القبيلة والقبلية وضرورة الانتقال من التعصب الى التعارف :آليات مكافحة القبلية بدلالتها السلبية"التعصبية"
د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

Sabri.m.khalil@gmail.com

ضرورة التمييز بين القبيلة والطور القبلى والقبلية بدلالتيها الايجابية والسلبية: ان التوصل الى تصور صحيح لطبيعة مشكلة القبلية بدلالتها السلبيه، ووضع حلول صحيحة لها- تترجم فى التطبيق العملى فى الواقع فى آليات مناسبة لمكافحتها – يقتضى- على المستوى النظرى- التمييز بين المصطلحات التالية :
اولا: القبيلة "كوحدة تكوين اجتماعي" : هى وحده تكوين اجتماعي كوحدات التكوين الاجتماعى الاخرى"كالأسرة والعشيرة والشعب والأمة "، تتميز بالأصل الواحد، وبالتالي فإن معيار "مقياس" الانتماء إليها هو النسب " الحقيقي او المتوهم " .
ثانيا: الطور القبلي"كطور- مرحلة- تكوين اجتماعي" : هو طور- مرحلة - التكوين الاجتماعى تمر به كل المجتمعات الانسانيه، تسبقه أطوار تكوين اجتماعى"كطور التكوين الاجتماعى الأسري والعشائري"، وتتقدم عليه أطوار تكوين اجتماعى اخرى "أطوار التكوين الاجتماعي الشعوبي والقومى "طور امه التكوين ".ويتميز بالاتي:
1/ لا تتميز فيه القبيله عن غيرها بالأرض المعينة ، لحركتها من مكان إلى مكان.

2/ كما تكون فيه القبيله كل قائم بذاته ومستقل عن غيره، وليست جزء من كل اشمل "كالوطن او الامه التكوينية او التكليفية ا " .
ثالثا: القبلية "كعلاقة انتماء الى القبيله " : وهذا المصطلح له دلالتين:
دلالة ايجابية : القبليه كعلاقة انتماء الى القبيله كوحدة تكوين اجتماعى، باعتبارها جزء من كل "كالوطن او الامه " التكوينية او التكليفية " ، يحدها كما يحد الجزء الكل ، فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه .
دلالة سلبية: القبليه كعلاقة انتماء الى القبيلة ، باعتبارها كل قائم بذاته ومستقل عن غيره ، ،فهى هنا محاوله للعودة الى الطورالقبلى،كطور تكوين اجتماعى تجاوزه التطور الاجتماعى.
المنظور الاجتماعي الاسلامى أقر القبيله والقبليه بدلالتها الإيجابية"التعارفية"ورفض دلالتها السلبية" التعصبية ": وقد اقر المنظور الاجتماعي الاسلامى القبيله كوحدة تكوين اجتماعي بجانب اقراره وحدات التكوين الاجتماعي الاخرى، والتى تتحول الى أطوار تكوين الاجتماعي تتابعها خلال الزمان، وهى:
ا/ الأسرة: وردت الاشارة اليها فى العديد من النصوص كقوله تعالى﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة أن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾.

ب/العشيرة: وردت الاشارة اليه ايضا فى العديد من النصوص كقوله تعالى﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين﴾.

ج- د/ القبيلة والشعب: وردت الاشاره اليها فى قوله تعالى ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾(الحجرات 13)
ه/ أمة " التكوين": و مناط الانتماء إليها:
اولا: اللسان لا النسب قال(صلى الله عليه وسلم )( ليست العربية بأحد من أب ولا أم إنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي).
ثانيا: الارض الخاصه (اى الديار بتعبير القرآن ): قال تعالى﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين﴾ ( الممتحنة:8) اما موقف المنظور الاجتماعي الاسلامى علاقات الانتماء المتعددة لوحدات (أطوار) التكوين الاجتماعى السابقه - ومنها القبليه كعلاقه الانتماء الى القبيلة – فيستند الى التمييز بين :
اولا: الدلالة السلبيه : تمت الاشارة اليها اعلاه وهى دلالة تعصبيه ، وهى مرفوضة رفضا قاطعا ، قال الرسول ( صلى الله عليه وسلم): (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية)( رواه أبو داود). وفي البخاري سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة من الأنصار ينادي: يا للأنصار فرد عليه أحد المهاجرين: يا للمهاجرين فقال عليه الصلاة والسلام: (ما بال دعوى الجاهلية) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال: (دعوها فإنها منتنة). وقال الامام ابن القيم (الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعضهم على بعض يدعو إلى ذلك ويوالي عليه ويعادي فكل هذا من دعوى الجاهلية) .
ثانيا:الدلالة الإيجابية: تمت الاشاره اليها اعلاه ، وهى دلاله تعارفيه تندرج تحت قوله تعالى ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾(الحجرات 13)، وهي دلاله مقبولة ما دامت غير قائمة على التعصب والعصبيه، سأل واثله الرسول (صلى الله عليه وسلم)، قال: يا رسول الله امن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم”. (رواه بن ماجه واحمد(.

أسباب نشوء القبليه بدلالتها السلبية " التعصبية " فى المجتمعات العربيه والمسلمة : عندما جاء الإسلام كانت هذه المنطقة عبارة عن شعوب وقبائل متفرقة ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ ، فحوَّلها إلى أمة تكوين واحده هى الامه العربيه المسلمه بشعوبها المتعدده، غير أن الأمة لا تلغي العشائر والقبائل والشعوب، بل تحدها كما يحد الكل الجزء فتضيف إليها وتكملها وتغنيها. غير ان هناك اسباب ادت الى نشوء القبليه بدلالتها السلبية فى مراحل تاريخية متاخره، تمتد الى واقعنا المعاصر ومنها:
ا/ تخلف النمو الاجتماعي والحضاري : السبب الأساسي لنشوء القبليه بدلالتها السلبية هو محاوله الناس البحث عن حل لمشاكلهم ، من خلال علاقات أضيق من الامه (التي حال عوامل معينة "تخلف النمو الاجتماعي والحضاري"، دون أن تبرز كطور يمكن للناس من خلاله حل مشاكلهم)، أو الوطن(الذي حالت عوامل معينه دون أن يكون بالنسبة للقبائل الشعوب التي يضمها، بمثابة الكل للجزء ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه)
ب/ الاستعمار القديم: كما عمل الاستعمار القديم" )(البريطاني، الفرنسي، الايطالي..)على تجزئة الامة العربية المسلمة ) اتفاقيه سيكس - بيكو)، مما مهد الطريق امامك نشوء القبليه بدلالتها السلبية.

ج/مشروع الشرق الأوسط الجديد "الامبريالي الصهيوني": كما ساهم في القبليه بدلالتها السلبيه في المنطقة العربية في المرحلة الراهنة مشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي الصهيوني، الذي بدا تنفيذه بعد وفاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر 1970 ،وتولى السادات الحكم بعده، وارتداده عن سياساته المعبرة عن الإرادة الشعبية العربية ،تنبيه لسياسات نقيضه بدعم من الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكيه ، والذي يهدف إلى تفتيت الامه العربية إلى دويلات طائفية- قبليه،مع ضمان بقاء إسرائيل كحارس لهذا التفتيت.
د/ دور الكيان الصهيوني (الموساد ومراكز الأبحاث الاسرائيليه ): وفى هذا السياق فقد أثبت اكتشاف شبكات التجسس الإسرائيلية في العديد من الدول العربية ، استهداف إسرائيل للأمن القومي العربي بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية... ويضاف إلى هذا كله مجموعة ضخمة من مراكز الدراسات والأبحاث، التي تساهم هي أيضًا في أعمال التجسس والتخريب والتشجيع على الانقسامات والفتن – على اساس طائفى او قبلى- داخل العالمين العربي والإسلامي...وتعتمد الموساد ومراكز الأبحاث المشار إليها على مجموعة من النظريات والمخططات ،التي ترمي في آخر المطاف إلى تفتيت المجتمعات العربية ، عبر إثارة الفتن وتأجيج حالات التمرد والعصيان والتنازع، وذلك من خلال الاستعانة الجماعات الإثنية - القبليه - والطائفية -المذهبية - التي تعيش حالات من التذمر والغضب والنزوع نحو الانفصال والتقسيم. (دور الموساد ومراكز الأبحاث الإسرائيلية / إعداد: إحسان مرتضى/ قضايا إقليمية / العدد 321 - آذار 2012 / نقلا عن الموقع الرسمي للجيش اللبناني(
خصائص القبليه بدلالتها السلبية " التعصبية " :
-1 نمط التفكير والسلوك الجماعي" عقلية القطيع ": والقبليه طبقا لدلالتها السلبية ،تفرز نمط تفكير وسلوك جماعي، وهى بهذا تفارق المنظور الاجتماعي الاسلامى ، الذى يتجاوز الفردية التي تؤكد وجود الفرد لتلغى المجتمع ، كما يتجاوز الجماعية التي تؤكد على الجماعة وتلغى الوجود الفردي، و يدعوا إلى فلسفه اجتماعيه توفق بين الفرد والجماعة ،فالمجتمع بالنسبة للفرد بمثابة الكل للجزء لا يلغيه بل يحدده فيكمله ويغنيه
2- العنصرية: كما ان القبليه طبقا لدلالتها السلبيه، تقترن بالعنصرية التي هي التقاء على إحدى المميزات الموروثة عن الطور القبلي، وهى: وحدة الجنس ، فهي هنا تخالف الإسلام كدين لانه نهى عن العنصرية، ذلك انه عندما ظهر الإسلام كانت أغلب الجماعات في هذه المنطقة قد أصبحت إما شعوباً أو قبائل تتميز بأصلها الواحد وتسود فيها بالتالي العنصرية؛ بمعنى اعتقاد كل جماعة بامتيازها على غيرها احتجاجاً بأصلها الواحد. وعندما جاء الإسلام بدين دعا إلى المساواة “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدِ اللهِ أنقاكم”. وعمل على نقض العنصرية كما يدل على ذلك جملة الأحاديث الواردة في ذم العصبية، ثم ترك هذه الجماعات تتفاعل تفاعلاً حراً مع الأرض المشتركة وبالتالي صنع من تلك الجماعة أمـة،غير أنه نسبة لتخلف النمو الاجتماعي للمجتمعات المسلمة؛ عادت العنصرية كمظهر فكرى - مسلكي سلبي.
الآثار السالبة للقبليه بدلالتها السلبية " التعصبية ": وإذا كان سبب نشوء القبلية بمعناها السلبي كما ذكرنا محاوله الناس البحث عن حل لمشاكلهم من خلال علاقات أضيق من الامه )(التي حالت عوامل معينة دون أن تبرز كطور يمكن للناس من خلاله حل مشاكلهم)او الوطن(الذى حالت عوامل معينه دون ان يكون بالنسبة للقبائل الشعوب التى يضمها،بمثابه الكل للجزء ، يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه)،فان هذه المحاولة لن تنجح أيضا من خلال القبلية بدلالتها السلبىه،ذلك انها محاوله فاشله للعودة الى طور تكوين اجتماعى تجاوزه التطور الاجتماعى، ذلك ان القبائل وان لم تلغى كوحده تكوين اجتماعى، فى اطوار التكوين الاجتماعى التاليه للطور القبلى، الا انها تحولت فى هذه الاطوار، من كل قائم بذاته، كما فى الطور القبلى ،الى جزء من كل (هو الامه والوطن).
اليات تجاوز القبليه بدلالتها السلبيه " التعصبية : وكما ذكرنا سابقا يجب التمييز – لا الفصل – بين القبيله كوحده تكوين اجتماعى،والقبليه كعلاقة انتماء الى القبيله بدلالتها الإيجابية والسلبية . وبالتالي يجب التمييز بين الدور الايجابي للقبيلة كحامل للقيم الايجابية، وأداة لتوارث الأجيال لهذه القيم، والقائم على اعتبارها جزء من كل،( وهو ما يعبر عنه بأصل الفرد) و الذي يجب الحفاظ عليه، والدور السلبي لها والقائم على اعتبارها كل قائم بذاته مستقل عن غيره ومتميز عنه والذي يجب العمل على إلغائه.
واذا كانت القبليه بالدلالة السلبية نشأت نتيجة لتخلف النمو الاجتماعي والحضاري للمجتمعات المسلمة، كمحصله لعوامل متفاعلة، فان تجاوزها لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال العمل على إلغاء هذا التخلف فى النمو الاجتماعي و الحضاري ، بإلغاء العوامل التي ادت الى حدوثه، ويتضمن ذلك الالتزام بالاليات التاليه:
• اقرار حق المواطنة والمساواة فى الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الانتماء القبلى للمواطنين.
العمل اى إلغاء كافة مظاهر التمييز ضد كل الجماعات القبلية
• ضمان تمثيل كل الجماعات القبلية والطائفية بما يضمن الحفاظ على حقوقها، من خلال التوافق على صيغة سياسية تضمن تمثيل كل قوى المجتمع التقليديه “كالطوائف والقبائل والأقليات الدينيه والعرقيه والطرق الصوفية..”والحديثه “كالنقابات المهنيه” ،اى من خلال تبنى الديمقراطية التوافقية.
• ضمان نصيب عادل من السلطه والثروه لكل الجماعات القبلية.
• ربط المناطق التى ترتفع فيها نسبة الانتماء القبلى بالطرق البرية والسكك حديد،لضمان رفع العزلة – الجغرافية – عنها
• التوسع فى إنشاء المدارس والجامعات فى المناطق التى ترتفع فيها نسبة الانتماء القبلى

دعم المبادرات الأهلية ومنظمات المجتمع المدنى”الاحزاب، الجمعيات التطوعيه” لتطوير المناطق المناطق التى ترتفع فيها نسبة الانتماء القبلى.
• تفعيل الانتماء الوطنى والقومى عبر مناهج التعليم.
• نشر الوعي الاجتماعي والديني، مع ملاحظة ان الوعي اشمل من التعليم، فالتعليم هو شرط للوعي وليس هو الوعي.
• محاربة أنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعى، وتشجيع أنماط التفكير العلمي والعقلاني – غير المتناقض مع الوحي- والتفكير الاجتهادى ، والفهم الصحيح للدين ومحاربة البدع والتقليد.
• تشجيع برامج محو الأمية.
• العمل على تحرير النشاط السياسى والحزبى من القبلية والطائفيه،من خلال اساليب متعددة منها:
ا/ نشر الوعى السياسى.
ب/ السعي – بأساليب ديمقراطية بالاستناد الى الاراده الشعبيه- لصياغة قوانين تضمن تحقيق الطابع الوطنى والقومى للأحزاب السياسية من ناحية البرامج والتمثيل الجغرافى…وحظر كل اشكال التعصب العرقي القبلي و المذهبى والطائفى.
--------------------------
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com