نحو مبادرةه شعبية لمحاربة الاتجار بالتعليم الاساسى والدفاع عن الزاميتة ومجانيتة
د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم Sabri.m.khalil@gmail.com


التناقض والنفاق: مما لا خلاف عليه ان التعليم " الذي تمثل مراحل التعليم الاساسى حجر الزاوية فيه " ، احد أهم أنماط النشاط الحضاري. وبالتالى فان هناك ارتباط وثيق بينه وبين التقدم الحضارى فى اى مجتمع – كسبب ونتيجه أيضا- وبناء على ما سبق فإنه لا يمكن الحديث – إلا من باب النفاق- عن تحقيق التقدم الحضاري لاى مجتمع ، فى ظل اتخاذ موقف سلبي من إلزامية ومجانية التعليم الاساسى- سواء على المستوى النظرى" برفضها " ، او المستوى العملي" باحالتها الى مجرد شعار نظرى " – وتحويله الى مجرد سلعه، خاضعة لآليات السوق، واهمها اليه الربح والخسارة . لان هذا الموقف هو سبب رئيسي لتدهور التعليم الاساسى، ومن ثم التعليم بكل مراحله .
المواقف المتعددة من الزاميه ومجانية التعليم الاساسى:
اولا:الموقف الليبرالي – الرأسمالي من إلزامية ومجانية التعليم الاساسى والتناقض بين المستويين النظري والعملي: لا يمكن الحديث عن موقف الليبرالية كفلسفة ومنهج، والرأسمالية بما هي النظام الليبرالي في الاقتصاد، من إلزامية ومجانية التعليم إلا بعد التمييز بين المستويين النظري والتطبيقي لكليهما .
المستوى النظري( الموقف السلبي من إلزامية ومجانية التعليم ): فعلى المستوى النظري نجد أن الرأسمالية قائمة كنظام اقتصادي ليبرالي – و استنادا إلى فكرة القانون الطبيعي- على أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتما ، من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ، وطبقا لهذا فان الموقف الليبرالي – الرأسمالي النظرى من الزاميه ومجانية التعليم - هو موقف سلبي لأنه يرفض تدخل الدولة " كممثل للمجتمع" لتنظيمه او دعمه، ويرى وجوب إخضاعه – كغيره من المجالات- لآليات السوق " العرض والطلب ، الربح ..." .
المستوى التطبيقي (الموقف الايجابي من إلزامية ومجانية التعليم ): أما على المستوى التطبيقي فقد اثبت واقع المجتمعات الرأسمالية الغربيه ذاته خطاْ هذا الموقف الليبرالي – الراسمالى ” النظري” ، إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمة في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. ذلك أن المنافسة الحرة في النظام الاقتصادي الراسمالى في المجتمعات الغربية قضت على حرية المنافسة لتنتهي إلى الاحتكار ، اى أن التجربة أثبتت أن ترك كل فرد يفعل ما يشاء سينتهي إلى أن لا يستطيع الاغلبيه فعل ما يريدون. وبعد انهيار الكتلة الشرقية ، وظهور نظام عالمي جديد أحادى القطب ، ظهرت بعض الدعوات التي تلتزم الموقف النظري الليبرالي – الراسمالى السلبي من تدخل الدولة ، إلا أن هذه الدعوات شكلت الأساس الأيديولوجى للازمات الاقتصادية العالمية الأخيرة المتعاقبة ، مما أدى إلى تجدد الدعوات إلى ضرورة تدخل الدولة ، " ومن أشكالها تدخل الدولة لتنظيم ودعم التعليم ". فمن الثابت ان أكبر خمس دول رأسمالية تلتزم بإلزامية ومجانية التعليم الاساسى، وهى امريكا وبريطانيا واليابان وفرنسا وألمانيا . ففي إنجلترا يعد التعليم بدوام كامل إجباريًا على كل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام إلى 17 او 18 عامًا ، ويتم تمويل المدارس والكليات التي تديرها الدولة من خلال الضرائب القومية. اما فى فرنسا فان التعليم تشرف عليه وزارة التربية والتعليم منذ عام 1959، وهو إلزامي من 6-16 سنوات . اما فى المانيا فان التعليم مجاني وإلزامي من سن السادسة وحتى الثامنة عشرة. اما فى في اليابان فان معظم المدارس الابتدائية هي مدارس حكومية ، ولا يتعدى نسبة المدارس الخاصة 1% . اما الولايات المتحدة فيتم التركيز على التعليم كثيراَ من خلال اللجان "الأهلية " والحكومة ، و يقدم بشكل أساسي من القطاع العام ، مع مراقبة وتمويل يأتي من المستويات الاتحادية والمحلية. وتعليم الأطفال فيها إلزامي.(مجانية التعليم في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان .. تعليم حكومي بجودة عالمية - الحياه - 32/ 3/ 2016
ثانيا: اتفاق مذاهب الفكر الاشتراكى على الموقف الإيجابي من إلزامية ومجانية التعليم: اتفقت مذاهب الفكر الاقتصادي الاشتراكي المتعددة على اتخاذ موقف إيجابي من إلزامية ومجانية التعليم بصورة عامة والتعليم الاساسى بصوره خاصه من خلال اقرارها ضرورة تدخل الدولة كممثل للمجتمع لتنظيم التعليم عامة والتعليم الاساسى خاصه – وغيره من مجالات- ، وان اختلفت فى حدود هذا التدخل وطبيعة ضوابطه وكيفية تطبيقه...
تقويم" الموقف النقدي وليس موقف الرفض المطلق" : ان واقع انهيار بعض التجارب الاشتراكيه" كالتجارب الاشتراكيه " الماركسيه" مثلا فى الاتحاد السوفياتى وغيره من دول"، لا يعنى اتخاذ موقف الرفض المطلق لهذه التجارب، والمتضمن للرفض المطلق لتدخل الدولة فى كل المجالات – ومنها مجال التعليم - . بل يجب اتخاذ موقف نقدي منها يقر بايجابياتها و يرفض سلبياتها- حيث لا توجد تجربة بشرية تخلو من إيجابيات مهما بلغ حجم سلبياتها- ويتضمن هذا الموقف النقدى الإقرار بضرورة تدخل الدولة- والمتضمن تدخل الدولة لتنظيم ودعم التعليم عامة والتعليم الاساسى خاصه - لكن يجب ان يلازمه جملة من الضوابط لضمان نجاحه فى تحقيق أهدافه ، والتي تتضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة... ومن هذه الضوابط: الشفافية والديمقراطية وتفعيل الرقابة الشعبية ، والعمل على تطهير القطاع العام من البيروقراطية والفساد، لضمان قيامه بدوره القيادى فى النشاط الاقتصادى، إقرار الملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية....
اقرار المنظور الاسلامى الزاميه ومجانية التعليم الاساسى: اما المنظور الاسلامى فقد اكد حق التعليم فى الكثير من النصوص كقوله تعالى( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )، وقوله ( صلى الله عليه وسلم)(من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) (أخرجه مسلم). اتساقا مع هذا كان للمنظور الاسلامى الاسبقيه الزمنيه فى اقرار إلزامية التعليم الاساسى ، التي يمكن الاستدلال عليها بالكثير من النصوص كقوله (صلى الله عليه وسلم) ( طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ )) رواه ابن ماجه "224 ( ". وكذلك اقرار مجانية التعليم الاساسى والتي يمكن الاستدلال عليها ايضا بالكثير من النصوص كقوله تعالى على لسان صاحب الشرع (صلى الله عليه وسلم) ( لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًارٍ)، يقول الامام الغزالي ( على المعلم أن يقتدي بصاحب الشرع فلا يطلب على إفادته العلم أجراً ولا يقصد به جزاءا ولا شكراً) (احياء علوم الدين/ الجزء الاول). و روى أبن داود عن أبي شيبة أنه قال للرسول (صلى الله عليه وسلم): (يا رسول الله رجل أهدى لي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال عليها في سبيل الله فقال: أن كنت تحب أن تكون طوقاً من النار فأقبلها))سنن ابى داود(.
• الزاميه ومجانيه التعليم الاساسى فى الواقع العربى المعاصر: تم تطبيق مجانية التعليم فى المجتمعات العربيه والإسلامية ، عبر مراحلها التاريخية المتعاقبه، حيث اسست وادارت الدولة المؤسسات التعليمية الرئيسيه،وكان القبول فيها - فضلا عن الاعاشه - مجانيا.اما التعليم الفردي" الخلاوى" ، فكان ايضا شبه مجاني ، حيث يقدم بعض أولياء أمور الطلاب المقتدرين الدعم المادى للمعلمين، لكن على وجه الاختيار والتبرع وليس الإلزام . ثم أسس الاستعمار مؤسسات تعليمية حكومية التزمت أيضا بمجانية التعليم- بالاضافة لانشاء مؤسسات تعليمية خاصة - ولكنه اعتمد سياسة الكيف والنوع على حساب الكم، باحتضانه للعناصر المتفوقة من المتعلمين ،وأتاحه فرصه إكمال ثقافتهم سواء في الجامعات التي أنشاها ، أو في معاهدها وجامعاتها عن طريق البعثات، بهدف تغريب هذه العناصر وعزلها عن مجتمعها. وبعد الاستقلال الزمت الدول العربيه التى حاولت اقامه اقتصاد يقوم على التنمية المستقلة والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية ، بإلزامية ومجانية التعليم ، ومحاولة حل مشكله الكم بالتوسع في قبول الطلاب لكن على حساب الكيف والنوع.ومنذ العقد السابع من القرن الماضي حاولت العديد من الأنظمة العربيه تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى، تحت شعارات مثل “ الانفتاح أو التحرير او الإصلاح ...الاقتصادي/ الخصخصة / لبرله الدولة او الليبرالية الجديدة/ رفع او ترشيد الدعم ..."، وهنا التزمت هذه النظم بالموقف الليبرالي – الرأسمالي النظرى السلبى من إلزامية ومجانية التعليم – و الذى يتناقض مع الموقف الليبرالي - الرأسمالي العملى - فعملت على تقليص تدخل الدولة لتنظيم ودعم التعليم ، وشجعت خصخصته واخضاعه لآليات السوق، مما أدى الى تدهوره ،وتحوله الى تجاره الهدف الوحيد فيها الربح. فضلا عن الإلغاء الفعلي لحق التعليم، ونقض مبدأ المساواة وتكريس للطبقية التعليمية .
ضرورة الموقف الايجابى من الزامية ومجانية التعليم الأساسي:ويتضمن هذا الموقف الايجابى الاتى.

• انشاء وتفعيل مبادره شعبية للدفاع عن الزامية ومجانية التعليم الاساسى ومحاربه الاتجار به .

• إعطاء مجالس الاباء واولياء الامور سلطة أكبر كشريك أساسى فى العملية التعليمية، ورهن القرارات الهامة فيها بموافقة هذه المجالس .
• وجوب إخضاع التعليم الأساسى لإشراف ورقابة الدولة .
• التأكيد على ان الحق فى التعليم - الذى أقرته كل المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان– لا يمكن ان يحقق فى الواقع الا باقرار إلزامية ومجانية التعليم الاساسى.
• التأكيد على ضرورة تدخل الدولة لتنظيم ودعم التعليم بصورة عامة والتعليم الاساسى بصوره خاصه.
• تفعيل النقابات التعليمية المستقلة عن النشاط الحكومى والحزبى.
• التحسين المستمر للوضع الاقتصادى لأساتذة التعليم الحكومى الاساسى بصوره خاصه ، وأساتذة المراحل التعليمية الاخرى بصورة عامة- حيث ان المعلمين هم الاعلى أجرا حتى فى الدول الرأسمالية الكبرى-
• وجوب إخضاع التعليم الخاص فى كل المراحل التعليميه لرقابة الدوله، ووضع ضوابط لنشاطه ، بما يضمن تحقيق مصلحة المجتمع ككل ـ ويحول دون تحوله الى تجارة.
العمل على ربط تشجيع الاستثمار فى مجال التعليم بالالتزام بالضوابط التى تضمن تحقيق مصلحة المجتمع.
• تفعيل العون الذاتى ودور منظمات المجتمع المدنى فى تمويل التعليم.
إقرار الدعم الحكومى التعليمى المباشر ، وغير المباشر" المنح والتخفيضات والإعفاءات الضريبية...".
• استحداث أساليب وطرق ومصادر تمويل التعليم ، لا تؤدي الى الإلغاء الفعلي لحق التعليم ونقض مبدأ المساواة وتكريس للطبقية التعليمية.
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة الموقع التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com