النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: نظرة تحليلية على العلوم الشرعية في الوقت المعاصر

  1. #1

    نظرة تحليلية على العلوم الشرعية في الوقت المعاصر

    الإخوة الكرام، هذا موضوع كنت قد كتبته منذ أعوام عديدة أرجو أن ينال إعجابكم.
    [ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN]
    [ALIGN=CENTER][نظرة تحليلية على العلوم الشرعية في الوقت المعاصر][/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]لقد ظهر في هذا الزمان فرقة جديدة في مظهرها، قديمة في أصولها، لا يلتفتون إلى أحد من العلماء إلا ابن تيمية، فهم يقدسون كلامه ويدعون أنهم غير مقلدين، لأحد من المذاهب الأربعة ولا لأحد من العلماء المعلومين بالسداد والحق في الاعتقاد، ويدعون الاستقلال، وهم فعلاً لا يتبعون أحداً من هؤلاء العلماء الأجلاء، بل هم مخالفون لهم، وهم يقولون بما لا يقله واحد منهم، كل واحد منهم مذهب قائم بذاته، وهم أجهل من التيس في زريبته، وهؤلاء معطلون لعقولهم، لا ينظرون وليس فيهم أي قابلية للنظر مهما كان بسيطاً، ويحسبون أنهم على الحق المبين ويخرجون كل من خالفهم من أهل السنة، وهم أنفسهم خارجون.
    ترى الواحد منهم يدعي أنه لا يأخذ أمراً من أمور الدين إلا بالدليل.
    وإذا سألتهم عند أصول الاستدلال تراهم أجهل من الحجارة، بل هم أيضاً ليس عندهم أي أصل من أصول العربية ولا يحترمون العلماء، وليس ذلك إلا لأنهم جاهلون.
    وفوق ذلك ترى الواحد منهم معتداً بنفسه وليس عنده من علم مقدار خردلة.
    وهؤلاء ظهروا في هذا العصر وازداد انتشارهم ولبسوا على الناس بتربية اللحى وارتداء الدشاديش البيضاء وحمل السواك في الجيوب، فظن الناس أنهم أهل العلم والتقوى، وليسوا كذلك بل هم أهل الجهل والفساد، وجهلهم جهل مركب، فهم لا يعلمون ويظنون أنهم يعلمون.
    وهؤلاء الناس الذين يتسمون "بالسلفية" والسلف منهم براء، ولا سلف لهم إلا الحشوية والكرامية، وجهلة اليهود،
    هؤلاء الناس تدعمهم دولة آل سعود.
    بل هم ما انتشروا لعلمهم ولا لأعمالهم الصالحة، وما انتشروا إلا لأن هذه الدولة الظالمة تدعمهم، وهذا الدعم معلوم لكل من خبرها لهم.
    ولانتشارهم وعموم بلواهم قصة سأحاول بيانها هنا وبيان ما يترتب على انتشار مذهبهم من مفاسد لعل أولى العقول يتنبهون فيرشدون عامة الناس إلى هذا.
    فأقول:
    من المعلوم أنه لا حياة للدين في نفوس الناس إلا بوجود العلماء العاملين المشهود لهم بعلمهم وتقواهم، فالعلماء هم حرّاس الدين، وبزوالهم يتخطف الدين أعداؤه من كل جانب، وإذا كان العلماء فاسدين فسد الناس لأن الحكام يفسدون، وإذا تولى بعض من يدعي العلم أمور الفتوى، فإذا كان ضالاًّ فاسداً أو خرعاً لا شخصية له ولا نفوذ، ويسهل التلبيس عليه، فيلزم من هذا أنه يمكن التلبيس على عامة الناس بواسطة هذا العالم.
    والمسلمون منذ أقدم الأزمنة لا يقتدون إلا بالعلماء ولا يستجيبون للحكام إلا إذا رضي عنهم العلماء والحوادث في التاريخ شاهدة بصحة ما أقول.
    وقد كان حال الناس هذا الحال منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.
    وكان الناس متفقين في سالف الأزمان على إمامة العلماء والفقهاء الأربعة وكل من تبعهم وحتى من خالفهم بشرط أن تكون مخالفته مدعومة بأدلة قوية لا بتخييلات وشبه وهمية، وندر من استطاع هذا إلا في مسائل منفردة لا في مناهج كاملة.
    وبقي الناس ملتفين حول العلماء ما دام العلماء عاملين يرشدون الناس ويعلمونهم، حتى إذا ضعفت العلاقة بين الناس والعلماء في العصور المتأخرة من الدولة العثمانية وزاد جهل الناس بدينهم لتقصير من العلماء، وانتشر الاستعمار في البلاد الإسلامية ودخل المسلمون تحت هيمنة الكفر، وكل ذلك بمعونة من الكفار أنفسهم إضافة إلى فساد الناس والأحوال.
    لقد علم الكفار علماً قاطعاً أنهم لا يستطيعون أن يسيطروا على الأمة الإسلامية، إلا إذا ابعدوا الناس عن دينهم، وأكبر الطرق المساعدة على ذلك هي تجهيل الناس بأمور دينهم، وعلموا أنهم لا يمكنهم أن يصرحوا بمنع الناس عن دينهم، لأن هذا يولد ردة فعل نحو الدين نفسه فيخسرون ولا ينفذ ما يريدون، فعملوا على التخطيط في السير في طريق إحدى وهي إيهام الناس إن الدين هو بالشكل الفلاني الذي يريدون، فأخذوا من الدين بعض الفروع، ونشروا بعض أراء المسلمين الفاسدة، وجعلوا جهدهم منصباً لعدم نشر الصالح منها، ولكن بقدر محدود أيضاً لئلا يتنبه إلى ذلك الألباء، ومثال هذا ما فعله نابليون في مصر حين حاول أن يجعل سداً بين علماء الأزهر الشريف وبين الناس، وحاول أن يلبس على الناس أمور دينهم أيضاً.
    لقد كان الناس حتى نهاية الدولة العثمانية أو قبل إنتمائها بسنوات أو بعشرات السنين متلقين أمور دينهم من العلماء المنتسبين إلى أهل السنة ومن أهل المذاهب الأربعة. وكان لا يتكلم في أمور الدين إلا العالم فيها، وكان للعلماء هيبة، صحيحٌ إنهم كانوا مقصرين لا يمكن أن ننكر ذلك، إلا أنهم كانوا على الطريق المستقيم ولم يكونوا ضالين.
    وكان الناس يثقون فيهم إلا أنهم كانوا يلومونهم على تقصيرهم وعدم نشر علمهم بينهم ويلومونهم على انعزالهم عن الحياة العامة.
    وقد عمل الأعداء لهذا الدين في هذا المجال على تقليل تعلق الناس بعلمائهم تدريجياً، حتى وصل الأزهر الشريف في بعض الأحوال إلى أنه كان كالسجين، بعوامل خارجية وداخلية، وكانت أقسى ضربة وجهت إليه أنه أصبح تابعاً للحكومة المصرية الظالمة، صارت تعتبره جامعة من جامعات مصر، لا تتميز عن غيرها إلا بماضيها، وأوجبت على شيوخه أن يغيروا طريقة تدريسهم حتى الأفكار التي يعلمونها – أي كثيراً منها- على حسب ما يؤدي إلى نجاح ما يريدون من مخطط مشارٍ إليه، وساءت الحال بين علماء الأزهر وبين عامة الناس حتى أصبح الناس في هذه الأيام ينظرون إلى العلماء الذين يدرسون فيه على أنهم علماء سلاطين، وبموت الأزهر في الحياة، ماتت العلوم الإسلامية التي كان يدرسها الأزهر في صدور الناس، ومات الإجلال والهيبة التي للعلماء المسلمين عندهم أيضاً.
    وفي نفس الوقت ومع أقول نجم الأزهر وغيره من مراكز تعليم العلم الشرعي، كان يظهر بديل أجنبي للعلوم الإسلامية وللمدارس الإسلامية، وللأفكار الإسلامية، هو بالتحديد المدارس والجامعات التي تشرف على شئونها الحكومات العربية والتي تدعى زوراً بالإسلامية.
    ومع ظهور هذا، انعدم فهم الناس للعلم الشرعي، وبذا قل ارتباطهم بالدين نفسه، لأنه لا تدين بغير علم كما هو مقرر عند العلماء وفي نفس الوقت صارت الألقاب تتبدل فبعد أن كان المشايخ هم الذين يعلمون الناس، وبعد أن كان الحفاظ والمفسرون والفقهاء والأصوليون هم قادة الناس، صار "الدكاترة" يحاولون الحلول محلهم وأنى لهم ذلك "الدكتور" منهم يظن نفسه شيخاً وعالماً، ولا علم عنده إلا بمقدار أصحاب المتون من الولدان في غابر الأزمان.
    ولا نريد أن ننسى ذكر المنهج في التعلم والتعليم، فلا شك أن المنهج هو الذي يجر إلى الأحكام وأن الأحكام المعينة لا تأتي إلا من منهج معين، فإذا تغير المنهج فإن الأحكام قطعاً تتغير والعكس صحيح، والذي صار أن المنهج تغير، فقطعاً لزم على ذلك أن تتغير الأحكام.
    ولما كان المنهج تلفيقياً كانت الأحكام الموجودة أيضاً ملفقة، أي ليست قائمة على أساس صحيح ومتين.[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة الإدارة ; 27-08-2003 الساعة 10:33
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2

    تكملة النظرة

    [ALIGN=JUSTIFY]وفي هذه الأيام التي نعيش فيها، صار الإنسان يشكك أحياناً هل يجوز أن نحكم بإسلام كل الناس، أو هل يجوز أن نقول: الأصل في الإنسان هنا في هذه البلاد أنه مسلم إلا إذا ثبت عكس ذلك، أم العكس هو الصحيح.
    وهذه الحيرة التي تتوارد إنما هي من شدة جهل الناس بالدين، ومصيبتهم في ذلك أكبر مصيبة، فغالب الناس جهلهم جهل مركب حتى عامة الناس، حتى ترى الواحد منهم، يعلم أنه لا يعلم ويرضى بذلك بل يعتبر هذا هو الحال الصواب والطريق الحق.
    وإذا جلست في مجلس وجرى الكلام في أمر فقه أو يتعلق بالدين ترى الجميع أصبح فقيهاً، وكلٌّ يتكلم بأسلوب العلماء المتمكنيين وهو في حقيقة حاله أجهل الجاهلين.
    حتى لقد رأيت والله من لم يمض على التزامه بالدين إلا فترة قليلة، ولم يتعلم بين يدي شيخ متقن ولا هو ممن يفهمون كيف يقروؤن الكتب ويستفيدون الأحكام منها، ومع ذلك جعل يتكلم في أمور دقيقة في مسائل العقائد تتعلق بالنبوات والكرامات، وهو يوهم من يراه أنه العالم المتمكن، وما درى المسكين في أي بحر يخوض، والجلوس جعلوا ينادونه بالشيخ على عادة الناس، حتى تكلمت وبينت لهم تهافت كلامه ونبهته إلى خطورة هذه المواضيع ومدى خطا من يخوض فيها من دون علم.
    وهذا هو شأن كثير المنتمين إلى الدين، وهم لا يتورعون عن وصف بعض العلماء ممن حصل الاتفاق بين الناس أنهم مهتدون، يصفونهم بالابتداع والضلال ويخرجونهم من أهل السنة والجماعة.
    ونعود إلى ما كنا فيه فأقول:
    عندما كان البساط يسحب من تحت علماء المذاهب المعتمدة، كان يجثو عليه ويعتليه أناس آخرون.
    وكان هؤلاء في نفس الوقت يتسلمون قيادة الجماهير المسلمة، ويتحكمون بأعناقهم وأفكارهم وعقولهم.
    وبيان هذا:
    إن الناس لكي يبتعدوا عن دينهم كان لا بد أن يمروا في مراحل حتى يحدث الانتقال غير مفاجئ لأحد، بل كي يحدث كأنه جزء من الدين.
    فأول الخطوات : كانت ذم المذاهب الفقهية:
    تحت صورة ذم التقليد، وتشجيع الاجتهاد وتسهيله أي إيحاء أنه سهل ميسور لكل أحد، وتشويه صورة الفقهاء الأعلام وتصويرهم متبعين لأهوائهم، وتصويرهم كأنهم لا يهتمون إلا بالمسائل الغريبة التي لا نفع منها في الحياة الدنيا والآخرة، وبيانهم كأنهم يؤولون الأحاديث مهما كانت صريحة لتوافق رأي إمامهم.
    حتى برز بعض الصعاليك الذين يقولون نحن رجال وهم رجال.
    وليسوا هم إلا صبية حمقى لم يجدوا لهم شيئاً يضيعون به وقتهم إلا الهجوم على علم الشريعة بأساليبهم الفاسدة، وآرائهم المبتكر، فلا تكاد تجد فيهم موفقً صاحب عقل سليم؛ وغالبهم معاندون للحق.
    أقول: هجم هؤلاء المناكيد على علم الشريعة، بل على النصوص الشرعية، يفهمونها بأذواقهم السقيمة، وجعلوا يشتغلون بعلم الحديث وهو أصعب العلوم الشرعية، لا يكاد يبرز فيه إلا من تداركه الله بتوفقيه وبالغ عنايته، وجعلوا يقولون: من الأفضل، أنْ نأخذ من فم الرسول مباشرة أم من أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم من الفقهاء؟.
    فلا يكاد أحد يغفل عن تناقض هذا السؤال حتى يقول لهم بل الأفضل قطعاً هو الأخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم.
    وينسى أن هؤلاء الفقهاء الأعلام ما كان أخذهم إلا من الرسول، وأنه ليس كل أحد يجوز أن يقول هذا هو حكم الله في هذا الأمر، بل للاجتهاد شروط يجب على كل أحد يخوض فيه أنْ يحصلها وإلا فلا عبرة بقوله وإن ملأ الدنيا صراخاً وعويلاً.
    وهكذا صار يعد من الإثم والخطأ العظيم أن ينتسب إلى الشافعي أو أبي حنيفة، فيقولون له بل الانتساب إلى الإسلام هو الصحيح، موهمين إياه أن هذا مخالف له، وهو في الحقيقة عين الشريعة.
    وقد سار كثير من الناس وراء هذا الهوى، ولم يدروا مقدار الخطأ الذي يقعون فيه. فهم أولاً تركوا وراء ظهورهم كل هذه الكنوز الهائلة من كلام العلماء ولم يتقيدوا حتى بأسلوبهم ومنهجهم في الأخذ والتلقي، وقالوا إن هذا الطريق هو كافٍ ليوصلنا إلى النجاة.
    وقد أمضى هؤلاء التعساء شطراً من أعمارهم يلثهون وراء أحكام انتهى منها الفقهاء منذ أقدم الأزمنة، مثل تحريك الأصبع في الصلاة، ولبس الدشداشة، وترك ذؤابة على رأسه وغير هذا من مسائل هي من فروع الفروع، وجعلوا من دون وعي يقتلون الأمة ويمعنون فيها ذبحاً وتشريحاً، وهم يدركون أو لا يدركون.
    وتركوا الأمة معهم حيارى لا يتمسكون بشيء، ولا يهتمون بشيء.
    وبيان هذا:
    أنّ هؤلاء الناس قد درجوا على أصول توارثوها كابراً عن كابر، وتراكمت الأغلاط فيها وهذه الأغلاط، جل الناس لا يدركون أنها أغلاط.
    وأنّ الناس أصولهم القائمين عليها صحيحة في شكلها الإجمالي، ويشوبها بعض التشوه.
    ولما برز هؤلاء المناكيد في هذا العصر، وارادوا إصلاح حال هذه الأمة، ربما ظنوا أن هذا إنما يكون بمعاندة كل العادات والأحكام التي درج عليها الناس.
    بل اعتبروا كخطوة أولى أن الأصل في الموجود من الأمور المنسوبة إلى الدين إنما هو خطأ لا يجوز، فابتدؤا برفضه، ورفضوا معه المنهج الذي اعتاد عليه الناس ومن أهم أصول هذا المنهج هو اتباع الفقهاء والعلماء المشهود لهم بالعلم من أهل السنة والجماعة، وعدم جواز الهجوم على العلم الشرعي إلا للذي تحققت فيه الشروط المبيحة لذلك، وغير هذا، فصار هؤلاء الحمقى يقدحون في كل أمرٍ يعتاده الناس.
    فإذا رأوا واحداً ينتمي إلى أحد الفقهاء الأربعة قالوا له هذا تقليد غير الرسول، وهذا اتباع باطل.
    وإذا رأوا الناس العوام لا يهتمون بالتدقيق على الأدلة ذموهم على هذا وطلبوا من كل واحدٍ أن يسأل من يذكر له حكماً شرعياً عن الدليل ولا يكتفي بأن ينسبه إلى عالم فقيه.
    وجعلوا دراسة علم الحديث أهم واجب في الدين، وتهافتوا على ذلك تهافتاً عجيباً، حتى صرت ترى أدنى الناس عقلاً وعلماً يتحجج بأنه يصحح ويضعف، ويستنبط من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة بلا حاجة إلى وسائط.
    وهكذا فقط أوقعوا الناس في إرتباك عظيم.
    وجعلوهم يشكون في كل ما يتعلق بالدين أنه من الدين.
    وقد يكون صحيحاً.
    بل غالب ما ردّوه، كأن ردهم باطلاً، وغالب ما شددوا فيه كان تشديدهم سخفاً منهم، ودليلاً على قلة عقلهم.
    وهكذا لما ابتدؤا برد ما عند الناس، صار من المحتم أن يوجدوا للناس بديلاً للمنهج الذي ردوه وللأحكام كذلك.
    فأوجدوا منهجاً ملفقاً وأحكاماً كاذبة كذلك وجعلوا يصرون على أن هذا هو الحق، كل هذا وأهل الحق غافلون عما يجري، أو كانوا واعين.
    ولكنهم كمن قلعت أظافره، وعميت عيناه، وصار أولئك المناكيد يتكلمون بألسنة جارحة في حق الناس وكثير من العلماء الأعلام، وجعلوا يلحقون تهمة الابتداع إلى كل من خالفهم، ولو في أمر من الأمور الاجتهادية في الفقه أو غيره، وربما لم يتوانوا عن تكفير بعض من خالفهم لأتته الأسباب.
    ونتج عن كل هذا نواتج سيئة العاقبة، فهؤلاء الجاهلون لما لم يكن لديهم من العقول ما يكفي للاستدلال على المذهب الحق، فقد كان ناتج قولهم عبارة عن خليط عجيب من التلفيق والتهافت الذي يضحك منه الصبيان.
    وجعلوا يضيعون أوقاتهم وأوقات الناس في سبيل بحث مسائل لا ينفي صب الاهتمام الكبير إليها وترك غيرها، وهؤلاء لم يستضيعوا أن يقعدوا من الناس مقعد العلماء، الذين يعلمون الناس المذهب الحق والطريق المستقيم، ولذا اكتفوا بإثارة بعض المسائل كما قلنا وتركوا الناس يشتغلون بها.
    ولعدم وجود العلم الشرعي القوي بين غالب الناس، فقد اكتفى جل هؤلاء بترك الالتفات إليهم، ومن التفت فإن لم يكن عنده علم ولا تروي وقع فيما وقعوا هم فيه، وإلا اضطر إما لمهاجمتهم وبيان تهافت قولهم، فينسبون إلى الابتداع، أو يكتفي بمعرفته لنفسه، فلا يسلمه من بعض شروروهم.
    هذا هو حال عامة الناس.
    وأما الفئة التي عندها نوع علم بالذي يجري، فهذه غالباً مجردة من وسائل التأثير وإيصال رأيها إلى الناس، لأن الدولة كما قلنا هي دولتهم، والأموال بأيديهم، وأما أهل الحق فقد جردوا من أسلحتهم منذ جرد الأزهر الشريف مما كان عليه.
    وقد انتسب هؤلاء المناكيد إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وما هم منه، ولكن اقتضت الضرورة هذا الانتماء.
    فإنه لما كانت المذاهب الثلاث الباقية هي المنتشرة وكان مذهب الدولة العثمانية هو مذهب أبي حنيفة، وبلاد المغرب مذهب مالك وبلاد الشام ومصر مذهب الشافعي، ومعظم الباكستان والهند وغالب البلاد التي في تلك الجهات على مذهب أبي حنيفة وبعضهم شافعي.
    أما المذهب الحنبلي فلم يكن منتشراً بين المسلمين، ولم يظهر إلا بعد ظهور المذهب الوهابي وتلك الدعوة المشبوهة،
    واتكأ هؤلاء الناس على المذهب الحنبلي كسلاح في وجه المذاهب الأخرى، وبهذا يكونون قد ضربوا الإسلام ببعض. وظهر صيت أحمد بن حنبل كأنه إمام السنة الوحيد ولا إمام غيره، بل ظهر كأنه هو الإمام الكامل المعصوم في مقابل الأئمة الثلاث، الذين وقعوا في أخطاء نجا منها أحمد كما يدعي هؤلاء الحمقى.
    وهكذا:
    فقد رأينا الزعامة الدينية تنتقل من مصر التي كانت تتكلم بألسنة المذاهب الأربعة كلها، لأنه لا تناقض بينها، إلى السعودية التي صارت تتكلم باسم المذهب الحنبلي بل مذهب أهل الحديث كما يدعون، وهذه افتراء وكذب، وصارت السعودية هي التي تشجع هؤلاء الفتية الحمقى وتدعم نشاطاتهم، وتهيء لهم الأعمال والأموال،
    وصارت صفات الاحتقار تظهر على وجوه هؤلاء لباقي المذاهب وهي المذاهب التي قامت بأمر المسلمين طوال السنين الماضية.
    وههنا اكتملت صورة الخداع في هذا الجانب،
    فالسعودية لا تحكم بالإسلام وهي دولة من الدول العربية لا تتميز عنها إلا بكونها أغنى منها بما أوجده الله فيها من نفط.
    وبما أنها دولة قانونها قانون وضعي فقد كانت المسائل التي تظهرها للناس على أنها هي الإسلام إنما هي فروع الفروع، وهي تظهرها بصورة الأصول الكلية التي لا يجوز الخلاف فيها.
    ولما كانت الكعبة والمسجد النبوي وغيرها من الأماكن والمعاني الدينية موجودة في تلك البلاد فقد استغلت الدولة الحاكمة هذه الأمور كستار خادع أمام الناس حتى صارت كلمة "علماء" السعودية هي الكلمة المعبرة عن أصل الدين وصار يتكون رأي عام لدى عامة الناس بأن السعودية هي دولة إسلامية، أو أقرب البلاد إلى الإسلام.
    هذا بعض ما يتعلق بجانب من جوانب الانخداع التي وقع فيها الناس.
    وقد رأينا الناس مذهولين مبهورين في حرب الخليج عندما لم يكن أحد منهم يتوقع أن تخرج "الفتاوي" من العلماء بهذا الشكل، لم يتوقع هذا إلا من عنده علمٌ، ولذا فقد صدم الناس، واهتزت صورة الإسلام في أعينهم باهتزاز صورة من يمثلون الإسلام في نظرهم.[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة جلال علي الجهاني ; 27-08-2003 الساعة 11:24
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. رائع

    سألت الله أن يبقيك زخرا فما لك فى البريه من نظير فمنك الجود و الافضال حقا وفيض يديك كالبحر الغزير

  4. الى العلامه الشيخ سعيد فوده

    جزاك الله خيرا وارجو ان تتحفنا بالمزيد من كتبك وتحقيقاتك فى هذا الموقع المبارك جعلكم الله سببا لنصره هذا الدين وسدد خطاكم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    ارض الله
    المشاركات
    69
    مقالتك هذه يا استاذ سعيد ينبغي انت تكتب بماء الذهب و تعلق في كل مسجد و ما كتبت يدك هو ترجمة لكمد يكاد يقتلنا و الله و لا مهرب منه الا التسليم لرب العباد فيما يريد و لا حول و لا قوة الا بالله.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •