في عدم انعكاس الكلية الموجبة بعكس النقيض الموافق وتطبيقه

اااااااا

اختار الإمام الفخر الرازي رحمه الله ورضي عنه القول بكون التصورات جميعاً ضرورية.
واستدل في إثبات ذلك بأن المفهوم إما مشعور به أو غير مشعور به.
وما يكون مشعوراً به لا يمكن طلبه، إذ كيف تطلب ما تعرفه أصلا؟
وما لا يكون مشعوراً به لا يمكن طلبه، إذ كيف تطلب ما لا تشعر به؟
وما يكون مشعوراً به من وجه غير مشعور به من وجه فالجزء المشعور به لا يمكن طلبه والجزء غير المشعور به لا يمكن طلبه.

وقرر الإمام الكاتبي رحمه الله الاستدلال بهذه الصورة:

كل تصوُّر إمَّا تصوُّر مشعور به وإما تصوُّر غير مشعور به.
وكل تصوُّر مشعور به يمتنع طلبه، وكل تصوُّر غير مشعور به يمتنع طلبه.
إذن: كل تصوُّر يمتنع طلبه (المفصل 61).

وممَّا اعتُرِضَ على قول الإمام الفخر الرازي الآتي (ببعض تصُّرف لما ذكره الإمام الكاتبي في المفصل 1\60-61)...

دعوى الفخر:
(١) كل مشعور به يمتنع طلبه.
(٢) كل غير مشعور به يمتنع طلبه.

فيقال: يلزم من إثبات هاتين القضيَّتين التَّناقض، وفي بيان ذلك طريقان:

الطَّريق الأوَّل:
إذا أجرينا عكس النقيض (أ) لـ (١) فينتج:
(٣) كل ما لا يمتنع طلبه غير مشعور به.

ونضيفه إلى (٢) في قياس من الشَّكل الأوَّل (ب):
(٣) كل ما لا يمتنع طلبه غير مشعور به.
(٢) كل غير مشعور به يمتنع طلبه.
فينتج:
(٤) كل ما لا يمتنع طلبه يمتنع طلبه.
و (٤) متناقضة، والانتقال الصُّوري (في عكس النَّقيض والقياس من الشَّكل الأوَّل) صحيح، فيكون الباطل في المادة، أي بطلان (١) أو (٢) أو كليهما.
الطَّريق الثَّاني:
بعد إجراء عكس النَّقيض (أ).
نعكس (٣) عكساً مستوياً، فينتج:
(٥) بعض غير المشعور به لا يمتنع طلبه.
وبنقض المحمول (ج) ينتج:
(٦) ليس بعض غير المشعور به يمتنع طلبه.
و (٦) نقيض (٢).
فيلزم كذب (١) و (٢) أو إحداهما فينتقض قول الفخر رحمه الله.

ااااااا

والجواب عن هذا الاعتراض بأن عكس النقيض السابق (أ) غير موجب لـ (٣)، لما تحقق من كون السالبة البسيطة أعم من الموجبة معدولة المحمول، لصدق السالبة البسيطة وإن لم يوجد أفراد للموضوع، لكن الموجبة لا بد فيها من وجود الموضوع بمعنى وجود أفراده وإلا لكذبت، كما حققوه...
فلا تلزم الموجبة معدولة المحمول من السالبة البسيطة.
ولذلك قال المتأخرون بعكس النقيض المخالف لانه مقطوع به دون الموافق.

وقد اعترض القطب التحتاني رحمه الله في لوامع الأسرار على تحقيق المتأخرين هذا بتخريج غير مؤثِّر، بأن ليس المتحقق بعكس النقيض معدولة حتى يلزم ما سبق، بل هو سلب الطَّرفَين، فيقول: "ومناط الشُّبهة هاهنا أنَّهم حملوا النَّقيض على العدول، وليس كذلك، فإنَّ نقيض الباء سلبه لا إثبات اللَّاباء. فالمأخوذ في عكس الموجبة موجبة سالبة الطَّرفين، وفي عكس السَّالبة سالبةٌ سالبةُ الطَّرفين" (لوامع الأسرار ط. إيرانية 2\348).
فيقال: حتَّى مع اعتبار المعنى الذي ذكر القطب فإنَّ ما قرَّره المتأخِّرون لازم…
فإنَّ المحكوم عليه في الموجبة الكلِّيَّة بعد عكس النَّقيض الأفراد الذين انتفى عنهم محمول الأصل، وإذ لا يلزم وجود هؤلاء الأفراد فلا يلزم صدق هذه الكلِّيَّة.
أي: إذا كان الأصل (كل أ ب) فعكس النَّقيض الموافق (كل لاب لاأ)، ومعنى هذه القضيَّة كما ذكره القطب أنَّ كلَّ فرد من الأفراد الذين انتفى عنهم ب فقد انتفى عنه أ. لكنَّ هذه القضيَّة لا تصدق إلا إن كان هناك أفراد انتفى عنهم ب، وتحقُّق أفراد انتفى عنهم ب غير لازم من (كل أ ب).
ومعلوم أنَّ من شرط صدق الموجبة وجود أفراد الموضوع، فالموجبة لا تصدق في حال عدم أفراد الموضوع.
فيتحصَّل أنَّ الموجبة الكلِّيَّة (كل أ ب) لا تستلزم صدق (كل لاب لاأ) حتى على تقرير القطب.

ااااااا

إذن:
في حال الموجبة الكلية وكون المحمول أعمَّ الأمور فيكون نقيض المحمول غير موجود الأفراد، فيكون عكس النقيض كاذبا.
كما لو قلت: كل إنسان موجود (خارجية)، فهي صادقة.
ويكذب القول: كل لا موجود لا إنسان (خارجية)، لأنه لا أفراد لـ (لا موجود) -وعلى تقرير القطب: كل فرد ليس موجوداً فهو ليس إنساناً-.
وكذلك: كل إنسان معلوم (حقيقية).
ويكذب: كل لا معلوم لا إنسان (حقيقية) لعدم أفراده الممكنة المقدّرة.

ااااا

فلنعد الآن إلى استدلال الإمام الفخر رحمه الله...

فإنه يقرر أن جميع التصورات يمتنع طلبها، فإذن لا يوجد أفراد لا يمتنع طلبها على قوله، وليكون تقرير الاعتراض صحيحا لا بد من أفراد لا يمتنع طلبها.
فيكون هذا الاعتراض متضمنا المصادرة على المطلوب من حيث ادعاء ثبوت ما يستدل الفخر على انتفائه، ثم بناء الدليل على هذا الادعاء.

وبعبارة أخرى...
لأنه لا يوجد أفراد لا يمتنع طلبها ستكون القضية (٣) كاذبة، فلن تلزم (٤) ولا (٥) ولا (٦)، والقضية (٤) نفسها كاذبة لما سبق من عدم وجود أفراد الموضوع.

اااااااااااااااااااااااااا

الآن فلننظر في صورة الاعتراض السابق، فإن كان...

كل أ ب
كل لاأ ب
فلنجر الخطوات السابقة…

الطريق الأول:
عكس النقيض الموافق:
كل أ ب... كل لاب لاأ.
....
القياس:
كل لاب لاأ
كل لاأ ب
إذن: ((كل لاب ب)). وهو متناقض.

ااااا

الطريق الثاني:
عكس النقيض الموافق:
كل أ ب... كل لاب لاأ.
......
العكس المستوي:
كل لاب لاأ... بعض لاأ لاب
....
نقض المحمول:
بعض لاأ لاب... ((ليس بعض لاأ ب)). وهو مناقض للقضية الأصلية: كل لاأ ب.

اااااااا

يقال هنا: هذه الصورة تستلزم بطلان اجتماع
(كل أ ب) و (كل لاأ ب) مطلقا.

فإذا وجدنا مادة يصدق فيها اجتماع هاتين الكليتين فتكون صورة هذا الاعتراض باطلة.

ويمكن أن نجد مواد تصدق في هاتين القضيتين معاً...

مثل:
كل إنسان معلوم لله تعالى (وقد سبق مثلها).
كل لا إنسان معلوم لله تعالى.
والقضية الأولى واضحة، والثانية واضحة لمن ينتبه لمعنى القضية، فإن معناها أن ((كل فرد فرد)) من أفراد ما ليس بإنسان معلوم لله تعالى. ونحن نجزم بأن كل فرد أيا ما كان معلوم له تعالى، يدخل فيه الإنسان وغيره.
وكذا القضايا التي محمولاتها أعم المحمولات بحيث لا يخرج عنها شيء، أي لا يكون هناك أفراد لنقيضها.

إذن: صورة الاعتراض تتضمن باطلا.
وليس الباطل في المادة ولا القياس ولا العكس المستوي ولا نقض المحمول، فهو إذن في عكس النقيض الموافق للموجبة الكلية.

فيكون هذا دليلا على عدم لزوم (كل لاب لاأ) من (كل أ ب).

ويقال تلخيصا لهذا…

كلما اطَّرد صدق عكس النقيض الموافق للموجبة الكلية كذب اجتماع (كل أ ب) و (كل لاأ ب) في كل مادة.
لكن لا يكذب اجتماع (كل أ ب) و (كل لاأ ب) في كل مادة.
إذن: لا يطَّرد صدق عكس النقيض الموافق للموجبة الكلية.
أي: لا يلزم دائماً صدق (كل لاب لاأ) من (كل أ ب).
فليست عكس نقيضها إذن.
وإذ تصدق (كل لاب لاأ) مع (كل أ ب) في بعض المواد مثل (كل إنسان حيوان) مع (كل لا حيوان لا إنسان) فلا تلزم الموجبة الكلية بعد تبديل نقيض الطرفين ولا تلزم غيرها.
فلا يكون هناك عكس نقيض موافق للموجبة الكلِّيَّة.

ااااااا

تنبيه: يتفرع عن هذا أن قول المنطقيين إن نقيضا المتساويين متساويان وإن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم غير صحيحا بالإطلاق، وإنما يصدقان في حال تحقق أفراد النقيضين.

ااااااااااااااااااااااااااااااا

هذا بحث في محاولة إعادة تحرير لبحوث المتأخرين التي تجاوزوا بها أقوال المتقدمين في المنطق، ممَّا لم يرتضها بعض المتأخِّرين.
ونحن في حاجة إلى إعادة اكتشاف بحوثهم ومناقشاتهم لمن تقدم وفيما بينهم، ليتقدَّم البحث المنطقي ويزداد انضباطا بإذن الله تعالى.

اااااااا

ملحوظة: ليس مقصود هذا البحث بحث مسألة كون جميع التَّصوُّرات ضروريَّة.