المذاهب والفلسفات التشاؤمية عبر التاريخ : قراءةه نقدية اسلامية(2)
د. صبرى محمد خليل/ استاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
المنظور الاسلامى:
النهى عن التشاؤم" التطير": نهى الإسلام عن التشاؤم الذي عبر عنه عرب الجاهلية بمصطلح "التطير" فقد نهت النصوص عن الطيرة بشكل قاطع، وعدتها شكل من أشكال الشرك ،لأنها تتعارض مع كون النافع والضار هو الله تعالى-اى كون النفع والضرر من صفات الربوبيه- قال الرسول (صلى الله عليه وسلم )( الطيرة شرك، الطيرة شرك" (سنن أبي داود 3411 ) ،و قال أيضا (من ردّته الطيرة من حاجة فقد أشرك"، قالوا: يا رسول الله! ما كفارة ذلك؟ قال: "أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" (مسند أحمد 2/220) .
النهى عن اليأس"القنوط": كما نهت النصوص عن اليأس"القنوط "- وهو من لوازم التشاؤم- كما في قوله تعالى(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ . قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)(الحجر:55-56) .
التفاؤل بين الاساس السليم وغير السليم والتمييزبين الرجاء والتمنى: ومنهج المعرفه الاسلامى يميز بين التفاؤلالمبنى على اساس سليم ،لانه يستند الى قرائن قطعيه ،ويتضمن ذلك الاخذ بالاسباب - المقبول - والتفائل المبنى على اساس غير سليم ، لانه يستند الى قرائن ظنيه ، ولا يتضمن عدم الاخذ بالاسباب– المرفوض- . اتساقا مع تمييزه بين الرجاء المقبول وهو تصور غاية مع السعي لتحقيقها" من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا" ، والتمني: هو تصور غاية دون السعي لتحقيقها" ليس بأمانيهم ولا امانى أهل الكتاب"
فلسفه الخير والشر من المنظور القيمي الإسلامي والتصور الابتلائى لمفهوم الشر:
ينطلق المنظور القيمي الإسلامي من كون الشر على المستوى الشهادى يتضمن الشر على المستوى الانسانى، ومصدره الوجود الانسانى لا فى ذاته، ولكن فى حالة معينة هى تناقضه مع الوجود المطلق “الذى ينفرد به الله تعالى” ، اى مخالفة الإرادة الإنسانية للاراده الالهيه التكوينية “السنن الالهيه “، والتكليفية “مفاهيم وقيم وقواعد الوحى الكليه “. فارتباط الوجود الانسانى بالشر فى المنظور القيمى الإسلامى ليس غاية فى ذاته، بحيث تكون الغاية من هذا الوجود هو الشر- كما تفترض خطأ المذاهب والفلسفات التشاؤميه- بل هو مجرد وسيلة لغاية اخرى. بمعنى انه من لوازم الوجود “الانسانى”، الذى الغاية منه الخير، لكن طبقا لشرطي العقل ” الوعي” والاراده ” الحرية ” .فالوجود الانسانى “المستخلف ” وجود ابتلائى ” اختبارى ” مضمونه اختيار الإنسان المستمر بين الخير ،لأنه هو الوجود المخلوق الوحيد ” المكلف “، طبقا لشرطي الوعي والحرية والشر (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً.. (..
مظاهر تجاوز التفكير التشاؤمى ( الجنائزي- السلبي”) عبر تاريخ الامه: “
تجاوز الهزائم العسكرية /الرسمية بانتصارات عسكريه وسياسيه وحضاريه وشعبيه”: إن تاريخ الامه العربية الاسلاميه يثبت أنه رغم وجود دعاه للتفكيرالتشاؤمى( الجنائزي -السلبي)- الذي يكرس للهزيمة بكل مستوياتها”العسكرية ، السياسية/ الحضارية،الرسمية، الشعبية” في كل العصور، إلا أن الامه كانت دائما تتجاوز هذا النمط من أنماط التفكير”السلبي”-لأنه يتعارض مع الإسلام الذي يشكل هيكلها الحضاري-، فتتجاوز هزائمها العسكرية / الرسمية، بانتصارات عسكريه وسياسيه وحضاريه وشعبيه.
الغزو المغولي – التتارى”هزيمة عسكريه وانتصار عسكري وحضاري”: رغم نجاح المغول والتتار في اجتياح الدولة العربية الاسلاميه ، إلا أن الجيش المصري ” العربي- المسلم” استطاع إيقاف هذا التمدد العسكري في معركة عين جالوت، فضلا عن اندماج المغول والتتار بشكل تدريجي في الحضارة العربية الاسلاميه، وتحولهم إلى الإسلام .
الحروب الصليبية”تجاوز الهز يمه العسكرية بانتصار عسكري”:ورغم نجاح الحملات الصليبية في احتلال فلسطين إلا الجيوش العربية – المسلمه استطاعت لاحقا تحرير فلسطين بقياده صلاح الدين الايوبى.
التحرر من الاستعمار القديم”الاستقلال”: ورغم سيطرة الاستعمار القديم”القائم على الاحتلال العسكرى” على الامه العربية ، وتجزئته لها “سايكس –بيكو”، إلا أن مقاومه الامه له لم تتوقف، وبلغت آخر مراحلها، باستقلال الدول العربية في اقل من عقدين، بدعم من حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، بقياده الزعيم الراحل “جمال عبد الناصر
النكسة 1967″ تجاوز الاراده الشعبية العربيه للهزيمة عسكريه بانتصار سياسي”: في أعقاب هزيمة يونيو 1967 أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تحمله مسئوليه الهزيمة ، وتنحيه عن اى وظيفة رسميه “خطاب التنحي” ، فاندلعت مظاهرات شعبية في كافه إرجاء الامه العربية تطالب ببقائه في السلطة ، واستمراره في قياده حركه التحرر القومي العربي من الاستعمار، ودرء أثار النكسة ، واعاده بناء الجيوش العربية… وأثمرت – على المستوى الرسمي : بدء حرب الاستنزاف التي حطمت معنويات جيش الكيان الصهيوني- واعاده بناء الجيش المصري، الذي مهد الطرق أمام نصر أكتوبر 1973، ومؤتمر الخرطوم وشعاراته ” لا صلح لا اعتراف لا تفاوض. إذا فقد استطاعت الاراده الشعبية العربية حينها تجاوز النكسة،وتحول الهزيمة العسكرية إلى انتصار سياسي” سيمهد الطريق لنصر عسكري لاحقا ” 6 اكتوبر 1973″. في ذات الوقت أقام كثير من مثقفي الامه الذين ينتمون إلى مذاهب فكريه متعددة-تندرج تحت إطار التقليد او التغريب – مآتم للعويل والبكاء الامه المهزومة،استمر بعضها حتى لان، لتحقيق أهداف متعددة، منها إثبات صحة أفكارهم،واثبات أن النصر غير ممكن التحقيق إلا بتطبيقها ، متناسين أنهم بذلك يكرسون للهزيمة ، وان مذاهبهم يلزم منها- موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها – إلغاء الاراده الشعبية العربية ، وبالتالي انهزامها .
كامب ديفيد والتبعيه للغرب والصلح مع الكيان الصهيونى “الانهزام السياسي رغم الانتصار العسكرى”: أما خلف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الرئيس محمد أنور السادات فرغم تحقيقه لنصر عسكري في أكتوبر 1973 إلا انه انهزم سياسيا، فارتد عن مجمل المواقف الوطنيه والقوميه للزعيم الراحل- والتى كانت بمثابه خطوات تجاه تحقيق أهداف الاراده الشعبية للامه في الحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية – دون انكار ما شاب عهده من سلبيات- وذلك بدعم من الغرب بقياده حكومة الولايات المتحدة الامريكيه – بالانتقال من مناهضه الاستعمار القديم والجديد”الامبريالي” والاستيطاني”الصهيوني”، إلى التبعية للولايات المتحدة الامريكيه، وتوقيع اتفاقيه سلام مع الكيان الصهيوني”كامب ديفيد”، من أقامه تنميه مستقلة وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ، ومن التضامن العربي إلى قطع العلاقات مع الدول العربية، ثم سير عدد من الانظمه العربية في نفس هذا الخط ، فدشن بذلك بداية مرحله التعطيل الارتدادي الاراده الشعبية العربية على المستوى الرسمي ،والتي انتهت -حاليا – إلى تردى النظام السياسي العربي من التجزئة” الشعوبية” إلى مزيد من التجزئة” التفتيت” الطائفي “، إلى درجه تزيد من احتمال انزلاقه نحو الفوضى، والتي بدأت بالفعل في بعض أجزائه ،التي تتصف بضعف الروابط الوطنية والقومية ، لشيوع الطائفية أو القبلية فيها.
مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية للامه على المستوى الرسمي بين التكريس وامكانيه التجاوز”هزيمة رسميه وانتصارات شعبيه ”:وببلوغ مرحله التعطيل الارتدادي للاراده الشعبية للامه على المستوى الرسمي إلى ادني درجاتها ،يقيم الان كثير من مثقفي الامه الذين ينتمون إلى ذات المذهب الفكرية التي اشرنا إليها أعلاه ،مآتم للبكاء والعويل على موت “إلغاء” الاراده الشعبية للامة ، متناسين – عن قصد أو بدون قصد- أن تعطيلها على مستوى معين” المستوى الرسمي” فى هذه المرحلة ،لم يؤدى إلى تعطيلها على كل المستويات اى لم يؤدى إلى إلغائها ،فضلا عن أنه فتح المجال أمام تفعيلها على مستوى آخر هو المستوى الشعبي .فحققت الكثير من الانتصارات ، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها اى نظام سياسي معين .
الحفاظ على الانتصارات الشعبيه وضروره انتقال الاراده الشعبيه من مرحله التفعيل التلقائى الى مرحله التفعيل القصدى: غير ان الخفاظ على هذه الانتصارات الشعبيه وتحقيق مزيد من الانتصارات يقتضى ضرورة انتقال الاراده الشعبية للامة، إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها على المستوى الشعبى ، وهي المرحلة القصدية ، والتي يجب ان تتجاوز فيها حركتها شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت- إلى شكل فعل عقلاني- مستمر – منظم / مؤسساتي - عبر مبادرات شعبيه " مستقله – ديموقراطيه " - يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من خطوات ، تجاه أهداف الارادة الشعبية العربية
آليات تجاوز التفكير التشاؤمى ( الجنائزي-السلبي):
أولا: التحديد – الموضوعي/العقلاني- لطبيعة المشكلة وحدودها، ومحاوله وضع اى حل – نظري – ممكن لهذه المشكلة ، وتنفيذ ما هو ممكن تنفيذه من هذا الحل في الواقع بالعمل.
ثانيا:مقاومه نمط التفكير البدعى،وأنماط التفكير الخرافي والاسطورى المتضمنة فيه،والأخذ بنمط التفكير الاجتهادي، المتضمن للفهم الصحيح للدين ،وأنماط التفكير العلمي والعقلاني التي لا تتناقض مع الوحي.
ثالثا:محاوله تجاوز الذاتية والالتزام بالموضوعية قدر الإمكان.
رابعا:التفاؤل المبنى على إدراك سليم للإمكانيات التي يتيحها الواقع، ونبذ التشاؤم واليأس.
خامسا: الإقرار بان الاراده الانسانيه “الفردية والجماعية” غير قابله للإلغاء وان كانت قابله للتعطيل والفارق بينهما ، أن الإلغاء هو تعطيل مطلق لها(اى في كل زمان، وعلى كل المستويات) ،بينما التعطيل هو إلغاء مقيد لها (اى خلال فتره زمنيه معينه، أو على مستوى معين )
سادسا: اتساقا مع النقطة السابقة يجب الإقرار بأنه سىء لواقع أفضل-سواء تغيير جزئي أو كلى- ،بشرط الالتزام بشروط التغيير .والفشل في تغيير هذا الواقع لا يعنى استحالة تغييره ، بل يعنى عدم الالتزام لهذه الشروط،اى تكرار نفس الأخطاء.
سابعا:الإقرار بان اى مشكله- بالتعريف- قابله للحل”اى مضمونها واقع معين قابل للتغيير” ، والفارق بين المشاكل هو أن بعضها سهل الحل والآخر صعب الحل، ولكن لا توجد مشكله مستحيلة الحل ،اى غير القابلة للحل ،لأنها في هذه الحالة ليست مشكله، بل هي جزء من الواقع الذي لا تتوافر امكانيه تغييره ” كمحاوله تغيير الواقع في الماضي مثلا”– وبالمفهوم الديني هي جزء من القضاء والقدر الواجب الإيمان “التسليم”به.
ثامنا: التفكير الايجابي : الالتزام باساليب التفكير الايجابى ، التى قررها خبراء فن تنميه الذات والبرمجه العصبيه اللغويه ،التى لا تتناقض مع قيمنا وواقعنا.
________________________
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com