فيه وقوعه بل إمكانه، ومجرد إمكان التمانع بيّناه بأن أخذنا كلَّ إله وحده وذلك في المقدمتين الأولتين اللتين ذكرناهما، إذا أخذنا كل إله وحده فالأصل أن تتعلق إرادتُه بسائر الممكنات، فالأصل أن هذا إذا كان جائزاً مع اعتبار كل إله وحده، فيجب أن يجوز مع اعتبارهما معاً ولكن لمّا لاحظناهما معاً لم ينتج عندنا الإمكان بل نتج الاستحالة.
    إذن هذا دليل على أن كلَّ إله وحده له حكم وكل إله مع غيره له حكم، إذن هذا معناه أن النقص والتحديد يطرآن على الآلهة إذا تكثّرت، والأصل في الإله أن يكون كاملاً، مجرد إثبات أن الإله له حالة واحدة وهي حالة الكمال المحض الذي لا خلاف فيها عند ملاحظته وحده وأن هذه الحالة تشوبها شائبة عند ملاحظة أكثر من إله، التي هي إمكان التحديد. يثبت بطلان التعدد.
    إذن احتمال تخصيص الإرادة صورة وعدم احتمال تخصيص الإرادة صورة أخرى، والأكمل هو عدم احتمال تخصيص الإرادة وهي اللائقة بالإله، ولكن إمكان تخصيص الإرادة إنما نشأ عند فرض التعدد، إذن فرض التعدد نفسه مستحيل لأنه يعود بالنقص على الإله.
    عند احتمال الإله مع غيره يمكن التحديد وإن لم يقع، قد يقول بعض الناس: في الحقيقة قد لا يقع التحديد فقد يقول أحد الآلهة أنا لا أريد أن أخلق شيئاً ويفوض الإله الآخر بالخلق.
    نقول: هذا الاختيار هل يمكن أن ينشأ عند هذا الإله إذا كان وحده؟ أم أنه نشأ عند ملاحظتنا لوجود إله آخر؟ إذن الإله الآخر سبب في تحديد إرادة الإله الأول.
    العقل السليم والعقل الفطري يجزم ويقطع بأن صورةَ الإله وصفاتِ الإله عند ملاحظته وحده هي الأكمل من صورته وأوصافه عندما يكون مع إله مفروض آخر.
    إذن مجرد فرض إله آخر يعود بالنقص على الكمال اللائق بالإله.
    دليل التمانع دليل قوي جداً وهو دليل قطعي ويفيد استحالة وجود إله آخر.

    هناك دليل أشار إليه الإمام التفتازاني وهو المذكور في الآية: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا". هذا الدليل فيه استدلال. ليس بناءً على دليل التمانع الذي أوردناه بل هو استدلال بالاضطراد، هو مبني عليه ولكن ليس هو عين الدليل الأول.
    فيه استدلال باضطراد الكون وتناسقه، وعلى لزوم صدور هذا الكون عن واحد واستحالة صدوره عن واحد آخر.
    أصل هذا الاحتجاج أن أيّ إله من شأنه أن يتفرد بإرادته وبقدرته وباختياره، ولكن لو لاحظنا هذا الكون ولاحظنا اضطرادَ أحواله فهذا يدل على أن الإرادةَ واحدةٌ والمريدَ لهذا الكون واحدٌ.
    من ملاحظة عدم الفساد في الكون ينتقل العقلُ إلى الجزمِ بعدم وجود أكثر من إله؛ لأنه لو كان هناك أكثر من إله لتخالفت إراداتُهم.
    يمكن أن يقال: قد يتفق الإلهان على اتساق الكون وتنسيقه . . نقول: يستحيل أن يتفق اثنان ـ كلُّ واحد منهما حرّ بإرادته ومستقلٌّ باختياره ـ في هذا الكمِّ الهائل من الأحداث الجزئية والتفصيلية، ملايين الأحداث التي تحدث في الكون في كل لحظة وكل ساعة وكل دقيقة . . يستحيل عقلاً أن يحدث اتفاق بين إرادة إلهين كل واحد منهما مستقل بإرادته. هذا يعود بإثبات هذه الاستحالة إلى العادة (والعادة عبارة عن مصطلح أطلقه العلماء على بعض الأحكام). الآن يستدلون على الحكم العادي عن طريق الرياضيات واستخدام نظرية الاحتمالات الرياضية، نظرية الاحتمالات تقطع باستحالة وقوع مثل هذا القدر من الاتفاق من أكثر من فاعل مستقل.
    لذلك فإن محمد باقر الصدر وقبله قرر هذا الكلامَ الشيخُ مصطفى صبري، والإمامُ الشهرستاني ذكره أيضاً، والإمامُ الآمدي كذلك. لكن الإمام محمد باقر الصدر استخدم نظريةَ الاحتمالات الحديثة، ومن قبله كانوا يستخدمون صيغهم القديمة ولكن كل هؤلاء اتفقوا على تصحيح الاستناد إلى نظرية الاحتمالات في الحكمِ بامتناعِ وجودِ هذا القدر من الاتفاق والتناسق بين إلهين كل واحد منهما حر الإرادة.
    دليل التمانع الذي قال به العلماءُ أشارت إليه الآيةُ إشارة. ودليل الاضطراد الذي هو مستدل بمنطوق الآية: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" مأخوذ من نفس العبارة: الاستدلال من عدم وجود الفساد على عدم وجود أكثر من إله.
    ولكن دليل التمانع لا يُتوقف في تقريره على النظر في الكون ولكن على مجرد الاحتمال العقلي، لذلك قلنا لا يتوقف تقرير الدليل على وقوع التمانع بالفعل ولا على عدم وقوع التمانع بالفعل، بل يتوقف على احتمال وجود التمانع. واحتمال وجود التمانع ينشأ في العقل حتى عند عدم ملاحظته لوجود الكون أصلاً.
    لكن الإمام التفتازاني قال: ليس من منطوق الآية ولا من نصّها هذا الدليل، فهذا الدليل يُفهم منها بالإشارة، ولكن الإمام التفتازاني قال إن الآية تدل الناسَ على النظر في الكون، فالله سبحانه يقول إن هذا الكون الذي ترونه فيه غاية الإحكام وغاية التناسق، فهل يمكن أن يصدر هذا الإحكام التام وهذا التناسق التام من أكثر من واحد في حال اعتقادنا بأن كل واحد منهما حرٌّ في الإرادة ومختار اختياراً تامّاً.
    العقل البشري يحكم ويجزم بأنه يستحيل أن يحصل مثل هذا الاضطراد من أكثر من إله.
    هذا الدليل الذي أشار إليه الإمام التفتازاني سمّاه (الدليل الإقناعي). والدليل الإقناعي يفيد القطع هو دليل نتيجة النظر في الكون الموجود، ولكن دليل التمانع الذي أشار إليه العلماء ومنهم الإمام التفتازاني الذي هو الدليل الثاني يتم حتى دون ملاحظة وجود الكون، فهما مرتبتان: الدليل الأول دليل برهاني وهو دليل التمانع، والدليل الثاني دليل إقناعي لاعتمادنا فيه على العادة ونظرية الاحتمالات وليس على القطع العقلي، فنظرية الاحتمالات تقول: يستحيل عادة أن يحصل مثل هذا القدر من الاتفاق. وحكم العقل باستحالة وقوع مثل هذا القدر من الاتفاق حكم قطعي.
    الفيلسوف ابن رشد الحفيد لعدم فهمه الفرقَ بين هذين الدليلين شنّع على المتكلمين وقال: الآية لا تدل على مرادِكم، ومرادُكم لا يتوافق مع مراد الآية.
    وقد تحدّث عن دلالة دليل التمانع فقال: دليل التمانع يفيد استحالةَ وجود إله آخر، واستحالة وجود إله آخر هي مرتبة قبل النظر في العالم، ولكن الآية تقول: انظر في العالم لتعرف عدم وجود إله آخر.
    خلط بين الدليلين ولم ينتبه إلى أن العلماء استنبطوا دليلين من الآية لا دليلاً واحداً.
    ذكر هذا الكلام في كتاب (مناهج الأدلة)، ومعظم الباحثين المعاصرين يغترّون بمثل هذا الكلام.
    ابن رشد غريب عن الشريعة، ومع ذلك يريد أن يُظهر نفسَه بأنه يريد أن يُعَلِّمَ المتكلمين كيف يفهمون القرآن.
    فابن رشد قضى معظم حياته في فهم فلسفة أرسطو، وحين صرح بهذه الفلسفة عارَضَه الفقهاء وعارضه المتكلمون فحاول أن يُظهر نفسَه بأنه يفهم القرآن أكثر منهم.
    دار حول دليل التمانع وطريقةِ التفكير هذه نزاعاتٌ كثيرة جداً بين المتمسّكين بأصول الشرائع وهم المتكلمون وبين المنحرفين عن أصول الشريعة سواء أكانوا فلاسفة أم علمانيين أم جهلة، فهؤلاء يقولون: من أين جئتم بدليل التمانع ومن أين جئتم بهذه التقسيمات وبهذه الاحتمالات العقلية، هؤلاء جهلة مثلهم مثل المجسمة والذين ينتسبون إلى الحديث وهم لا يفهمون هذه الأحاديث.
    نقول لهؤلاء كما قلنا للسابقين: أنتم وظيفتكم أن تفهموا وتتعلموا من علماء أصول الدين وليست وظيفتكم أن تعلّموهم، لأن أي شخص إذا خرج عن مجال فهمه يَضلّ ويُضِلّ، فوظيفةُ المحدِّثِ الحكمُ على الحديث من حيث صحتُه، لا أن يضع أصولاً للدين وطريقةً لمناظرة الناس وتقريرِ العقائد.
    هناك أدلة أخرى أقامها العلماء على وحدانية الله تعالى، ولكن اختار العلماء تقرير هذا الدليل في الكتب المختصرة؛ لأنه واضح وسهل ولأن لوازمه ومدلولاته واضحة وقطعية ولكن توجد هناك أدلة أخرى اتفق العلماء على بعضها وتميّز كل عالم بدليل اختاره.
    كما قلنا في دليل الحدوث إن هناك أدلة أخرى على حدوث العالم، ولكن لسهولة هذا الدليل أدرجوه في كتب العقائد الأساسية، فكذلك دليل التمانع.

    وحاصل الدفع أن الإمكان محال، وإنْ لم يقع تمانع بالفعل: مجرد الإمكان محال، فنحن لا نقول إنه يجوز أن يتفقا من غير تمانع، دليلنا قائم وتام على مجرد إمكان التمانع لا على وقوعه.
    القاعدة الأساسية في دليل الوحدانية هي استحالة التخصيص سواء أكان هذا التخصيص من نفس الإله أي باختياره أو باضطراره، فمجرد التخصيص مستحيل، فإذا كان هذا هو الأساس الذي بُني عليه دليل التمانع يستنبط منه العلماء أنه ليس فقط يستحيل أن يوجد إله آخر خالق ورازق ومحيي ومميت بل يستحيل أن يوجد أيّ مخلوقٍ يفعل مثلَ فعلِ الله.
    لم يفعلوا سوى أكثر من تعميم نتيجة هذا الدليل من مستوى الآلهة بأن يمتنع وجودُ إله آخر إلى مستوى المخلوقين، فقالوا: أيضاً يلزم من هذا الدليل أنه يستحيل أن يوجد مخلوق يخلق.
    بالأولى إذا استحال وجود إله آخر يخلق أن يوجد مخلوق يخلق، فعمّموا لازمَ هذا الدليل من مستوى الآلهة إلى مستوى المخلوقات.
    نحن نفينا وجودَ إله آخر لاستحالة تعدد وجود أكثر من خالق، فتعدد أكثر من خالق مبنى دليلِ التمانع، إذا استحال وجودُ أكثر من خالق استحال وجودُ إله آخر، فكيف نجوّز بعد ذلك أن يوجد مخلوق يخلق.
    وإذا علمتَ أنه تعالى يجب له الوحدانية (فالتأثير) الاختراعُ والإيجادُ للأشياء من العدم (ليس) أي لا يصح لأحد (إلا للواحد القهار) وحده (جلّ وعلا): لا يوجد هناك شيء في المخلوقات يؤثر في غيره على سبيل الخلق. هم لم ينفوا إلا الخلق عن المخلوقات أي الإيجاد من عدم، ولم ينفوا ما سوى ذلك، دليلُ نفيِهِم هذا الأمرَ عن كلِّ ما سوى الله سبحانه وتعالى هو دليل التمانع.
    إذن دليل التمانع قوي جداً، يفيد في نفي إله آخر ويفيد في نفي الخلق عن المخلوقات.
    لذلك قال: (فالتأثير) الفاء هنا تعقيبية، كأنه يقول: نستنتج مما مضى أن هذا الدليلَ الذي من لوازمِه نفيُ إلهٍ آخر أن من لوازمه الأخرى نفيَ التأثير عن المخلوقات.
    ليس نفيَ المخلوقاتِ كما يقول ابن عربي في وحدة الوجود، بل نفي تأثير المخلوقات وأن تكون خالقة.
    فلا تأثيرَ لقدرتنا في شيء من أفعالِنا الاختيارية كالحركات والسكنات والقيام والقعود ونحو ذلك، بل جميعُ ذلك مخلوقٌ له سبحانه وتعالى بلا واسطة: أي خلقاً مباشراً ليس كما تقول المعتزلةُ إن اللهَ فوّض إلينا أن نخلق أفعالَنا، وبما أننا نحن الذين نخلق أفعالنا والله خلقنا فالله خالق.
    ولكن هذا باطل؛ لأنه يلزم منه أن اللهَ يكون قد خلقنا ولم يخلق أفعالنا، أما أهل السنة فيقولون هو خالقٌ لنا وخالقٌ لأفعالنا بلا توسّط منّا بينه وبين أفعالنا. ونحن لا نخلق أفعالَنا بل نكتسبها.كما أن قدرتَنا مخلوقةٌ له تعالى، "والله خلقكم وما تعملون"، أي وخلق عملَكم.
    فإن قلتَ: إذا لم يكن لنا قدرةٌ على إيجاد شيء، فكيف يُنسب لنا العمل؟ وكيف يصحّ تكليفُنا به ونخاطب به، قال تعالى: "وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه"، وذلك كثير في الكتاب والسنة.
    هنا الإشكال: إذا نحن نفينا الخلق عن أنفسنا فكيف يُنسب إلينا عملنا؟
    قلنا: النسبة إلينا ومخاطبتُنا بتحصيله من حيث إنه كسب أو اكتساب لا من حيث إنه إيجاد واختراع. لا ننكر أن يُنسب الفعلُ إلينا، ولكن هذه النسبة لا يشترط أن تكون على سبيل الخلق بل هي على سبيل الكسب أو الاكتساب.
    وتوضيح ذلك أن قدرته تعالى أبرزت الأشياءَ على طبق إرادته من العدم إلى الوجود، وهذا الإبراز هو المسمّى بالإيجاد والاختراع، وهو المراد بتعلّق القدرةِ القديمة، وأما قدرتُنا فقد تعلقت ببعض الأفعال، وهي الأفعال الاختيارية، أي التي لنا فيها الاختيارُ والميلُ والقصدُ من غير إيجاد واختراع. وهذا التعلّق على طبق إرادتنا هو المسمّى بالكسب والاكتساب، فتعلُّقُ قدرةِ اللهِ تعالى على وَفق إرادته تعلّقُ إيجاد. وتعلّقُ قدرتِنا على طبق إرادتِنا تعلّقُ كسب، أي تعلّقٌ هو كسب لا إيجاد. فأفعالُنا الاختيارية قد تعلّقت بها القدرتان: القدرة القديمة والقدرة الحادثة. وليس للقدرة الحادثة تأثير، وإنما لها مجرد مقارنة، فالله تعالى يخلق الفعلَ عندها لا بها، كالإحراق عند مماسّة النار للحطب، فمن حيث إنه خلق لنا ميلاً إلى الشيء وقصداً إليه، وخلق لنا قدرةً مصاحبة لخلقه تعالى ذلك، الذي قصدناه نسب إلينا ذلك الفعل وطُلِبنا به؛ إذ هو في ظاهر الحال يتراءى أنه فعل للعبد، وإذا نُظر إلى دليل التوحيد قطع الناظرُ بأن الفعل ليس مخلوقاً إلا لله تعالى، وإلا لزم الشريك له تعالى عن ذلك، فعُلمَ أن هذا التعلّقَ عبارةٌ عن مقارنة القدرة الحادثة من غير تأثير، وبحسبه تُضاف الأفعال للعبد كقوله تعالى: "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
    ويترتب الثواب والعقاب بمحض الفضل أو العدل، ويُسمّى العبد حينئذٍ مختاراً، وعند خلق الله تعالى الفعلَ في العبدِ بلا قدرة له مقارِنة يُسمى مجبوراً ومضطرّاً، وقد تفضّل الله سبحانه علينا في هذه الحالة بإسقاط التكليف، ولو شاء لكلّفنا عندها أيضاً، والفرقُ بين الحركة الاحتيارية والاضطرارية مما هو بدهي عند كلِّ عاقل، فبطل قول الجبرية بأنه لا قدرةَ للعبد تقارِن فعلاً له أصلاً، بل هو مجبورٌ ظاهراً وباطناً، كالخيط المعلّق في الهواء تميله الرياحُ بلا اختيار له في شيء، أصلاً
    :
    نحن نقول: يوجد لنا قدرة ولكن قدرة ليست خالقة بل هي مكتسِبة، أما الجبرية فيقولون: لا قدرة أصلاً للعبد، والعبد كالشجرة أو ورق الشجر تنقله الريح دون اختيار منه.
    وقول القدرية بتأثير القدرة الحادثةِ في الأفعال على طبق إرادة العبد: أيضاً خلاف قول القدرية الذين قالوا بتأثير القدرةِ الحادثة في الأفعال على طبق إرادة العبد، لأنهم قالوا إن الله سبحانه أودع فينا قدرةً ونحن نخلق أفعالَنا بهذه القدرة.
    والجبرية كفّارٌ قطعاً؛ لأن مذهبهم ينفي التكليف الذي جاء به الرسل عليهم السلام، وفي كفر القدرية خلاف، الأصح عدم كفرهم، لأنهم وإنْ لزمهم إثبات الشريك لله تعالى إلا أنهم لمّا أثبتوا لله تعالى خلق العبد وقدرته وإرادته صار فعلُ العبد في الحقيقة مخلوقاً له تعالى:
    حين يقول العلماء: (الأصح) يعني أن هناك خلافاً قوياً بين العلماء، لو قال: (الصحيح) يكون الحكم بكفرهم باطلاً، ولكن كلمة (الأصح) تعني أن الذي قال بتكفير القدرية له وجه.

  5. #20

    Lightbulb شرح منظومة الخريدة البهيةـ للأستاذ سعيد فودة/ الدرس الثامن

    ومَنْ يَقُلْ بالطبعِ أو بالعلّهْ
    فذاكَ كُفْرٌ عند أهلِ الملّهْ

    ومَنْ يَقُلْ بالقوّةِ المودعةِ
    فذاك بِدْعيٌّ فلا تلتفت
    ِ
    وعُلم أيضاً أنه لا تأثير للأمور العادية في الأمور التي اقترنت بها، فلا تأثيرَ للنارِ في الإحراق، ولا للطعام في الشبع ولا للماء في الريّ، ولا في إنبات الزرع ولا للكواكب في إنضاج الفواكه وغيرها، ولا للأفلاك في شيء من الأشياء، ولا للسكين في القطع، ولا لشيء في دفع حرّ أو بردٍ أو جلبهما، أو غير ذلك، لا بالطبع ولا بالعلة ولا بقوة أودعها الله فيها، بل التأثير في ذلك كله لله تعالى وحده، بمحض اختياره عند وجود هذه الأشياء:
    بنفس الطريقة التي نتحدث فيها عن قدرتنا من حيث إنها ليست خالقة بل هي مكتسِبة، فكذلك كل الأشياء التي في الكون فلا يوجد منها شيء خالق وإنما هو اكتساب أو تقارن.
    (ومن يقل) من أهل الضلال كالفلاسفة (بالطبع) أي بتأثير الطبع أي الطبيعة والحقيقة، بأن يقول إن الأشياءَ المذكورةَ تؤثر بطبعها، (أو) يقل (بالعلة) أي بتأثيرها، بأن يقول إن بعضَ الأشياءِ علةٌ أي سببٌ في وجود شيءٍ من غير أن يكون لله تعالى فيه اختيار.
    والفرق بين تأثير الطبع وتأثير العلة وإن اشتركا في عدم الاختيار أن التأثيرَ بالطبع يتوقف على وجودِ الشرط وانتفاء المانع، كالإحراق بالنسبة للنار، فإنه يتوقف على شرطِ مماسّةِ النار للشيء المحرِق، وانتفاءِ مانع البلل فيه مثلاً، وأما التأثير بالعلّة فلا يتوقف على ذلك، بل كلما وُجدت العلةُ وُجد المعلول، كحركة الخاتم بالنسبة لحركة الإصبع، ولذا كان يلزم اقتران العلة بمعلولها ولا يلزم اقتران الطبيعة بمطبوعها، أي لتخلّف الشرط أو انتفاء المانع.
    (فذاك) القائل (كفرٌ) أي كافر، أو ذو كفر، ويصح رجوع اسم الإشارة للقول المفهوم من (يقل)، فالحمل ظاهر على معنى: فقوله كفر، فيكون القائل به كافراً، لأنه أثبت الشريك والعجز لله تعالى عن ذلك.
    (عند) جميع (أهل الملّة) أي ملة الإسلام، والملةُ والدينُ والشريعةُ عبارة عن الأحكام الشرعية، فهي متحدةٌ بالذات لكنها مختلفةٌ بالاعتبار:
    مصداقها واحد، ومفهومها مختلف من حيث الاعتبار، لماذا؟
    لأن الأحكامَ الشرعية من حيث إنها تُملى لتنقل ملّةٌ. ومن حيث إنها يُتدين بها، أي يُتعبّد بها دينٌ. ومن حيث إنها شُرعت أي بيّنها الشارع شريعةٌ، أي مشروعة.
    واعلم أن الفلاسفةَ كما قالوا بتأثير الطبائع والعلل قالوا إن الواجب الوجود أثّر في العالم بالعلة، فهو تعالى علّة فيه:
    هذا هو الفرق الكبير بيننا وبين الفلاسفة، وكلّ ما مضى يترتب عليه، فقالوا إن الله سبحانه واجبَ الوجود أثّر في العالم بالعلة، فهو تعالى علةٌ فيه؛ فلذا قالوا إن العالَمَ قديمٌ؛ لأنه يلزم من قدم العلة قدم المعلول، فقد أثبتوا له تعالى عدم الاختيار وعدم القدرة. فنفَوا الإرادة كذلك الشيعة نفَوا إرادةَ الله سبحانه. لأنهم أرجعوا الإرادة إلى العلم.
    وكذلك عدم القدرة، لأن (القادر) هو الذي إنْ شاء فعل وإن شاء ترك، أما الذي لا يتوقف فعلُه على مشيئته فليس بقادر، كالنار لا يتوقف فعلُها على مشيئتها فلا يُطلق عليها أنها قادرة.
    أما القادر فهو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك فعلَه، أما الذي لا يستطيع تركَ فعلِه فليس بقادر، بل هو فاعلٌ إما بالطبيعة أو بالعلة.
    أهل السنة يقولون إنه لا يوجد فاعلٌ بالطبيعة ولا بالعلة وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد جميعَ هذه الأشياء على صورتها.
    ولا شكّ في كفرهم عند المسلمين.
    والحاصل أن الفاعلَ بحَسَب الفرضِ والتقدير ثلاثة: فاعلٌ بالطبع وفاعلٌ بالعلّة وفاعلٌ بالاختيار، وهو الذي إنْ شاء فعل وإنْ شاء ترك:
    هذا بحسب الفرض والتقدير لا بحسب الواقع والخارج، فالواقع أنه ليس هناك إلا فاعل واحد هو الفاعل المختار الخالق.
    وكلُّها قال بها الفلاسفة: الفلاسفة قالوا: الإنسان فاعلٌ مختار والله فاعلٌ بالعلّة. والثالث كالإنسان عندهم. وأما المسلمون فلم يقولوا إلا بالأخير، ثم هو مخصوص بالواحد القهّار سبحانه وتعالى.
    (ومن يقل) من أهل الزيغ إن هذه الأمور العادية تؤثر (بالقوة المودعة) أي بواسطة قوة أودعها الله تعالى فيها كما أن العبد يؤثر بقدرته الحادثة التي خلقها الله تعالى فيه، فالنار تؤثر بقوة خلقها الله تعالى فيها، وكذا الباقي (فذاك) القائل (بِدْعِيٌّ) نسبة للبدعة خلاف السنة؛ لأنه لم يتمسك بسنة السلف الصالح التي أخذوها عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وليس بكافر على الصحيح لما تقدم:

    (الذي تقدم): لأنه أرجع الجميع إلى الله تعالى، أي أرجع القوة المودعة إلى الله تعالى.
    وإذا كان بدعياً (فلا تلتفت) أي لقوله، بل يجب الإعراض عنه والتمسّك بقول أهل السنة من أنه لا تأثير لما سوى الله تعالى أصلاً لا بطبع ولا علة، ولا بواسطة قوة أودعت فيها، وإنما التأثير لله وحده بمحض اختياره.
    فإن قلتَ: إن بعض أهل السنة قال بالتأثير بواسطة القوة، ورجّحه الإمام الغزالي والإمام السبكي كما نقله السيوطي، فكيف يكون القائل به بدعياً وفي كفره قولان؟
    قلتُ: معنى القول بالتأثير بالقوة عند بعض أئمتنا أن الله تعالى هو المؤثر والفاعل بسبب تلك القوة التي خلقها تعالى في تلك الأشياء، فالتأثير عنده لله وحده وإنْ كان بواسطة تلك القوة، وأما القدرية فينسبون التأثير لتلك الأشياء بواسطة القوة ففرق بين الاعتقادين. ومع ذلك فالراجحُ الأولُ وهو أن التأثير له وحده عندها لا بها، وإنْ جرت العادة بأنه إنما يحصل التأثير عندها.
    ثم أشار ـ غفر الله له ـ إلى برهان الصفات السلبية إجمالاً بقوله:

    لو لمْ يكُنْ مُتَّصِفاً بها لَزِمْ
    حدوثُه، وهو محالٌ فاستقمْ

    (لو لم يكن) أي إنما وجب اتّصافه بالصفات السلبية؛ لأنه لو لم يكن (متصفاً بها) بأن كان غيرَ قديم أو باقٍ أو كان مماثلاً للحوادث أو غير قائم بنفسه أو غير واحد فيما مرّ (لزم حدوثُه) تعالى عن ذلك. أما القدم فظاهر:
    أما لزوم الحدوث عن نفي القدم فظاهر؛ لأنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً.
    وأما البقاء: وأما لزوم الحدوث عند انتفاء البقاء فلأنه لو لم يكن متصفاً به لم يكن قديماً؛ لأن مَن ثبت قدمُه استحال عدمُه، وإلا لكان جائزَ العدم، فيحتاج إلى مرجِّح، وكلّ محتاج إلى مرجّح حادثٌ.
    وأما القيام بالنفس؛ فلأنه لو قام بغيره لكان عَرَضاً، وقد تقدم بيان حدوث الأعراض. أو كان صفة قديمة قائمة بموصوفها، فيلزم أن لا يتصف بصفات المعاني لما مرّ وهو باطل.
    وأما المخالفة للحوادث فلأنه لو ماثل منها شيئاً لكان حادثاً مثلها. وأما الوحدانية فلأنه لو كان له نظير في ذاته أو صفاته للزم العجز لما مرّ، وكلُّ عاجز حادثٌ.
    (وهو) أي الحدوث عليه تعالى (محال) لا يقبل الثبوت عقلاً. وهذا إشارة إلى الاستثنائية، فهو في قوة قولنا: لكن حدوثه محال. (فاستقم) تكملة، ولا تخلو عن فائدة، وإنما كان حدوثه محالاً:

    لأنه يُفضي إلى التسلسلِ
    والدَّورِ، وهو المستحيلُ المنجلي

    (لأنه يفضي) أي يؤدي (إلى التسلسل) إنْ استمر العدد إلى ما لا نهاية له، وهو محال لما مرّ. (و) أي أو يفضي إلى (الدور) إن لم يستمر بأن رجع إلى الأول، فيكون الأول متأخراً والمتأخرُ أولاً. (و) الدَّور (هو المستحيل المنجلي)، أي الظاهر لظهور دليله. وقد مرّ، وإذا كان كلّ من التسلسل والدَّور محالاً فما أفضى إليهما وهو الحدوث يكون محالاً، وإذا كان الحدوث عليه تعالى محالاً ثبت اتصافُه تعالى بالصفات السلبية على ما تقدم بيانه. وقد تقدم برهانُ كلِّ صفة على حدتها تفصيلاً أيضاً عند ذكرها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.


    دليل التطبيق:
    هناك دليل أقامه العلماء على بطلان الدور، ودليل أقامه العلماء على بطلان التسلسل.
    الدليل على بطلان الدور أن الشيء يكون سابقاً لنفسه وهذا مستحيل؛ لأن في الدور يكون (أ) ناتجاً عن (ب)، و(ب) ناتج عن (أ)، فيكون (أ) سابقاً لنفسه ومسبوقاً في نفس الوقت وهذا تناقض. هذا يسمونه الدور من الدرجة الأولى.
    يمكن أن يكون من الدرجة الثانية بأن يكون مكوّناً من (أ)، (ب)، (ج)، . . . وهكذا.
    الدور بطلانه واضح.
    أما التسلسل فهو أن يقال: (أ) أوجده (ب)، (ب) أوجده (ج)، و(ج) أوجده (د)، وهكذا لا إلى بداية.
    يعني أن لا يوجد بداية لهذه الحلقات.
    هذه هي الصورة التي يطلق عليها اسم التسلسل، إذا تحققت هذه الصورة في أيّ برهان يحصل اسم التسلسل.
    الفلاسفة يقولون: الذي أوجد الصورةَ الحالية للعالم هي الصورةُ التي قبلها، والتي أوجدت هذه الصورة التي قبلها، وهكذا لا إلى بداية، فلا بداية للصور التي وُجدت.
    نحن نقول: هذه الهيئة من الهيئات التي تفترضونها هي تسلسل. الذي نقوله إن الله تعالى هو خالق الكلّ، فلا يوجد تسلسل في الصور ولا في الفاعِلين لا إلى بداية، بل هناك انقطاع، فهناك فاعل واحد هو الذي فعل كلَّ هذه المفعولات.
    نبطل نحن الآن أن يكون العالم موجوداً على هيئةٍ تتحقق فيها صورةُ التسلسل، نحن نقول لهم: هذا التسلسل الذي تبنون صورة العالم بناء عليه مستحيل، فكيف تقولون إن العالم وُجد بناء على هذه الصورة، هذا يعني أن العالم لو كان على هذه الصورة لاستحال وجودُه؛ لأن ما بُني عليه مستحيل.
    العالم موجود إذن يستحيل أن يكون مبنياً على صورة التسلسل. هذا الاستدلال نواجه الفلاسفةَ به، فيسألون: ما هو الدليل على بطلان التسلسل؟
    إذا أثبتنا لهم بطلانَ التسلسل بدليلٍ ما ينخرم مذهبهم.
    لذلك فقد حاول العلماء أن يبتكروا أدلةً على بطلان التسلسل، عندهم أدلة عدة، ولكن المشهور استخدامه هو دليل التطبيق، اشتُهر استعماله لسهولته ووضوحه.

    ما هي حقيقة هذا الدليل؟
    قال العلماء: سلّمنا ـ تنزلاً ـ لكم أيها الفلاسفة صورة التسلسل، بأن صورة العالم الحالية وُجدت من التي قبلها وهذه من التي قبلها، وهكذا، وإذا سلّمنا هذه الصورة ألا يمكن أن نفرض سلسلةً أخرى غيرها أم لا؟
    نعم، ممكن. هذه الصورة تنتهي الآن ولا بداية لها، لنأخذ سلسلة أخرى تكون نهايتها قبل سنة وليس اليوم . . .
    هذه السلسلة الثانية نفرض وجودها ويمكن أن توجد، والفلاسفة لا يخالفون في إمكانية وجودها.
    سلسلة (أ) تنتهي اليوم. سلسلة (ب) تنتهي قبل سنة.
    الآن سنحصر كلَّ سلسلة في أذهاننا، وكلٌّ من السلسلتين تتألف من جزئياتٍ . . حوادثٍ مترتبةٍ بعضها على بعض لا بداية لها.
    هذه السلسلة المفروضة تتألف من الأحداث والعلل والمعلولات، والفلاسفة يدّعون أن طرف السلسلة مقطوع والطرف الثاني ليس مقطوعاً، بل كلّما قدّرت حادثاّ فهناك قبله حادث.
    نقول: نحن نسلّم لكم بأن السلسلة (أ) تنتهي الآن، ولكن محل الخلاف هو في البداية، هم يقولون: لا يوجد حادث هو أول الحوادث.
    نقول: لنأخذ الحلقة الأخيرة من السلسلة (أ) والحلقة الأخيرة من السلسلة (ب)، ونطبق بينهما ونزيلهما من اعتبارنا.
    يقول العلماء: إذا انتهت كلّ من السلسلتين معاً بعد التطبيق فهما متساويتان ومقطوعتان، فهما ليستا لا بداية لهما، وإذا لم تنتهيا معاً فأيضاً متساويتان.
    ولكن الفرض يقول إنهما غير متساويتين؛ لأنهما متساويتان في اللابداية وتزيد إحداهما عن الأخرى في النهاية، فكيف نقول إنهما غير منتهييتين معاً بعد التطبيق، فإما أن تنقطع السلسلة الثانية وتبقى حلقاتٌ في الأولى، أو تنتهيان معاً، أو تنتهي (ب) وتبقى (أ) أو لا تنتهي أيٌّ منهما:
    1. إذا انتهيتا معاً فهما معاً لهما بداية، وإذا كانت كل واحدة منهما لها بداية فالفرض الذي يفرضونه باطل، وهو أنه ليس لهما بداية.
    2. إذا انتهت الثانية وبقيت الأولى، فنحن نجزم أن الأولى لها بداية لأن الثانية إذا انتهت فلها بداية ولكن الأولى تزيد عن الثانية بعدد محدود، وما زاد عن المحدود بمحدود يجب أن يكون محدوداً.
    3. أيضاً الصورة العكسية يلزم عنها ما لزم عن الاحتمال الثاني.
    4. بقي الاحتمال الرابع وهو أن لا تنتهي أيّ واحدة منهما، وهذا يعني أن (أ) تساوي (ب) ولكن نحن نجزم ونقطع بأن (أ) لا تساوي (ب) فكيف نتج أن (أ) تساوي (ب).
    إذن المقدمة المقطوع بها والمسلّم بها من الطرفين يلزم عليها فرض مستحيل وهو أن لا تنتهي أيّ من السلسلتين.
    إذا كانت النتيجة باطلة فالفرض أصلاً باطل، وهو افتراض أن السلسلة الأولى لا بداية لها.
    القول بأن السلسلة الأولى تزيد عن الثانية فرض باطل قول غير صحيح؛ لأن هذه الزيادة أمرٌ مشاهَد فكيف يكون باطلاً.
    ولكن الذي نشاهده وادّعيَ ادعاءً منهم هو جانب الأزل، وقد سلّمنا تنزلاً بذلك لكن من ناحية الحاضر نجد أن هناك سلسلة أطول من الثانية وهذا مسلّم به بالمشاهدة والفرض الرياضي الصحيح.
    من برهان التطبيق يلزم عندنا أنه يستحيل وجود سلسلة لا بداية لها، لأن كل الاحتمالات اللازمة عن هذا الفرض تكون باطلة، وما دامت كل الاحتمالات اللازمة عنه باطلة إذن فهذا الفرض باطل.
    إذن اللازم لا يمكن تحقق سلسلة لا بداية لها، فكل السلسلات من الخلق والمخلوقات لها بداية.
    وهذا الفرض هو المطابق للشريعة، فقد ورد في الشريعة بأن الله سبحانه وتعالى هو الأول، ومعنى كلمة (الأول) الذي لم يسبقه شيء ولم يساوقه شيء. إذن كل ما سواه له بداية.
    وهذا الكلام متطابق مع حديث الرسول ـ صلى لله عليه وسلم ـ: "كان الله ولم يكن شيء معه"، لأن هذا الحديث نصٌّ في إبطال التسلسل. وهنااك رواية أخرى: "كان الله ولم يكن شيء غيره"، ورواية أخرى: "كان الله قبل كل شيء".
    كل هذه النصوص من السنة ومن القرآن متطابقةٌ مع الاستدلال العقلي، ومع الأحاديث الأخرى التي تقول: أول المخلوقات القلمُ . . . فهناك شيء اسمه (أول المخلوقات) بغض النظر عن ماهيته.
    إذن أصبح هناك تطابقٌ بين الأدلة العقلية التي أوردها علماءُ الكلام وبين الأدلة النقلية التي وردت في الكتاب والسنة.
    وهناك تعارض واضح بين هذه المقررات من جهة وبين كلام الفلاسفة من جهة، ابن تيمية إذا جوّز التسلسل يلزمه نفيُ الخالق أو التناقضُ في مذهبه، ونجد عنده تناقضاً في مذهبه.
    لذلك لا يوجد هناك دليل عقلي على وجود الله عند ابن تيمية، فالأدلة التي يحتجّ بها هي دليل واحد يسميه دليل الفطرة، فيقول إن الفطرة هي الخِلقة التي خُلقنا عليها.
    نقول: الله سبحانه يقول: "واللهُ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً". لا سبيل لإثبات وجود الله بالدليل العقلي إلا بنفي التسلسل.
    ألّف ابنُ تيمية رسالةً خاصة في تأويل حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء معه".
    لأن هذا الحديث إذا ثبت فإنه يُبطل مذهبَه.
    الإمام ابن حجر قال له: إذا سلّمنا ـ تنزلاً ـ بطلانَ كلِّ الروايات من حديث عمران بن حصين، فما تفعل في الروايات الأخرى التي رويت عن غيره وتقول: "كان الله قبل كل شيء"، فهذا الحديث أصرح في الدلالة من كل الأحاديث الأخرى فلماذا لم يلتفت إليه ابنُ تيمية.
    لم يلتفت إليه لأنه مبتدع والمبتدع يريد أن يخترع شيئاً من عنده لا أن يطابق ما هو موجود في الكتاب والسنة.
    يقول الفلاسفة: الله سبحانه علة للموجودات، والموجودات تفيض عنه فيضاً، والله سبحانه هو واحد من كل جهة، أي لا يوجد هناك صفة لله، بل هو وجود مطلق لا يقيده قيد ولا يُشترط فيه شرط ولا ينتفي عنه شرط. هو مطلق حتى عن قيد الإطلاق.
    يقولون: هذا هو واجب الوجود، وواجب الوجود الواحد من كل جهة لا يوجد عنه إلا واحد. (نظرية الفيض).
    يقولون: يوجد عنه العقلُ الأول، يسمّونه الموجودَ الأول، هذا العقل الأول واحد من كل جهة، ولكن لأنه فاض عن واجب الوجود، فهناك ما يسمى بالاعتبار.
    هناك وجود حقيقي واعتبار نسبي لكونه فائضاً عن واجب الوجود، فصار هناك نوعٌ من التركّب.
    العقلُ الأول فاض عنه العقلُ الثاني وفاض عن العقلِ الثاني العقلُ الثالث، وهكذا إلى العقل العاشر.
    فصار عندهم نظريةُ العقول العشرة، ولكل عقل من العقول سوى العقل الأول نفس وفلك.
    صار عندهم عشرة عقول وتسع نفوس وتسعة أفلاك.
    العقل العاشر تحته الفلك التاسع، تحت هذا الفلك التاسع يوجد عالم الكون والفساد (الذي هو نحن . .) عالم المتغيرات.
    نظرية عبارة عن خيالات.
    ما فوق الفلك التاسع لا يوجد هناك تغيّر، كلها أمور ثابتة. ما دون الفلك التاسع يسمى عالم الكون والفساد لأن فيه تكويناً وإفساداً أي تغيرات.
    كيف تصير هذه التغيرات؟
    يقولون: تصير نتيجة الحركة الدورية، إذا كانت الحركة على الاستقامة فلا ينتج عنها تغيّر، فهم يقولون: لا يوجد حركة مستقيمة لا نهاية لها، بل كل حركة مستقيمة لها انقطاع ولكن إذا كانت حركة مستديرة فيمكن أن يكون لا نهاية لها، ولا أول لها.
    هم هربوا من التسلسل لأننا نفرضها على الاستقامة.
    قالوا: لو كانت الحركة على الاستقامة لانقطعت، ولكن الحركة التي نفرضها نحن ـ الفلاسفة ـ وهي علة للحوادث ليست على الاستقامة بل حركة دورية.
    نقول لهم: الدور أولى في البطلان من التسلسل.
    لجأوا إلى نظرية العاشق والمعشوق وهي العلاقة بين الفلك والنفس والعقل الأول (نظرية العشق)، والعاشق يحاول أن يتكيّف بصورة المعشوق، والمعشوق الذي هو العقل كروي الشكل؛ لأن الكرة أكمل الأشكال.
    كلام لا قيمة له. فكله كلام خيالي.
    إذن لجأوا للانفكاك عن التسلسل بالحركة الدورية، ولكن الحركة الدورية فيها إشكالات كبيرة جداً.
    يريد الفلاسفة من هذا كلِّه الهروبَ من القول بأن الله فاعلٌ بالإرادة، فالله عندهم فاعلٌ بالعلة، فالله لم يوجَد عنه إلا موجود واحد فقط هو العقل الأول.
    الفرق بين العقل الأول وبين الله عزّ وجلّ أن العقل الأول صار بينه وبين الله نسبة وهي نسبة الفيضان.
    قال لهم المتكلمون: هذه النسبة ليست وجودية، بل هي أمر اعتباري، فكيف جعلتم هذا الأمر الاعتباري مؤثراً في التغاير والمفارقة.
    كثير من متأخري الفلاسفة لا يقولون بمثل هذا الكلام، بل يحاولون أن يوجِدوا نظرياتٍ جديدةً أقوى من تلك نتيجة الإشكالات الكبيرة التي وجّهها المتكلمون لنظرية الفيض، فكثير من الفلاسفة المتأخرين صاروا يميلون إلى وحدة الوجود، أي ليس هناك خالق ومخلوق بل الخالق عين المخلوق.
    دليل التسلسل ينبني عليه أمور كثيرة جداً؛ لذلك فالمتكلمون دائماً ينصّون على التسلسل والدور وأن كلاهما باطل ومحال.
    يريدون أن يغرسوا غرساً في عقول الناس بطلانَ هذه المسألة؛ لأن مجرد تجويزها ينبني عليه إشكالات كبيرة جداً.

    ثمّ فرّع على ما ذكره من صفات السلوب بعضَ أسماء وتنزيهات فقال:
    فهو الجليلُ والجميلُ والوليْ
    والطاهرُ القدّوسُ والربُّ العليْ

    (فهو) سبحانه وتعالى (الجليل) العظيم الشأن الذي يخضع لجلاله كلُّ عظيم، ويُستحقر بالنسبة لعظمته كلُّ فخيم، والأظهر أن الجلالَ يرجع للصفات السلبية والكمالية معاً لا لإحداهما فقط. كما قيل بكلٍّ:
    الفاء في (فهو) تعقيبية، أي يلزم على ما مضى أن الله سبحانه جليل، وفسّّر الجليلَ بأنه عظيم الشأن ويُستحقر بالنسبة لعظمته كلُّ فخيم ويخضع لجلاله كلُّ عظيم.
    معنى أن (الجليل) يرجع للصفات السلبية والكمالية معاً، أي أن الواحد لا يكون جليلاً إلا إذا كان متصفاً بصفات الكمال وبصفات السلب، أي يجب اجتماع الصفات الكمالية والسلبية معاً.
    لو كان الواحد متصفاً بالقدرة وهناك غيرُه كثيرون متصفون بنفس القدرة فلا يكون متصفاً بالجلال لاشتراكه مع غيره.
    ولكن لو كان قادراً ولا قادر غيره، لو كان قادراً وهو الباقي . . يلزم على ذلك الجلال.
    إذن وصف الجلال يصح إطلاقُه على من اتّصف بالصفات الكمالية والصفات السلبية، هو لازم عنهما معاً.
    (كما قيل بكلٍّ): بعض العلماء قال: الجليل هو الذي يتصف بصفات المعاني فقط، وبعضهم قال الجليل هو الذي يتصف بالصفات السلبية، ولكن الأظهر هو أنه يرجع إليهما معاً.
    (والجميل) أي المتّصفُ بصفات الجمال والكمال من علم وحياة وقدرة وإرادة وغيرها، وإنما تتمّ بالتنزيه عن كلِّ عيب ونقص مما لا يليق بالجناب الأعزّ الأحمى:
    إذا كان الله سبحانه جميلاً فيجب أن يكون متصفاً بصفات الجمال والكمال من العلم والحياة والقدرة وغير ذلك، ولكن هل هذه يمكن أن يتصف الله سبحانه بها إذا كان غيرَ منزَّهٍ عن العيوب؟ هذا مستحيل.
    إذن شرط اتصافه بها هو كونه منزهاً عن كل عيب ونقص.
    ويندرج في ذلك اللطفُ والحِلْمُ والكرم وغير ذلك مما لا يُحصى؛ إذ هي ترجع للإرادة أو مع القدرة، ولجلاله ترى العارفين به تعالى من هيبته خاشعين، ولجماله تراهم من حبّه مولَهين: كل هذه الأسماء تكون مركبة من الأمرين معاً، فلا يكون الواحد لطيفاً إلا إذا كان قادراً عالماً ومع ذلك منزهاً عن النقائص.
    هذه المسألة التي هي إرجاع الكثير من الأسماء الحسنى إلى الصفات الأولى الأساسية التي هي الصفات السلبية والصفات المعاني . . هذه المسألة مهمة جداً جداً، فكثير من الناس يهملونها ولا يعرفون حقيقتها، يظنون أن العلماء لو اقتصروا على الصفات السبع أو الثلاثة عشر أنهم ينفون باقي الأسماء ولكن الحقيقة انهم لا ينفون، ولكنهم يقولون إن كل الأسماء الباقية ترجع إليها، فلا يمكن أن نقول إن الله سبحانه منتقم إلا إذا كان قادراً، وإذا لم يكن عالماً فمِمَّن سينتقم.
    منتقم أي قادر وعالم، وإذا لم يكن مريداً فكيف ينتقم. إذن منتقم أي قادر وعالم ومريد.
    إذا كان منتقماً ومثله كثير فسيحصل خلاف، إذن يجب أن يكون منزهاً عن المخالفة والمثل والشبيه..
    إذن المنتقم يكون مركباً من صفات أخرى، كذلك المصوِّر . . فكيف يكون مصوراً وهو غير عالِم وغير قادر وغير مريد؟!
    أرجَعُوا بقية الأسماء الحسنى إلى المعاني والسلبية، وجعلوها أركان الصفات فهي الصفات الكبرى الأساسية التي ترجع إليها باقي الصفات.
    (والولي) أي مالك الخلائق، ومتولي أمورهم. (والطاهر) أي المنزَّه عن كلِّ ما لا يليق به. (القدوس) من القُدُس، وهو الطُّهْر، أي العظيم التنزيه عن كلّ نقص، (والربّ) أي المالك ومربي الخلائق، (العلي) أي المرتفع القَدْر المُبَرّأ عن كلِّ عيب.

  6. #21

    ِشرح منظومة الخريدة البهيةـ للاستاذ سعيد فودة/ الدرس التاسع

    [ALIGN=JUSTIFY]مُنَزَّهٌ عن الحلولِ والجههْ
    والاتصالِ والانفصالِ والسَّفهْ


    (منزه) أي هو منزه ومطهر (عن الحلول) في الأمكنة أو حلول السريان كسريان الماء في العود الأخضر:
    الحلول ينقسم قسمين:
    1. حلولٌ في الأمكنة، وهو كون الشيء على الشيء، أي أن الشيء يشغل حيزاً كما تكون الكأس على الطاولة محتلّةً لحيز معين.
    2. أو حلول السريان وهو دخول شيء في شيء معين كما يدخل الماء في العود.
    تنزيه الله عن الحلول واضحٌ بيّن؛ لأنه لو كان سبحانه على مكان لكان محدوداً، والمحدودية من صفات الأجسام والمتحيزات.
    كل الأجسام هي ممكنة لأنها محتاجة ومفتقرة إلى من يُحدّدها في هذا الحجم والحيز، وهذا عليه أدلة سيأتي بعضها.
    الأدلة السابقة التي مضت فيها بيان أن الله سبحانه منزّه عن الحوادث أي مخالفٌ لها لا يماثله شيء.
    ونحن اعتمدنا في القول بأن العالم حادث على صفات العالم، بعض صفاته أنه متحرك وشرط الحركة الحيز، أي لو لم يكن العالم متحيزاً لم يكن متحركاً، أصل الحركة متضمِّن للتحيز، فأصل التحيز فيه موجِب للافتقار، أيضاً المتحيز محتاجٌ إلى شيء ليخصصه بحيزٍ دون حيز آخر، فهذا المخصِّص إما أن يكون ذاتَه أو يكون غيرَه، إذا كان غيرَه فيكون قطعاً محتاجاً، وإذا كان ذاتَه فيكون أيضاً محتاجاً للقاعدة التي سبق أن ذكرناها، وهي أن مطلق التخصيص إذا ورد على الذات سواء كان من الذات أو من غير الذات فهذا يستلزم الاحتياج.
    عادة الناس ينتبهون إلى أن التخصيص إذا جاء من غير الذات فهذا يستلزم الاحتياج، ولكن قد يسهون عن أن التخصيص إذا صدر من نفس الذات على نفسها فأن هذا يستلزم الاحتياج أيضاً. ولكن الحقيقة أن مطلق التخصيص ـ لا بقيد كونه صادراً من نفس الذات ـ إذا ورد على ذاتٍ معينة فهذا يستلزم أن الذات تكون محتاجة، فإذن التحيز أيضاً فيه صفة نقص.
    (و) عن (الجهة) لشيء، فلا يقال: إنه فوق الجِرْم ولا تحته ولا يمينه ولا شماله ولا خلفه ولا أمامه: والتحيزُ مستلزِمٌ للجهة، إذا كان له حيز فيجب أن يكون له جهة، إما جهة لذاته أو بالنسبة لغيره، أي شيء متحيز يتميز جانب منه عن جانب آخر، وهذا مستلزم للمحدودية، أو أن يكون متحيّزاً بالنسبة لغيره.
    الله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن أن يكون في جهة لشيء؛ لأن هذا يستلزم أن يكون متحيزاً، وكونه في حيز مستلزم للافتقار كما مضى.
    (و) منزه عن (الاتصال) في الذات أو بالغير وعن الانفصال، فلا يقال: إنه متصل بالعالم ولا منفصل عنه؛ لأن هذه الأمور من صفات الحوادث، والله ليس بحادث. وقد تقدم أن العالم وإنْ عظم في نفسه فهو في جانب باهر قدرته كأنه ليس بشيء، فكيف يكون العليّ الكبير الغني القدير حالاً أو متصلاً أو منفصلاً في شيء حقير فقير هو في نفسه عدم: الاتصال هو المماسّة، بحيث لا يكون هناك شيء فاصل بينهما، الانفصال هو كون الشيء بجانب الشيء، بحيث يكون بينهما شيء ثالث، فالله سبحانه لا يتّصف بالانفصال ولا بالاتصال؛ لأن كلاً من الاتصال والانفصال يستلزم المحدودية؛ لأنه لا يُتصور أن يكون الشيء متصلاً ولا منفصلاً إلا إذا كان محدوداً، لا يمكن أن يتعقل الإنسانُ اتصالاً ولا انفصالاً إلا بقيد المحدودية والتحيز، وقد سبق أن نفينا التحيز عن الله سبحانه وتعالى فيستلزم نفي الجهة ويستلزم نفي الاتصال والانفصال؛ لأنها أيضاً من لوازم الحيز، والله سبحانه وتعالى ليس متحيزاً، أي ليس له حجم معين، هذا لا يعني أنه منتشر في الكون ولا مماسّ؛ لأننا نفينا الحلولَ في الأمكنة سواء حلول سريان أي أن يكون منتشراً في الكون أو حلول مكان.
    إذن كون الله ليس متحيزاً لا يستلزم أن يكون منتشراً في الكون كما يتخيل بعضُ المجسمة والحشوية.
    القاضي أبو يعلى تصوّر أن الله منتشر في كل الجهات ما عدا الجهة التي تقابل العالم التي هي جهة التحت بالنسبة لله.
    ابن تيمية قال يستحيل أن يكون الله منتشراً لا نهاية له في كل الجهات الخمس، بل يجب أن يكون له حدود من جميع الجهات الست: جهة العرش التي هي جهة التحت والجهات الخمس، فابن تيمية يقول إن الله ـ تعالى عن ذلك ـ متحيز من جميع الجهات.
    هذا غباء وجهل منهم وهذا هو مذهب التجسيم سواء أكان مذهب ابن تيمية أو القاضي أبي يعلى.
    أهل السنة يقولون إن الله سبحانه ليس متحيزاً مطلقاً، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون منتشراً في الكون ولا متصلاً به، بل ينفون الاتصال والانفصال كما ينفون الحلول في المكان وحلول السريان.
    بعد أن نفينا كل هذه الأشياء قد يقول قائل: فكيف هو الله؟
    هذه هي أصل المسألة: يجب أن يؤمن الإنسان بالله بلا كيف، لا يجوز أن يتصور الإنسانُ ربَّه بصورة معينة؛ لأن كل هذه الصور يكتسبها الإنسان من الصور الأخرى التي حوله.
    من أين عرفنا الحركة؟ من أين عرفنا التحيّز؟ من أين عرفنا مفهومَ المكان؟ من أين عرفنا الاتصال والانفصال؟
    كل هذه الأوصاف عرفناها من المخلوقات، فكيف يمكن لنا أن ننسب بعضَ هذه الأوصاف لله سبحانه ونحن نقول: ليس كمثله شيء وهو سبحانه مخالفٌ للحوادث؟ كيف نقول ذلك وكل من هذه الأوصاف تستلزم نقصاً؟
    إذن أهل السنة نفَوا هذه الأمور بناء على أصول؛ لأن الله في كتابه العزيز يقول: "ليس كمثله شيء"، والكاف هنا تفيد عمومَ النفي سواء النفي فيما يقع به التماثل أو في أيّ جهة من الجهات، وفي أيّ وصف من الأوصاف حتى الأوصاف اللازمة عن الذاتيات، ليس كمثل الله شيء ومع ذلك فهو السميع البصير.
    وهذه العقيدة لا تستلزم أن يكون الله سارياً ومنتشراً في الكون كما يعتقد بعضُ الجهلة من الصوفية أو بعض العوام الذين يعتقدون أن الله سبحانه معنا بذاته، وهذا كله اعتقاد باطل سواء أكانوا يقولون بحلول الله سبحانه في شخص من الأشخاص أو في الكون كله أو أن يكون الله سبحانه عينَ الكون أو نفس الكون ـ على حسب ما يقول به القائلون بوحدة الوجود ـ أو كانوا يقولون إن الله سبحانه معنا بذاته، هذه الأقوال كلُّها أقوال باطلة ليس منها قول يوافق أقوال أهل السنة.
    فإذن أهل السنة ينزّهون الله سبحانه عن كل هذه الأمور، ومع ذلك لا يقال: إن الله سارٍ في الكون أو حالّ في الكون كما ينسب السلفية هذا إلى الأشاعرة. والصحيح أن الأشاعرة لا يقولون بذلك بل هم يكفّرون من يقول به، ولكن هؤلاء جملة أغبياء وجهلة.
    إذن يجب على الإنسان أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى بلا كيف، وهذا هو مفهوم الغيب، أي مفهوم أن الإنسان يجب أن يؤمن بالله حال كونه غيباً، وإلا لو اشترط الإنسان لإيمانه بالله أن يكون حاضراً عنده سواء في خياله أو في العالم لكان هذا إيماناً ليس بالغيب.
    فالإيمان بالغيب ينافي الحضورَ في الذهن وينافي الحضور في الواقع فالسمة الأساسية للمؤمنين: الذين يؤمنون بالغيب . . يؤمنون بالله حال كونه غيباً عنهم . .
    وحال كونه غيباً عنهم لا يتطابق مع كونه حاضراً في أذهانهم بصورة معينة؛ لأن هذا نوع من الحضور.
    هنا أصل المسألة: هناك تكليف، الله سبحانه كلّفنا بأن نؤمن به وهو غائب عنا، هذا فيه صعوبة على الإنسان بأن يؤمن بشيء أو بموجود لا يراه ولا يتخيله. ومن هنا صار داعياً للتكليف.
    بمجرد أن يؤمن الإنسان فقد حقق أعظمَ جزء من الدين، فحتى لو عصى الإنسان فآخر مصيره إلى الجنة؛ لأنه حقق أصلَ الدين كلِّه، وهو الإيمان بالغيب.
    فالإيمان بالغيب ليس أمراً هيناً، بمجرد أن يؤمن الإنسان بهذه المفاهيم تكون نفسُه قد خضعت لله سبحانه، بعد ذلك تلقائياً يصبح عنده مراقبة للأعمال وحذر من الله سبحانه، وتصير الأوامر والنواهي أسهلَ عليه مما لو لم يكن مؤمناً بالغيب.
    بعد هذا كله استخلص العلماء قاعدة، وهي: كل ما خطر ببالك فهو هالك والله بخلاف ذلك.
    لأن كل ما خطر ببالك فهو من جملة المخلوقات والله مخالف لجميع المخلوقات.
    قوله: (منزه عن الاتصال في الذات أو بالغير) أي ذاته ليست مركبة من أجزاء، كذلك ليس متصلاً بغيره، ولا يقال إنه منفصل عن العالم ولا متصل به؛ لأن كلاً من الاتصال والانفصال من صفات الحوادث والله ليس بحادث.
    فحقيقة الله مختلفةٌ عن حقيقة العالم، لو كانت حقيقته من جنس حقيقة العالم لجاز أن يكون متصلاً أو منفصلاً أو في جهة منه.
    نحن من جنس حقيقة العالم لذلك فنحن في جزء من أجزاء العالم.
    قال العارف ابن عطاء الله بن الحكم: ابن عطاء الله أحدُ الصوفية في القرن السابع أو الثامن الهجري، كان معاصراً لابن تيمية، له عدة كتب: ابن عطاء الله السكندري، له كتاب اسمه الحكم العطائية: عدد من الحكم تتحدث عن كيفية السلوك وبعضِ الأحكام التي بناها على التصوف وعلى العقائد.
    أيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدمْ
    أم كيف يثبت الحادثُ مع مَن له وصف القدمْ

    أ. هـ.هذا فيه تعظيم لوجود الله وتحقير لوجود العالم.
    فالله سبحانه قد دلّت على وجوب وجوده آياتُه، وشهدت بوحدانيّته مصنوعاتُه، واشتبه الأمرُ على أقوام وقوفاً مع الأمور العادية وتمسّكاً بظواهر نصوص شرعية، فقال: قوم بالجهة، وقال آخرون بالجسمية، ويلزم منهما الحلول والاتصال أو الانفصال، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.قوله: (وقوفاً مع الأمور العادية): أي استصحبوا ما اعتادوا أن يشاهدوه، ووقفت عقولُهم مع الأمور العادية التي اعتادوا أن يشاهدوها وهي المخلوقات.
    قوله: (وتمسكاً بظواهر نصوص شرعية): نحن نعلم أن المقصود بالظاهر هو ما يتبادر إلى ذهن الإنسان عند قراءة النص، وهذا الذي يتبادر لا يشترط فيه أن يكون مأخوذاً من النص، بل هذا التبادر يلاحَظ فيه أولاً أنه جزء من النصّ، ولكن ليس على أساس أنه علة ومعلولية. وجزء آخر وهو ما يكون مركوناً في نفس القارئ.
    عند قراءة آية معينة قد يتبادر إلى ذهنٍ معنى وإلى ذهن آخر معنى آخر.
    هل يعقل أن الآية أعطت معنيين متخالفين؟ بالطبع لا، ولكن نحن نفهم الآيات بناء على خلفيتنا الثقافية وبناء على أفكارنا المركوزة في نفوسنا، فيظهر لنا ما هو أقرب إلى نفوسنا، وفي الحقيقة فالآية تعطي مفهوماً واحداً.
    مثلاً قوله تعالى: "وجاء ربك": الذي لا يفهم من المجيء إلا الذهاب على سبيل الحركة يتبادر إلى ذهنه أن الله سيأتي مشياً.
    ولكن الذي لا يتبادر إلى ذهنه هذا، ويفهم أن المجيء هو مجيء أحكام لا مجيئه نفسه، فهذا يفهم الآية بشكل آخر.
    فبحسب المحتمَلات الموجودة في نفس الإنسان قد يتبادر إلى الذهن معنى دون معنى عند قراءة النص، فيصبح النص مجردَ مناسبةٍ عند القارئ لاستحضار المعنى، وليس النص علةً لاستحضار المعنى.
    فإذا كان مجردَ مناسبة فيكون هذا الإنسان متمسّكاً بمجرد الأمور العادية لاستحضار هذه المعاني التي أخذها ليس من هذا النص، فهذا النص لاستحضار المعنى فقط.
    ولكن إذا كان النصُّ هو علةَ حضور هذا المعنى، فيكون هذا الإنسان قد فهم هذا المعنى من النص، لذلك فالعلماء الراسخون في العلم هم الذين يجوز لهم أن يفهموا المعاني من النصوص الشرعية وليس أيّ إنسان.
    لذلك قال العلماء: لا يمكن أن يحضر في الذهن معنى من معاني التجسيم والتشبيه إذا كان مستحضِراً لكليات الشريعة وأن الله ليس كمثله شيء . . .
    فإذا استحضر الإنسان هذه المعلومات ثم قرأ: "يد الله فوق أيديهم". لا يحضر في ذهنه أن هناك يداً لله سبحانه ووضعها فوق أيديهم، فحقيقة الأمر أن المبايعة باليد كانت مجرد إشارة، فبعض الناس لم يكونوا يضعون أيديهم في يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل كانوا يشيرون له عن بُعد، فهل الله يشير إلى الرسول عن بعد.
    هم أرادوا بمدّ أيديهم إلى الرسول ـ سواء أصافحوه أم لا ـ القولَ بأنهم معه ويساعدونه، فمدُّ اليد والمبايعة يراد بها توصيل معنى معين، فأراد الله تعالى من قوله: "يد الله فوق أيديهم" أن يدلهم على المعنى الذي يريدون إيصالَه إلى بعضهم.
    فهذا عبارة عن كناية تستخدم أسلوباً تصويرياً، أي صورة معينة تستخدم لاستحضار معنى معين.
    قوله: (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً): عبارة الإمام الدردير شديدةُ الاختصار كبيرة المعنى، فقد أورد خطأهم وعلتَه وردّ عليهم بعبارة موجزة.

    وأجابَ أئمتنا سلفُهُم بأن الله تعالى منزّه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثاراً للطريق الأسلم وما يعلم تأويله إلا الله: (سلفُهم) بدل من (أئمتنا)، أي: أجاب الأئمة المتقدمون منهم على هؤلاء القائلين بالجهة والجسمية . .
    (بأن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثاراً للطريق الأسلم): اتبع الأئمة طريقتين للجواب على هؤلاء، المتقدمون من أئمتنا أي أكثرُ المتقدمين وليس جميعهم ـ أجابوا بأن قالوا: نحن نقطع ونجزم بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وأنتم تدّعون أن هذه الصفات التي هي الجسمية وغيرها مأخوذة من النصوص القرآنية وتنسبونها إلى الله تعالى، بينما نحن قرأنا هذه النصوص ولم نفهم منه ما فهمتم.
    إذن الطريقة الأسلم هي أن لا تنسبوا هذه المعاني إلى النص القرآني، وتقفوا مع ما نقطع به نحن من أن الله ليس كمثله شيء.
    قال لهم المخالفون: فماذا نفعل بهذه النصوص، كقوله تعالى: "يد الله فوق أيديهم"، "يخافون ربهم من فوقهم"؟ وهي النصوص التي اعتمدوا عليها في قولهم بالتجسيم.
    قال أئمة أهل السنة المتقدمون: مع تفويض معاني هذه النصوص إليه، إيثاراً للحل الأسلم، نقول: نفوض معاني هذه النصوص التي حصل فيها الخلاف إلى الله سبحانه، ونقول بما هو مقطوع به بأن الله ليس كمثله شيء.
    هذه هي طريقة التفويض، وهذه الطريقة فيها نوع من التأويل الإجمالي، وجه التأويل هو المنع من أن تكون هذه النصوص دالّةً على معاني التجسيم والجهة والتحيز ولكن لم نعين لها معنىً معيناً.
    وخلَفُهُم بتعيين محامل صحيحة إبطالاً لمذهب الضالين وإرشاداً للقاصرين، فحملوا اليدَ على القدرة والوجهَ على الذات، والاستواءَ على الاستيلاء، وهكذا نظراً إلى الطريق الأحكم: اختار السلفُ كثيراً منهم الطريقة السابقة، واختار الخلف الطريقة التالية: تعيين محاملَ صحيحة.
    لما راى الخلف أن المنحرفين عن طريقة أهل السنة يبالغون في الخلاف ويصرّون على آرائهم، قالوا: نحن نعارضكم بمثل طريقتكم، فإذا أنتم حددتم معاني باطلة لله تعالى، فنحن نحدد معاني صحيحة لهذه النصوص ولائقة بالله تعالى ولا نكتفي بالتفويض؛ إبطالاً لمذهب الضالين المعاندين وإرشاداً للقاصرين الجهلة الذين لا يفهمون ما يقولون.
    فقال الخلف: قوله تعالى: "ولتصنع على عيني" أي بعنايتي، وهذا أسلوب سائغ في اللغة العربية، استخدام العين وإرادة العناية.
    قوله: "يخافون ربهم من فوقهم" فيه إشارة إلى عظمة الله وليس إلى محله.
    "يد الله فوق أيديهم" كناية عن المعونة.
    فعيّنوا محاملَ صحيحةً لكل آية ونصّ دفعاً لآراء المخالفين.
    فهؤلاء المتأخرون من علمائنا اختاروا الطريقة الأسلم وحاولوا عدم الاضطرار بالحكم عليهم بالضلال، وذلك حين أدركوا عدم نفع الطريقة الأولى مع المخالفين.
    قوله: (وهكذا نظراً إلى الطريق الأحكم): سُمّي هذا الطريق بـ(الأحكم) لأنه تُحْكَم به السيطرة على المخالفين، فلا يُتركون وشأنهم في ادعاء أيّ شيء يريدون، وليس المقصودُ بالطريق الأحكم أن السلف أجهل من الخلف كما فهم بعض الناس.
    السلف والخلف من علمائنا متفقون في العلم، ولكن اختلفوا في كيفية مخاطبة الآخرين: هل نخاطبهم تفصيلاً أم إجمالاً، المتقدمون اختاروا الإجمال والمتأخرون اختاروا التفصيل.
    والقول بأن المتأخرين اختاروا الطريقة التفصيلية لا يستلزم بان جميع المتأخرين اختاروا ذلك.
    وذهاباً إلى أن الوقف في الآية على: "والراسخون في العلم": أشار بهذا إلى الآية: "وما يعلم تأويله إلا الله"، فقال إن الوقف على "والراسخون في العلم" هذا هو مذهب الخلف، بينما رأى السلف الوقفَ على لفظ الجلالة.
    ومن ثم قيل: إن طريق السلف أسلم وطريق الخلف أعلم: أي تحتاج إلى علم أكثر لدفع شبه المخالفين، فالذي يتبع طريقة التاويل لا يجوز أن يكون جاهلاً باللغة والنحو والأصول وغير ذلك، ولكن الذي يتبع طريقة التفويض يكفيه العلمُ الإجمالي.
    والحاصل أنه لا بدّ من تأويل، أي حمل اللفظ على غير ظاهره:
    (ظاهره) يعني: المعنى الظاهر لنا عند قراءته، وليس المعنى المستفاد منه. فليس كل معنى ظاهر لنا عند قراءة اللفظ يكون هو المعنى المستفاد من اللفظ، بل لا بد من أخذ اللفظ مع القرائن الحالية واللفظية لنتأكد بعد ذلك من أن المعنى الذي حضر في أذهاننا هو نفسه المأخوذ من الآية.
    إلا أن الخلف عيّنوا المحامل، فتأويلهم تفصيلي وتأويل السلف إجمالي: التاويل المنسوب إلى السلف هو نفي ما قاله المخالفون من أن المراد كذا وكذا.
    هذا تأويل إجمالي: نفوا المحامل التي قال بها المخالفون ولكنهم لم يعينوا محامل تفصيلية للنصوص.
    فقول العلامة اللقاني:
    وكلُّ نصٍّ أوْهَمَ التشبيها
    أوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيهاً

    (أوّله) أي تفصيلاً، وقوله: (أو فوّض) أي بأن تؤوله إجمالاً على معنى أنك لا تعيّن له محملاً بدليل قوله بعده: (ورُمْ تنزيهاً) و (أو) في كلامه رحمه الله للتخيير:
    هذا إشارة إلى أن طريقتي التأويل والتفويض جائزة عند أهل السنة.

    يجب أن يكون الهدف من التأويل أو التفويض تنزيهَ الله سبحانه.
    قال العلماء شرّاح الجوهرة: تقديم الإمام اللقاني لقوله (أوّله) إشارة إلى أولوية التأويل، ولو شاء أن يقدم قوله (فوّض) لما اختلّ البيت.
    (و) منزّه أيضاً عن (السّفه) وهو وضع الشيء في غير محله؛ إذ هو المدبّر الحكيم الخبير العليم، ولذا قال بعض أهل العرفان لما شاهد من عجيب الإتقان: ليس في الإمكان أبدع مما كان: الإمام أبو حامد الغزالي ذكر هذه الكلمة في كتاب التوكل من (إحياء علوم الدين)، ومعنى عبارته أن هذا العالم الذي نشاهده ليس في الإمكان أبدع منه.
    فاختلف العلماء في المراد من هذه الكلمة وأنكروا عليه. بناء على أنهم فهموا أن المقصود ليس بإمكان الله أن يخلق أفضل من هذا العالم. ليس هذا هو مقصود الإمام الغزالي ولكن قصد أن يقول: إن هذا العالم بهذا الشكل الذي هو عليه بديع جداً، وهو بهذه الصورة التي هو عليها لم يكن ممكن أن يوجد بخلاف ذلك لأن الله سبحانه أراد ذلك.
    هذه الصورة بحسب إمكانياتها والعالم بحسب إمكانياته أكمل صورة له هي هذه الصورة.
    إمكان المخلوقات وليس إمكان الله تعالى.
    هذا يشبه قولنا: إنسان عنده ذكاء 70% واستنفد كل طاقته لفهم شيء معين ثم عجز، هذه هي طاقته وليس عنده أفضل من هذا، ولكن هذا لا يعني أن الله لا يمكنه أن يخلق فيه ذكاء أكثر من هذا.
    وكلام الغزالي من باب قوله تعالى: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم".
    الحقيقة أن الإمام الغزالي كان في كتابه الإحياء قد سايَرَ كتاب (قوت القلوب) لأبي طالب المكي و(قوت القلوب) يتكلم عن هذا المعنى بالتحديد ويريد به المعنى الذي ذكرناه سابقاً. فالإمام الغزالي عبّر عن هذا المعنى بطريقته هو.
    كيف يكون مراد الإمام الغزالي أن الله سبحانه لا يمكن أن يخلق أبدع من هذا العالم وهو يسلّم أن بقدرة الله أن يخلق اليوم الآخر الآن. ويوم القيامة قطعاً أحسن من هذا العالم.
    بل هو يعتقد حسب ما في كتبه أن النار والجنة موجودتان الآن، والنار والجنة قطعاً أبدع من العالم الموجود الآن.
    هذه المسألة نتج عنها نقاش طويل بين العلماء وألِّف عليها أكثر من 15 رسالة وأشار إلى بعض ذلك الصاوي في الحاشية.
    ولمّا فرغ من الكلام على الصفات السلبية شرع في بيان صفات المعاني:
    ثمّ المعاني سبعةٌ للرائي
    أي علمُهُ المحيطُ بالأشياءِ


    وقدمها لأنها من باب التخلية، والمعاني من باب التحلية، وشأن التخلية أن تُقدّم على التحلية، فقال: (ثم المعاني)، أي ثم بعد أن عرفت ما تقدم من النفسية والسلبية فيجب عليك معرفة الصفات المسماة بالمعاني؛ لأن كل واحدة منها معنى قائم بذاته تعالى: كلمة (لأن) تعليل للتسمية بالمعاني: سميت بالمعاني لأن . . .
    ومرادُهم بصفات المعاني الصفاتُ الوجودية، أي التي لها وجود في نفسها قديمة كانت أو حادثة، كعلمه وقدرته تعالى، وكعلمنا وقدرتنا والبياض والسواد.
    والحاصل أن الصفات إنْ كانت وجودية سُمّيت صفات معانٍ، وإنْ لم تكن وجودية فإنْ كان مدلولُها عدمَ أمرٍ لا يليق سُمّيت سلبية، وإنْ لم يكن مدلولُها عدماً فإنْ كانت واجبة للذات ما دامت الذات مُعلّلة بعلّة سُمّيت صفة نفسية وحالاً نفسية كالوجود وكالتحيّز للجرم وقبوله للأعراض. وإنْ كانت معلّلة بعلّة بأن كانت واجبة للذات ما دامت علّيتها سُمّيت معنوية كالعالِمية والقادِرية، أي كون الذات المتصفة بالعلم عالِمة وكون المتصفة بالقدرة قادرة نسبة إلى المعاني.
    وهي (سبعة للرائي) أي الناظر المتأمّل ، ثم فسّرها بقوله: (أي علمُه) وما عُطف عليه، (المحيط بالأشياء) كلِّها واجبِها وجائزها ومستحيلها. فليس مرادُه بالأشياء الموجودات فقط كما هو المتعارف عندهم، وهو صفة أزلية تنكشف بها الموجودات والمعدومات على ما هي عليه انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه :
    عرّف العلم بأنه صفة، إشارة إلى أنه لا يُدرك كنهُها ولا حقيقتُها. الذي نعرفه من هذه الصفة عبارة عن أحكام.
    قوله: (أزلية): يستحيل أن يكون علم الله حادثاً، بل هو أزلي، وهذا عبارة عن حكم منسوب لهذه الصفة، أما حقيقتها فلا ندركها بعقولنا ولا أفهامنا. نحن لا نستطيع أن ندرك حقيقةَ الصفات ولا حقيقة الذات.
    وعلم الله تعالى لا يقال عنه حادثاً؛ لأنه لو كان حادثاً لكان الله ـ تعالى عن ذلك ـ جاهلاً قبل حدوث العلم، فعلمه إذن قديم أزلي.
    قوله: (تنكشف به الموجودات والمعدومات . . ): اللازم عن هذه الصفة هو انكشاف الموجودات والمعدومات على ما هي عليه، أي على حقائقها بحسب خصائصها وماهيّاتها، أي بحسب ما هي عليه في نفس الأمر، سواء كان نفسُ الأمر الصورةَ الخارجية أم لا.
    الله سبحانه يعلم هذه الأشياء سواء أكانت معدومة أم موجودة فيعلم المعدوم على أنه معدوم والموجود على أنه موجود، وعلى أيّ شكل من الأشكال وعلى أيّ صفة من الصفات، وهذا كله تعلّقات علمية أزلية ليست حادثة.
    (انكشافاً لا يحتمل النقيض بوجه): هذا العلم ليس قابلاً للتردد ولا للشك ولا للتغير ولا للتوهم، بل هو انكشاف تام ولا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه.[/ALIGN]

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Aug 2006
    المشاركات
    1,723
    رفع للفائدة

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •