بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظات حول التكفير والخروج
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد
فقد لاحظتُ ظاهرة خلال الفترة الماضية، تغافلت عنها في أول ملاحظة لبعض جزئياتها أول الأمر، ثم لما تتابعت وصارت تتكرر كل فترة، عرفت أنَّ وراءها ما وراءها، فالتكرار شاهد على أمور قصدية وأغراض للفاعلين المحدثين الذين تحركهم أغراضهم، ولا نريد أن نقول إن العادات الإنسانية دالة على حكمٍ، لأن أفعال البشر لا يطرد ملازمتها مع الحكمة، كما هو ظاهر، فكثير من الناس أفاعيلهم موافقة للشرور لا للحكم والخير والنفع. ولما ظهر لي ذلك قلت لا ينبغي الآن -وقد صار لي واضحا تغرُّضُ فاعليها- أن أغضَّ الطرف لا سيما وأن هناك آثاراً لا تمسني أنا فقط، بل تتعلق بغيري من المحبين وأصحاب المقاصد الحسنة وطيبي الطوية.
هناك بعض الناس يكتبون كل فترة كلاماً يتعلق بي وينسبون لي ما يخالف ما أقرره من آراء ومعارف وعلوم، فهم يفترون الكذب علينا مرة تلو أخرى، ويصرون على تكرار ذلك كل فترة، محاولين ترسيخ أكاذيبهم في آذان الناس وأسماعهم ليصير الأمر ولو بعد حين من جملة الأمور المسلمة النسبة لي في نظر الناس، وهم يعلمون قبل غيرهم أن ما يشيعونه مجرد كذبٍ وافتراء، ويعلمون هي الأغراض التي تدفعهم لترويج مثل هذه الأقوال والافتراءات.
وسوف ألخص في هذا المقال بأوجز عبارة ما أريد لفت النظر إليه، ولن أشتغل بفضح مخططاتهم أو الإشارة إلى أسمائهم وانتماءاتهم كثيراً حالياً، آملاً أن لا يقوموا بما يوجب عليّ فعل ما يلزم لقطع ألسنة هؤلاء المفترين الكاذبين! بما يعود عليهم في أنفسهم بالندم الشديد، ولسنا من الذين يشرعون في أمر ثم لا يتمون ما بدأوا فيه.
فمما لاحظته أمور:
الأمر الأول: تكفير ابن تيمية
هناك كثير من الناس يشيعون بين الناس في كل فترة، أن سعيد فودة يكفر ابن تيمية، ويخرجه من الإسلام، ويصرون على ذلك مهما سمعوا منا ومن غيرنا خلاف ذلك، ويصرون عليه مهما بالغنا في تأكيد عدم تكفيرنا لابن تيمية. وقد كتبنا في هذا مقالات، وأودعنا في كتبنا أننا لا نقول بتكفيره، وإن حكمنا بانه مبتدع مخالف لأهل السنة، كما صرحنا بذلك في دروسنا الكثيرة، ومع ذلك يحرص هؤلاء على غض النظر عن ذلك كله لأن مقصدهم ليس الحق بل تشويه من يخالفهم بأي طريقة كانت، ولا طريق لديهم إلا الكذب والافتراء.
وقد كنت أعلنت في الطبعة الألى من الكاشف الصغير أنا لم نكتب هذا الكتاب لتكفير ابن تيمية، وأعدنا التأكيد على ذلك في الطبعة الثانية المنقحة والمزيدة، ولو كانت المسألة علمية لديهم لكفاهم ذلك، ولكن الأمر تعدى العلم والبحث عن الحق، إلى تشويه الخصوم بالباطل والتعدي، والتضييق عليه في دنياه بالظلم المعنوي والماديّ.
وعادة ما يكون الذي يرتكب مثل هذه الافتراءات هم الوهابية والتيمية، وما يدفعهم لذلك معروف، فقد تألموا أشد الألم من هجماتنا العلمية العميقة على فكر ابن تيمية، وعلى ما قمنا به خلال السنوات السابقة من كشف عن عقائده المنحرفة في ذات الله تعالى وما يتعلق بذلك، ونقد أصول مذهبه. فلما لم يستطيعوا ردَّا علميا مقنعاً، لجأوا إلى الافتراء تهويشا وتشنيعاً، وليدفعوا الناس دفعا للنفور عما نقوم به من نقود علمية لهذا المذهب، مع علمهم أننا لسنا أول من نقده ولا أول من نسب إليه هذه العقائد الباطلة مما تدل عليه عباراته في كتبه.
ولذلك فكلما قمنا بنشر كتابٍ أو إلقاء محاضرة أو نشاط معين، رأينا بعض هؤلاء يتهالكون على نشر هذا الافتراء، بأننا نكفر فلاناً!
وقد يؤيدهم في ذلك بعض المبغضين من المنتسبين للأشاعرة نيلاً منا وحسدا من عند أنفسهم، وليظهروا أنفسهم بصورة الرحماء بالمخالفين، الذين يبسطون أيديهم للتعاون مع الآخرين، ولا يردُّون على خصوم مذهبهم كما يفعل غيرهم.
وبعض هؤلاء تفضحهم أفاعيلهم وأقاويلهم فيتحالفون مع الوهابية والتيمية ضدنا نيلاً لمنفعة أو طمعاً اجتلاب ترتيبات دنيوية تجر نفعا خاصاً لهم.
ومن غريب ما نعرفه أن الهررية تلاميذ الشيخ الهرري ناقمون على سعيد فودة من جهة أخرى، فلما اشتهر عنه أنه لا يكفر ابن تيمية، وهؤلاء يكفرون الرجل بل ربما يكفرون من لا يكفره، فلما تبين لهم أن سعيد فودة لا يكفره، صرح بعضهم بكفر سعيد فودة لأنه لا يكفر ابن تيمية، وبعضهم صار يشنع عليه للسبب نفسه.
فسبحان الله تعالى!
فريقان عدوّان مختلفان: الوهابية التيمية من جهة والهررية الأحباش من جهة أخرى...الأول ينسب لسعيد فودة أنه يكفر ابن تيمية وهم يعلمون أنه لا يكفره تشنيعا عليه ...والفريق الثاني يكفر سعيد فودة لأنه لا يكفر ابن تيمية...
فتأمل وتعجب!
الأمر الثاني: تكفير ابن عربي
يندفع في كل فترة بعض المنتسبين للصوفية للقول بأنني أكفر ابن عربي، وقد أعلنا مرات ومرات أننا لا نكفره، ولا ندعو الناس لتكفيره، بل غاية ما نريد بيانه أن هناك فارقا بين مذهبه وطريقته وبين طريقة أهل السنة في أصول وفي فروع، وقد قمنا بكتابة ذلك في بعض المقالات وفي الكتب التي تم نشرها، وصرحنا بذلك منذ سنوات. وقمنا بنشر تسجيلات صوتية وفيديوهات ننص فيها على عدم قولنا بتكفير الرجل، وأن غايتنا إنما هي نقد بعض آرائه التي نراه مخالفا فيها للأدلة الصحيحة، ولقواعد أهل السنة...
والأمر المستغرب إصرار هؤلاء كل حين على الزعم بأننا نكفره، ويضيفون إلى ذلك على سبيل التمليح والتنويع والترويج بأنا نطعن في أولياء الله وفي الصوفية هكذا بإطلاق وتعميم مقصودين.
والغرض عندهم من هذه الافتراءات كلها دفع الناس إلى النفور والإعراض عما نقوله ونقرره من بحوث علمية في نقد مذهب ابن عربي.
وكنت قد التقيت مع بعض هؤلاء المغرضين من بعض البلاد، ولم يصمدوا دقائق بعد فتح الموضوع بطريقة علمية، وكان شاهدا على بعض هذه المجالس واللقاءات بعض أكابر العلماء. وقد قمت بتدوين تفاصيل هذه اللقاءات وغيرها في كتاب خاص جمعت فيه ما شاهدته وحصل مع بعض الأشخاص، وما زلت أضيف إليه، قد ننشره في وقت ملائم.
ولو أنهم قدروا على نقض ما قررناه علمياً، لما تأخروا عن أن ينشروا على الناس والباحثين دررهم العلمية ونقودهم ليكشفوا بطلان ما نبينه، ولكنهم لما لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، لجأوا إلى طريقة التشنيع والافتراء والكذب المفضوح...
ومن عجائب ما مرَّ بي منذ أيام قليلة أن أحد أساتذة الجامعات الذين درسوا عندي في أوائل طلبه ثم صار يزعم أنه من أتباع ابن عربي وهو لا يعرف تفاصيل مذهب الرجل ويشهد على نفسه أنه لم يقرأ له إلا صفحات، قال لي المهم أن لا ننتقد شخص ابن عربي! هكذا يعبر عنه هذا الأستاذ الجامعي الأشعري الصوفيّ المحبّ!
فقلت له: لا أدري والله ما معنى نقد شخص ابن عربي، وهل النقد يتعلق بالشخص من حيث هو شخص أم من حيث فكره واعتقاده أو مذهبه، ونحن لا نقوم إلا بانتقاد مذهبه وبعض آرائه فلم تحرصون على التعبير بدلا من ذلك بأننا نقوم بانتقاد شخصه. ثم قل لي بربك ما معنى أن أنتقد شخص ابن عربي: هل يعني ذلك أني أعترض على لونه، أو طوله وعرضه، أو زمان وجوده أو وزنه، أو ربما يعني أنني أنتقد كونه ابن فلان أو من قبيلة كذا أو كذا، بربكم ما هذه الطريقة الهابطة من التحليل والتعبير! ألا يكفيكم ما ترونه من مقالات وكتب لتعرفوا أننا نقوم بنقد بعض آرائه! فلم تحرصون إذن على القول بأننا ننتقده لشخصه، وكأن بيننا وبينه عداوة أو خصومة دنيوية أو نزاعاً عائلياً لكي ننتقد شخصه، وهل تحسبون أن مثل هذه التعبيرات لو مرت على بعض أتباعكم فإنها تجري على بقية المتابعين والمنصفين من الباحثين لما نقوم به، هل تعتقدون أن الناس سيقتنعون فعلا بما تفترون علينا وتنسبونه إلينا من هراءات! مرة أننا نطعن بالصوفية وأنتم تعلمون أننا وطلابنا تابعون للصوفية، ولكن لصوفية أهل السنة، وغاية ما أقوله إن هناك فارقا بين مذهب ابن عربي الاعتقادي وبين المذهب الاعتقادي لأهل السنة...ونجيز لأنفسنا انتقاده في هذا المجال، فلم هذا الافتراء المتعمَّد والحرص المقصود على التشويه لما نقوم به من أعمال...؟!
وقد يشترك بعض المبغضين لنا ممن كان يطمح أن يبلغ درجة الاجتهاد، وأنى له ذلك، ويؤسس مذهبا خاصاً في بعض البلاد تابعا له، ولكنا أظهرنا عوار مذهبه وفساد طريقته بنقد علمي متين، فتراه يساهم في هجمة التشويه هذه ويتبرع كل حين لتذكير الناس بأن سعيد فودة يعترض على ابن عربي، وهو أصلا ليس من أتباع ابن عربي بل يعتبر ما يقرره ابن عربي مجرد سخافات وترهات، بل هو أيضا يخالف الأشاعرة والماتريدية في أصول وفي فروع ويرجح على أقوالهم تارة أقوال الزيدية وتارة أقوال الإباضية، ومرات بعض أقوال الشيعة، وأحيانا يخترع أقوالا سخيفة من عند نفسه يروجها بين بعض أتباعه المساكين...
ومع ذلك كله لا يترك فرصة للتشنيع على سعيد فودة إلا ويساهم فيها، ويحرِّض بعض المرتزقة كل حين من جهة معينة، ولعلنا نتكلم عليه في مقام خاصّ بصورة أكثر تفصيلاً...
وهناك أطراف أخرى ممن سجنتهم أهواؤهم أو باعوا أنفسهم فلم تربح تجارتهم فتراهم يحاولون كرة أخرى، وهؤلاء قد تراهم يدلون بدلوهم في هذا المقام أيضا منتهزين ما يمكنهم للنيل من فلانٍ وعيونهم معلقة على أمور أخرى لا علاقة لها بالعلم ولا بالبحث!
الأمر الثالث: تكفير الحكومات المعاصرة
بحث بعض الناس ذوي الغرض عن طريقة يتم التشنيع بها علينا، فوجدوا فقرة أو اثنتين في الشرح الكبير على العقيدة الطحاوية، أتكلم فيهما على مفهوم الخروج وما موضوعه، وحكمه، وهل يطبق على الدول المعاصرة نفس الحكم الذي صرح به الفقهاء أو لا.
وظنَّ أنه وجد مَوْجِداً ليُشَنِّعَ علينا بذلك عند ذوي الحكم والسلطان، فبادر إلى ذلك ولم يوفر مِنْ وقته وقتاً! ولقد قابلنا بعضهم وعرفنا بعض من قام بذلك وحصل بيننا وبين بعضهم كلام حول الموضوع فلم نجد عنده عزما، بل فرَّ ولم يترك بعدَه أثراً، ولم نر فيه إلا قدرا عظيما من البغض والحسد وقد ظنّ أنه أمسك بعثرةٍ عظيمة ليتخلص منا ومن آثارنا! وهيهات!
وقد تعاون في هذا المرمَى بعض الشانئين القدماء ممن يظنُّ في نفسه الاجتهاد، كما ألمحنا قبلُ، مع من كان منتمياً لبعض الأحزاب الإسلامية معارضين للحكومات والرؤساء بحجة أنهم ليسوا على الطريقة الدينية القويمة، ثم انقلبوا على أعقابهم مع تقلبات الظروف السياسية، وهؤلاء مع معرفتهم انتقادنا لطرقهم البالية، وخياراتهم السياسية الفاشلة أعملوا معاولهم في هذا الأمر وساهموا فيه بسهمٍ.
وقد بادر إلى المشاركة في هذا الأمر أيضا بعض ذوي المناصب ممن توهم أننا ننافسه أو بعض طلابنا على كرسيه ومنصبه، فقال في نفسه: فلنشوه هذا الرجل ولو بالكذب والبهتان لعلنا ننال بذلك مقصدنا ونبلغ منه غايتنا وغرضنا.
ولم يتأخر عن ذلك بعض المنتهزين للفرص الظانين أنهم على شيء من الفهم والعلم فمدوا لهؤلاء جميعا يدَ الممالأة لعلهم ينالون بذلك غرضا لهم، وربما تصوروا أن الطعنة العصماء إذا صدرت من أيديهم فسيكون لهم المنة والقدرة على بعض مطالبات ومنافع خاصة لهم من مختلف تلك الاتجاهات.
وهكذا يمكننا أن نتصور من ذلك صوراً! وليس مقصدنا الآن إلا الإشارة لا التصريح بالعبارة ولا حكاية الأسماء، ولو لزم الأمر فإنا فاعلون من ذلك بحسب ما يلزم!
ولنلخص ما تعلقوا به في هذا المقام لنزيل أي شبهة قد يتمسكون بها لدى بعض أهل الفكر السطحي، أو لدى من يخافون الغوص لمعرفة الحقيقة، ويهربون من نصرة المظلوم ولو كان الأمر بيد قدرتهم بوزن ريشة.
فقد قلتُ في الطبعة الأولى من الشرح الكبير على العقيدة الطحاوية:
وذلك عند الكلام على قول الإمام الطحاوي: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ...)
مبيناً موضوع هذا الحكم: إن الوالي أو الخليفة ليس من شرطه أن يكون معصوما، فلو ولي وطرأ عليه فسق هل ينعزل بمجرد الفسق؟ إن المعتمد في ذلك أنه لا ينعزل بمجرد ذلك، واختلفوا هل يجوز عزله أو لا؟
وهذه مسألة مذكورة في كتب الفقه والعقيدة والكلام، وليست من كيسنا.
ثم بينت محلَّ ذلك الحكم فقلت في ص1043: "ولا يخفى أن محل كلام أهل السنة في الحاكم المسلم، وليس الحاكم الذي استبدل بالكتاب والسنة القوانين الوضعية" اهـ
ونقصد بالحاكم المسلم أي من كان يحكم بالإسلام الخالص، أي الحاكم في دولة حصلت البيعة فيها على الإسلام أو زعم فيها أنها دولة خلافة أو تقوم مقامها، لا مجرد أي مسلم قدر له أن يصير حاكما على أي بلد من البلدان، ولا من كان يحكم بأحكام مختلطة وقوانين وضعية، سواء كان بعضها إسلاميا أو لا.
والحكم الذي نتكلم عليه هو الخروج على الحاكم، لا تكفيره كما هو ظاهر، فقلنا إن خلافهم كان في الحاكم بالإسلام، لا في غيره، من أشكال الدول الأخرى، فهذه الصورة هي الأصل الذي بنيت عليه مسألة الخروج أساساً، لأنها تفرض في حاكم تمت توليته وتنصيبه على أساس الإسلام -أي دولة خلافة أو ما ينوب منابها ويقوم محلَّها من دول الإسلام السابقة- ثم نكص عن ذلك إما بصورة كلية أو جزئية، ولكن الحال في الدول المعاصرة ليس كذلك فهذه دول مدنية لها صورة وشكل جديد لا بد له من حكم جديد، فالمقصود من كلامي أن ما قيل في الخروج على الحاكم أو على دولة الخلافة لا يطبق بحذافيره على الدول المدنية المعاصرة أصلاً لعدم تحقق موضوعه ومحله. وينبغي إعادة النظر فيما هو حاصل في هذا العصر بحسب ما يناسب الأحكام الشرعية، أما مجرد نقل الحكم الذي نسب لموضوع قديم على موضوع جديد لمجرد الاشتراك في بعض الأسماء من دون الاشتراك في المعاني فلا يصحُّ.
ولم يكن الكلام أصلاً عن التكفير، ولم ترد كلمة التكفير أصلا في هذا الموضع، ولا في عنوانه!
ثم شرعتُ في بيان حكم الخروج على ولاة الأمر من حكام المسلمين أي الخلفاء ومن ينوب عنهم من الرؤساء والملوك والسلاطين الذين بويعوا على الإسلام، كما كان الأمر في دول الإسلام قديماً قبل ظهور مفهوم الدولة المدنية المعاصر.
وبينت أن أكثر الفقهاء كانوا على عدم الخروج لما يترتب على ذلك من دماء ومخاسر، وذكرت الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك، وبينت الخلاف بين الفقهاء فيما إذا ارتكب الوالي معصية أو كفراً، ومتى يجوز منازعته في ولايته أو في معصيته، والأول إذا ارتكب كفراً، والثاني معصيةً، وكل ذلك أوردت عليه أحاديث مروية واستشهدت عليه بكلام الفقهاء كالنووي والعسقلاني وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين إلى أن ذكرت قول النووي ص1050: "أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا من قواعد الإسلام" اهـ.
بل كنت بينت في الطبعة الأولى نفسها أن حكم الحاكم الجائر إنما هو كفر دون كفر، أي معصية وفسق، وهو ليس بكفر يخرج عن الملة، كما ذكرت ذلك في حاشية ص1041 ونقلت ذلك عن ابن عباس كما هو مشهور عنه في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وهو مختار أهل السنة والجماعة كما هو مشهور. فالحكم بالتكفير يحتاج لأدلة أخرى وراء مجرد الحكم بما لم ينزل الله تعالى الذي هو في حد ذاته معصية مع القدرة على الالتزام بحكم الله تعالى. فكيف يتجرأ بعد ذلك بعض الحاقدين على القول بأننا نحكم بالكفر مطلقاً على مَنْ حكم بغير ما أمر الله تعالى.
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ونحن لا نخرج عنه، بل نحرص على تقريره وتوضيحه، مرة بعد أخرى، ومع ذلك كله نرى بعض السفهاء يقولون إننا نكفر الحكومات المعاصرة...! كما زعم أصحابهم من قبل أننا كفرنا ابن تيمية وكفرنا ابن العربي! فلك أن تفكر قليلا وسوف تتعجب عندما تعرف أغراض هؤلاء جميعاً من نسبة هذا القول إلينا!
وليتأمل في قوله (الخلفاء) وقوله (تغيير قواعد الإسلام) لتعرف ما رمينا إليه مما سبق. فالكلام في حكم الخروج المبحوث من الفقهاء محله الخلفاء أو من يقوم مقامهم وينوب منابهم إذا ارتكبوا معصية أو كفرا، أو غيروا قواعد الإسلام، لا في غيرهم ممنْ لم يدَّعِ خلافة ولم يدع أنه نائب عن إمام أو خليفة، وهذا هو شأن الدول المدنية المعاصرة، وعلى ذلك فلا بدَّ أن يكون لهذه الدول المعاصرة حكم آخر ولا يصح سحب الحكم السابق عليها، كما هو ظاهر.
وصرحت بأن الذي يرى جواز الخروج مطلقاً غير مصيب، كما في ص 1050. ومع ذلك تجد بعض الغوغاء الحاقدين المترصدين يقولون إنني أجيز الخروج على الدول، أقول هذا كله مع أن موقفي مما سمي بالثورات العربية معروف مشهور، ونقدي لمجرياتها معروف بين العام والخاصّ، ويستمر الكذَبة في نشر الأكاذيب والشائعات.
ثم قلتُ في الطبعة الأولى: "وهذا كله لا يجوز قياسه على الدول والحكومات المعاصرة بلا شك، ولا ريب، فإنها كلها لا تحكم بما أنزل الله تعالى، بمعنى، أنها لم تلتزم على نفسها الحكمَ بالشريعة الإسلامية، وإن أخذت منها أحكاماً في عدة جوانب، كالأحكام الشخصية والبيوع وغيرها، ولكنها خلطت بها أحكاما لم تأخذها منها، بل أتت من قوانين غربية، أو من عند أنفسها، وإنما الخلاف السابق كان فيمن حكم بالإسلام، والتزم به إلا أنه ظلم، وأما من غير وبدل شرائع الدين والدولة، فأمره بين، وهذا هو المندرج قطعاً تحت قول الرسول عليه السلام، إلا أن تروا كفرا بواحا، والله أعلم" اهـ
ومن قرأ كلامنا هذا مع ما قبله عرف على القطع أن الدول المعاصرة لا يصح أن يحكم عليها بعين الحكم السابق المتعلق بدول الخلافة والإمامة أو من ينوبون عنهم، وهو الحكم الذي بحثه الفقهاء كما بيناه، وذلك لأن مفهوم الدول اختلف وطريقة الحكم اختلفت.
ومن فهم ما يتلى جزم بأن المقام ليس فيه ما يشير إلى تكفير الدول المعاصرة، ولا إلى تحريض الناس إلى الخروج والثورات، بل غاية ما فيه لفت النظر إلى أن حكم الدول السابقة ليس مماثلاً لحكم الدول المعاصرة لعدة حيثيات، هذا من حيث الأصل، بغض النظر عن صحة الخروج في نفسه الذي صرحتُ أن أكثر الفقهاء على التحذير منه ومنعه لما يترتب عليه من مفاسد واختلال أمور العباد، وانفلات السيطرة والتحكم في ضبط الأمور.
وأما قولنا: "وأما من غير وبدل شرائع الدين...الخ" اهـ، فالمراد به ما نقلناه سابقا عن الإمام النووي من أن الوالي قد يغير قواعد الإسلام إشارة إلى ما يحتمل التلبس بالكفر أو بما لا يحتمل السكوت عليه، لأنه جعل تغيير قواعد الإسلام في مقابل ارتكاب الفسق والظلم، فعرفنا أنه أراد من تغيير قواعد الإسلام أعظم مما هو ظلم أو فسق، لأن حكم الظلم والفسق لا يستلزم الكفر بالضرورة عند أهل السنة، وما لم يكفر فإنه لا ينعزل بنفسه ولا يجب الخروج عليه كما وضحناه سابقا من كلام أهل العلم، وما نقلناه من كلام الجويني.
فقولنا: "من غير وبدل شرائع الدين...الخ" أي: بأن وصل إلى حد الكفر لا المعصية فقط، وهو المشار إليه في كلام الإمام النووي بعبارة (تغيير قواعد الإسلام) ولأجل ذلك ربطناه بحديث النبي عليه الصلاة والسلام (إلا أن تروا كفراً بواحاً) قام البرهان الشرعيُّ عندكم على أنه كفر.
ولأجل بيان هذه العبارة وسابقتها ولأجل زيادة توضيح ما أردناه منها لئلا يتعلق بها بعض المغرضين، فقد قمت في الطبعة الثانية التي صدرت في عام 2017 بزيادة البيان لهذه الفقرة وتفصيلها زيادة تفصيل، لدفع الأفهام المجانبة لما أردت بيانه، وهو ما يجب علينا بلحاظ قانون العلم كما هو معروف، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أغراض ومفاسد ومكايد ومقاصد من بعض الأعداء للنيل والإيذاء، فوضعت في ص 1100 من الطبعة الثانية، بدل الفقرة السابقة ما يقوم مقام الشرح والبيان لها من دون تطويل اعتقاداً مني بأن ذلك كافٍ -لرفع أي وهمٍ قد يتعلق به من أشرنا إليهم- الفقرةَ التالية:
"وهذا كله لا يجوز قياسه على الدول والحكومات المعاصرة بلا شك ولا ريب، فإنها كلها لا تحكم بما أنزل الله تعالى، بمعنى أنها لم تأخذ على نفسها الحكمَ بالشريعة الإسلامية وتجعلها منطلقا لها رافعة راية الإسلام، كشأن الدول الإسلامية السابقة في التاريخ الإسلامي، وإن أخذت منها أحكاما في عدة جوانب، كالأحكام الشخصية والبيوع وغيرها، ولكنها خلطت بها أحكاماً لم تأخذها منها بل أتت بها من قوانين غربية، أو من عند أنفسها، وإنما الخلاف السابق كان فيمن حكم بالإسلام والتزم به إلا أنه ظلم.
ومن غيَّرَ شرائع الإسلام وبدَّلها وناقضها علانية وألزم الناسَ بها، فأمره بين إن وصل إلى الكفر البَواح الذي لا يحتمل التأويل، وهذا هو المندرج قطعاً تحت قول رسول الله عليه الصلاة والسلام مما رواه البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه من حديث البيعة أنهم بايعوه من ضمن ما بايعوه: "على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثَرةٍ علينا، وان لا ننازع الأمر أهلَه، إلا أن تروا كفراً بَواحاً عندكم فيه من الله برهانٌ"، أي عند ذلك يحل المنازعة، وليُتأمل في قوله عليه السلام (كفراً) هل يقتصر على الكفر العقدي أو يدخل فيه المعصية أيضاً أي الكفر العملي كما اختاره النووي، وعارضه غيره، مع أن النووي أجاز عندئذ الإنكار عليهم، لا الخروج عليهم، وذكر القاضي عياض في شرحه على مسلم: أن عدم الخروج عليهم "في إمام عُقِدَ له على وجه يصح ثم فسَقَ وجار، وأما المتغلبون على البلاد، فالكلام فيهم يتسع، وليس هذا موضعَه". والبرهان أي القطع مطلوب مطلقاً هنا كما هو نصّ الحديث، ومما يتصل بذلك ما جاء من نهي النبي عليه السلام عن القتال تحت راية عُمِّيَّة، والمراد بها: الأمر المشتبه، الذي لا يُدرى ما سببه، ولا يُدرَى أنه حقٌّ أو باطل" اهـ.
وهذا النص كما ترى أقرب لأن يكون شرحا وتوضيحا وتفصيلاً لما ذكرته موجزاً في الطبعة الأولى، لكي نقطع الطرق على بعض الحاسدين أن ينسبوا لنا ما لا نقول به. وكلامنا فيه مفصل بصورة كافية إذا نظر فيه منصف عرف يقينا أنا لا نثبت الكفرَ لمجرد الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ولا نجيز الخروج لمجرد الظلم كثر أو قلَّ، لأن الخروج له ضوابط أخرى غير متعلقة بمجرد صدور الظلم من الحاكم، بل يلاحظ فيها أيضا مآلاتها العملية من مفاسد أو مصالح ومن قدرة على ضبط الأمور وهذا كله صعب مستصعب كما لا يخفى على أحد.
ثم بعد ذلك كله يأتي بعض الجهلة الحاقدين ويقول إن فلاناً يكفر الحكومات المعاصرة ويجيز الخروج مطلقاً، ويشيع ذلك بين المسؤولين وكبار الموظفين... ولنا أن نتساءل عن الأسباب التي تقبع وراء كلامهم هذا، ومن الذي دفعهم ليقولوا ما قالوه...
وكما قلنا فلدينا مزيد تفصيل يتعلق بالأطراف التي تقوم بنشر هذه التشويهات والأكاذيب وما يعتورها من أغراض وعلاقات، لا يليق الكلام فيه الآن، ونأمل ألا نضطر إلى الكلام فيه في المستقبل، ولو فعلنا لترتب على ذلك إحراج كثير ممن تلبسوا بهذه الأوساخ والمكائد وتأليب الناس علينا بغير حقٍّ ولا بينة بل بمجرد الهوى...
ثم أوردت من كلام الإمام الجويني ما يعظم فيه ويحذر من الخروج ويقيده تقييدا عظيماً، ولا يجيز ثورة الأفراد المتفرقين على الحاكم، وبين أن الصبر على الحاكم الفاسق أولى من فتح باب إراقة الدماء وإهلاك النفوس بالخروج عليه. ولا يجوز أن يُطلق ليد الآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا، ففي ذلك زيادة المحن والفتن. ولينظر في ذلك ما ذكرته عن الغياثي للجويني في ص1052 من الطبعة الأولى، وفي ص1101 في الطبعة التي صدرت 2017م.
وبعد هذا البيان والنقول الواردة في الشرح الكبير في الطبعة الأولى، نرى بعض ذوي الأغراض يزعم أننا صرحنا بكفر الدول المعاصرة! وأننا قطعنا بذلك! وهذا كذب صريح وبهتان عظيم! لم نجد له ما يتعلق به إلا سوء فهمه وطويته.
وأخيراً وليس آخرا، ولنسدَّ أفواه من يكذب علينا، ويباشر إشاعةَ هذه الافتراءات علينا مرة بعد مرة، فقد قمنا بكتابة تفاصيل أخرى تتعلق بهذا المبحث في الطبعة الأخيرة من الشرح الكبير التي صدرت في هذا العام أعني سنة 2022م.
هذا مع أن ما مضى كافٍ لبيان المطلوب عند أولي العدل والإنصاف، فليطلع عليها من له اهتمام بذلك. وأما من أصرَ على الظلم والتنكيل والإشاعة أو الاستجابة لذوي الأغراض الخبيثة من دون تحري الحق والعدل وهو مقدور له، قريب منه، فالله تعالى حسيبه وهو يتولاه دنيا وأخرى.
وليعلم الجميع أن الذي أعتقده أكتبه، ولا أنفيه، وما لم يوجد في كتاباتي فلا يجوز لأحد أن ينسبه إلي هكذا بدون برهان ولا دليل، وأنا الآن بفضل الله تعالى على قيد الحياة ولكن نشاهد أنه يُكذَبُ علي ويُفتَرى كما ترون، فكيف سيكون الأمر بعد ذلك...؟ وأنا لا أعفو عن أحد افترى عليّ ما يعلم من الكذب أو نسب إلي ما لم أقله في هذه الأمور، لا سيما وهو قادر على التأكد من صحة ما ينسبه لي أو كذبه.
كتبه الفقير إلى الله تعالى
سعيد فودة