صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 22

الموضوع: شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة + نسخة ووورد للتحميل

  1. #1

    Thumbs up شرح منظومة الخريدة البهية

    [ALIGN=JUSTIFY]الاخوة الكرام، هذه دروس للعلامة المحقق الأستاذ سعيد فودة في شرح الإمام الكبير أبي البركات سيدي أحمد الدردير لمنظومته في العقائد المسماة بـ الخريدة البهية . نفعنا الله بعلومهما.
    وقد كتبت عبارة الإمام الدردير باللون الأزرق، وأدرجت أبيات المنظومة خلال الشرح. راجياً من المولى جلّ وعزّ أن يجعل هذا في ميزان حسناتنا جميعاً. وجزى الله الشيخ سعيد عنا خير الجزاء.

    [ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN] الحمد لله الذي نوّر قلوبنا بمعرفة عقائد التوحيد: ينبه الشيخ الدردير بهذه العبارة على أثر المعرفة بعقائد التوحيد على القلوب.
    وحرر عقولنا من ربقة شوائب التقليد: إشارة إلى أن عقيدة التوحيد لا تجتمع مع التقليد، وإنما لا بد من الاعتقاد مع العلم والفهم، ولا يصح الاعتقاد من غير فهم الناتج عن التقليد.
    والصلاة والسلام على سيدنا المؤيد بالمعجزات الباهرة وعلى آله وأصحابه أولي المناقب الفاخرة. (وبعد)، فهذا شرح لطيف على مقدمتي المسماة بالخريدة البهية التي نظمتها في العقائد التوحيدية يوضح معانيها ويشيد مبانيها، اجتنبتُ فيه الاختصارَ المخل وأعرضت فيه عن التطويل الممل، واقتصرت فيه على تحرير البراهين مع الفوائد التي يزداد بها اليقين: واقتصر فيه على تجلية الأدلة على عقائد التوحيد مع زيادة بعض الفوائد.
    واللهَ أسأل أن ينفع به كل من تلقاه بقلب سليم وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، إنه المولى الرؤوف الرحيم، فأقول ـ وما توفيقي إلا بالله لعلي العظيم ـ :
    بسم الله الرحمن الرحيم، أي أؤلف، وإنما قدرنا المتعلَّقَ فعلاً؛ لأن الأصل في العمل للأفعال: لم يقدر العامل اسماً، فلم يقل: بسم الله تأليفي، لأن الأصل أن الأفعال هي التي تعمل.
    ومتأخراً؛ لأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص: أي قدّر الفعل متأخراً، وقدم عليه المعمول وهو الجار والمجرور؛ لما يفيده تقديم الجار والمجرور من معنى الاختصاص، أي: أخص اسم الله بالتأليف.
    وخاصاً؛ لأن كل شارع في شيء ينبغي له أن يُقدّر ما جُعلت البسملة مبدأ له، ولإفادة حصول البركة لجميع أجزاء الفعل: أي ذكر الفعل خاصاً ولم يجعله عاماً، كأن يقول: بسم الله أبدأ؛ لأن الذي يبدأ في شيء عليه أن يحدد الأمر الذي يعلق عليه البسملة، وجعل الفعل خاصاً يفيد أيضاً أن تحصل البركة في جميع أجزائه ولا تتعلق بالبداية فقط على تقدير فعل عام كـ(أبدأ).
    والباء للاستعانة أو للمصاحبة على وجه التبرك: الباء للاستعانة، أي أؤلف مستعيناً باسم الله، أو للمصاحبة، أي: أؤلف مصطحباً اسمَ الله، وهذه المصاحبة مجازية وليست حقيقية، والمقصود منها التبرك.
    والاسم لغةً ما دلّ على مسمى: معنى (اسم) في اللغة هو كل ما دلّ على مسمى. وعند النحاة ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان وضعاً: هذا معنى اصطلاحي. أما عند النحاة فقد اصطلحوا على أن يطلقوا كلمة (اسم) على ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بزمان، وقولهم: (في نفسه) لإخراج (الحرف)؛ إذ إن الحرف هو ما دلّ على معنى في غيره؛ لأنه لا يعطي معنى إلا إذا تعلق بغيره.
    وقولهم: (غير مقترن بزمان) لإخراج الفعل؛ لأن الفعل ما دلّ على معنى في نفسه واقترن بزمان. (وضعاً): ما تواضع عليه أهل اللغة بأن يجعلوا كل اسم موضوعاً ليدل على معنى معين.
    وهو مشتق عند البصري من السمو وهو العلو: مشتق عند المذهب البصري من السمو. لأنه يعلو به مسماه من الخفاء أي يظهر: سبب اشتقاقه من (السمو)؛ أن مسماه يعلو بسببه من الخفاء، ولو أن هذا الشيء لم يكن له اسم لبقي خفياً.
    فأصله (سِمْوٌ) بكسر فسكون، فخفف بحذف لامه: أي بحذف الواو. وعوض عنها همزة الوصل: وليست همزة قطع؛ وذلك حتى تحذف مع الكلام إنْ وُصل، ووضعت في البداية ولم توضع مكان الواو لأنها زائدة، ولو جعلت في النهاية لم تكن زائدة. بعد تسكين فائه: أي السين.
    وعند الكوفي من السمة وهي العلامة؛ لأنه علامة على مسماه: مشتق عند المذهب الكوفي من السمة وليس من السمو.
    وأصله وسم، فخفف بحذف فائه: وهي حرف الواو. ثم عوض عنها همزة الوصل.
    والمراد به هنا المسمى، أي مستعيناً بمسمى الله: أي المقصود من (اسم) المسمى، أي مستعيناً بذات الله. والإضافة للبيان: أضاف (اسم) إلى لفظ الجلالة (الله)؛ لبيان باسم مَن يستعين.
    والله علم على الذات الواجب الوجود الخالق للعالم.
    والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رَحِم بالكسر: الصفة المشبهة تُنقل من فعل لازم، وجاءت الصفتان هنا على أمثلة المبالغة: فعلان وفعيل. ـ إما بتنزيله منزلة اللازم بأن يقصد إثباته للفاعل فقط من غير اعتبار تعلقه بمفعول: أي بأن يعامل الفعل (رَحِم) معاملة اللازم فيُهمل مفعوله.
    وإما بجعله لازماً بأن ينقل إلى (فَعُل) بالضم: أي وإما أن يكون متعدياً من (رحِم) ولكن يعامل معاملة اللازم، أو يكون لازماً أصلاً من (رحُم).
    وإنما احتيج لذلك؛ لأن الصفة المشبهة إنما تصاغ من اللازم: أي احتيج إلى أن نعامل (رحِم) معاملة اللازم أو إلى أن تُبنى صيغة المبالغة من (رحُم) الذي هو أصلاً لازم، لأن الصفة المشبهة تنقل من فعل لازم.
    والرحمة رقة القلب أي رأفته: ورقة القلب أمر نفساني. وهي تستلزم التفضل والإحسان فهو غايتها وهي مبدؤه، فيراد منها هنا الغاية لاستحالتها عليه تعالى: أصل معنى رقة القلب يلزم عنه التفضل والإحسان. للكلمة دلالتان: دلالة تطابقية حقيقية، ودلالة تلازم، أي:مجاز. وفهم المعنى المجازي بملاحظة قرائنه الحقيقية وضع جديد.
    والتفضل والإحسان فعل خارجي ناتج عن رقة القلب، فرقة القلب سبب لهما، والضمير في قوله: (منها) يعود على الرحمة، ويقصد بقوله: (هنا) البسملة. واستحالة نسب رقة القلب لله تعالى؛ لأنها انفعال، والانفعالات تأثر أو حصول كيفية في النفس غير ثابتة، وهذه الكيفية إما أن يكون حصل بها الكمال أو النقص، فإن كان النقص فهذا يستحيل على الله تعالى، وإن كان الكمال فهذا يستلزم أن يكون قد سبق الكمالَ نقصٌ، فإذا قيل: حصل الكمال في هذه اللحظة، يجاب عليه: إذن توقف كماله على غيره فهو محتاج للمخلوق الذي أعطاه الكمال.
    ولاستحالة المعنى الحقيقي على الله تعالى يصبح المراد من الرحمة: الثابت له الفضل والإحسان كثيراً .
    وكذا كل اسم من أسمائه تعالى يوهم ظاهرُه خلافَ المراد وذلك لأن ظاهره يحمل المعنى اللغوي، ومثال على هذا اسم (المنتقم)، فظاهره الذي يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذا الاسم حقيقة عرفية، أي شيوع العرف، ولا عرف بيننا وبين الله تعالى، فإذن لا بد من اللجوء إلى أن يراد منه غايته، فلا يذهب الذهن إلى أن المنتقم بمعنى الحاقد كما هو المتبادر من هذا الاسم، بل لا بد من أن تُقصد الغاية وهي إنزال العقاب، وكذلك (الرحمن، الرحيم)، هنا يراد غاية المعنى المتبادر (رقة القلب)، فيكون المقصود التفضل والإحسان.
    ثم إن أريد مريد ذلك: الإشارة تعود إلى (الغاية)، أي: إن أريد مريد الغاية، كمريد الإنعام فصفة ذات وهي المعنى القائم بالذات، وإن أريد الفاعل كالمنعم فصفة فعل أي إن أريد فاعل الإنعام وهو الذي يُنعم فصفة فعل وهي اسم صفة مشتق من فعل صدر عن الذات.
    وقدم الرحمن؛ لأنه خاص به تعالى؛ إذ لا يطلق على غيره تعالى ولأنه أبلغ؛ إذ معناه المنعم بجلائل النعم كمّاً وكيفاً، بخلاف الرحيم فإن معناه المنعم بدقائقها كذلك. وجلائل النعم أصولها كالوجود والإيمان والعافية والرزق والعقل والسمع والبصر وغير ذلك.
    ودقائقها فروعها كالجمال وكثرة زيادة الإيمان ووفور العافية وسعة الرزق ودقة العقل وحدّة السمع والبصر وغير ذلك.
    والمعنى أنه تعالى من حيث إنه منعم بجلائل النعم يسمى الرحمن ومن حيث إنه منعم بدقائقها يسمى الرحيم.

    قوله: (وزيادة الإيمان) هذا خاص بالمؤمنين، لذلك اقترن اسم الرحيم بالمؤمنين في القرآن.[/ALIGN][poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    يقول راجي رحمة القدير= أي أحمد المشهور بالدردير
    [/poet]
    [ALIGN=JUSTIFY](يقول) هو من باب نَصَرَ فأصله يَقْوُل بسكون فائه وضمّ عينه فخفف بنقل حركة العين إلى الفاء: أي من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ. (راجي رحمةَ) بإضافة الوصف إلى معموله: أي بإضافة الوصف الذي هو اسم الفاعل (راجي) إلى مفعوله (رحمة). أي المؤمل المنتظر إنعام (القدير) دائم القدرة، فهو صفة مشبهة. أو الكثير القدرة بمعنى الاقتدار فيكون صيغة مبالغة: قال الشيخ الصاوي في حاشيته: "الكثرة باعتبار الاقتدار وهو عموم تعلق القدرة بسائر الممكنات، وقوله: صيغة مبالغة باعتبار التعلقات".
    (أي أحمد) بن محمد بن أحمد أي حرف تفسير وبيان لـ(راجي) فما بعد، أي عطف بيان وقيل عطف نسق بناء على أنها من حروف العطف وهو قول ضعيف: (أي) تفسيرية تبين (راجي) وما أضيفت إليه، وعطف البيان هو تابع موضح أو مخصص.
    وعطف النسق هو تابع متوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف، وهو العطف بالواو والفاء وأخواتهما.
    ولما كان هذا القول ضعيفاً صرح بقوله: وهو قول ضعيف وصدّره بصيغة التمريض (قيل).
    (المشهور) أي الذي اشتهر (بلقب) جده (الدردير) بفتح الدال الأولى وكسر الثانية، بينهما راء ساكنة وكذا اشتهر أولاد الجد كلهم بهذا اللقب.[/ALIGN]


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    27
    بارك الله فيكم أخي ا لكريم على جهدكم الطيب
    لو تكرمتم أن تضعوا الدروس في ملف وورد لتسهيل طباعتها وقراءتها وأرجو أن يكون ذلك مع كل دروس الشيخ كما أتمنى أن تكون هذه الدروس سجلت على أشرطة لتكون الملفات المسموعة بجانب المكتوبة وجزاكم الله خير ا

  3. #3
    أخي الكريم saadmohammed،
    السلام عليكم،
    سأقوم بوضع كل مجموعة من الدروس في ملف وورد وليس كل درس على حدة ، أما باالنسبة للأشرطة فأعتذر لعدم وضوح التسجيل.
    وبارك الله فيكم.

  4. #4

    Thumbs up شرح منظومة الخريدة البهية (الدرس الثاني)

    [poet font="Simplified Arabic,4,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="none,4,gray" type=2 line=200% align=center use=sp length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    الحمدُ لله العليِّ الواحدِ = العالِمِ الفردِ الغنيِّ الماجدِ
    [/poet]

    (الحمد لله) هو وما بعده إلى آخر الكتاب مقول القول في محل نصب، وأل فيه جنسية أو استغراقية، ولام لله للاستحقاق: (جنسية) أي جنس الحمد، ولا يتبادر إلى الذهن أفرادُ المحامد، (استغراقية) أي كل ما يمكن أن يُحمد به فهو لله، وهذه تفيد العموم بالنص.
    فائدة: دلالة الاستغراقية على العموم أقوى من الجنسية. أل الاستغراق تفيد معنى (كل).
    والحمد لغة هو الثناء بالجميل على جميل اختياري على جهة التعظيم: (الثناء) قول باللسان. قوله (بالجميل) أي بالوصف الجميل، (على جميل) أي فعل جميل ليس وجوبي. الثناء مستحَق على الجميل الاختياري، أما الواجب فلا يُستَحق عليه الحمد.
    سواء تعلَّقَ بالفضائل أم بالفواضل: الفضائل وهي الأمور العظيمة والفواضل هي التكميلية.
    وفي عرف أهل الشرع أي اصطلاحاً فعلٌ و ليس ثناءً باللسان فقط ينبئ على تعظيم المنعِم بسبب كونه منعِماً ولو على غير الحامِدِ وسواء كان الفعلُ قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو خدمةً بالأركان: وهذا التعريف الاصطلاحي أعمُّ من التعريف اللغوي.
    فبينهما العموم والخصوص الوجهي: أي عام من وجه وخاص من وجه؛ لأن مورد اللغوي: أي لأن منشأ المعنى اللغوي خاص وهو اللسان ومتعلَّقه عام: متعلقه هو جميل اختياري شامل كلَّ شيء، ومورد العرفي عام ومتعلَّقه خاص وهو الإنعام: الإنعام على الحامد أو غير الحامد، فالشرعي أعم من جهة المورد.
    وأما الشكرُ لغةً فهو الحمد عرفاً، أي هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم بسبب كونه منعماً ولو على غير الحامد وسواء أكان الفعل قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو خدمة بالأركان.
    وأما الشكر عرفاً فهو صرف العبدِ جميعَ ما أنعم اللهُ به عليه من عقلٍ وسمعٍ وغيرِهما إلى ما خُلق لأجله: وما خلق لأجله هو الحلال والواجب، وعدم صرفِها في الحرام.
    وهو أخص مطلقاً من الحمدِ والشكرِ اللغويِّ؛ لاختصاصه بالله تعالى: ولا يكون إلى غير الله تعالى، وبكونه في مقابلة النعم التي على الشاكر فقط: ولا يكون لا في مقابل نعمة أو في مقابل نعمة على غير الشاكر.
    (العلي) من العلو وهو الرفعة فأصله عَليُو اجتمعت الياء والواو وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء.
    وعُلّوه تعالى معنوي عبارة عن تنزيهه تعالى عن كل نقص. فيتضمن اتصافَه تعالى بجميع صفات السلوب
    : أي نفي النقص، وعكسُها صفاتُ المعاني وهي الصفات الوجودية التي تثبتُ معنى معيَّناً في حق الله تعالى، أما صفاتُ السلوب فهي تنفي النقصَ ولا تُثْبتُ صفة.
    ولك أن تقول علوُّه تعالى عبارة عن تنزيهِهِ عن كل نقص واتصافِه بكلِّ كمالٍ، فيشمل صفاتِ المعاني أيضاً، (الواحد) أي المنزَّّه عن الشريكِ في الذاتِ والصفاتِ والأفعالِِ، (العالِم) بما يكون وما لا يكون وبما هو كائنٌ أي موجود، (الفرد) أي الواحد ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، (الغني) عن كل شيء، فلا يفتقر إلى محل ولا مخصِّص ولا مُعين ولا وزير ولا غير ذلك، فالغنى المطلق يتضمن اتصافَه تعالى بجميع الصفات السلبية والكمالية:
    (الماجد) قيل: معناه الكريمُ الواسعُ العطاءِ، وقيل: الشريفُ العظيمُ.
    ولا يخفى ما في هذا البيت من براعةِ الاستهلال
    : وهو أن تكون البدايةُ مناسبةً للمضمون، وقد كانت البدايةُ موجزاً في علم التوحيد الذي تتحدث عنه المنظومة.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وأفضلُ الصلاةِ والتسليمِ= على النبيِّ المصطفى الكريمِ
    [/poet]
    (وأفضل) أي أتم، (الصلاة) وهي لغةً الدعاءُ بخير، فإذا أضيفت إليه تعالى كان معناها زيادةَ الإنعام المقرونِ بالتعظيم والتبجيل: الصحيح أن الأصلَ اللغويَّ للصلاة: العطفُ والقرب، ثم يُشتق من هذا معانٍ أخرى بحسب ما أضيفت إليه، فصلاة الله هي الرحمة على عباده والإنعام، وصلاة الملائكة استغفارُهم، وصلاة المؤمنين دعاؤهم.
    (والتسليم) أي التحية، (على النبي) المعهود عند الإطلاق وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أل في (النبي) للعهد الذهني.
    والنبي إنسانٌ ذكرٌ حرٌّ أوحي إليه بشرع أي أحكام سواء أُمر بتبليغها أي إيصالها للمكلفين أم لا، فإنْ أُمر بذلك فرسول أيضاً، فالنبي أعم من الرسول: التبليغ ليس جزءاً من ماهية النبوة، ولا يُفهم من هذا عدم جواز التبليغ. والنبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوحي إليه ستة أشهر قبل أن يؤمر بالتبليغ وبهذه المدة كان نبياً ولما أُمر بالتبليغ في قوله تعالى: (قم فأنذر) أصبح رسولاً، وقد كان يُوحى إليه خلال فترة النبوة حقائقُ كونية وأصولُ التوحيد. وقد بلَّغ الرسولُ ـ بعد الرسالة ـ ما أُمر بتبليغه ولم يبلّغ كلَّ ما أوحي إليه.
    وأصله نبيء بالهمز كما يدل عليه رواية قراءته بالهمز في التشهد فقلبت الهمزة ياء من النبأ وهو الخبر، بمعنى المفعول: فعيل بمعنى المفعول أي منبَّأ موحى إليه. كما يدل عليه التعريف المتقدم: يقصد قوله في التعريف: أُوحي إليه بصيغة المبني للمفعول. أي أن الله تعالى قد أخبره بأحكام.
    ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل أي أنه مخبِر عن الله تعالى، ويحتمل أن أصله نَبْيُو من النبوَة أي الرفعة، قلبت الواو ياء لما مر وأُدغمت فيها الياء بمعنى مرفوع الرتبة أي مرتفعها فهو بمعنى المفعول أو الفاعل أيضاً.
    (المصطفى) اسم مفعول من الاصطفاء وهو الاختيار، فمعناه المختار.
    (الكريم) من الكرم وهو صفة تقتضي الإعطاء لا في نظير شيء
    (لا في مقابل). أو هو نفس الإعطاء المذكور: لا في نظير. أي (إما صفة . . ) أو هو الإعطاء نفسه.
    وقد يراد بالكريم الطيب وهو الأنسب هنا، أي فهو طيب الأصل وطيب الخَلْق وطيب الخُلُق عليه الصلاة والسلام.
    التعديل الأخير تم بواسطة Jalal ; 04-02-2004 الساعة 23:03

  5. #5

    شرح منظومة الخريدة البهية (الدرس الثالث)

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وآلهِ وصحبِه الأطهارِ= لا سيما رفيقُه في الغارِ
    [/poet]
    (و) أفضل الصلاة والتسليم على (آله) المراد بهم في مقام الدعاء ـ كما هنا ـ أتباعُه مطلقاً، وقيل: الأتقياء منهم، وأما في مقام الزكاة فقال الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ : هم بنو هاشم فقط، وقال الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ: بنو هاشم والمطلب. وأصله عند سبيويه: أهل قلبت هاؤه همزة ثم الهمزة ألفاً لسكونها وانفتاح ما قبلها كما في آدم. وعند الكسائي أَوَل كـ(جَمَل)، من آل يؤل إذا رَجَع، فقُلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا يُضاف إلا لمن له شرف من الذكور العقلاء، فلا يقال آل الإسكافي ولا آل فاطمة ولا آل الحسن.
    (و) على (صحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى صحابي، وهو من اجتمع به صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على إيمانه. وقيل: جمعٌ له، ورُدَّ بأن فاعلاً لا يُجمع على فَعْل، فلا يقال في عالم عَلْم، وهكذا.
    (الأطهار) إما جمع طاهر على غير قياس؛ لأن فاعلاً لا يُجمع على أفعال أيضاً، فلا يقال: عالِم وأعلام وكامِل وأكمال، وإما أن يكون جمعاً لطهر بمعنى طاهر من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل كعَدْل بمعنى عادِل، ومعناه المطهرين من دنس المعاصي والمخالفات، وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام؛ لمزيد شرفهم على غيرهم.
    (لا سيما رفيقُه في الغار) لا من لا سيما نافية للجنس، وسِيّ كـ(مِثْل) وزناً ومعنى اسمها. وخبرها محذوف وجوباً أي: ثابت. وأصله سوي فقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء سبق إحداهما بالسكون وأُدغمت في الياء ويجوز في الاسمِ الواقعِ بعد ما الجرُّ والرفعُ مطلقاً والنصبُ إن كان نكرة. وقد روي بالأوجه الثلاثة قوله: ولا سيما يومَ بدارة جلجل. والجرُّ أرجحُها، وهو على إضافة سيّ إليه وما زائدة بينهما مثلها في أيما الأجلين وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
    (فهو) أي الاسم الواقع بعد (ما) وما موصولة أو نكرة موصوفة بالجملة بعدها، والتقدير ولا مثل الذي هو رفيقه ولا مثل شيء هو رفيقه. وسيّ مضاف وما مضاف إليه، فعلى كلٍّ من وجهي الجر والرفع تكون فتحةُ سيّ فتحةَ إعراب؛ لأن اسم لا النافيه للجنس إذا كان مضافاً يكون منصوباً وأما نصب النكرة بعدها فعلى التمييز: ذكر وجهي الجر والرفع وأعرب الجملة على أساسهما، ثم جاء هنا للوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي تجوز للاسم الذي بعد (ما)، وعلى هذا الوجه تكون الفتحة التي في (سيّ) فتحة بناء كما سيأتي. و(ما) كافة عن الإضافة: تمنع (سيّ) من أن تضاف إلى ما بعد (ما). والفتحةُ فتحة بناء مثلها في لا رجلَ وليست فتحةَ إعراب كما في الوجهين الأولين، فليست الفتحة فتحةَ نصب، وذلك لأن (ما) كفّت (سيّ) عن الإضافة التي تجعل (سيّ) منصوبة؛ إذ إن اسم (لا) النافية للجنس إذا كان مضافاً يكون منصوباً. والمعنى والصلاة والسلام على الصحب لا مثل الرفيق، فإن الصلاةَ عليه أتمُّ منها عليهم، يعني اطلب ذلك من الله تعالى، والمراد برفيقه في الغار أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ، خصّه بالذكر بعد دخوله في عموم الأصحاب تنويهاً بعظم شأنه؛ إذ هو شيخ الصحابة وأفضلهم على الإطلاق، وفي ذكر مرافقته في الغار إشارةٌ إلى ذلك أيضاً.
    والغار ثقب في أعلى جبل ثور على مسيرة نحو ساعة من مكة دخله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو وأبو بكر حين خرجا مهاجرَين من مكة إلى المدينة، فذهب المشركون في طلبهما واقتفَوا أثرهما حتى جاءوا إلى الغار فانقطع الأثرُ، فجعلوا يفتشون حتى قال بعضهم: انظروا الغار، فقالوا: ليس في الغار أحد، ولو نظروا أدنى نظرة لرأوهما فاشتد الكرب على أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ خوفاً على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال: إنهم لو نظروا تحت أقدامهم لرأونا. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا تحزن إن الله معنا، فأعمى الله تعالى أبصارَهم عنهما كما أعمى بصائرهم.
    قيل: لما دخلا الغار بعث الله حمامتين: ذكر هذا القول بصيغة التضعيف، فباضتا على فم الغار، والعنكبوت فنسجت عليه حتى قال بعضهم: ما بالكم بالغار إن العنكبوت قد خيمت عليه والحمام قد باض على فمه. يعني أنه لا يمكن دخولهما إلى الغار والحالة هذه، ولا يمكن نسج ولا بيض بعد دخوله، وإلى ذلك أشار صاحب البردة بقوله:
    [poet font="Simplified Arabic,4,blue,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وما حوى الغارُ من خيرٍ ومن كرمِ= وكلُّ طَرْفٍ من الكفار عنه عمي
    فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرُما =وهم يقولون: ما بالغارِ من ارمِ
    ظنوا الحمامَ وظنوا العنكبوتَ على = خيرِ البريةِ لم تنسجْ ولم تحُم
    [/poet]
    قوله: فالصدق، أي صاحب الصدق وهو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقوله: لم يرما، أي: لم يبرحا ولم ينفكا عنه. ومعنى ارم: أحد.


    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وهذه عقيدةٌ سنيّه = سمّيتها الخريدةَ البهية
    [/poet]
    (وهذه عقيدة) عطف على جملة الحمد لله. واسم الإشارة عائد على العبارات المتعلقة ذهناً، نزّلها منزلة الحاضر المحسوس بالبصر، فأطلق عليها لفظ الإشارة الموضوع لكل حاضر محسوس، واختار اللفظ الموضوع للقريب للتنبيه على أنها قريبةُ التناول سهلةُ الحصول، ولذا أفرد الخبرَ مع أنها في نفسها عقائد كثيرة، (سنية) نسبة إلى السنا بالقصر، وهو النور يعني أنها واضحة الدلالة على معانيها، (سميتها الخريدة البهية) الجملة صفة عقيدة. والخريدة في الأصل اللؤلؤة التي لم تثقب. والبهية نعت الخريدة. والبها الضياء، واستعار لها هذا الاسم ليطابق الاسمُ المسمى.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    لطيفةٌ صغيرةٌ في الحجمِ= لكنها كبيرةٌ في العلمِ
    [/poet]
    ثم ذكر من نعوتها أيضاً ما يقتضي الرغبة في تناولها فقال: هي (لطيفة) من اللطف وهو ضد الكثافة، من لَطُفَ ككَرُمَ: دقّ أو رقّ، فاللطيفُ الصغيرُ الحجمِ أو الرقيق القوام أو الشفاف الذي لا يحجبه ما وراءه كالزجاج، فإذا أطلق بهذا المعنى على الله تعالى، فمعناه العالِم بخفيات الأمور لما مرّ من أن اللفظ إذا أوهم خلافَ المرادِ في حقه تعالى يُراد منه لازمُه .
    وأما لَطَفَ كنَصَرَ، فمعناه أحْسَنَ وأنعَمَ، ومعناه في حقه تعالى ظاهر، أي المحسن المنعِم على عباده، وبهذا علمتَ وجهَ من فسر اللطيفَ بالعالِم بخفيات الأمور. ووجهَ من فسره بالبَرّ المحسن لعباده، والمراد هنا أنها قليلة الألفاظ أو سلسة الألفاظ أو واضحتها، والكلُّ صحيح، وعلى الأول فقوله: (صغيرة في الحجم) أي القدر وصف كاشف، أبياتها أحد وسبعون بيتاً، ولما كان هذا الوصف يوهم أنها قليلة العلم استدرك عليه بأن رفع هذا التوهم بقوله: (لكنها كبيرة) أي عظيمة (في العلم) أي المعاني المدلولة لها. وذلك لأنها اشتملت على بيان ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز، وعلى مثل ذلك في حق رسله عليهم الصلاة والسلام، وعلى البراهين القطعية التي يخرج بها المكلفُ من ربقة التقليد إلى نور التحقيق حتى لا يكون في إيمانه خلاف. وسيأتي بيان الخلاف في إيمان المقلد إن شاء الله تعالى، وعلى الردّ على أهل الضلال تصريحاً تارة وتلويحاً أخرى، وعلى السمعيات وعلى شيء من التصوف الذي هو حياة النفوس كما سترى ذلك كله إن شاء الله تعالى مفصّلاً، ولذا قال مستأنفاً ـ في جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله تقديره: هل تكفي هذه العقيدةُ المكلفَ في دينه كما يدل عليه هذا الوصف الذي قدمته أو هذا من باب المبالغة ؟ ـ :

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    تكفيكَ علماً إنْ تُرِدْ أن تكتفي = لأنها بزبدةِ الفنِّ تفي
    [/poet]
    (تكفيك علماً) تمييز محوّل عن الفاعل، أي يكفيك العلمُ المستفاد منها في دينك (إنْ ترد أن تكتفي) أي بها عن غيرها من المطولات؛ وذلك (لأنها بزبدة) أي بخلاصة ومحصِّل (الفنّ) المؤلفة هي فيه وهو فن عقائد الإيمان ويسمى علم التوحيد وعلم أصول الدين وعلم العقائد وهو علم يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية المكتسبة من أدلتها اليقينية. وموضوعه ذات الإله تعالى وقيل: الممكنات.
    (ذات): ليس الكلام في حقيقة ذات الله، ولكن في الأحكام التي تنسب إلى الله، لا يمكن الحديث عن حقيقة ذات الله ولا عن حقيقة صفاته ولكن عن لوازمها.
    وجه القول بأن الممكنات هي موضوعات علم الكلام هو أنها دالّّة على أن لها محدِثاً موجوداً، وهذا المحدِث لا بد أن يكون له أحكام وصفات كالوجود والقِدم والقدرة . . . إلخ
    س: لماذا لم نقل إن المستحيل من موضوعات علم الكلام؟
    ج: الصحيح أن موضوع علم الكلام هو المعلومات التي تؤدي إلى إثبات العقائد الدينية، وهذا يشمل الممكنات والمستحيل والواجب.
    كل علم له مقدمات وغاية ودافع وموضوع، والموضوع عبارة عن مسائل يتعلق بعضها ببعض، والمستحيل مسألة من المسائل التي لها تعلق بالموضوع.
    قسّم العلماءُ العلومَ إلى مراتب، بعضها يتقدم على بعض، فلا بد لمن يريد تحصيل علم معين أن يحصّل قبله بعض العلوم التي تتقدمه. فمثلاً علم التفسير ليس علماً حقيقياً ولكنه علم اعتباري؛ لأنه عبارة عن علوم متعددة مجتمعة، ولا بد للمفسر من أن يكون عالماً بهذه العلوم حتى يستطيع التعامل مع النص القرآني بطريقة صحيحة.. أما علم الكلام فيُعدّ الأصلَ والأساس لكل العلوم الأخرى.
    الإمام عبد القاهر الجرجاني والرماني وعلماء اللغة والبلاغة والعلماء الذين جاءوا بنظريات مبتكرة في مختلف العلوم أصلهم متكلمون، وكذلك البخاري فهو ليس محدثاً كباقي المحدثين ولكنه مبتكر لأمر جديد، ولذلك فإن بقاء اسمه حتى الآن وكثرة أتباعه لا لأنه محمد بن إسماعيل أي لا لشخصه وإنما لفكره المتميز الذي توارثه عنه الناس إلى اليوم.
    وقيل غير ذلك. وغايته معرفةُ الله سبحانه وتعالى والفوزُ بالسعادة الأبدية (تفي) أي توفي به لما تقدم.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    واللهَ أرجو في قُبول العملِ = والنفعَ منها ثم غَفْرَ الزللِ
    [/poet]
    (واللهَ أرجو) قدّم الاسم الأعظم لإفادة الاختصاص؛ إذ تقديم المعمول يفيد ذلك، أي لا أرجو إلا الله تعالى .
    والرجاءُ تعلقُ القلب بحصول مرغوب فيه في المستقبل مع الأخذ في الأسباب، وهو ممدوح شرعاً فإن لم يأخذ في الأسباب فطَمَعٌ وهو مذموم شرعاً.
    (في قبول العمل) الذي منه تأليف هذه العقيدة. وقبول الشيء الرضا به وعدم ردّه
    : (قُبول) بضم القاف. أما (قَبول) بفتح القاف فتطلق على العمل نفسه: العمل الذي يطلق عليه أنه قَبول، فهو من باب إطلاق المصدر على الاسم، ولكن القُبول بضم القاف هو المصدر الحقيقي للفعل الذي يدل على الفعل من (قَبِلَ) (يَقْبَل) (قُبولاً). فالوزن القياسي للمصدر هو (قُبول).
    (القَبول): اسم يطلق على ما وقع عليه القُبول. فالقُبول يتعلق بشيء متصف أنه قَبول. كما نقول: الوُضوء والوَضوء. فبالفتح يطلق على الماء الذي نتوضأ به، وبالضم على نفس الفعل الذي نقوم به.

    (و)أرجوه تعالى (النفعَ) هو ضدّ الضرّ (منها) أي من هذه العقيدة، أي بها، أي أرجوه تعالى أن ينفع بها كلَّ من قرأها أو طالعها وحصّلها أو كتبها. ويصح أن تكون من ابتدائية وهي ومجرورها حال من النفع، أي حال كون النفع حاصلاً وناشئاً منها، (ثم) أي وأرجوه (غَفْرَ) أي ستر (الزلل) جمع زلة بالفتح مصدر زلّ بفتح الزاي أيضاً يَزِلُّ بكسرها، يعني المعاصي. وسترها صادق بمحوها من الصحف وبعدم المؤاخذة بها وإن كانت موجودة فيها. وورد في السنة ما يدل لكلٍّ. والمرجوّ من سعة كرمه تعالى الأول.
    ولما كانت مباحث هذا الفنّ تتوقف على معرفة أقسام الحكم العقلي الثلاثة، أعني الوجوب والاستحالة والجواز بدأ ببيانها فقال:

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    أقسامُ حكمِ العقلِ لا محاله = هي الوجوبُ ثم الاستحالة
    ثم الجوازُ ثالثُ الأقسامِ = فافهم مُنِحتَ لذةَ الأفهامِ
    [/poet]
    س: لماذا بدأ بشرح أحكام العقل، والعلم الذي يكتب فيه هو العقيدة؟ فهل الأحكام العقلية جزء من العقائد مثلاً، أم هي وسيلة لها؟ فما مناسبة الكلام على الأحكام العقلية في علم التوحيد؟
    ج: مسائل علم التوحيد تُبنى على العقل؛ لأن علم التوحيد علم يُبحث فيه عن الأدلة القطعية سواء أكانت عقلية أم نقلية، فهذه الأدلة دالة على العقائد الدينية، فلأن العقل هو أول الأشياء التي يتم استعمالها للاستدلال على صحة العقائد وجب معرفة مفهوم الحكم العقلي.
    (أقسام حكم العقل) مبتدأ خبره محذوف أي ثلاثة، يدل عليه قوله الآتي: ثالث الأقسام، وجملة: هي الوجوب إلخ استئنافية؛ لبيان الأقسام، ويصح أن تكون هي الخبر، والأقسام جمع قِسْم بكسر فسكون، وهو ما اندرج مع غيره تحت كل أو كلي. والكل ما تركب من جوهرين فأكثر.
    مثال ذلك: الكتاب مؤلف من صفحات، يلاحظ في (الكل) أن له أجزاءً، فالكتاب لا يطلق على الغلاف ولا على كل صفحة، ولكن يطلق على مجموع الصفحات مع الغلاف. إذن الكتاب أمرٌ كلٌّ.
    الأجزاء + الهيئة التأليفية = الكل (الكتاب).
    لو كانت الصفحات غير متآلفة مع بعضها البعض، أو كان الكلام المنقوش على الصفحات غير متآلف فلا يسمى كتاباً.
    والمقصود من الجوهر: الجوهر الفرد أي الجزء الذي لا يتجزأ. من هذا الجزء الذي لا يتجزأ تتألف المواد. (الجوهر) لأنه قائم بنفسه. (فرد) لأنه لا يتجزأ.
    والكلي ما صدق على كثير: ما صح أن نطلقه على كثير.
    مثلاً: مفهوم الكأس يصدق على أشكال وأنواع كثيرة من الكؤوس. مفهوم الإنسان يصدق على زيد وعلى عمرو وعلى الرجل والمرأة.
    ذكر المصنف الفرق بين الكلّ والكلي؛ ليذكر أن هذه الأحكام العقلية هل كل قسم منها صدق عليه أنه حكم عقلي أم أن الحكم العقلي صادق على الثلاثة معاً، أي هل هذه الأقسام أقسام للكل أم للكلي؟
    ويسمى المندرج تحت الكل جزءاً وبعضاً والمندرج تحت الكلي جزئياً: زيد يتألف من رأس وجسم ويدين . . اليد تسمى جزءاً بالنسبة لزيد، ولكن زيد جزئي بالنسبة لمفهوم الإنسان.
    الصفحة جزء من الكتاب، والكتاب جزئي من مفهوم الكتاب. فالجزء لا يحمل جميع صفات الكل، ولكن الجزئي يحمل جميع صفات الكلي.
    ويسمى مورد القسمة وهو الكل أو الكلي مَقْسِماً بفتح فسكون فكسر: المَقْسِم أي الذي وقع عليه القِسْمة. مورد القسمة أي محل التقسيم، مثلاً حين نقول: يتألف الكتاب من صفحات وغلاف. . فمورد القسمة هو الكتاب.
    والتقسيم التمييز والتفصيل، أي جعلُ الشيء أقساماً، وعلامة تقسيم الكل إلى أجزائه صحةُ انحلاله إلى الأجزاء التي تركّب منها: هذا (الكل) إذا قسّمناه إلى الأقسام يكون مجموع الأقسام تؤلف هذا (الكل)، و(الكل) مؤلف من هذه الأقسام وينحلّ إليها.
    وعدم صحة حمل المَقْسِم على الأقسام: كل قسم من أقسام (الكل) لا يحمل جميع صفات (الكل)، فلا يجوز حمل وإطلاق (الكل) على كل جزء من أجزائه.
    وعلامة تقسيم الكلي إلى جزئياته صحة حمل المَقْسِم على كلٍّ من الأقسام، نحو: زيد إنسان وعمرو إنسان: كما نقول الإنسان هو ذكر وأنثى، فالأنثى إنسان والذكر إنسان، وهكذا، فيصح حمل (الكلي) على كل جزئي من جزئياته.
    والحكمُ إما شرعي وهو خطابُ الله تعالى المتعلقُ بأفعال المكلفين بالطلب أو الإباحة أو الوضع لهما: الخطاب يتعلق بالأفعال ولا يتعلق بالذوات، لا يقال: هذه الذات حكمها حلال أو حرام، ولكن هذا الفعل المتعلق بهذه الذات الصادر منها إما أن يكون حلالاً أو حراماً.
    فالحكم هو الخطاب الصادر من الله سبحانه وتعالى، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون هناك حكم شرعي ليس مستنداً إلى خطاب صادر من الله، فكل حكم مستند إلى غير الله فليس حكماً شرعياً.
    بناء على هذا يقول أهل السنة إنه لا حكم إلا لله سبحانه وتعالى؛ لأن معيار الحكم أن يكون صادراً ومستمداً من خطاب الله.
    والحكم يجب أن يكون متعلقاً بالأفعال لا بالأعيان والذوات، فلا يقال: الأم حرام، ولكن يقال: نكاح الأم حرام، فالحرمة متعلقة بفعل بين الإنسان وبين ذات معينة.
    (بأفعال المكلفين): لا بأفعال الحيوانات ولا بأفعال الصبيان ولا المجانين، ولكن بأفعال المكلفين، فيخرج منه جميع ما ذكرناه.
    (بالطلب): الطلب يصدق على أربعة أمور: الواجب والحرام والمندوب والمكروه. و(الإباحة): يصبح المجموع خمسة أحكام.
    (أو الوضع لهما): بأن يُجعل شيء شرطاً أو سبباً أو مانعاً. كجعل الزوال سبباً لوجود الصلاة، والحولِ شرطاً للزكاة. وهناك قسم آخر من الأحكام وهو وصف للهيئة التأليفية لمجموع الأفعال إما بالصحة أو بالفساد.
    س: لماذا ذكر تعريف الحكم الشرعي؟
    ج: لأن محل كلامه هو مفهوم الحكم، فناسب أن يتحدث عن الحكم الشرعي. وإنْ كان حديثه في الأصل عن الحكم العقلي، ولكن لكي يَمِيْزه عن الحكم العقلي عرّف الحكم الشرعي، والتمييز زيادة تعريف وتوضيح.
    وإما غيره: أي حكم عادي أوعقلي. وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه: وهذا هو تعريف الحكم.
    والحاكِمُ به إما العقل وإما العادة، فإن كانت العادة فعادي، والحكم العادي إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر بينهما على الحسّ كإثبات أن النار محرقة وأن الطعام يشبع: قسّم الحكم إما إلى شرعي وإما إلى عادي أو عقلي: العادي هو الحكم على الشيء عن تكرار، توارد الشيء على الحسّ، هو عبارة عن حكم مستمد من تكرار الحسّ وتوارد الأمر على الحسّ أكثر من مرة، فهو مشتق من العادة التي هي التجربة، وهي أن يلاحظ الإنسان اقتران شيئين مع بعضهما أو ترتب شيء على شيء أو اندراج شيء في شيء.
    إذا لاحظ الإنسان هذا عن طريق الحسّ، فهذا الحكم مستمد من الملاحظة مع التكرار يسمى الحكم العادي، أي حكم مأخوذ عن طريق العادة فقط، ليس حكماً شرعياً ولا عقلياً.
    وذكر مثالاً لهذا وهو الإحراق بالنار، عرفنا هذا عن طريق العادة، إذا رأى إنسان النار لأول مرة هل يمكن أن يعرف عن طريق رؤيتها أنها حارقة؟ لا، والدليل على هذا الطفل الصغير الذي يضع يده على النار أكثر من مرة حتى يكتشف أنها حارقة.
    هل يمكن أن يُستمد من الحكم العادي تأثير الشيء الأول في الشيء الثاني؟ أي هل يستطيع الإنسان أن يعتمد على الحكم العادي أو الحسي بأن هذا الأمر أوجده الأمر الثاني؟
    أجاب: وليس المراد من هذا أن النار مثلاً هي المؤثرة: هو قال إن النار تحرق ولكن ليست هي المؤثرة، وليست هي الخالقة للإحراق ولا المحدِثة له.
    إذ التأثير لا دلالة للعادة عليه أصلاً، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الربطُ بين أمرين، أما تعيينُ فاعلِ ذلك فليس للعادة فيه مدخل ولا منها يُتلقى علم ذلك كما قاله الإمام السنوسي رحمه الله تعالى، وسيأتي في عقد الوحدانية ما يتعلق باعتقاد ذلك: إذا أردنا أن نحكم بأن شيئاً هو الذي أثر في شيء بمعنى خلقه وأوجده فلا يجوز أن نستند في هذا إلى الحكم العادي والملاحظة والتكرار، فغاية ما تدلنا عليه العادة والتجربة والتكرار هو التلازم فقط..
    لا يجوز أن يقول الإنسان: أنا أعرف أن النار تؤثر لأني أشاهد هذا، فاستنتاجه خطأ، لأن المشاهدة ليست دليلاً إلا على التلازم وليست دليلاً على الخلق والفعل. بل الدليل على الخلق والفعل والإيجاد هو العقل، فإذا أراد إنسان أن يستدل على أن شيئاً خلق شيئاً أو أوجده أو أثر فيه فيجب عليه أن يأتي بدليل عقلي على ذلك.
    هذا الحكم العادي تفرّد به الأشاعرة تقريباً، (غيرهم قال به ولكنهم لم يعتمدوه ولم يستخدموه)، اشتُهر عن الأشاعرة هذا الأمر.
    هذه الطريقة التي هي الاستدلال العادي لم يتنبه إليه إلا بعض الفلاسفة المعاصرين، من أكبرهم ديفيد هيوم الإنجليزي، صاحب المنطق الوضعي، وأيضاً نظرية آينشتاين كلها مبنية على التلازم العادي، ليست مبنية مطلقاً على الفعل والتأثير والخلق، بل مبنية فقط على التلازم العادي، حيث قال: لا يوجد شيء مطلقاً يدلنا على أن الأشعة هي التي تخلق أو تحرق . . أكبر نقاط نظريته هو أن هدف الفيزيائيين وطريقتهم في شرح الكون ليس كما يقول نيوتن الذي بنى كلامه على فلسفة القوى المودعة والتأثير.
    آينشتاين بنى نظريته على أمور أخرى منها أنه ليس هناك طبائع مؤثرة وفاعلة في الكون، بل هي عبارة عن ترتيبات كونية فقط. وهذا هو الاتجاه السائد عند كثير من العلماء.
    على كل الأحوال قال الأشاعرة بأن هذا الحكم هو الذي يمكن الاستناد عليه في معرفة الأمور العادية، فلا يمكن أن تعرف التأثير والإيجاد من التجربة والحسّ، بل دليل التأثير هو العقل.
    بعض الباحثين المتميزين مثل أبي يعرب المرزوقي (مفكر تونسي معاصر متميز)، كتب كتاباً جيداً عن الحكم العادي سمّاه (السببية عند الغزالي)، يقول إن هذا اكتشاف وتميّز هائل في الحضارة الإسلامية خلافاً لما يقوله عبد الرحمن بدوي، ومحمد عابد الجابري اللذان تأثرا بالحضارة الغربية فهما يستهينان بمثل هذه الأمور. وهو يتحدث معهم بنفس طريقة تفكيرهم، ويقول لهم: كلامكم لا يستند إلى منطق ولا إلى شيء وأنا أستطيع أن أعكسه عليكم، فكتب كتابه ذاك.
    ... يتبع

  6. #6

    تابع الدرس الثالث

    تابع . . .
    وإنْ كان العقل فعقلي، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه من غير توقف على تكرار ولا استناد إلى شرع. وخرج بهذا القيد الأخير حكم الفقيه المستند إلى الشرع كإثبات الوجوب للصلاة المستند إلى خطاب الله تعالى. فخرج بقوله: حكم العقل الحكمَ الشرعي والعادي.
    والعقل سر روحاني
    : (سرّ): لا نعرف حقيقته، ونسبه إلى الروح إشارة إلى أن الروح هي مصدره وليس الجسد، فالتعقل ليس مستنداً إلى الجسد وإنما إلى الروح.
    تدرك به النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ: العلوم الضرورية والنظرية ناتجة عن هذا السرّ الذي هو وصف للروح أو فعل للروح أو شيء منسوب للروح، فهو هيئة نفسانية راسخة أو فعل . . لم يُرد المصنف أن يخوض في هذا الأمر، ولكنه نسبه إلى الروح.
    وظيفته: تدرك به النفسُ العلومَ الضرورية والنظرية، إذن العلوم الضرورية والنظرية ليست هي حقيقة العقل وإنما هي ناتجة عن العقل، هذا العقل عبارة عن أمر منسوب إلى الروح.
    ومحله في القلب ونوره في الدماغ: هذا السرّ الروحاني هل هو أمر اضطراري واستعماله اضطراري؟ بالتأكيد لا، لأن الإنسان يتعقل باختياره، فهو يعتمد على الإرادة، والإرادة هي عبارة عن الشوق والرغبة والمحبة فهي ميل النفس نحو أمر ما . . هذا الميل يظهر أثره في القلب. فالشعور بالحب والكره والخوف محله في القلب.
    المحل الذي يتأثر بالإرادة هو القلب، والإرادة هي شرط التعقل، الإنسان حين يريد أن يتعقل يظهر أثر هذه الإرادة في القلب.
    وحين يريد الإنسان أن يفكر في مسألة رياضية، حين يتجه قلبه إلى هذا الأمر فالذي يتحرك هو الدماغ في هذه الحالة.
    عندما تتوجه إرادة التعقل تنشأ هذه الإرادة ويظهر أثرها في القلب ولكن نتيجتها تظهر في الدماغ. لذلك اختلف العلماء في محل التعقل، قال الإمام الشافعي: في القلب. وقال أبو حنيفة: في الدماغ.
    والتحقيق أن محله في القلب ونوره في الدماغ، فربط بين القولين. الإمام أبو حنيفة نظر إلى نتيجة التعقل، والإمام الشافعي نظر إلى أصل التعقل، والإمام الشافعي استدل بالآيات القرآنية: لهم قلوب لا يعقلون بها. إذن التعقل يكون في القلب.
    فالعلماء المتأخرون منهم الشيخ الدردير ربط بين القولين وحاز التحقيق في هذه المسألة بأن رَبَطَ رَبْطَ تحقيق لا رَبْطَ تلفيق.
    ملاحظة: ما تقدم من التوفيق بين وظيفتي القلب والدماغ ودورهما في عملية التعقل، ومعنى كون القلبِ محلاً وكون العقلِ نوراً في الدماغ إنما هو من استنباطات الشيخ سعيد فودة وشرحه الخاص، حيث لم يذكره أحد من العلماء قبله.
    وابتداؤه من حين نَفْخِ الروح في الجنين: من أول نفخ الروح يصبح في الجنين قابلية التعقل؛ لذلك فالتعقل الذي هو وسيلة الإدراك يكون من أثر نفخ الروح في الجنين، إذن الإنسان وهو في تلك الحالة يمكن أن يدرك بعض الأمور، وهذا مما أثبتته التجارب العلمية منذ القدم وفي الوقت الحالي.
    بعض العلماء كانوا يلاحظون تربية أبنائهم من حين حمل أمهاتهم بهم. فوالد الإمام الجويني أبو محمد الجويني كان يراعي زوجته وهي حامل به، فلا يرهقها ولا يغضبها وينهاها عن أكل شيء مضرّ فكان يلاحظ أن تكوينه الروحاني يبدأ من حين يكون في بطن أمه.
    وبعد أن وُلد رأى إحدى الجواري ترضع ابنه رضعة لمرض ألمّ بأمه، فقلبه وأنزل الحليب من فمه، لأنه يريد أن تكون طبيعته وجوهره متناسق لا تختلط به مادة غريبة؛ لذلك قال العلماء عن الإمام الجويني إنه كان من أذكياء العالم، وقالوا عن والده إنه لو كان هناك مجتهد يحق له الاجتهاد في ذلك العصر فهو أبو محمد الجويني.
    وأول كماله البلوغ؛ ولذا كان التكليف بالبلوغ: البلوغ هو وصول الإنسان سناً معينة. عند الإمام الشافعي 15 سنة، وعند الإمام أبي حنيفة 18 سنة هجرية، معنى ذلك أن الإنسان عند هذا السنّ يؤمر بالصلاة ويجب عليه التشهد، وإذا كفر يكفر حقيقة وإذا التزم بالإسلام يكون ملتزماً حقيقة. وقبل ذلك لا يكون مكلفاً.
    هذا العمر الذي حددوه ضابط قد ينقص قليلاً وقد يزيد قليلاً، وأرجعوا الخلاف في العمر حسب البلد.
    قبل هذا العمر لا يكون الإنسان كامل العقل، ليس معنى هذا أنه لا يكون فيه عقل، ولكنه لا يكون كامل العقل، أي إمكانياته النفسية لا تمكّنه من أن يكون عاقلاً تاماً، فهو غير مؤهل أن يتعلق به التكليف؛ لأن التكليف فيه التزام وضبط، إذا كان الإنسان غير متمكن من التعقل التام فلا يكون متأهلاً للتكليف؛ لذلك فإن الشريعة أمرت الصبي بالصلاة على سبيل الاستحباب لا الوجوب.
    ويكون كماله عند سن الأربعين، وقبل هذا السن يكون هناك ارتقاء وبعد ذلك تستقر حالة الإنسان من الناحية الروحانية والجسدية.
    هذا هو الصحيح الذي عليه مالك والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ وهو مراد من قال: هو لطيفة ربانية تدرك به النفس إلخ، وقيل: هو قوة للنفس معدّة لاكتساب الآراء أي الاعتقادات، وقيل: هو من قبيل العلوم. قال القاضي: هو بعض العلوم الضرورية وهو العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات كالعلم بوجوب افتقار الأثر إلى المؤثر والعلم باستحالة اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين. وهذا تفسير لقول من قال هو العلم ببعض الضروريات، وعلى هذين القولين فهو من قبيل العَرَض.
    وقوله: (لا محاله) أي لا تحوّل ولا انفكاك عن كونه ثلاثة، يعني أنها ثلاثة لا أقل ولا أكثر، هذا على الإعراب الأول، وأما الثاني فالمعنى أنها هي هذه بعينها لا غيرها.
    (هي الوجوب) أي وما عطف عليه وهو عدم قبول الانتفاء (ثم الاستحالة) بالدرج للوزن، وهي عدم قبول الثبوت (ثم الجواز) وهو (ثالث الأقسام) وهي قبول الثبوت والانتفاء، وستتضح معانيها زيادة إيضاح في تعريف الواجب والمستحيل والجائز، وكلمة ثم هنا وفي سائر ما يأتي في الذكر والتدرج في مدارج الارتقاء بذكر ما هو الأولى فالأولى دون اعتبار تراخٍ بين المتعاطفين ولا بعدية في الزمان.
    الوجوب: الثبوت. والاستحالة: المنع. والجواز: قبول الأمرين (الثبوت والاستحالة)، الجواز يعني المرور، ففيه معنى الحركة وعدم الاستقرار على محل، أما الاستحالة فهي من (أحال) بمعنى منع، فهو منع الثبوت. والوجوب: اللزوم والثبوت
    .
    هذه هي المعاني اللغوية وهي قريبة من المعاني الاصطلاحية.
    فإن قلتَ: تقسيم الحكم العقلي إلى الوجوب والاستحالة والجواز لا يصح أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ إذ لا ينحلّ الحكم العقلي إليها، ولا من تقسيم الكلي إلى جزئياته لأنه لا يصح حمله على كلٍّ منها بحكم عقلي لما مرّ من تفسير الحكم بإثبات أمر لأمر و نفيه عنه. والحاصل أنّا لا نسلم أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم إما إدراك وقوع للنسبة أو لا وقوعها، فيكون كيفية وصفة للنفس كما هو التحقيق. وإما إيقاع أو انتزاع فيكون فعلاً من أفعال النفس. وأيّاً ما كان فهو بسيط فلا يكون مركباً حتى يكون من الأول، وليست هذه جزئياته حتى يكون من الثاني، قلت: إن في عبارتهم هذه مسامحة، والمراد أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة. فلما كان لا يخرج عن اتصافه بها جعلوها أقساماً له تجوّزاً.
    (فافهم) أي اعرف هذه الأقسام الثلاثة حق معرفتها؛ لأن على معرفتها مدار الإيمان بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام.
    (مُنِحْت) أي أُعطيت، أي أعطاك الله تعالى (لذة) أي حلاوة (الأفهام) بفتح الهمزة، جمع فهم وهو الإدراك أي العلم والمعرفة، فإنّ مَن أُعطي لذة العلوم والمعارف فقد أُعطي خيري الدنيا والآخرة.

    ملاحظة: سنورد زيادة شرح وبيان لهذه الفقرة في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

  7. #7

    شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة (الدرس الرابع)

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وواجبٌ شرعاً على المكلَّفِ = معرفةُ اللهِ العليِّ فاعرفِِ
    [/poet]
    (وواجبٌ شرعاً): أي وجوبَ شرعٍ، فحُذِفَ المضافُ وأقيم المضاف إليه مقامَه، فانتصب انتصابه، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق، أي وجوباً مستفاداً من الشرع أي الشارع، يعني أنه يجب وجوباً شرعياً، خلافاً للمعتزلة القائلين إن معرفةَ الله واجبةٌ بالعقل (على المكلفِ) من الثقلين الإنس والجنّ: معنى الوجوب الشرعي: أنه ما دام لم تأتِ شريعة ولم يُبعث رسل، فهذا يعني أنه لا عقاب ولا ثواب، ولكن هذا لا يستلزم أن العقل لا يستطيع أن يعرف وجودَ الله، ولكن المقصود أنه لا يترتب عليه عقابٌ ولا ثواب. وإنما يترتب العقاب والثواب إذا أرسل الرسل.
    قال المعتزلة: حتى لو لم يُبعث الرسل فالوجوب يثبت بالعقل.
    والتكليفُ إلزامُ ما فيه كُلْفَة، وقيل: طلبُ ما فيه كلفة، فلا تكليفَ بالمندوب والمكروه على الأول الصحيح بخلاف الثاني، ولا تكليفَ بالمباح اتفاقاً: كلمة (إلزام) يندرج تحتها الواجبُ والحرامُ فقط، وإذا عرّفنا التكليفَ بـ(طلب) فيندرج تحتها بالإضافة إلى ذلك المندوبُ والمكروهُ؛ لأن المباحَ لا طلبَ فيه.
    والمكلَّفُ: البالغُ العاقلُ الذي بلغته الدعوة. (معرفة الله العليِّ) بالمنزلة.
    والمعرفةُ والعلمُ بمعنى واحدٍ على الصحيح، وهو الإدراكُ الجازمُ المطابقُ للواقعِ لموجِب، فشمل الضروريَّ والنظريَّ:
    إدراك: بلوغ هذا الشيء.
    جازم: غير مضطرب . . غير قابل للتذبذب أو الشك.
    مطابق: قد يكون الإنسان مدرك وجازم ولكن إدراكه غير مطابق. كمن يعتقد أن البقرة مقدسة أو أن العالم قديم، يكون معتقداً بهذه الأمور ومدركاً لها ومتيقناً منها، ولكنه غير مطابق للأمر في نفسه؛ لأن معيار العلم هو مطابقة العلم لما في الخارج . . . فذاك لا يكون عالماً.
    مَن أدرك إدراكاً جازماً ومطابقاً ولكن لا عن دليل أيضاً لا يكون عالماً، قوله: (لموجب) أي لدليل . . لشيء أوجب عليه هذا الإدراك لا لاختيار منه ولا لتقليد.
    وخرج بقيد الجازمِ الظنُّ، وبالمطابقِ الاعتقادُ الفاسدُ كاعتقاد الفلسفي قدمَ العالم.
    وبقوله: لموجِب بكسر الجيم أي مقتضٍ من دليلٍ أو حسٍّ أو وجدانٍ الاعتقادُ الصحيحُ كاعتقاد سنية صلاة العيدين.
    والذي يكفي في المعرفة الدليلُ الجُمليُّ اتفاقاً، وهو المعجوزُ عن تفصيلِه وحلِّ الشبهِ عنه، كأن يعرف وجودَه تعالى بكونه خالقاً للعالم، وأما التفصيلي وهو المقدور فيه على ما ذكره فلا يجب عيناً، بل وجوباً كفائياً؛ لصون الدين بدفع الخصوم:
    إذا قال شحص: أنا أؤمن بالله، ثم لم يستطع أن يأتي بالدليل ولم يستطع أن يحل بعض الإشكاليات التي تُعرض عليه فهو عالم بدليل إجمالي، وإن استطاع أن يحل الإشكاليات فهو عالم بدليل تفصيلي.
    الدليل الإجمالي يعني أن المعرفة بالتفاصيل غير حاصلة، ولكن هو عبارة عن معرفة بالمقدمات الكلية فقط، أما أدلة هذه المقدمات فغير حاصلة.
    العلم بالدليل الإجمالي واجب على جميع الناس، فيجب على من يؤمن بالله أن يأتي بدليل إجمالي كأن يقول إن المخلوقات تدل على أن لها موجِداً.
    والدليلُ التفصيلي فرضُ كفاية على بعض الناس بأن يعرفوا الردَّ على الشُّبَه والتشكيكات.
    وأما التقليد وهو الأخذ بقول الغير من غير حجة، أي الاعتقاد الجازم المتمسَّك فيه بمجرد قول الغير : من قال إن النية في الوضوء واجبة ثم لم يستطع أن يأتيَ بدليل واكتفى بأن هذا ما قاله الإمام الشافعي فهو مقلّد، أما من عرف الحجة فهو ليس مقلداً، وكذا في أمور الاعتقاد.
    فقد اختُلف فيه، فقيل: إنه يكفي في عقائد الإيمان، وهو الصحيح، فإيمان المقلد صحيح. وعليه فهل يجب النظر فيكون مع صحة إيمانه عاصياً بترك النظر الموصل للمعرفة وهو الصحيح كما يفهم من قولنا: معرفة الله أولا، بل هو شرط كمال. وقيل: لا يكفي فالمقلد كافر، وقيل: يكفي إن قلّد القرآن والسنة القطعية ، وفيه نظر: ذكر حكمَ المقلد، فقال: إن كان المقلدُ متثبتاً في عقيدته بحيث لا يستطيع أحد أن يشكّكه فيها فإيمانه صحيح، وهو القول الراجح عن الإمام الدردير وكثيرٍ غيره من العلماء، وبعضهم قال: لا يكفي.
    إذا قلنا إن التقليد جائز فمعرفة الدليل شرطُ كمال لا شرط صحة، وهناك من يرى أن التقليد غير كافٍ في الإيمان، ولا بد من ابتنائه على دليل.
    بناء عليه قال بعض العلماء: المقلد كافر، فيجب على المقلد أن يعرف الدليل، وهذا الذي اختاره الإمام السنوسي بشرح أم البراهين، وبعض العلماء قالوا إنه تراجع عن هذا القول في كتب أخرى.
    قوله: (فإيمان المقلد صحيح وعليه فهل يجب النظر فيكون مع صحة إيمانه عاصياً بترك النظر الموصل للمعرفة وهو الصحيح): جزم أنه صحيح فغيره باطل، لو قال: (الأصح) لكان غيره محتملاً. ولكنه قال: (الصحيح) وهذا يعني أن غيره باطل، فالصحيح أنه يجب عليه النظر، حتى مع أن الإيمان صحيح إلا أنه يجب عليه النظر وإن كان شرطَ كمال، فالكمال يكون واجباً أحياناً، فالصحيح أنه مع التقليد يجب عليه النظر، فإن لم يأت بالنظر فهو عاصٍ، ويحاسَب على عدم النظر، لأن الله تعالى أمر بالنظر والتفكر في المخلوقات، ولكن وجوب النظر شرطُ كمال وليس شرطَ صحة، بمعنى أن الإنسان إذا لم يأتِ به فهو لا يكفر ولكنه يكون عاصياً.
    وذهب بعضهم إلى تحريم النظر؛ لأنه مظنة الوقوع في الشُّبه والضلال وليس بشيء.
    واعلم أن المعرفة هي أول واجبٍ على المكلَّف؛ إذ جميع الواجباتِ متوقفةٌ عليها: أي لا تصح الواجبات إلا بناء عليها، أي لا يمكن للإنسان أن يصلي إلا إذا عرف اللهَ سبحانه وتعالى، وهكذا كل الواجبات. فالمعرفة شرط الإيمان، أن يعرف الإنسان الله سبحانه هو شرط التوحيد، فالإيمان شرط صحة لكل الأعمال. قوله: (متوقفة عليها): شرط ومشروط.
    (فاعرف) أي اعرف أنها واجبةٌ بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة: عدم التكليف إلا بالشرع، أي أنه لا يترتب على فعل المكلف عقابٌ أو ثوابٌ إلا بناء على حكمٍ شرعي، بمعنى أنه لو لم يَرِد حكم شرعي فإن العقلَ يمكنه أن يحكم بأن معرفة الله سبحانه حسنة وأن الظلم شرّ، لكن معرفة العقل بهذه الأمور وغيرها لا يتوقف على نزول الشرائع، ولكن ترتب العقاب والثواب على هذه الأعمال في اليوم الآخر لا يمكن معرفته إلا من الحكم الشرعي، لذلك يقول أهل السنة والجماعة لا حكم إلا لله سبحانه وتعالى، أي لا يمكن أن يحكم الإنسان إلا باستمداده هذا الحكم من الشريعة.
    ولما كانت معرفةُ الله تعالى عبارةً عن معرفة ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز، لا معرفة حقيقة الذات العلية لعدم إمكان ذلك ولعدم تكليفنا بذلك فسّر المعرفة بما هو المراد فقال:
    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    أي يعرفُ الواجبَ والمحالا = مع جائزٍ في حقّه تعالى
    [/poet]

    يريد أن يقول إن حقيقةَ المعرفة التي أُمر الإنسانُ أن يحصّلَها ويكتسبَها هي أن يعرف الله سبحانه، ولكن قولنا إن المكلَّفَّ يجب أن يعرف الله ليس معناه أن يعرف حقيقة الذات، وذلك لسببين، الأول: لأننا يستحيل علينا أن نعرف حقيقة الذات كما أثبت ذلك العلماء بأدلة برهانية في الكتب المطولة، وأيضاً لأننا لم نكلف بمعرفة حقيقة ذات الله سبحانه، ولكن إذا لم يكن هذا الأمر هو الذي كُلِّفنا به فبماذا كُلِّفنا؟
    قال: إن التكليف هو معرفة أحكام تتعلق بالله سبحانه كأن نعرف أن الله سبحانه واجبُ الوجود أو قادرٌ وعالمٌ وفاعلٌ.
    أو أن نعرف أنه يستحيل عليه أن يكون له شريك أو عدل ويستحيل أن يكون مولوداً أو والداً.
    إذن المعرفة الواجبة هي معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل على الله سبحانه، إذن الكلام في علم التوحيد هو كلام يدور على أحكام تتعلق في الذات الإلهية، فلا معنى لقول من يعترض على علم التوحيد أو علم الكلام فيقول إن علم الكلام يبحث في الذات الإلهية؛ لأنه في الحقيقة لا يبحث في الذات الإلهية وإنما يبحث في أحكام، حتى الصفات لا نبحث في حقيقة الصفات ولكن في أحكام تتعلق بالصفات، أما حقيقة الذات، فالمتكلمون أنفسهم قالوا: لا نستطيع أن نعرف حقيقة الذات كما نصّ عليه الإمام الدردير، قال: (لا معرفة حقيقة الذات العلية لعدم إمكان ذلك).
    إذن استحالة معرفة حقيقة الذات أمر يثبته علماءُ الكلام، لا أنهم يقولون يجب علينا أن نعرف حقيقة الذات.
    (أي يعرفُ) هو، وإنْ كان مرفوعاً لتجرده من ناصب وجازم إلا أن المعنى على تقدير (أنْ) المصدرية، نحو: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: يقصد: (أنْ يعرف . . ) فهي بتقدير (أنْ)، كقول العرب: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: أنْ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: سماعك بالمعيدي خير من رؤيتك له. (مصدر مؤول).
    أي معرفةُ الله تعالى هي معرفتُك الواجب: المعرفة المأمور بها هنا هي معرفتك الواجبَ والمحالَ مع الجائز في حقه تعالى، هذه هي حقيقة المعرفة المأمور بها.
    أي الثابت الذي لا يقبل الانتفاء في حقه تعالى (والمحالا) كذلك أي المستحيل والألف للإطلاق: الإشارة إلى أن المحال هو المنفي الذي لا يقبل الثبوت.
    (مع) معرفة (جائزٍ في حقه) أي في الأمر الحق الذي ينسب إليه (تعالى) فافهم.
    وقد حذفه من الأَوْلَيْن لدلالة الثالث عليه كما أشرنا له:
    الذي حذفه هو قوله (في حقه تعالى) أي إن المعرفة الواجبة هي معرفة الواجب في حقه تعالى والمستحيل في حقه تعالى والجائز في حقه تعالى.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    ومِثْلُ ذا في حقِّ رُسْلِ اللهِ = عليهمِ تحيةُ الإلهِ
    [/poet]
    (و) واجب شرعاً على المكلّف (مثل ذا)، أي معرفة مثل هذا المذكور من الواجب والمستحيل والجائز، أي في مطلق ما ذكر بقطع النظر عن الحقائق والأدلة. (في حقّ رسل الله) بسكون السين للوزن، (عليهمِ) بكسر الميم. (تحية الإله) تعالى.
    ثم شرع في تعريف الواجب والمستحيل والجائز التي يجب معرفتها في حق من ذكر، ومنه يُعرف تعريف الوجوب والاستحالة والجواز:
    الهاء في قوله: (منه) تعود على الواجب والمستحيل والجائز.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    فالواجبُ العقليُّ ما لم يقبلِ = الانتفا في ذاته فابتهلِ
    [/poet]

    وقد قدّمه أيضاً فقال: (فالواجب)، أي الثابت. (العقلي) من ذاتٍ أو صفةٍ أو نسبة: والنسبة حكم، مثلاً: ثبوت العلم لله هذا حكم، أما العلم فهو صفة.
    (ما) أي الأمر الثابت الذي (لم يقبل الانتفا) بالقصر للضرورة، أي لا يقبل الزوال (في ذاته)، أي بالنظر لذاته لا لشيء آخر، فخرج ما تعلق علم الله بوجوده، (فابتهلِ) بكسر اللام، أي تضرع واطلب من الله معرفة ما ينفعك: إذا أراد الإنسان أن يعرف ما حقيقة الواجب والمستحيل والجائز فعليه أن يفكر في الواجب وحده، أي عليه أن يلاحظ الأمر الذي يُدعى فيه أنه واجب وحده من دون ملاحظة أيّ أمر آخر، فإذا كانت النسبة بين التعقل وبين هذا الأمر المستحضر في العقل هي نسبة الثبوت واللزوم والوجوب فهذا الأمر واجب، بمعنى أنه لا يجوز أن يحكم الإنسان على أمر بأنه واجب في حال ملاحظته لأمر آخر.
    لو أن شخصاً قائماً مستنداً إلى الحائط في قيامه وليس متمكناً من القيام بنفسه، فإذا نسبت القيام إليه في حال ملاحظتك الاستناد إلى الحائط فهذا الحكم يكون باطلاً، لأن هذا القيام في الحقيقة منسوب إلى الحائط؛ لأن الحائط هو الذي يقيمه، ولكن يجب أن يلاحظ الأمر وحده، فإذا استحضرت ذلك الشخص وحده ورأيته قائماً تحكم عليه بالقيام، وإذا كان عند ملاحظتك إياه وحده لم تستطع أن تلاحظه إلا هابطاً فلا تستطيع أن تقول إنه قائم بنفسه ولكنه قائم بالعصا أو بالحائط.
    إذن الحكم على الشيء بالوجوب لا يجوز حالَ استحضار هذا الشيء في حال ارتباطه بشيء آخر، بل يجب أن نقطع أيَّ ارتباط وأي نسبة بين هذا الأمر الذي هو محل الحكم العقلي وبين غيره، ثم نحكم عليه.
    إذا أراد الإنسان أن يحكم على العالَم هل هو واجب أم جائز أم مستحيل؟ قطعاً ليس بمستحيل لأنه موجود. فمحل الخلاف هل هو واجب أم جائز؟ إذا كان لا يمكن للعقل أن يفترض فيه العدمَ فهو واجب، وإذا أمكن للعقل أن يثبت عليه العدم فهو جائز. بمعنى أن العقل لو أثبت أن هذا العالم بملاحظته وحده يمكن أن يقوم بنفسه فهو واجب، وإذا أمكن للعقل حال ملاحظته للعالم دون ارتباطه بالخالق واستناده إلى القدرة الإلهية لو استطاع العقل أن يحكم على العالم وحده أنه موجود فهو واجب.
    ولكن إذا لاحظ العقلُ صفاتِ العالم، فقال: يستحيل أن يكون العالم بما له من الصفات والتغير والانفكاك والمحدودية . . إذا قال العقل: كل شيء يتصف بهذه الصفات فيستحيل أن يقوم بنفسه، والعالم يتصف بهذه الصفات فيستحيل أن يقوم بنفسه، إذن العالم ليس قائماً بنفسه، إذن هو ممكن أي جائز.
    لكي يستطيع العقل أن يحكم على شيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل يجب في البداية أن يستحضر ماهية هذا الشيء في العقل، وتُنزع وتُنفى عنه جميعُ الشوائب والعلائق الغريبة التي تعلق بهذا العالم حال وجوده مع غيره. فإذا نفى الإنسان كل الشوائب والعلائق الغريبة، فيجب على العقل أن يلاحظ هذا الشيء ويحكم عليه لذاته هل هو واجب الوجود أم ممكن . .
    لو فرضنا شيئاً موجِباً وسالباً في نفس الوقت . . ولاحظ العقلُ ماهيةَ هذا الشيء المفترَض، حكم العقل على هذه الماهية المفترضة بأنها مستحيلة لأنه لا يمكن للشيء أن يكون موجباً وسالباً في نفس الوقت.
    إذن يشترط للحكم على الشيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل أن يكون الحكم متعلقاً بالشيء نفسه مع نفي كل العلائق والنسب الغريبة التي هي خارجة عن ماهيته.
    قال: (فخرج ما تعلق علمُ الله بوجوده): إذا استحضر الإنسان مثلاً ذاتَ سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث ما هي معلومة الوجود لله، فتكون واجبة، لأننا أخذنا الشيء مع النسبة؛ لأن كونها معلومة الوجود لله ليس جزءاً من ماهيتها.
    إذن إذا استحضرنا الذات مع النسبة وهي علم الله، فيصبح الحكم على تلك الذات أنها واجبة، وعلى هذا فكل شيء في العالم مع استحضار هذه النسبة يكون واجباً. ولكن ليس هذا هو مناط الحكم على الشيء بأنه واجب أو جائز أو مستحيل؛ لذلك قال: (فخرج ما تعلق علم الله بوجوده)، وكذلك خرج ما تعلق علم الله بعدم وجوده؛ لأن ما تعلق علم الله بعدم وجوده من الجائزات يكون مستحيل الوجود، ولكنه مستحيل الوجود لا لذاته ولكن لعلم الله بعدم وجوده.
    إذن الواجب ما لا يقبل الانتفاء في نفسه.
    والجائز ما يقبل الثبوت والانتفاء في نفسه.
    والمستحيل ما لا يقبل الثبوت في نفسه.
    ثم وصف هذا التعريف فقال: وهذا التعريف أخصرُ وأوضح وأحسن من قولنا: ما لا يُتصور في العقلِ عدمُه، وإنْ اشتُهِر: (أحسن) لأنه يورد الملاحظة التي قلناها وهي أن هذا الشيء في ذاته واجب أو جائز أو مستحيل، أما التعريف الآخر فلم يورد هذا المناط.
    وهو قسمان: ضروري: وهو ما لا يتوقف على نظر واستدلال كالتحيز للجرم أي أخذه قدر ذاته من الفراغ: حكمُ العقل بأن الجرمَ يأخذ من الفراغ قدر ذاته واجبٌ ضروري، أي يستحيل أن يغفل الذهن عن هذا الحكم وهو نسبة التحيز إلى الجِرم.
    ونظري وهو ما توقف على ما ذكر: أي ما توقف على نظر واستدلال. كالقدم لله تعالى: نسبة القدم إلى الله تعالى أي عدم الأولية. نفي الأولية عن الله نظرية، لأن أصل إثبات وجود الله نظري ليس بدهياً، وذلك لأن الإنسان يجب عليه أن يعرف الله تعالى، ولو لم يكن ذلك واجباً لما كانت نظرية لأنها تكون حاصلة فيه. إذن كل ما يثبت لله أمورٌ نظرية سواء أكان النظر عميقاً أم سهلاً بسيطاً.
    فكلٌّ منهما لا يقبل الانتفاءَ لذاته: أي أن ما لا يقبل الانتفاء لذاته صادق على القسم الضروري والقسم النظري.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    والمستحيلُ كلُّ ما لم يقبلِ = في ذاته الثبوتَ ضدّ الأولِ
    [/poet]
    (والمستحيل) السين والتاء زائدتان للتأكيد. (كلّ ما) أيُّ أمرٍ من ذات أو صفة أو نسبة منتفٍ (لم يقبلِ) بكسر اللام (في ذاته) أي بالنظر لذاته (الثبوتَ) فهو (ضدّ الأول) أي الواجب لما علمت أن الواجب هو الثابت الذي لا يقبل الانتفاء ، والمستحيل هو المنتفي الذي لا يقبل الثبوتَ. وخرج ما تعلق علمُ الله تعالى بعدم وجوده. وهذا التعريف أخصر وأوضح وأصحّ من قولنا: ما لا يُتصوّر في العقل وجوده. وهو قسمان أيضاً: ضروري كخلو الجرم عن الحركة والسكون معاً: انتفاؤهما معاً مستحيل، يستحيل للعقل أن يتصور جسماً لا متحركاً ولا ساكناً.
    تعريف الجرم أنه أعم من مفهوم الجسم، فهو يطلق على الجسم وعلى الجوهر الفرد، والجوهر الفرد ليس جسماً، وكل ما تألف من جوهرين فصاعداً جسم، ولكن تجوّزاً نقول: الجِرم هو الجسم لأنه هو الملاحظ وهو المشهور.
    ونظري كالشريك لله تعالى.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    وكلُّ أمر قابلٍ للانتفا = وللثبوتِ جائزٌ بلا خفا
    [/poet]
    (وكلُّ أمر قابلٍ) في حدّ ذاته أخذاً مما تقدم. (للانتفا وللثبوت) فهو (جائز بلا خفا). وهو أيضاً قسمان: ضروري كخصوص الحركة والسكون للجرم، ونظري كإثابة العاصي وتعذيب المطيع:
    إثابة العاصي وتعذيب المطيع أمران جائزان ولكن ليسا بدهيين، فهما يحتاجان إلى نظر. الإثابة والتعذيب من أفعال الله لا من صفاته، ولا يمكن أن يكون فعل من أفعال الله واجباً، إذن الإثابة التي هي فعل والتعذيب الذي هو فعل هل يمكن أن يكونا واجبين؟
    لا، لأنهما فعلان من أفعال الله تعالى، وكل فعل من أفعال الله فهو جائز، لأن الجائز في حق الله هو كل فعل من أفعاله، أي أن تتعلق أفعاله بالممكنات، ولو قلنا إن أفعال الله واجبة لصار الله ـ تعالى ـ مجبوراً، فإذا قلنا إن الإثابة والتعذيب ليست صفات ولا ذوات، بل هي أفعال لله، وكل أفعال الله جائزة، فإثابة أيّ إنسان وتعذيب أيّ إنسان جائز على الله. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه ليس هناك ما يوجِب على الله أن يعاقب العاصي، فليس هناك علاقة عليّة ومعلوليّة؛ لأننا لو قلنا بهذا لأصبح الله ـ تعالى ـ مجبوراً، وهذا مستحيل.
    قد يستغرب الإنسان من إثابة العاصي وتعذيب المطيع، ونقول له: الإنسان إذا فعل المعصية فليست معصيته هي علة للعقاب، كذلك المطيع إذا صلى أو صام أو زكى، فليست هذه الأفعال هي العلة التي تخلق أو تؤثر في الله فتجعله يثيبه، أو أنها بنفسها تخلق الثواب . . ليس الأمر كذلك، بل هي عبارة عن وسائط وشروط عادية، جعلها الله سبحانه وتعالى شروطاً عادية لإرادته التعذيبَ أو الإثابة.
    هذا التحليل العقلي قرّب فهم هذه العبارة لنا، فتصبح مقبولة؛ لذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " لن يدخل الجنةَ أحدٌ بعمله"، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
    إذن ليس العمل هو الموجِب للدخول؛ لذلك الأدعية التي يدعو بها الإنسان أن يدخله الله الجنة ويجنبه النار بفضله لا بعمله أو بوجوب على الله.
    ولا يكون الشيء فضلاً إلا إذا كان بإرادة، وما كان واجباً فليس فضلاً. فالفضل هو ما كان زائداً على الواجب، وكل ما هو في ظل الواجب لا يسمى فضلاً.
    ليس هناك واجب على الله تعالى مطلقاً إلا ما أوجبه الله على نفسه وهذا ليس من ضمن الواجب العقلي، بل هو من باب أن الله لا يُخلف وعده، لأن الله وعد الذين آمنوا أن يدخلهم الجنة، ووعد الكفار بالعذاب، من هنا صار الالتزام لأن الله ألزم نفسه، ومثل هذا قوله تعالى: "كتب ربكم على نفسه الرحمة".

  8. #8

    تابع الدرس الرابع

    ومنه الشبع عند الأكل والإحراق عند مماسة النار من كلّ حكم عادي، فإنه جائز عقلي.
    والحاصل كما قرره شيخنا أن مثل الإحراق عند مماسة النار إن نظرتَ إليه من حيث ذاته يقطع النظر عن التكرر فهو حكم عقلي؛ لأنه من الجائز النظري لأن العقل إذا تأمل في وحدانية الله تعالى وأنه الفاعل المختار المتفرد بالإيجاد والإعدام علم أن الأفعال كلها لله تعالى وحده ولا تأثير لما سواه. خلافاً لمن غلط وجعلها من الأحكام الواجبة العقلية التي لا يمكن انفكاكها فأسند التأثير لنحو النار إما بالطبع أو بقوة أودعت فيها:

    قال: (لنحو النار) حتى يشمل النار وما يماثلها التي وقع فيها الخلاف . . كل ما هو من جنس الخلاف في النار (كالقطع بالسكين والشبع عند الأكل).
    كل الأحكام العادية كالإحراق عند مماسة النار والشبع وغير ذلك، كلها هذه في الحقيقة ليست هي المؤثرَ الحقيقي، فليست النار هي التي توجِد الإحراق، وليس الأكل هو الذي يوجِد الشبع، ولكن عند الأكل يوجَد الشبع، ويمكن أن يوجد الأكل ولا يوجد الشبع، ويمكن أن توجد النار ولا تحرق، فيكون هناك تخلّف بين الإحراق والنار.
    فالإنسان يحكم عليها أنها عقلية أي هناك تلازم عقلي، لشدة ملاحظته التلازم بين هذه الأمور، يعتقد أن هذه التلازمات عقلية والحقيقة أنها تلازمات عادية، لأن الدليل العقلي والبرهان القطعي أثبتا أن الله سبحانه هو الفاعل المختار وحده وهو الخالق لكل شيء. فالشبع والإحراق مخلوقات لله، فليس الإحراق مخلوق للنار، وهكذا. ولو قلنا إن الشبع مخلوق للأكل والإحراق مخلوق للنار، لكثُر الخالِقون، لذلك فالأشاعرة يصفون المعتزلة بأنهم كثَّروا الخالقين.
    كثير من الناس يستغربون قول الأشاعرة من إمكانية انفكاك هذه الأمور، والحقيقة أنه ممكن لأن الإنسان يجب أن يعتمد على تقريرات الأدلة البرهانية وليس على اعتيادات الحواس.
    في الآخرة لو نقص الطعام لا يجوع الإنسان بخلاف الدنيا، إذن هذه التلازمات تلازمات عادية، الله تعالى وضعها وقدرها، ويمكن أن لا تكون هذه التلازمات كما هو في اليوم الآخر.
    ومن الأمثلة القوية أن سيدنا إبراهيم لم ينحرق عندما أُلقي في النار فلو كانت النار هي الخالقة للإحراق لاحترق قطعاً.
    هذه من المسائل المهمة جداً في علم التوحيد.
    وإنْ نظرتَ إليه من حيث تكرره على الحسّ سُمّيَ حكماً عادياً. وقد علمتَ أن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثَّل بهما لأقسام الحكم العقلي الثلاثة:
    كلام الإمام الدردير دقيق ولطيف وسهل ومختصر ولا يحتمل إلا المعنى الذي يريده، لذلك فتلامذته يستدلون بعدم ذكره الشيء على عدم إرادته له.
    فالواجب ثبوت أحدهما لا بعينه للجرم. والمستحيل نفيهما معاً عنه. والجائز ثبوت أحدهما له بالخصوص.
    فإنْ قلتَ: التعريف للماهية و(كل) للأفراد، فكيف يصح أخذك لفظ (كل) في تعريف المستحيل والجائز؟
    يعني أن كلمة (كل) تستخدم للأفراد، والمفروض أننا حين نريد أن نعرّف شيئاً فإننا نعرّف الماهية ولا نعرّف الأفراد، فكيف استعملتَ في تعريفك للمستحيل والواجب والجائز كلمة (كل)، وكلمة (كل) تطلق للأفراد، والمفروض أنك إذا أردت أن تعرّف فتعرّف الماهية، والماهية لا يُطلق عليها (كل)ولا (بعض)، والإمام الدردير قال هنا: (كل ما لم يقبل في ذاته الثبوت . . إلخ)؟
    هذا محل إشكال . . وهذا يدل على أن الإمام لا يستعمل لفظاً إلا وهو يريده أو له مقصد فيه، فلاحظَ أن هذا قد يشكِّلُ إشكالاً عند القارئ، فأورد على نفسه هذا السؤال، وأجاب بأن هذا للضرورة؛ لأن المقامَ مقامُ شعر ورجز ولو أردنا أن نعبّر عن المعاني تعبيراً دقيقاً في الألفاظ فلن نستطيع أن ننظم أرجوزة.
    هذا الجواب الأول، حيث قال: قلتُ: لفظ (كل) هنا زائدة ارتكبها للضرورة. وأجاب بجواب آخر: أو أن ما ذُكر ضابط لا تعريف، أي: الإشكال مبني على أن ما ذكره تعريف، وبناء على أنه تعريف لا يجوز أن يستخدم (كل)؛ لأن التعريف للماهية، و(كل) للفرد، والماهية والفرد لا ينسجمان.
    فقال إن ما ذكره (كل ما لم يقبل في ذاته الثبوت . . .) ضوابط لا تعاريف، أي تضبط الأشياء وتميّزها ولا تعرّفها، إلا أنه يشير للتعريف: صحيح هو ضابط ومميِّز إلا أنه يشير للتعريف. فتسميته تعريفاً مجاز.
    كمن يكون في مجموعة أشخاص، فيقول: من زيد؟ يقال له: ليس هذا ولا هذا ولا ذاك، فيبقى فلان، هو لم يشر إليه ولكنه ضبطه.
    وإنما عبرتُ بالثبوت والانتفاء دون الوجود والعدم لتشمل التعاريفُ الأحوالَ على القول بها ككونه تعالى عالماً، فإنها لا تتصف بالوجود ولا بالعدم وهذا من جملة الأحسنية التي أشرنا لها فتدبر:
    قال فيما سبق: إن تعريفه للواجب أخصر وأوضح وأحسن، وهنا وضّح الأحسنية التي أشار إليها سابقاً، وذلك لأنه استخدم في التعريفات لفظَ الثبوت والانتفاء ولم يستخدم لفظ الوجود والعدم، لماذا؟ لأن بعض العلماء قالوا كل ما يمكن أن يُعلم فهو إما ثابت أو منفي فقسموا الأشياء إلى ثابت ومنفي. والثابت إما موجود أو معدوم.
    فأصبح الثابت ليس هو نفسَ الموجود؛ لأنه إما موجود أو معدوم، ومع ذلك فهو ثابت، فصار الثبوت حالاً بين الوجود والعدم.
    فلم يصبح ـ عند هؤلاء العلماء ـ الموجودُ مرادفَ الثابت، بل صار الثبوتُ حالاً بين الوجود والعدم.
    ولكن أكثر العلماء قالوا إن الشيء إما موجود أو معدوم، ولا يوجد هناك شيء اسمه الثبوت، فلا يوجد هناك حال بين الوجود والعدم.
    فاستخدم الشيخ الدردير كلمة الثبوت لتصح على كلا المذهبين، لذلك استخدم كلمة أعم من الاختلافات. كونه تعالى عالماً ليس وصفاً بالوجود ولا بالعدم.
    أرادوا بالثوابت أموراً ليست في نفسها موجودة ولا معدومة، قالوا: هناك صفة تسمى صفة العلم، وهناك (العالِم) وهو من قام به العلم.
    عند الذين قالوا: ليس هناك حال يقولون: قيام الصفة بالذات ينتج عنها أن الذات عالمة، لا يوجد هناك شيء آخر غير الصفة والذات، فليس هناك شيء ثالث.
    أما الذين يقولون بالأحوال فيجعلون هناك أمراً ثالثاً بين الوجود والعدم، فبناء على قولهم فإنّ الصفة إذا قامت في الذات تكون الذات عالمة، وكونها عالمة أمراً ثالثاً ليس الذات وليس الصفة، بل هو حال للذات عندما تقوم الصفة بالذات.
    أما أصحاب القول الأول، فيقولون: لا يوجد هناك حال ثالثة فالحال عند أصحاب القول الثاني أمر في ذاته ليس موجوداً ولا معدوماً ولكنه ثابت لموجود أو لمعدوم.
    جماهير العلماء نفوا هذا الأمر، ولكن بعضهم أثبته.
    واعتباراً من الشيخ الدردير لهذا الخلاف ـ حتى لو كان القائلون به قليلين ـ استخدم عبارة تصح على المذهبين.

  9. #9

    تابع . . (شرح الفقرة الأخيرة من الدرس الثالث)

    قوله: (فإن قلت: تقسيم الحكم العقلي إلى الوجوب والاستحالة والجواز لا يصح أن يكون من تقسيم الكل إلى أجزائه؛ إذ لا ينحلّ الحكم العقلي إليها): أي إن المجموع المركب من هذه الأحكام الثلاثة لا يُسمى بملاحظة كونه مجموعاً حكماً عقلياً، إذ هذا هو ضابط الكل، كالبيت يتألف من الجدران والسقف والأبواب..الخ، فمجموع هذه الأجزاء مع الهيئة التركيبية يسمى بيتاً ومنزلاً، وليس مجموع الأحكام العقلية الثلاثة هكذا يسمى حكماً عقلياً، بل كل واحد منها يسمى حكماً عقلياً على حدا، إذ هذا هو الفرض.
    وقوله: ( لأنه لا يصح حمله على كلٍّ منها بحكم عقلي لما مرّ من تفسير الحكم بإثبات أمر لأمر أو نفيه عنه )، لأن ضابط تقسيم الكلي إلى أجزائه هو صحة حمل الكلي على كل قسم منها. والمعترض يزعم عدم صحة حمل الكلي الذي هو (ثبوت أمر لأمر أو نفيه عنه) على كل واحد منها، والعلة في ذلك أن بعض الأحكام هي مجرد ثبوت كالوجوب، وبعضها هي محض نفي أمر عن أمر، كالاستحالة، وبعضها يجوز عليه الأمران كالجواز. هذا هو حاصل بيان الاعتراض.
    ولكن هذا الاعتراض ليس قوياً، فإنه جارٍٍ على مجرد ملاحظة اللفظ أقصد قولنا (ثبوت أمر لأمر أو نفيه عنه)، ولكن يعلم الحاذق أن المراد من هذا التعبير إنما هو المعنى المدلول عليه به، فأنت عندما تقول ثبوت أو انتفاء تريد بهذا أنه مهما اعتبرت حكمنا بالاستحالة على أمر، فأنت تنفي عنه جواز الوجود أو تثبت له وجوب العدم، ولكن مع أن هاتين عبارتان اثنتان، إلا أن معناهما واحد لا تعدد فيه ذهناً ولا خارجاً، ومهما قلت إن الأمر الفلاني واجب، فأنت تريد بهذا أن الوجود ثابت له، وأن العدم منفي عنه، ومع أن هاتين عبارتان إلا أن معناهما واحد، وهكذا يقال في الجواز. فلو أجرينا محض العبارة من جهتي الوجود والعدم، أو الثبوت والانتفاء، لصح حمل التعريف على كل واحد من الأحكام العقلية بلا توقف، ويكون حمل كل قسم منها من جهة، كما بينا. وهذا يستلزم صحة الحمل لا عدم صحتها. ولو لاحظنا المعنى الواحد في كل تعريف، فإنه لا إشكال مطلقاً في صحة الحمل. والمعترض ظن بملاحظة نفس تعدد العبارات حاملاً إياها على جهة واحدة امتناع حمل الكلي على الأحكام وهو غير صحيح.
    وأما قول المعترض: (والحاصل أنّا لا نسلم أنها أقسام للحكم؛ لأن الحكم إما إدراك وقوع للنسبة أو لا وقوعها، فيكون كيفية وصفة للنفس كما هو التحقيق. وإما إيقاع أو انتزاع فيكون فعلاً من أفعال النفس. وأيّاً ما كان فهو بسيط فلا يكون مركباً حتى يكون من الأول، وليست هذه جزئياته حتى يكون من الثاني)
    فهو ضعيف أيضاً، لأن تلك الكيفية المشار إليها تسمى حكماً باعتبارٍٍ ما، ومتعلقها يسمى حكماً باعتبار ما، والتعريف إنما هو لمتعلق هذه الكيفية، وبساطتها لا تقدح في هذا.
    وأما قول الإمام الدردير (قلت: إن في عبارتهم هذه مسامحة، والمراد أن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة. فلما كان لا يخرج عن اتصافه بها جعلوها أقساماً له تجوّزاً).
    فهو حل عملي للإشكال ولا يتعارض مع ما ذكرناه تحقيقاً، ولا نسلِّم المسامحة إلا من جهة وضع أو إرادة أن أياً من طرفيها كافٍ في تمام مفهوم الحكم كما أشرنا.
    ولا نسلم أن اعتبارها أقساماً تجوز، مطلقاً، بل على جواب الشيخ الدردير فقط، وله وجه ، وإن كان خلاف ما رأيناه، بل هو على الحقيقة كما يظهر لنا، والكلي فيه هو مطلق الإثبات أو النفي، لأن الإثبات يتصور فيه أن لا يكون محتمِلاً للنقيض، أو يكون، فصح أن يكون مطلق الإثبات أو الثبوت كلياً، واحتمال النقيض أو عدمه عارِضات عليه، مشخِّصات لأفراده من هذا الباب. . والله أعلم

  10. #10

    نسخة وورد (شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة)

    هذه نسخة وورد للدروس الأربعة الأولى من شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ الفاضل سعيد فودة حفظه الله تعالى.
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    27
    بارك الله فيكم أخي أحمد على هذا الجهد المبارك ونأمل في الأيام القادمة أن تتوفر أشرطة الشيخ على الملتقى أو أي موقع آخر وآمل أن يقوم تلاميذ الشيخ بعلمه فكم من عالم اندثر علمه بسبب أن أصحابه لم يقوموا به وكم من مرة تأسفت عندما أسمع أن بعض تسجيلات الشيخ ليست واضحة فلماذا ياترى يحدث ذلك؟؟

  12. #12
    وبارك الله تعالى فيكم أيها الأخ الفاضل. وفي الشيخ ونفعنا بعلمه. وسأوافيكم ببقية الدروس قريباً إن شاء الله.

  13. #13

    Cool شرح منظومة الخريدة البهية للشيخ سعيد فودة (الدرس الخامس)

    ولما فرغ من بيان أقسام الحكم العقلي ووجوب معرفة الله تعالى على كلّ مكلف أخذ في بيان الطريق الموصل إلى معرفته تعالى وهي حدوث العالم، فقال:
    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    ثم اعْلَمَنْ بأن هذا العالَما=أي ما سوى اللهِ العليِّ العالِما
    [/poet]
    طريقة معرفة الله سبحانه هي النظر في العالم، فطريقة المتكلمين لمعرفة الله هي النظر في العالم، لذلك بعد أن تكلم الشيخ عن العقل أراد أن يشرَع في المطلوب وهو معرفة الله تعالى، فقال: (ثم اعلمن بأن . . .).
    لم يُرد المتكلمون من هذا أن يقولوا إن العالم هو عين حقيقة الله سبحانه وتعالى، بل قالوا: العالم يدلّك على الله، فأنت تنتقل من صفات العالَم المحتاجة الناقصة المحدودة إلى العلم بأن هذا العالم محتاج إلى خالق وأنه لا بد له من خالق، وأن خالقَه ليس ناقصاً ولا محتاجاً ولا محدوداً.
    فالعالَم وسيلة للإدراك، كل محتاج لا بد له من موجِد، لأن المحتاج جائز، والجائز لا يوجَد وحده، بل لا بدّ له من موجِد، وهذا الموجِد إما أن يكون جائزاً مثل العالم وإما أن يكون واجباً، إذا كان جائزاً فلا بد له من موجِد، وهكذا فيلزم الدور أو التسلسل.
    إذن ينتقل العقل من ملاحظته النقص في العالم إلى إدراك وجود الله وهو غير العالَم وغير متصف بصفات العالم.
    طريقة المتكلمين هذه ليست هي نفس طريقة الفلاسفة التي ترى أن ذاتَ الله علةٌ للعالم، كما أن الشمس علة لصدور الشعاع وهي من نفس الصنف ولكن هناك تلازم.
    بناء على مذهب الفلاسفة لا يمكن أن يصدقوا بوجود العالم إلا إذا وُجد سبحانه وتعالى، كذلك لا يمكن أن يصدقوا بوجود الله إلا مع وجود العالَم، فيصبح وجود العالم واجب بنفس ذات الله لا بإرادته.
    بناء على كلام المتكلمين الذين يقولون إن الله خلق العالم بإرادته، صحيح أنهم يقولون يستحيل أن نثبت العالم مع نفينا لله، إذن مع إثباتهم للعالم يجب أن يثبتوا الله، لكن مع ذلك يقولون: يمكن أن نثبت وجود الله مع عدم الحاجة إلى إثبات وجود العالم، أي يمكن للعقل أن يصدق بوجود الله من دون وجود العالم. وهذا هو الذي دلّت عليه النصوص الشرعية بأن الله هو الباقي ولو شاء لأعدم العالم كله، فلو أراد الله لأهلك المسيح وأمه ومن في الأرض، لذلك قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "كان الله ولم يكن شيء معه"، هذا الحديث لا يصح ولا يصدق إلا على مذهب المتكلمين بينما على مذهب الفلاسفة: لم يكن الله إلا وكان العالم معه، وابن تيمية يقول بقول الفلاسفة، لأنه يقول معنى كون الله خالقاً هو أنه أوجد العالم، والله تعالى منذ الأزل خالق، إذن فالعالم منذ الأزل مخلوق.
    لكن المتكلمون ومنهم الإمام الطحاوي قال: ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق. إذن هو خالق قبل أن يخلق الخلق، فهناك قبلية لله سبحانه وتعالى على خلقه. وهذا خلاف ما يقوله ابن تيمية.
    ابن تيمية ألف كتاباً خاصاً لتأويل الحديث الشريف: "كان الله ولم يكن شيء معه"؛ لأن المعنى الصحيح لهذا الحديث يُبطل مذهبه.
    قول الشيخ الدردير: (. . بيان الطريق الموصل إلى معرفته تعالى وهي حدوث العالم): بالطريقة التي شرحناها لا بالطريقة التي يقول بها ابن عربي، فهو يقول: إذا عرفتَ العالم عرفتَ الله؛ لأن الله هو عين العالم.
    نحن نقول: لا يمكن أن نعرف حقيقة الله لأنها لا يمكن أن تُحَدّ، لأنها لا تُحَدّ أصلاً، فليس لها جنس ولا فصل، فالله له حقيقة خاصة به متفرد بها، لذلك نحن لا نستطيع أن نعلمها، لأننا لا نعلم إلا ما كان من قبيل الأشياء الأخرى، والله سبحانه لا تَشَارُكَ بيننا وبينه في شيء من الأشياء؛ لذلك لا يمكن أن نعرف حقيقته، هذا كلام المتكلمين.
    لكن ابن عربي يقول: الله لا يُحَدّ؛ لأن الحدود هي المظاهر، ومظاهر الله هي حدوده، والمظاهر هي المخلوقات كلها، والإنسان لا يمكن أن يعرف حدّ الله إلا إذا أحاط بجميع مظاهر الكون (هذا بناء على وحدة الوجود).
    فعلّة استحالة تحديد الله عند ابن عربي ليست هي نفس علة عدم تحديد الله عند المتكلمين. وهذه القضية عند المتكلمين تسمى: منفية بسلب الموضوع، أي ننفي هذه القضية لأن موضوعها أصلاً منفي، لأن الحد على الله منفي، ليس لأن المحمول غير مقدور على تحصيله كما يقول ابن عربي.
    (ثم) بعد أن عرفتَ أنه يجب على كلّ مكلَّف شرعاً أن يعرف ما يجب في حقّه تعالى وما يستحيل وما يجوز (اعلمن) بنون التوكيد الخفيفة. وضمّن العلمَ معنى التصديق فعدّاه بالياء في قوله: (بأن هذا العالما) بجميع أجزائه، سمي بذلك لأنه علامة أي دليل على وجود صانعه، وفي التعبير باسم الإشارة إشارة إلى أن حقائق الأشياء ثابتة وأن العلم بها متحقق: (ثابتة) أي لسنا نحن الذين نثبت حقائق العالم، بل حقائق العالم ثابتة في نفسها. اسم الإشارة وضع في اللغة العربية للثابت أي للأمر الموجود في الخارج. إذن العالم أمر ثابت في نفسه وأنت تنظر في هذا الأمر الثابت.
    قوله: (العلم بها متحقق): لأنه قال: الطريق إلى معرفة وجود الله النظرُ في العالم، إذن أنت تنظر في العالم أي تفكر فيه، أي يمكن أن تعلم حقيقة العالم وصفاته، إذن العلم بها متحقق أي يمكن أن يتحقق لا أنه متحقق بالفعل؛ لأن النظر هو الذي يحقق العلم.
    وهو كذلك عند جميع الملل: (كذلك) أي حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق.
    إلا السوفسطائية فقد خالفوا في ذلك وهم فرق ثلاثة: عنادية يقولون لا ثبوت لحقيقة من الحقائق وإنما هي أوهام وخيالات كالذي يُرى في المنام: هؤلاء يقولون إن العالم كله أوهام وخيالات وهذا نوع من العناد.
    السوفسطائبة عبارة عن أمراض نفسانية لا أنظار عقلية. وهذه الأمراض تحدث في بعض الناس، فيظنون أنها فلسفات.
    وعندية يقولون: الشخص عند اعتقاده، حتى لو اعتقد أن النار جنة أو بالعكس لكان كذلك:
    وهذا القسم تمثله التيارات العلمانية الحديثة التي تقول: كل إنسان يعتقد بما يريد، وهو عند اعتقاده، فهم يقولون: ليس هناك حقيقة لهذه الاعتقادات كلها، فكلٌّ يعتقد بما يريد، لذلك فالعلمانية تحوي جميعَ العقائد لا أنها تقول إنها حق في نفس الأمر، بل هي تقول: إن هذه العقائد ليست حقاً في نفس الأمر وهي عبارة عن خيالات في نفس من يقول بها، لكن هذا الذي يقول بها يجب أن يقول بها، فله ذلك، ولكن بشرط فصل الدين عن الحياة الاجتماعية والدولة.
    فليس لأحد أن يملي الآراء الدينية على غيره، فليس للدين واقع خارجي، بل يبقى في نفس من يعتقد به.
    واللاأدرية يقولون في كل شيء: لا أدري، حتى إنه يشك في نفسه وفي شكِّه.
    وتوضيح الردِّ عليهم مذكورٌ في المطولات
    : هؤلاء يقولون: لا أدري عن كل شيء، لا يعاندون ولا يقولون أنا عندي هذا.
    وهؤلاء جميعاً سوفسطائيين. هذا كله نتيجة تفرّدات نفسانية لا أنظار عقلية؛ لأن الحق في نفسه لا يتعدد.
    السوفسطائيون تتعدد مرجعياتهم فليس لهم مرجعية واحدة، لذلك يكثر اللغط بينهم.
    والرد على هؤلاء مذكور في المطولات، لكن الإمام التفتازاني ذكر طريقة مختصرة للرد عليهم، قال: هؤلاء لا يمكن أن تأتي لهم باستدلال لأنهم معاندون وعنديون، والذي يقول: لا أدري لا تستطيع أن تتكلم معه.
    فيقول إن طريقة مناقشتهم هي إيلامهم؛ لأن الإنسان إذا سفسط في البدهيات والضروريات والأنظار العقلية فلا يوجد هناك شيء يرجعه إلى عقله إلا أن يشعر بالألم؛ لأن الألم شيء وجداني حسّي لا يمكن أن يغالطه الإنسان.
    يقول التفتازاني: طريقة نقاشهم إحراقهم بالنار، فإن اعترفوا فقد أثبتوا للنار بعض الحقائق، ومن هذه الحقيقة نبدأ. وإن لم يعترفوا ماتوا.
    فلا بد من إرجاعهم إلى المحسوسات، فطريقة نقاشهم هي صدمهم إما في عواطفهم أي إيلامهم وجدانياً أو إيلامهم حسياً، ومن المحسوسات ينتقل إلى البدهيات ومن البدهيات إلى النظريات وهكذا.
    ثم فسّره بقوله: (أي ما) أي الشيء الذي هو (سوى الله العلي العالما) نعت الله على القطع، فهو منصوب على المدح وألِفُه للإطلاق من الجواهر والأعراض: أي الذي هو سوى الله يتكون من الجواهر والأعراض.
    والجوهر ما قام بنفسه. والعَرَضُ ما قام بغيره من الجواهر كالألوان: الجوهر لا يحتاج في قيامه إلى محل يقوِّمه، بل هو محلٌ لنفسه، فمحلُّه عينُ ذاته، يعني أن المقيم هو صفة من صفاته الذاتية التي تستوجب أن يكون قائماً بنفسه خلافَ العَرَض الذي يحتاج لكي يقوم إلى محل يقوّمه، أي يحمله، مثل الحركة فهي لا توجد وحدها، بل تحتاج إلى جسم لكي يتحرك، فهي تقوم بالجسم، أي بملابسة الجسم، محل قيام الحركة وحدوثها هو الجسم فليست وحدها، أما الجسم فيوجد ويقوم في الوجود وحده، لا يحتاج الجسم إلى محل يقوم به كما تقوم الحركة في الجسم.
    فالجوهر هو الذي لا يحتاج إلى محل وليس الذي لا يحتاج إلى فاعل لكي يقوِّمه؛ لأنه محتاج إلى فاعل ولكنه غير محتاج إلى محل.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    من غيرِ شكٍّ حادثٌ مفتقرُ = لأنه قامَ به التغيُّرُ
    [/poet]

    (من غير شكّ) متعلّق بقوله: (حادث) أي موجود بعد عدم:
    مفهوم الحدوث هو الوجود بعد العدم، وليس مفهومه أن يسبق وجودَ الشيء أزمنةٌ كثيرةٌ ولا قليلة، فسَبْقُ الزمان للشيء الموجودِ ليس شرطاً لكون الشيءِ حادثاً، لأن الزمانَ ـ أصلاً ـ ليس موجوداً، لا يوجد هناك شيء في الخارج اسمه زمان. قبل وجود العالم لم يكن هناك شيء اسمه زمان، فقبل وجود العالم كان الله ولم يكن شيء معه، فلم يكن زمان ولم يكن مكان، فحين أوجد اللهُ العالمَ أوجده بلا سَبْقِ زمان عليه، لأنه لم يكن ثمة شيء موجود.
    كذلك لم يوجِده في مكان، لأن العالَمَ لو احتاج في وجوده إلى مكان لصار الجسمُ محتاجاً إلى محل يقوّمه، فصار الجوهر عرضاً، وهذا باطل.
    فالله سبحانه لم يوجِد مكاناً ثم وضع فيه العالم، بل المحل مشتق من ذاته، أي منتزع انتزاعاً من ذات العالم، ليس شيئاً خارجاً عن ذاته، فالله سبحانه وتعالى أوجد العالم وبإيجاده العالم أوجد المكان الذي هو تابع من توابع العالم أو صفة ذاتية من صفات العالم وليس شيئاً خارجاً عن العالم، لا يمكن انفكاك وجود العالم عن محله، إذا انعدم محل العالم انعدم العالم؛ لأنه من صفاته الذايتة.
    كذلك نقول في الزمان الشيء نفسه: لم يكن هناك زمان قبل وجود العالم، فلم يسبق وجودَ العالم أزمنةٌ لا نهاية لها ولا أزمنة لها نهاية، لا أزمنة كثيرة ولا أزمنة قليلة، فلم يسبق وجودَ العالم أيُّ زمان مطلقاً؛ لأن الزمانَ عبارةٌ عن نسبة متغير إلى متغير آخر، وقبل وجود العالم لا يوجد هناك متغيرات فلا يوجد زمان، فلا يوجد هناك شمس تدور ولا ظلّ ولا أرض تتحرك . . فلا يوجد هناك حركة مطلقاً، فلا يوجد تغير ولا يوجد زمان.
    لذلك فقد عرّف العلماءُ العالمَ بأنه حادث بعد عدم وليس بعد زمان، ليس شرطاً لحدوث العالم سَبْقُ الزمان له، فهو حادث بعد عدمِ نفسِه، أي أن عدمَ نفسِه سبقت وجودَ نفسِه، كلُّ شيء كان كذلك، أي وُجد بعد أن لم يكن . . فهو حادث.
    ليس جزءاً من مفهوم الحادث سبقُ الزمان.
    إذا فهم الإنسان هذا الأمر فكثير من تشكيكات الفلاسفة أو الملحدين تنحلّ كما سيأتي.
    وهو خبر (أن)، أي إن حدوثَه غيرُ مشكوكٍ فيه لمن تأمل، أو أن المراد أنه يجب له الحدوث كما يجب لمحدِثه القدم، فلا يرد أن حدوثه لا يقول به الفلسفي: بناء على التفسير الذي تقدم للحدوث وهو الحدوث بعد العدم، يجب له الحدوث حتى وإن قال الفلسفي لا يجب له الحدوث، فمجرد مخالفة الفلسفي لا تستلزم عدمَ وجوبِ الحدوث للعالم، لأنه من الممكن أن يقول البعضُ إن الله ليس موجوداً، ولكن هذا لا يستلزم عدمَ وجود الله.
    نحن نقول إن الله سبحانه واجب الوجود حتى وإنْ قال بعض الناس ليس موجوداً، فالفلاسفة يقولون إنه مهما تصوّرت وجود الله فيجب أن تصدق بوجود العالم، لأن هناك علاقة عليّة ومعلولية بين الواجب الوجود وبين المخلوقات فلا تنفك العلة عن المعلول، بينما قال أهل السنة إن هناك انفكاك؛ لذلك نقول: كان الله ولم يكن شيء معه، ثم بعد ذلك خلق العالم.
    هذا فرق جوهري وأساسي بين المذهبين، بناء على هذه النقطة فإن الإمام الغزالي كفّر الفلاسفة الذين يقولون بهذا؛ لأنها مسألة أصلية تستلزم نفيَ الإرادة وكونَ اللهِ مجانساً للعالم، أي أن العالم من جنس الله والله من جنس العالم، وهو ما يسمونه بقوانين السمخية، أي هناك اشتراك ما بين وجود الله ووجود العالم، وهذا كله قد قال به كثير من الفلاسفة، بينما أهل السنة يقولون: كل ما خطر ببالك فالله سبحانه ليس كمثله شيء، فذات الله مخالِفة لذات الحوادث. فالقول بأن ذات الله مخالفة لذات الحوادث لا يتم على أصوله إلا بنفي كون الله علةً للعالم.
    لأنه لو كان علةً للعالم لصار العالمُ مسانخاً له أي مشتركاً مع حقيقة ذات الله في بعض الأصول.
    إذا قلنا إن حركة اليد هي علة لحركة الخاتم أو الساعة، ليست اليد علة للساعة وليست اليد علة للحركة، ولكن حركة اليد علّة لحركة الساعة، هناك اشتراك بين العليّة والمعلولية، نحن نقول: شعاع الشمس معلول عن الشمس والشمس علّة للشعاع، هناك اشتراك بين حقيقة الشعاع وحقيقة الشمس.
    كذلك أيّ شيئين يقال إن أحدَهما علّةٌ للآخر، فيجب أن يكون هناك اشتراك وتسانخ بينهما في الحقيقة والماهية.
    العلية والمعلولية تستلزم الاشتراك في جهة المعلولية.
    وجود كل شيء هو عينه عند أهل السنة؛ لذلك لا يقال ـ عندهم ـ إن وجود الله علة لوجود العالم لأنه يلزم من هذا القول تسانخ بين وجود الله ووجود العالم، أي بين حقيقة الله وحقيقة العالم.
    وحقيقة الشك التردد في الطرفين على السواء، ومراده به هنا مطلق التردد الشامل للظن وهو الطرف الراجح، والوهم هو المرجوح: النفس إذا تعلقت بقضية من القضايا تتعلق فيها على سبيل العلم وهو القطع أو على سبيل الظن أو على سبيل الشك، أو على سبيل الوهم أو على سبيل التكذيب (هذه مراتب تعلق النفس بالقضايا).
    إذا تعلقت النفس بالقول إن زيداً أتى، قد تتعلق النفس بهذا على سبيل القطع، وقد يكون قد غلب على الظن مجيءُ زيد، وفي بعض الأحيان تكون النفسُ مترددةً هل جاء زيد أم لا والأمران بنفس الاحتمال.
    وفي بعض الأحيان ترجِّحُ النفسُ أن زيداً لم يجئ ولكن تحتمل أنه جاء هنا يكون وهماً، وفي بعض الأحيان تقطع النفس بأن زيداً لم يجئ.
    (مفتقر) إلى موجِد يوجده من العدم، وهو خبر ثانٍ لازم للأول؛ إذ الحادث لا يكون إلا مفتقراً ابتداء ودواماً، وفي الحقيقة هو يشير إلى نتيجة القياس الذي صرّح بصغراه وطوى كبراه:
    إذا كان العالم حادثاً فيجب أن يكون مفتقراً؛ لأن كلَّ حادثٍ يجب أن يكون مفتقراً أي محتاجاً إلى من يوجده.
    لأننا إذا قلنا إنه حادث بمعنى أنه لم يكن ثم كان، فحال كونه لم يكن فكيف ـ بعد ذلك ـ كان؟ هل بذاته؟
    إذا كانت ذاته في الحالتين ذاتاً واحدة فكيف صدر عنها أمران متغايران متناقضان؟ هذا مستحيل. إذن هو بالنسبة لذاته أمر واحد والماهية ممكنة تبقى في حيز الإمكان، ولكن وجودها ليس منها، يجب أن تكون مستمِدة هذا الوجود من غيرها الذي يمدّها بهذا الوجود، وتستمر في الافتقار حتى بعد وجودها؛ لأن ماهيتها ما زالت نفس الماهية الممكنة، فحال وجودها وحال عدمها تكون الماهية واحدة ولكن اختلف الوجود والعدم، حال وجودها لا تصبح بعد وجودها غنية عن الموجِد، بل تبقى بعد الوجود مفتقرة.
    لذلك قال ماهية الممكن مفتقرة حال الحدوث وعلى الدوام.
    ونظْمُه هكذا: العالم حادث وكلُّ حادث فهو مفتقر إلى محدِث، ينتج: العالُم مفتقرٌ إلى محدِث. أما دليل كون العالم حادثاً (فلأنه قام به) أي بالعالم، يعني باعتبار بعضه وهو الأعراض (التغيّر) من عدم إلى وجود ومن وجود إلى عدم.
    (
    نظمه) أي دليله. والدليل منتظِم من مقدمتين: المقدمة الأولى هي: العالم حادث. المقدمة الثانية: كل حادث مفتقر إلى محدِث. وينتج عن هاتين المقدمتين: العالم مفتقر إلى محدِث.
    مجرد تصديق الإنسان بالمقدمتين ينتج عنده في نفسه قضية ثالثة وهي نتيجة وهي أن العالم مفتقر إلى مَن يوجده.
    النظر يكون في هاتين المقدمتين لا في كيفية الاستلزام، لأن كيفية الاستلزام قطعي، فمجرد التسليم بهاتين المقدمتين تكون النتيجة قطعية.
    إذن محل كلامنا في هاتين المقدمتين:
    المقدمة الثانية (كل حادث مفتقر إلى محدِث) لا يوجد فيها شك؛ لأن كل إنسان يجزم بأن كل حادث لا بد له من محدِث ويستحيل أن يحدث الشيءُ وحدَه.
    المقدمة الأولى (العالم حادث) تحتمل النظر؛ فقد خالف بعض الناس وقالوا إن العالم قديم.
    إذن محل النظر يكون في إثبات أن العالَمَ حادثٌ، لأنه أثناء وجودنا ووجود من تقدمنا كان العالم موجود، من رأى أن العالم كان معدوماً؟ إذن هذه المسألة ليست بدهية وليست حسيّة، إذن هي مسألة نظرية.
    فالاقتناع والتصديق بأن العالم حادث أي أنه كان معدوماً ثم وُجد يحتاج إلى نظر، إذن يجب علينا الآن الإتيان بأدلة تثبت أن العالم حادث.
    إذا أثبتنا أن العالم حادث، وثبت عندنا بأن كل حادث فلا بد له من محدِث، فمن نظم هاتين المقدمتين بهذا الشكل ينتج عندنا في أنفسنا القضية التي تقول إن العالم يحتاج إلى محدِث، وهذا هو المطلوب.
    بمجرد إثبات أن العالم يحتاج إلى محدِث فقد ثبت وجود الله تعالى.
    طريقة الاستدلال بهذا الشكل الإجمالي هي أصل معتمَد أهل السنة . . الأصل الذي يعتمد عليه أهل السنة في كلامهم.
    ثم بعد إثبات وجود محدِث للعالم يستحيل أن يكون محدِثُ العالم يتصف بنفس صفات العالم وإلا لاحتاج إلى محدِث فيلزم الدور أو التسلسل.
    لقطع الدور أو التسلسل اللذين هما مستحيلان في العقل يجب أن نقول إن محدث العالم ليس مثل العالم إذن محدِث العالم قديم.
    العالم مفتقر ومحدِثه غني، العالم حادث ومحدِثه قديم، العالم متغير ومحدثه ليس بمتغير... وهكذا. فتنتج جميع صفات الله عندنا.
    وهذه الطريقة استنبطها العلماء من القرآن؛ هناك آيات كثيرة تحث على النظر في العالم والآفاق والأنفس وملكوت السموات والأرض.
    طريقة الأنبياء أيضاً، فسيدنا إبراهيم حين كان يتأمل السموات والأرض. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، فلما أفلت قال لا أحب الأفلين، إذن هذه عبارة عن طريقة يبينها لنا الله سبحانه، فالأنبياء أنفسهم يتفكرون في ملكوت السموات والأرض لكي يستنبطوا الدليل على وجود العالم.
    نظرُ إبراهيم عليه السلام لم يكن نظرَ عاشق ولا نظر شاعر، بل نظراً في ملكوت السموات والأرض وجهةِ دلالة هذه المخلوقات على الله.
    فحين قال: هذا ربي، هو لم يكن يعتقد أن الشمس ربه ولا أن القمر ربه ولكن هذا منه كان تعليماً للناس، وكان تقريراً للأدلة.
    فقوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون الكواكب، فقال: هذه الكواكب التي تعبدونها كلها تأفل وتتحرك وتتغير، والذي يتغير محتاج لأنه قد طرأت عليه الحوادث، إذن يستحيل أن تكون هذه هي الرب التي تعبدونها، الرب لا بد أن يكون كاملاً لا يطرأ عليه نقص؛ لأن الذي يطرأ عليه نقص فإما أن تكون الحالة الأولى هي الأكمل أو الحالة الثانية هي الأكمل.
    فإذا كانت الحالة الثانية هي الأكمل كانت الأولى ناقصة . . . إذن على الحالتين فكل شيء يطرأ عليه التغير فهو ناقص.
    والشمس والقمر . . كلها طرأ عليها التغير فهي ناقصة، وليس فيها ما يستحق أن يكون رباً فيُعبد.
    بعد ذلك توجه إلى الله، فكل ما تعبدونه ليس هو الله، فيجب أن نتوجه إلى الله الذي هو مخالف لكل هذه الأمور، حتى لو لم نره.
    هذه بعض الآيات التي استند عليها المتكلمون في استنباط الأدلة من الكتاب والسنة، واعتمدوا كذلك على أمور كثيرة، ولكن أشهرها هو دليل التغيّر، مطلق التغير الذي هو انتقال من حال إلى حال دليل الاحتياج، وأحد الحالين يكون كمالاً والآخر نقصاً.
    الإله ليس متغيراً.
    بعد ذلك صاغ المتكلمون هذه الطرق بمثل هذه الاستدلالات المنطقية حتى يسهُل تعلمها وتعليمها، فليس من المتيسر أن يتأمل جميع الناس الشمس والقمر ولكن يمكن التحدث مع الناس بطرق سهلة منطقية.
    نظروا في العالم من جهة تغيّره فانتقلوا من كون العالم متغيراً إلى حدوث العالم.
    أخذوا المقدمة الأولى التي تقول إن العالم حادث، وحللوها: ممَّ يتكون العالم؟ هل في العالم خصائص وصفات ذاتية تستلزم أن يكون حادثاً؟ هل الحدوث وصف ذاتي للعالم؟ مطلوبهم إثبات الحدوث للعالم فنظروا في العالم لا في الحدوث.
    فكما تقدم فإن الممكن والواجب والمستحيل نأخذه لذاته وننظر فيه لذاته ونحلله، والعقل يحكم بعد ذلك بإثبات الوجوب له أو عدمه.
    قالوا: العالم مؤلف من جواهر وأعراض، الجوهر ما لا يحتاج إلى محل لكي يقوم به، والعَرَض ما يحتاج إلى محل، ثم قسّموا الأعراض إلى أصناف، ثم نظروا في كل صنف فوجدوا أن كل عرض يجب أن يكون حادثاً، ثم قالوا: الجوهر لا يمكن أن يوجد إلا بوجود العَرَض، ولكن كل الأعراض حادثة فكل الجواهر حادثة، لأن شرط وجود الجواهر وجود الأعراض.
    إذن الجواهر والأعراض حادثة، إذن مجموع العالم حادث. وهذا الاستدلال أيضاً يتكون من مقدمتين ونتيجة: العالم يتكون من جواهر وأعراض، والأعراض حادثة (لأن العرض لا يخلو من كونه حركة أو كيفية . .)، والحركة حادثة لأنه كذا وكذا . .
    هذه الاستدلالات مفصلة، ولكن هذا الكتاب مبني على الإجمال.
    وذلك إما بالمشاهدة كالحركة بعد السكون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض والحرارة بعد البرودة إلى غير ذلك والعكس، وإما بالدليل وذلك لأن ما شوهد سكونه مثلاً على الدوام كالجبال، أو حركته على الدوام كالكواكب جاز أن يثبت له العكس؛ إذ لا فرق بين جرم وجرم.
    إذن قسّم الأعراض، بعض الأعراض نشاهد تغيرها من حدوث إلى عدم ومن عدم إلى حدوث، وبعضها نشاهد دائماً أنها موجودة مثل حركة الشمس حيث إنه لا يمر وقت تكون فيه الشمس ساكنة، وبعض الأشياء دائماً نراها ساكنة مثل الجبال . . إذن هناك ثلاثة أقسام.
    سنتناول القسم الأول: القسم الأول حادث بالمشاهدة، وأما القسم الثاني الذي هو متحرك دائماً، نحلله، ونحتاج إلى دليل آخر حتى نقول: هل حركته واجبة أم ممكنة، هذه الحركة التي اتصفت بها الشمس هل هي مختلفة في الجنس عن حركة الشجر وحركة الإنسان، من حيث الجنس الحركة واحدة متساوية.
    ما دامت الحركة متساوية بالنسبة للشمس وبالنسبة للأرض والإنسان . .
    إذن ما يثبت للإنسان من حيث كونه متحركاً وهو الافتقار وما ثبت للشجر من حيث كونه متحركاً وهو الافتقار يجب أن يثبت للشمس من حيث كونها متحركة وهو الافتقار، كلاهما اتصفا بأمر واحد وهو الحركة.
    والأحكام التي نثبتها لشيء بسبب اتصافه بصفات معينة فيجب أن نثبتها لشيء آخر إذا اتصف بنفس الصفات.
    هذا يفسّر القاعدة التي تقول: الأمثال لها نفس الأحكام.

  14. #14

    تابع الدرس الخامس

    ننتقل بعد ذلك إلى الجبال: فالجبل الذي رأيناه ساكناً، هل سكونه دائم وواجب؟ هل يستحيل أن يتحرك هذا الجبل؟
    يمكن أن يتحرك بأن نتصور أن زلزالاً حرّكه. ثم نقول: هل الجبل في صله ساكن؟ هو متحرك دائماً ولكننا نتوهم أنه ساكن لأننا نتحرك بحركته، فتصير الحركة النسبية بيننا وبينه صفراً.
    وإذا جاز عدمها استحال قدمها؛ لأن ما ثبت عدمه استحال قدمه، فتكون حادثة، فحينئذٍ جميع الأعراض حادثة، ويلزم من حدوثها حدوث جميع الأجرام والجواهر لعدم انفكاكها عن الأعراض الحادثة. وكل ما لا ينفك عن الحادث فهو حادث. فظهر أن جميع العالم من أعراضه وأجرامه وجواهره حادث، أي موجود بعد أن لم يكن:
    ما ثبت عدمه فهو ممكن، والممكن محتاج والمحتاج يستحيل أن يكون قديماً، لأنه لو كان قديماً لبطل كونه محتاجاً.
    وأما دليل كون كل حادث فهو مفتقر إلى موجِد يوجده؛ فلأنه صنعة بديعة محكمة الإتقان. وكل ما كان كذلك فله صانع؛ إذ لو لم يكن له صانع للزم أن يكون حدث بنفسه، فيلزم ترجيح أحد الأمرين المتساويين أعني الوجود والعدم على مساويه بلا سبب، وهو محال. لما يلزم عليه من اجتماع الضدين أعني المساواة والترجيح بلا مرجح على أنه يلزم عليه ترجيح الأضعف على الأقوى لأن الأصل فيه العدم، وهو أقوى من وجوده.
    هذا هو البرهان المشهور بينهم في بيان حدوث العالم وافتقاره إلى صانع:

    كل حادث لا بد له من محدِث أو لا بد له من مرجح، لماذا؟ لأنه إذا قلنا إن أصل العالم حادث، ثم نظرنا في العالم فرأينا هيئته وشكله محكم الصنعة، من طريقة صناعة العالم يجب أن نعلم أن هذا العالم يستحيل أن يوجد وحده كذلك، أي يستحيل أن يكون وجوده على هذه الصورة لذاته، لأن الأصل فيه أنه حادث والحادث مستوي الطرفين؛ لأن الحادث كان معدوماً ثم وُجد، إذن صحّّ عليه الوجود وصحّ عليه العدم، إذن استوى عليه الوجود والعدم، بل وجوده على هذه الصورة مع عدم وجوده على هذه الصورة ووجوده على صورة أخرى.
    ما الذي أوجب على الأرض أن توجد بهذا الشكل وبهذا البعد من الشمس؟ لماذا لم تكن أبعد أو أقرب؟ ما الذي أوجب أن توجد الشمس؟ وما الذي أوجب على الإنسان أن يوجد بهذه الصورة؟
    كل هذه الأمور في نفسها ممكنة ولكن ما الذي أوجب وجودها على هذه الصورة؟ هل هي ذاتها؟ يستحيل؛ لأن الأصل أنها حادثة والحادث مستوٍ فيه الطرفان، إذن التدبر والتفكر في حقيقة الصنعة أي الإحكام والإتقان نعرف أنه يستحيل أن يترجح جانب وشكل من الأشكال الممكنة على العالم دون شكل آخر لنفس حقيقة العالم؛ لأن حقيقة العالم ممكنة ونفس الممكن لا يرجّح، بل هو نفسه يحتاج إلى ترجيح.
    إذن بالنظر إلى العالم من حيث كونه متقناً نعرف أنه لا بد لكل حادث من محدث.
    بعض العلماء يقولون: لا نحتاج إلى الاستدلال على كون الحادث يحتاج إلى محدث إلى النظر في الصنعة والإحكام والإتقان، بل إن العلم بأن كل حادث لا بد له من محدث فهذا أمر بدهي لا يحتاج إلى النظر.
    قال الإمام الرازي: هذه القضية مركوزة في نفوس الناس حتى في نفوس البهائم، فالحمار إذا سمع صوتاً يلتفت، فهو يعلم أن هذا الصوت الذي حدث فجأة لا بد أن يصدر من محدِث.
    لكن المصنف هنا اختار أن يدلل على هذه القضية للتنبيه.
    ملاحظة: الذي تم شرحه من قبل وهو الذي يتكون من مقدمتين يسمى دليل الحدوث.
    ولك أن تستدل على حدوثه بكونه أنواعاً مختلفة وأصنافاً متباينة كما يشير إليه آي القرآن العزيز. وذلك لأن بعضه علوي وبعضه سفلي. وبعضه نوراني وبعضه ظلماني، وبعضه حار وبعضه بارد، وبعضه متحرك وبعضه ساكن، وبعضه لطيف وبعضه كثيف. وبعضه شوهد وجوده بعد عدمه وبعضه شوهد عدمه بعد وجوده. إلى غير ذلك. وكل نوع من هذه الأنواع مشتمل على أصناف وأفراد وصفات لا قدرة لأحد على إحصائها: كون دليل الحدوث هو البرهان المشهور لا يستلزم عدم وجود غيره، لذلك قال: ولك أن تستدل بأدلة أخرى.
    فدلّ على أنه مفتقر إلى مخصص حكيم خصّ كلّ نوع ببعض الجائز عليه، فيكون حادثاً بعد عدم وأن خالقه مختار لا علة ولا طبيعة؛ إذ معلول العلة ومطبوع الطبيعة لا يختلف على فرض تسليمه. قال تعالى: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب". "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء". إلى غير ذلك من الآيات: أي خلقه باختياره ليس لكونه علة أو طبيعة. لو فرضنا أن هناك شيئاً اسمه خالق بالعلة وخالق بالطبيعة . . لو فرضنا وجود الطبيعة والعلة، لكنّا لا نسلّم أن المخلوق عن طريق العلة يمكن أن يتعدد أو يتنوع، لأن العلة إذا كانت واحدة فيجب أن يكون معلولها واحداً؛ لأن بينها وبين معلولها تسانخ، وهم يقولون إن الأصل أن تكون العلة واحدة، لأن علة كل شيء عندهم واجب الوجود.
    فنحن نسألهم: إذا كان واجب الوجود عندكم بسيطاً أي واحداً لا يتكثر ولا يتعدد فكيف صدر عنه هذا العالم الكثير الذي فيه كثرة وتنوّع ؟ !
    وأنتم تقولون إن هناك تسانخاً بين العلة والمعلول، فهنا يوجد محل إشكال في مذهب الفلاسفة.
    نحن نقول: لو تنزّلنا وسلّمنا بأن هناك شيئاً يوجِد بالعلة وشيئاً يوجِد بالطبيعة ـ ونحن لا نسلّم بذلك ـ لوجب أن يكون المعلول واحداً لا كثيراً، لكنّ الذي نراه هو أن العالم الذي يقولون إنه علة لواجب الوجود هو كثير وليس واحداً.
    فإذن يستحيل أن يكون هذا العالم معلولاً لعلة واحدة إذن يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالعلة، وكذلك يستحيل أن يكون صادراً عن واجب الوجود بالطبيعة.
    والطبيعة مثل العلة ولكنها تتوقف على وجود شرط أو انتفاء مانع، مثل النار يقولون النار تفعل بالطبيعة لأنها تتوقف على وجود شرط وهو ملامسة الجلد وانتفاء مانع مثل عدم البلل.
    وهذا بخلاف العلة فهي تفعل مباشرة مثل حركة الخاتم لحركة اليد. والحقيقة أنه ليس هناك فرق جوهري.
    إذن ما دام أن الخالق يستحيل أن يكون فاعلاً بالعلة ويستحيل أن يكون فاعلاً بالطبيعة إذن هو فاعل مختار وهذا معنى أنه حكيم، فالحكمة هي الفعل بناء على الإرادة والعلم الذي هو الاختيار.

    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    حُدوثُه وجودُه بعد العدمْ= وضدُّه هو المسمّى بالقِدَمْ
    [/poet]

    (حدوثه وجوده بعد العدم) يعني أن حدوث العالم عبارة عن وجوده بعد عدمه خلافاً للفلاسفة فإنهم ذهبوا إلى قِدَمه ومع ذلك أطلقوا القول بحدوث ما سوى الله تعالى، لكن بمعنى الاحتياج إلى الغير، لا بمعنى سبق العدم عليه. ومعتقِد ذلك كافر بإجماع المسلمين.
    (وضِدُّه) أي ضدّ الحدوث أي مقابله يعني عدم أوليّة الوجود (هو المسمّى بالقدم) ولا يكون إلا لله وحده كما سيأتي ولا واسطة بين الحدوث والقدم إذا علمتَ أنه يجب على كلّ مكلَّف أن يعرف ما يجب وما يستحيل وما يجوز لله تعالى وعلمتَ الطريق الموصِل إلى المعرفة.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    المشاركات
    2,373

    شكر وتقدير

    أشكرك أيها الأخ الفاضل أحمد على جهدك اللطيف في تفريغ الدروس من الأشرطة وطباعتها وتنسيقها ومراجعتها، وأنا أعرف أن هذا يستنفذ منك جهدا كبيرا، ولكن أدعو الله تعالى أن يكتب هذا لك في ميزان حسناتك.
    وأدعو الله تعالى أن ينتفع المسلمون بهذه الدروس والشروح، فليس لنا من هذا إلا رضا الله تعالى ونصرة المذهب الذي ارتضاه جماهير أهل السنة وكبار علماء الأمة. وهو الذي نراه أحق بالاتباع من غيره من المذاهب.
    والله يوفقنا جميعا إلى ما فيه الخير.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •