بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد.

فقد قرأت تدوينة للشيخ حاتم العوني على صفحته في الفيسبوك، كتبها في السادس عشر من يونيو 2022، انتقد فيها بعض المسائل الفقهية الظنية، غير مكتف بتعدادها وأن اجتهاده الفقهي على خلافها، لكنه جاء بها في سياق الاستهزاء والسخرية بها، وجعلها أضحوكةً ومسخرةً من القول!!

وهذه الطريقة إذا وافقنا على اجتهاده فيها فإنها تدل على خلل في فهمه لتركيبة بناء الفقه الإسلامي ووجه الاستدلال على الأحكام في المسائل العملية، بيان ذلك أن الأحكام الشرعية تستند إلى الأدلة التي تكشف عنها، ومما هو معلوم اضطرارا في علوم الفقه أن الأدلة التي تستخدم في الوصول إلى الأحكام الشرعية ظنية، تختلف درجات الظن فيها، ويكتفى في إثبات الأحكام بالأدلة الظنية على الوجه الظني في الدلالة.

مثلا: إذا تحدثنا عن مسألة النية في الوضوء، فإن الفقهاء اختلفوا في النية في الوضوء، هل هي واجبة أم مستحبة؟ فاستدل القائلون بالوجوب بالحديث الشريف (إنما الأعمال بالنيات)، وبإشارة قوله تعالى: (إذا قمتم)، وهذه الدلالة ليست قاطعة، لكنها تكفي للاستدلال، واستدل القائلون بأنها ليست فرضا بظاهر الحديث الشريف (توضأ كما أمرك الله)، ولم يصرح بالنية في آية الوضوء. وهذا الاستدلال ظني كذلك، وهو كاف لإثبات الحكم. نعم لكل مجتهدٍ جوابٌ عن استدلالات المجتهدين الآخرين، لكن كل ذلك لا يخرج عن دائرة الظن. وإن من أقبح حالات البحث الفقهي الذي يزعمه الكثيرون في زماننا أنهم يتطلبون القطع في أوجه الاستدلال الفقهي.

فلا وجه بعد ذلك لكي يأتي منتمٍ إلى علوم الدين ليسخر من أحكام فقهية تم الاستدلال عليها بطرق صحيحة، سواء كان نتيجة البحث مستحسنة عند الناس أو غير مستحسنة، فإن الحسن والقبح شرعيان، ولا يستدل على صحة الأحكام بمدى قبول الناس لها، بل يستدل عليها بالنصوص والقواعد المعلومة.

سأذكر نص التدوينة، وأعلق على كل مسألة ذكرها:
نص التدوينة:
(فتاوى تجاوزتها الدولة والشعب السعودي ، سوف تصبح تاريخا مضحكا للأجيال الآتية وتاريخا مؤلما لمن عاشه واصطلى بناره :
جلال: لا معنى لكون فتاوى تم تجاوزها إلا أن الحاكم الشرعي المجتهد قد اختار مذهبا فقهيا معتبرا وألزم به الناس، فتصبح الفتاوى في هذه الحالة ملزمة للعمل بها في المسائل المختلف فيها بين الناس قضائيا، أما ديانةً فلا يمكن عمليا إلزام الناس بمذهب معين للجميع.

أما تخصيص الشعب بذلك، فغريب، لأن الشعوب لا قرار لها في أحكام المسائل الشرعية، بل إن الشعوب العربية قد تجاوزت في كثير من أمورها الشريعة الإسلامية نفسها، واستحلت محرمات مجمع عليها يراها الجميع، في السعودية وغير السعودية، فالتعزز بمثل هذا غريب!

1-تحريم قيادة المرأة للسيارة .
جلال: هذه المسألة فقهية مبنية على قاعدة شرعية معروفة، وهي قاعدة سد الذريعة، وهي قاعدة مرنة تعتمد على نظر المفتي إلى قوة إفاضة العمل المباح إلى المحرم أو المكروه. والنظر في هذه المسألة له تعلق بمجموعة من الأعراف كذلك، فحالة المرأة ومكانتها وأعمالها تختلف من منطقة إلى أخرى ومن بيئة إلى أخرى. والتحرش بالنساء ظاهرة معروفة في بلاد الدنيا، إلا أنها في الدول الغربية معروفة الأعداد وغير مسكوت عنها، لكنها في أكثر البلاد العربية مجهولة العدد والحالات، والخوف على النساء والفتيات من التحرش بهن أمر مفهوم شرعا وعرفا، والتحرش بالنساء أثناء قيادة السيارات ظاهر للعيان جدا. فلمثل هذا النظر لا يصح الاستهزاء بهذه الفتوى، حتى وإن لم أكن مفتيا بها.

2-تحريم تعيين المستشارات في مجلس الشورى .
جلال: هذه مسألة معروفة مشهورة، مكانة المرأة في العمل العام، وتبوئها لمناصب تؤثر في القرارات العامة للدولة. أما في الولاية العظمى والقضاء في أكثر الأبواب فقد اتفق الفقهاء على المنع من تولي المرأة لهذين المنصبين، لا تحقيرا للمرأة، ولكن نظرا إلى أدلة نصية وغير نصية، منها قوله عليه السلام: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وإن كان الاستدلال بهذا الحديث لا يعجب المعاصرين، لا لوجود أدلة أخرى، ولكن استجابة للضغط العالمي المطالب بأن تبرز المرأة وتظهر في كل المجالات. وكلامي لهذا غير موجه للشيخ العوني، إنما أقصد به المعترضين على الاستدلال بهذا الحديث.
وقياس الشبه بين تولي الوظائف الكبرى ووظيفة الشورى ليس غريبا ولا قبيحا، لما فيه من الاشتراك في أعمال شاقة. ومن الأدلة غير النصية التي يستدل بها في هذا المجال أن المرأة إذا كانت أُمَّا وزوجة فهي مشغولة بوظيفة أخرى، لا يجوز لها التفريط في تربية الأبناء ولا في العناية بمنزلها. كما أن مزاج المرأة وعاطفتها، خاصة في أيام الدورة الشهرية، قد تؤثر في حالتها التي تمنعها العمل المستمر في مثل هذه المجالس. ولا شك أن مجالس الشورى واتخاذ القرارات تتطلب العمل الكثير والمضني (إذا قام المكلفون بواجبهم حقا كما ينبغي) وأحوال أكثر النساء لا تتناسب مع ذلك. ألا يرى أن أعداد النساء في كل مجالس الشورى في الدنيا أقل بكثير جدا من عدد الرجال؟ لا انطلاقا من الدين وإنما لمعرفة المسؤولين لطبيعة العمل في هذه المجالات السياسية والسيادة في الدولة.
فهذه المصلحة الشرعية مقبولة ومعمول بها، وتنزيلها على هذه المسألة ممكن.

3-منع تنظيم تزويج القاصرات.
جلال: لعل الشيخ يشير إلى مسألة منع تزويج القاصرات قانونيا، بحيث يوضع عمر محدد في القانون لا يجوز عقد النكاح قبله على المرأة الصغيرة، والذي عليه جماهير علماء المسلمين أن العقد يصح على الصغيرة، ولا مانع من انعقاده شرعا. بعض القوانين العربية اختارت الرأي الشاذ لابن شبرمة وحددت سن الزواج بثمانية عشر سنة، أو خمسة عشر سنة، مع وجود بعض الاستثناءات. والبقاء على الأصل والتمسك به وهو الرأي الراجح لا يعتبر منكرا وأضحوكة. ومن العجيب أن بعض القوانين الغربية ومنها القانون الهولندي وضع بعض الاستثناءات وأعطى القاضي سلطة تزويج الفتاة في سن الثالثة عشرة وأقل إذا كان في ذلك رفع الضرر عنها، في محاولة لحل مشكلة الأمهات القاصرات، بسبب ممارستهن الجنس.

4-تحريم كشف المرأة وجهها وكفيها عند أمنها على نفسها .
جلال: هذا غريب من الشيخ، هل يصح الاستهزاء والضحك بمسألة أقرها جمهور الفقهاء وأكدوا عليها، نعم خالف في ذلك بعض الفقهاء، والإنكار في المسائل الخلافية خطأ معروف -بشروطٍ مذكورة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-.
وأدلة المانعين من كشف المرأة وجهها مساوية لأدلة القائلين بجوازه من جهة ظنية الأدلة، فلا ميزة للأدلة القائلة بالجواز تصل إلى حد الاستهزاء بهذا الرأي.

5-تحريم سفر المرأة بلا محرم حتى لو أمنت على نفسها .
جلال: هذه المسألة يكاد ينعقد عليها الإجماع من أئمة الدين، بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم) على اختلاف في الروايات. والاستدلال بهذا الحديث صحيح ولا خلل فيه. ورغم كثرة الحاجة في كل الأزمان عبر العصور إلى سفر المرأة أحيانا بدون محرم، لكن الفقهاء لم يذكروا مستثنيات إلا قليلة مثل حج الفريضة في رفقة مأمونة عند جماعة من العلماء، ومثل خروجها من أماكن تخشى على نفسها الموت في الحروب والزلازل وغير ذلك. وكم رأينا من فساد واقع بسبب انفراد امرأة في سفر وحدها في عمل وسياحة ودراسة؟ وهل يظن الشيخ أن الناس في زماننا أولياء؟ أم يظن أن القانون سيحمي المرأة من شر الأشرار؟ أم يظن أن النساء لسن بحاجة إلى من يحميهن من الغير؟ هو وجود المحرم غير كاف في كثير من الأحيان، فأن يكون بغير محرم فأمر أشد وأدهى.

6-تحريم الموسيقى مع عدم الاعتراف بسواغ الاختلاف فيها .
جلال: الكلام في هذه المسألة مكرر ومعاد، والخلاصة أن المسألة خلافية والخلاف فيها قوي، والقول بتجويز الموسيقى هو القول الضعيف، تجاوزه الناس لاستباحتهم المحرمات لا لاستخدام الآلات الموسيقية في الإنشاد الديني والتحريض على مكارم الأخلاق!!

7-إطلاق القول بتحريم الاختلاط .
جلال: نعم، هذا الإطلاق غلو في الأخذ بسد الذريعة، لكنه لا بد من ملاحظة أن أكثر أحوال الاختلاط الواقع في زماننا شر ووبال على الجنسين.

8-تحريم تهنئة غير المسلمين في أعيادهم .
جلال: الحديث مكرر كذلك في هذه المسألة، فاعتبار التهنئة قبولا لما يهنأ به أمر ظاهر، فإذا كان ما في عيدهم محرما فالتهنئة به منهي عنها عند جماهير الفقهاء، بين التحريم الشديد إلى الكراهة المؤكدة.

9-منع إعطاء المبتدع المسلم حقوقه في الأخوة الإسلامية .
جلال: هذا صحيح، فالمعاصي العقدية والعملية لا تستلزم سقوط الحقوق والواجبات.

10-منع المحبة الطبيعية للكافر (كمحبة من أحسن إليك منهم)، إلى درجة الاتهام بالكفر.
جلال: لا سلطة لمنع المحبة، والاتهام بالكفر لمن أسلم ولم يسلم أبوه، أو لم تسلم زوجته، أو النصرانية زوجة المسلم، منكر شرعي.

11-تكفير تارك الصلاة بغير جحود (تهاونا وكسلا)، والتشنيع على قول الجمهور.
جلال: كلام الشيخ في هذه المسألة صحيح.

12-القول المطلق بتكفير من شك في كفر من كفروه من أهل الشهادتين .
جلال: كلام الشيخ صحيح، بملاحظة قيد (المطلق) ففي بعض الحالات الشك في كفر الكافر يعد كفراً.

13-تكفير الاستعانة بالكافر ضد المسلم مطلقا .
جلال: لعل الشيخ يقصد (تحريم) وهذه المسألة ومسائل التكفير لها ضوابط لا يعلمها الكثير من الناس، ولذلك يقعون في تكفير المسلمين، كما أن هناك تساهلا في عدم تكفير من يستحق التكفير وزيادة.

14-تكفير الشيعة الإمامية على الأعيان (بالجملة أو بالتفصيل).
جلال: هذه المسألة مثل ما سبق.

15-تحريم إنتاج مسلسل طاش ما طاش وتحريم مشاهدته .
جلال: إذا كان التمثيل محرما، فإنتاج أي مسلسل يعتبر حراما. أما إذا قال شخص بأن التمثيل ليس محرما لأنه ليس كذبا، فإن الغالبية العظمى من المسلسلات محرمة، لما فيها من كشف العورات، ومن أفكار ومبادئ مخالفة للدين، ولعل تحريم مسلسل طاش ما طاش بسبب استهزائه بمنزلة المشايخ، وإن كانوا على خطأ، لكن المكانة الشرعية للشيوخ والعلماء والفقهاء يجب أن تكون محفوظة.

16-تحريم الجوال بكاميرا .
جلال: بناء على القول بتحريم التصوير، سواء الشمسي أو الرسم، فهذا الحكم واضح. وعلى القول المعمول به أن الصور الشمسية غير محرمة، فعوارض التحريم معتبرة كذلك، فإساءة استخدام التصوير أمر مشاهد جدا. لكن هل يمكن القول بتحريم كل جوال فيه كاميرا؟ وهل يوجد من يقول بذلك من الذين يتصدرون للإفتاء بين الناس اليوم؟

17-محاربة تأنيث محلات بيع مستلزمات النساء ، قبل السماح به وبغيره .
جلال: هذا مبني على العرف وتغير الأحكام بتغير الأعراف أمر لا ينكر.

18-تحريم الأخذ من اللحية فيما تجاوز القبضة .
جلال: في هذه المسألة خلاف فقهي معروف)

هذه هي بعض المسائل التي ذكرها الشيخ العوني، وله آراء فقهية أخرى يسطرها من حين لآخر في تدوينات مختلفة، وليس الغرض البحث في هذه المسائل، وبيان رأيي فيها من حيث الموافقة أو المخالفة، لكن المقصود بيان أن هذا لا يجيز لنا الاستهانة بالآراء الأخرى لأنه يجب أن نلاحظ أن أصل صدورها عن الفقيه المعتبر أمر أجازته الشريعة.

والآراء الفقهية تعتبر ما دام فيها احتمال الصواب، ولكن إذا تبين على سبيل القطع خطؤها فغير معتبرة...
فهل يمكن أن نقبل من الشيخ العوني التعميم والوصف لهذه المسائل بأنها ستصير تاريخا مضحكا ومؤلما؟
وما الفرق بين هذه الدعوى وبين دعاوى العلمانيين الذين يرون أن الشريعة لا تصلح لهذا الزمان ولا لهذا المكان، لما فيها من مضحكات أو مؤلمات، وتشديدات على حياة الناس اليوم؟
أرجو ألا يكون الخروج من المذهب السلفي موجبا للخروج من القواعد الشرعية وأصول الاستدلال، وألا يكون ردة الفعل على التشدد في الأخذ ببعض المسائل، التفلت من الأحكام المقررة الموروثة المعمول بها في المذاهب الفقهية المنقحة المحررة.
أرجو أن تبلغ مقالاتي هذه الشيخ، ويعيد النظر فيما كتب.
والله الموفق والمستعان