المذاهب والفلسفات التشاؤمية عبر التاريخ : قراءةه نقدية اسلامية(1)
د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
تعريف التشاؤم: التشاؤم هو التطير وهو توقع الاسوء والشر وماهو سلبى بدون قرينه قطعيه. وهو نقيض التفاؤل هواليمن وهو توقع الاحسن والخير وما هو ايجابى بقرينه قطعيه.
انواعه:
التشاؤم السيكولوجى "النفسى": وهواحد انماط الشخصيه تتصف بتوقع الشربدون قرينه قطعيه ، ساهم فى تشكيلها عوامل ذاتيه وموضوعيه متفاعله .
التشاؤم الفلسفى :هو فلسفات"اى انساق معرفيه من المفاهيم الكليه المجرده" قائمه على افتراض ان الوجود العام والانسانى شر،وبالتالى لا يتوقع منه الا ماهو سلبى من كوارث وحروب و قتل....
التشاؤم المذهبى "الايديولوجى":هو مذاهب"ايديولوجيات"(اى محاوله لوضع حلول نظريه للمشاكل التى يطرحها واقع معين)، قائمه على افتراض ان الواقع المعين شر، وفى ذات الوقت غير قابل للتغيير للاحسن" اى تبديل الشر بالخير".
أسباب ودوافع التشاؤم: وهناك العديد من الأسباب والدوافع التي تقف وارء شسوع التشاؤم عند الافراد أو المجتمع ككل ومنها:
• تراكم الهزائم والانكسارات، مع عدم بذل الجهد- العلمي – اللازم لتجاوزها ، بمعرفه الأسباب والظروف التي أدت إليها، وتجنبها فى المستقبل ، واتخاذ اى خطوات ممكنة لتجاوز هذه الهزائم
• شيوع التفكير العاطفي / الانفعالي “الذاتي” نتيجة لأسباب متعدد هاهما شيوع أنماط التفكيرالخرافى والاسطورى.
• سلبيه شخصيه الفرد أو الجماعة،وعدم فاعليتها،ومحاوله الهروب من تحمل المسئولية.
• في كثير من الأحيان يعمل أعداء الامه- وكذا الفرد- إلى تشجيع التشاؤم فيها ،بهدف الحيلولة دون تحقيقها لأهدافها، التي تتعارض مع مصالح هؤلاء الأعداء. ونجد الاشاره إلى الدافعين الأخيرين في الحديث النبوي ( إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم). قال الإمام النووي (روي أهلكهم على وجهين مشهورين رفع الكاف وفتحها … الرفع أشهر ومعناها أشدهم هلاكا ….وأما رواية الفتح فمعناها هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة …) (شرح النووي على صحيح مسلم ج: 16 ص: 175(.
نقد عام للتشاؤم: من التعريف السابق نخلص الى الاتى :
• اعتقاد ذاتى: انه اعتقاد" ذاتى" لا يتطابق مع الواقع "الموضوعى"- الا عرضا - ، وقد يصل عدم التناقض الى درجه التناقض.
• تفكير خرافى – اسطورى:انه نمط من انماط التفكير الخرافى " فكره عن ظاهره جزئيه –عينيه بدون دليل حسى" ، والتفكير الاسطورى"فكره عن مفهوم كلى مجرد بدون دليل عقلى "منطقى"، لانه لا يستند الى قرينه قطعيه.
• تصور قاصر:انه تصور قاصر للواقع والوجود لانه يركز على السلبيات " والشر" ، ويتجاهل الايجابيات " والخير" ، بينما الواقع والوجود يتضمن كليهما.
• ابقاء المشكله بدون حل: انه منهجيا يلزم منه ان يظل التفكيرأسير المرحلة الأولى من مراحل المنهج الثلاثة ، وهى مرحله المشكلة ، وهى مرحله هدفها معرفه طبيعة المشكلة ، ولا يتجاوزها إلى مرحلتي الحل والتي هدفها وضع حل النظري للمشكلة ، والعمل وهدفها تنفيذ الحل النظري في الواقع بالعمل . وهو بالتالي يساهم في الإبقاء على هذه المشكلة بدون حل، فضلا عن تفاقمها.
• تفكير سلبى : انه احد انماط التفكير السلبي" او التفكير الجنائزى او السوداوى " ومكوناته ، والذى يحاول فن تطوير الذات والبرمجة اللغوية العصبية معالجته، والذى اورد الباحثون العديد من التعريفات له ، ومنها : سلسله متصلة من الأفكار التشاؤمية، التي تسيطر على تفكير الشخص ، والتي مصدرها هذا الشخص نفسه .
اولا:المذاهب والفلسفات التشاؤميه فى فلسفه الاديان الشرقيه القديمه :
البوذية: اعتبرت ان الحياة كلها إما ألم يتقلب فيه الإنسان طيلة حياته، وإما سرور ولذة سريعة وخاطئة ولابد ان تنقلب إلى الألم ، وسبب هذا الشر هو الجهل الذي يجب التخلص منه ، وهو ما لا يكون إلا بالقضاء على الشهوة، لانها السبب الرئيسي في الالم والشر، وذلك بالخلاص الذاتى بالتحررمن علائق الشهوة "عقيدة الكارما" .
المانوية : ترى ان الخير والشر فى حالة امتزاج " لان الانسان مكون من بعد روحى يمثل الخير وبعد مادي يمثل الشر.وبالتالى لا خلاص من الشر الا بموت الإنسان ، لذا فرضت الصيام المتواصل وعدم الزواج وغيره من أساليب تؤدي الى انقراض الجنس البشري (أمل مبروك عبد الحليم / دراسة عن مفهومي الخير والشر).
الجينية : قدمت تصور معين للرغبة "الكارمـــا " باعتبارها كائن مادي يخالط الروح ويحيط بها، ولا سبيل لتحرير الروح منها إلا بشدة التقشف والحرمان من الملذات، لذا يظل الإِنسان يولد ويموت ما دامت الكارما متعلقة بروحه ولا تطهر نفسه حتى تتخلص من الكارما، حيث تنتهي رغباته وتؤمن الجينية بالانتحــار البطــيء لكن للخواص من الرهبان الجينيين ، أما العامة من ، وبقهر الرغبات المادية.
نقد: هذه المذاهب يلزم منها التشاؤم المطلق ، اى التطرف فى اثبات وجود الشر لدرجه إلغاء وجود الخير فى الحياة. ومرجع هذا انها: اولا: تطرفت في التأكيد على البعد الروحي للإنسان، لدرجه إلغاء بعده المادي، ثانيا: افترضت ان البعد الروحي يمثل الخير مطلقا- وهو غير صحيح- كما ان البعد المادى للانسان يمثل الشر مطلقا – وهو غير صحيح ايضا –
ثانيا: المذاهب والفلسفات التشاؤميه فى الفلسفه الغربيه:
ا/ الفلسفه اليونانيه :
هيغيسياس: ناقش فكرةَ أنّه من المستحيل تحقيق السعادة الدائمة ، وأنّ كلّ ما يمكننا القيام به هو محاولة لتجنّب الألمِ قدرَ الإمكان . وفقا لـ "سيسيرو"، كتب (هيغيسياس) كتابا بعنوان (الموت جوعاً، والذي من المفترض أنّه أقنع الكثير من الناس أنّ الموتَ أكثر رغبة من الحياة.
الرواقيه : ابتداء من القرن الثالثِ قبلَ الميلاد، بدأ تقديم الفلسفة الرواقية على أنّها كممارسة "تعذيب الشرور" - التركيز على أسوأ النتائج الممكنة.-
ديوجين : أبرز رواد المدرسة الفلسفيه الكلبيّة ، تقوم فلسفته على التطرف فى التقشفً ، بعدم اقتناء اى شئ شيئًا ، وعدم السكن فى منزل، وجعل الفقر المدقع فضيلة, فضلا عن ازدراء تقاليد المجتمع، والتخلى عن المدنيه والعيش فى الطبيعه.
ب/ الفلسفه الحديثه:
روسو: نقد جان جاك روسو تنوير المجتمع المدني – الغربى - وفضل الإنسان في الحالة البدائية والطبيعية، لذا قال " لقد أصبحت أرواحنا فاسدة إلى الحدّ الذي تقدمت فيه علومنا وفنوننا نحو الكمال".
فولتير : انتقد مقال (البابا ألكسندر) المتفائل بعنوان «مقال عن الإنسان»، وتأكيد (ليبنيز) على أنّنا «نعيش في أفضل العوالم الممكنة». وكتب رواية ( تفاؤل) وهي انتقاد موسّع للتفاؤل التوحيدى، وقصيدته (شعر عنْ كارثة لشبونة) و هي تشاؤميّة خاصّة حول حالة البشريّة .
شوبنهاور: يرى ان الرغبة – وليس العقل- هي جوهر الوجود الانسانى ، وهي كفاح غير منطقي وبلا اتجاه، وان رغبات الانسان يستحيل اشباعها، وجود الانسان باستمرار يتأرجح كالبندول بين الألم عندما نريد شيء ولا نحصل عليه، والضجر عندما نحصل عليه ولا نهتم به، وهذان الاثنان في الحقيقة هما المكونان النهائيان للوجود الانساني.هذه الحلقة الدائرية تسمح لنا بالنهاية لنرى التفاهة المتأصلة في حقيقة الوجود ، وان ندرك ان الهدف من وجودنا ليس لنكون سعداء. وانه فقط عبر الانسحاب من الكفاح الذي بلا معنى للرغبة بالحياة ، من خلال شكل من اشكال إنكار الذات ، قد يتحرر الانسان من الرغبة.
نيتشة : استجابته للرؤية المتشائمة كونها لا تعني الانسحاب ولا إنكار الذات كما عند شوبنهاوروانما كشكل من التشاؤم المؤكد للحياة. ، كما انتقده لأنه عند الحكم على العالم سلبيا، نكون اصدرنا حكما اخلاقيا حول العالم ،وذلك يقود الى الضعف والعدمية. جواب نيتشة هو احتضان تام لطبيعة العالم، "تحرير عظيم" من خلال "تشاؤم القوة" ، والذي "لا يضع أحكاما لهذا الظرف". واعتقد ان مهمة الفيلسوف هي ان يستخدم بكفاءة هذا التشاؤم كالمطرقة، اولاً يهاجم اسس العقائد والاخلاق القديمة"، ليعيد تقييم كل القيم ويخلق قيم جديدة تقوم على القوه وليس الضعف.
ج/ الفلسفه المعاصره :
البير كامو: يرى انه من المستحيل العثور على جواب للسؤال المتعلق بمعنى الحياة، وان اي محاولة لفرض معنى على الكون سوف تنتهي بكارثة. الانسان يسعى ليجد معنى للاشياء، وعندما لا يجده يحاول خلقه. حياتنا حسب قوله بلا معنى وسوف تبقى كذلك. غير انه لا يعتبر لامعنى الحياة شيئا سيئا. فهو يقول ان فهم الحياة السخيفة هو الخطوة الاولى لتكون مفعماً بالحياة. ويرى ان الشخص الذي يدرك سخافة الحياة ويتعامل معها بابتسامة فهو بطل.
كازنتزاكيس: يرى الفيلسوف اليونانى المعاصر ان علينا جميعًا أن نتخلى عن الأمل، لأننا غالبا ما نخسره، ونخسر معه الرغبة في المحاولة من جديد. السعي المضني، والبحث المستمر بغض النظر عن النتائج، سلبية كانت أو إيجابية، هو ما يجب أن نصبو إليه دائمًا؛ حتى نستمر في المضي قدمًا.
إيريك جي. ويلسون : الف كتاب "ضد السعادة" عام 2008، و الذي حشد فيه الكثير من الادله لثني قرائه عن قبول اى معنى للتفاؤل (الأزمات البيئية، الحروب، التسلح، الأمراض، مشاكل المجتمع، العنف...). فهو يرى انه رغم انه يعيش في بلد (الولايات المتحدة الأمريكية) تحول فيه البحث عن السعادة إلى هوس، الا انه فى ذات الوقت يؤمن يقينا أن كل السبل منقطعة لاعتناق أي نوع من السعادة..
(تشاؤم / من ويكيبيديا/ الموسوعة الحرة - المتشائمون عبر التاريخ / محمد طيفوري.. / الاقتصاديه - التشاؤم الفلسفي: هل التشاؤم قوة؟ حاتم حميد محسن )
نماذج معزوله للتفكير التشاؤمى في تاريخ الامه:رغم تعارض التفكير التشاؤمى ( الجنائزي- السلبي) مع الإسلام الذي يشكل الهيكل الحضاري لامه التكوين " الامه العربيه- المسلمه" ، وتجاوز الامه المستمر لهذا النمط من أنماط التفكير ،إلا أننا نجد نماذج معزوله لهذا النمط من انماط التفكير ، ومنها:
المذهب الشعرى التشاؤمى عند أبو العلاء المعري: تبنى مذهب شعرى تشاؤمى، ربما تاثر بالمانويه فى اعتبارها الجنس البشرى شر، ويجب انقراضه باساليب ، متعدده اهمها عدم الزواج كما فى قوله :
هذا ما جناه على ابى وما جنيت على احد
هذا المذهب التشاؤمى جعله يتخذ موقف الرفض المطلق لواقعه السياسى – الاجتماعى يسوسون الأمور بغير عقل/ فينفذ أمرهم فيقال ساسه
فأف من الزمان وأف مني/ ومن زمن رئاسته خساسه.
ولكن قد يرجع هذا التبنى الى ظروفه الشخصيه القاسيه (كونه رهين المحبسين- محبس العمى ومحبس البيت ).
طقوس التعبير عن الحزن على آل البيت فى المذهب الشيعي الامامى الاثنى عشري: ينطلق المذهب الشيعي الامامى الاثنى عشري من جمله من الأصول منها حصر الامامه في على(رضي الله عنه) وذريته،حتى حفيده “محمد بن الحسن الملقب بالعسكري” (الائمه الاثنا عشر) بالنص والتعيين، وترتب على هذا الأصل استمرار الحزن على القتل والاضطهاد الذي طال بعض هؤلاء الائمه على يد الدولة الامويه،ولاحقا الدولة العباسية، رغم تطاول القرون على هذه الأحداث،وتم تقنين هذا الحزن المستمر في هذا المذهب فى شكل طقوس وشعائر صارت تميز هذا المذهب، فقد (تميز المذهب الإمامي على المذاهب الإسلامية بأن له سمةً شعائريةً، وان إشاعة مشاعر الحزن واضحة في مناسبات عديدة ، كوفيات الأئمة الطاهرين وذراريهم «صلوات الله عليهم أجمعين» ، ومن اظهر هذه المناسبات الموسم العاشورائي الذي يمتد الى قرابة الشهرين من كل سنة.) (مفهوم الحزن والفرح في فكر الشيعة الامامية / تلخيص لمحاضرة صوتية للسيد/ منير الخباز )،وقد دعي بعض علماء المذهب والعديد من المفكرين الشيعة إلى رفض هذه الطقوس والشعائر منهم المفكر الايرانى على شريعتي.
لوم النفس فى المذهب الملاماتى: الملاماتيه هي فرقة من فرق الصوفية، ظهرت بمدينة نيسابور بخرسان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وقد اختارت لنفسها اسم الملامة التي هي تأنيب النفس ، في مقابل اسم الصوفية لأنهم كانوا ثائرين على الكثير مما كان مقرراً عند الصوفية.فقد اشتق أنصار هذا المذهب اسمه من مفهوم اللوم الوارد في القرآن كقوله تعالى (ولا أقسم بالنفس اللوامة) ، غير أن مضمون تفسير المذهب لهذا المفهوم ” لوم النفس القائم على أن لا يرى الملاماتي لنفسه حظاً على الإطلاق، ولا يطمئن إلى عمل ، ظناً منه أن النفس شر محض) وهو تفسير يخالف تقرير النصوص أن النفس تتضمن امكانيه للشر وامكانيه للخير(ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقوها) ، وهذا الانحراف عن المنظور الاسلامى الصحيح لطبيعة الوجود الانسانى، لزم منه تحول المذهب لاحقا إلى مجرد أداه “مذهبيه” لتبرير الاباحيه، وعدم الالتزام بأوامر ونواهي الدين، والمجاهرة بالمعاصي .
نقد عام : من اسباب تبنى هذه المذاهب والفلسفات للتشاؤم أنها افترضت ان ارتباط الوجود الانسانى بالشر – غير المنكور- غايه فى ذاته ، وبالتالي فإن الغاية من هذا الوجود هو الشر، وبالتالى فهو ارتباط جوهرى من جهة الوظيفة. بينهما هو فى الحقيقة –كما سنوضح ادناه عند الحديث عن المنظور الاسلامى للخير والشر- مجرد وسيلة لغاية اخرى ، بمعنى انه من لوازم الوجود "الانسانى"، الذى الغاية منه الخير، لكن طبقا لشرطي العقل"الوعي" والاراده "الحرية" (شروط التكليف)، وبالتالي فهو ارتباط عرضى من جهة الوظيفة.